Полный текст (683 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
باب ذكر الْمَنَازِلِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضِ مَا جَرَى فِيهَا
ذِكْرُ الكوفة:
٦٢- أخبرنا محمد بن أبي منصور؛ قال: أخبرنا أبو الغنايم بن النرسي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن حاجب، قال: أخبرنا محمد بن هارون، قال: ثنا علي بن الحسين بن أحيد، قال: ثنا علي بن إبراهيم الكرخي الحافظ، قال: ثنا محمد بن الحسن الحلواني، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَمَرَرْنَا بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ يَهْذِي، فَقُلْتُ: اسْكُتْ، فَقَدْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَسَكَتَ، فَلَمَّا حَاذَاهُ الْهَوْدَجُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! حَدَّثَنِي أيمن بن نائل، قال: ثنا قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى عَلَى جَمَلٍ وَتَحْتَهُ رَحْلٌ رَثٌّ، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ طرد، ولا
стр. 107
ضَرْبٌ وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ، قُلْ يَا بُهْلُولُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!
هَبْ أَنَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الْأَرْضَ طُرًّا ... وَدَانَ لك البلاد فَكَانَ مَاذَا
أَلَيْسَ غَدًا مَصِيرُكَ جَوْفُ قَبْرٍ ... ويحثو الترب هذا ثم هذا
قال: أجدت يا بهلول! أفغيره؟
قال: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ جَمَالا وَمَالا فَعَفَّ فِي جَمَالِهِ وَوَاسَى فِي مَالِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْأَبْرَارِ، قَالَ: فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا.
قَالَ: فَإِنَّا قَدْ أَمَرْنَا بِقَضَاءِ دَيْنِكَ.
قَالَ: لا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَقْضِ دَيْنًا بِدَيْنٍ، ارْدُدِ الْحَقَّ إلى أهله، واقض دَيْنَ نَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ.
قَالَ: إِنَّا قَدْ أَمَرْنَا أَنْ يُجْرَى عَلَيْكَ.
قَالَ: لا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا يُعْطِيكَ وَيَنْسَانِي، أَجْري عَلَى الَّذِي أَجْرَى عَلَيْكَ، لا حَاجَةَ لِي في جرايتك.
стр. 108
ذكر العذيب:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَفَاجِيُّ:
وَدَعِ النَّسِيمَ يُعِيدُ مِنْ أَخْبَارِهِ ... فَلَهُ حواشٍ لِلْحَدِيثِ رِقَاقُ
مَا تم من علق العذيب بِغَائِبٍ ... إِلا وَقَدْ شَهِدَتْ بِهِ الْآمَاقُ
وَلَهُ [إذ يقول] :
وَمُهَوِّنٌ لِلْوَجْدِ يَحْسَبُ أَنَّهَا ... يَوْمَ الْعُذَيْبِ مَدَامِعُ وَخُدُودُ
سَلْ بَانَةَ الْوَادِي فَلَيْسَ يَفُوتُهَا ... خَبَرٌ يطول به الجوى ويزيد
وانشر معي ضوء الصباح وقل له ... كم تستطيل به الليالي السود
وإذا هبطت الواديين وفيهما ... دمن حبسن عَلَى الْبِلَى وَعُهُودُ
فَاخْدَعْ فُؤَادِي فِي الْخَلِيطِ لعله ... يهفوا على آثارهم ويعود
أصبابة بالجذع بعد سويقة ... شغل لعمرك يا أميم جدير
ولي من قصيدة:
стр. 109
في شغلٍ عن الرقاد وشاغل ... من هاجه البرق بسفح عاقل
يا صاحبي هذي رياح ربعهم ... قد أخبرت شمائل الشمايل
نسيمهم سحيري الريح ما ... تشبهه روايح الأصايل
مَا لِلصَّبَا مُولَعَةٌ بِذِي الصِّبَا ... أَوَ صَبَا فَوْقَ الْغَرَامِ الْقَاتِلِ
مَا لِلْهَوَى الْعُذَرِيِّ فِي دِيَارِنَا ... أَيْنَ الْعُذَيْبُ مِنْ قُصُورِ بَابِلِ
لا تطلبوا ثَارَاتِنَا يَا قَوْمَنَا ... دِمَاؤُنَا فِي أَذْرُعِ الرَّوَاحِلِ
لله در العيش في ظلالهم ... ولى وكم أسار في المفاصل
واطربا إِذَا رَأَيْتِ أَرْضَهُمْ ... هَذَا وَفِيهَا رَمَيْتُ مُقَاتِلِي
يا طرة الشيخ سُقِيتِ أَدْمُعِيِ ... وَلا ابْتُلِيتِ بِالْهَوَى تَمَايُلِي
مَيْلُكِ عن زَهْوٍ وَمَيْلِي عَنْ أَسًى ... مَا طَرَبُ الْمَخْمُورِ مِثْلُ الثَّاكِلِ
ذِكْرُ فِيدَ:
٦٣- قَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: أنشدنا أَبُو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
стр. 110
سَقَى اللَّهُ حَيًّا بَيْنَ صارةٍ وَالْحِمَى ... حِمَى فيد صوب المرجنات المواطر
آمين وادي الله ركباً إليهم ... بخير ووقاهم حَمَامَ الْمَقَادِرِ
ذِكْرُ الْحَاجِرِ:
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: الْحَاجِرُ مِنَ الْحَجَرِ، وَهُوَ مَحْبَسُ الْمَاءِ، والجمع حجران.
٦٤- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا علي بن أبي صادق، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فَارِسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ خَيْرَ النُّسَّاجِ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ سفره وكان غاب عني سنين، فقلت [له] : ما الذي أصابك في سفرتك؟ فَقَالَ: عَطِشْتُ عَطَشًا شَدِيدًا حَتَّى سَقَطْتُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَإِذَا أَنَا بِمَاءٍ قَدْ رُشَّ على
стр. 111
وَجْهِي، فَلَمَّا أَحَسَسْتُ بِبَرْدِهِ فَتَحْتُ عَيْنَيَّ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ حَسَنِ الْوَجْهِ وَالزِّيِّ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ عَلَى فَرِسٍ أَشْهَبَ، فَسَقَانِي حَتَّى رَوِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ارْتَدِفْ خَلْفِي وَكُنْتُ بِالْحَاجِرِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ، قَالَ: أَيْشِ تَرَى؟ قُلْتُ: الْمَدِينَةَ. قَالَ: انْزِلْ وَاقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنِّيَ السَّلامَ، وَقُلْ: أَخُوكَ الْخَضِرُ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ.
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَفِيهَا: قُلْ لَهُ: رِضْوَانُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ كَثِيرًا.
وَقَالَ مِهْيَارٌ فِي ذِكْرِ الْحَاجِرِ:
يَا قَلْبُ صَبْرًا عَسَاكَ حِينَ ... حُرِمْتَ الْوَصْلَ تُعْطَى مَثُوبَةَ الصَّابِرِ
حِجْرٌ عَلَيْكَ الْإِطْرَابُ بَعْدَ لَيَالِيكَ ... اللَّوَاتِي انْطَوَتْ عَلَى حَاجِرِ
ذَلِكَ عَهْدٌ تأسى بشاشته ... أسعد حظاً مِنَ الذَّاكِرِ
وَلَهُ:
أَهْفُو لِعُلْوَى الرِّيَاحِ إِذَا جرت ... وأظن رامه كل دار أقفرت
ويشوقني روض الحمى متنفساً ... يصف الترايب وَالْبُرُوقَ إِذَا سَرَتْ
стр. 112
يَا دِينَ قَلْبِي مِنْ لَيَالِي حَاجِرٍ ... مَكَرَتْ به يوماً عَلَيْهِ وَانْقَضَتْ
وَلَهُ:
أَسِفْتُ لِحُلْمٍ كَانَ لِي يَوْمَ بَارِقٍ ... فَأَخْرَجَهُ جَهْلُ الصَّبَابَةِ عَنْ يَدِي
وَمَا زِلْتُ أَبْكِي كَيْفَ حُلَّتْ بِحَاجِرٍ ... قُوًى جَلَدَى حَتَّى تَدَاعَى تَجَلُّدِي
تَحَرَّشَ بِأَحْقَافِ اللِّوَى عُمِّرَ سَاعَةً ... وَلَوْلا مَكَانَ الرَّيْبِ قُلْتُ لَكَ ازدد
وقل صاحب لي ضَلَّ بِالرَّمْلِ قَلْبُهُ ... لَعَلَّكَ أَنْ يَلْقَاكَ هَادٍ فيهتدي
وسلم على ما بِهِ بَرَدُ غُلَّتِي ... وَظِلِّ أَرَاكٍ كَانَ لِلوَصْلِ مَوْعِدِي
وَقُلْ لِحَمَامِ الْبَانَتَيْنِ مُهَنِّئًا ... تَغَنَّ خَلِيًّا من غرام وَغَرِّدِ
أَعِنْدَكُمْ يَا قَاتِلِينَ بَقِيَّةٌ ... عَلَى مُهْجَةٍ إِنْ لَمْ تَمُتْ فَكَانَ قَدِ
وَيَا أَهْلَ نجد كيف بالغور بعدكم ... بَقَاءُ تِهَامِيٍّ يَهِيمُ بِمُنْجِدِ
مَلَكْتُمْ عَزِيزًا رِقُّهُ فَتَعَطَّفُوا ... عَلَى مُنْكِرٍ لِلذُّلِ لَمْ يَتَعَوَّدِ
وَلَهُ:
يَا لَيْلَتِي بِحَاجِرٍ ... إِنْ عَادَ مَاضٍ فَارْجِعِي
أرض بِأَخْبَارِ الرَّيَاحِ ... وَالْبُرُوقِ الْلُمَّعِ
وَأَيْنَ مِنْ بَرْقَ اللوى ... شايمه بلعلع
стр. 113
ولأبي فراس:
لولا تذكر مَنْ ذَكَرْتُ بِحَاجِرٍ ... لَمْ أَبْكِ فِيهِ مَوَاقِدَ النيران
يا واقفين معي على الدار طلبا ... غيري لها إِنْ كُنْتُمَا تَقِفَانِ
مَنَعَ الْوُقُوفَ عَلَى الْمَنَازِلِ طارق ... أمر الدموع بمقلتي ونهاني
إنا ليجمعنا الْبُكَاءِ وَكُلُّنَا ... نَبْكِي عَلَى شَجَنٍ مِنَ الْأَشْجَانِ
ذِكْرُ شَجَرِ أُمِّ غَيْلانَ:
قَالَ شَاهُ بْنُ شُجَاعٍ الْكِرْمَانِيُّ: دَخَلْتُ الْبَادِيَةَ، فَرَأَيْتُ غُلامًا أَمْرَدَ وكأنه مُوَسْوَسٌ لا يَأْلَفُ أَهْلَ الْقَافِلَةِ، فَسَاعَةً يُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ، وَسَاعَةً يَصِيحُ، فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ فِي شأنه، وأين معاشه، وما كان معه زاد ولا غطاء ولا وطاء، فراقبته يوماً، فدخل وسط أشجار أُمِّ غَيْلانَ، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا هُوَ يَجْنِي مِنْ شجرة شيئاً يأكله، فلما بصرني أَنْشَأَ يَقُولُ:
بِاعْتِزَالِي عَنْكُمُ فِي الْخَلَوَاتِ ... صَارَ طعمي التمر وسط الفلوات
стр. 114
باب ذكر الأميال وما جَرَى عِنْدَهَا وَفِي الطَّرِيقِ
٦٥- أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: أخبرنا ابن جهيم، قال: حدثني عبد العزيز بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن محمد بن كيلويه، قال: حدثني سمسون، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السَّقَّا (وَكَانَ قَدْ حَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ نَيْسَابُورَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً، وَكَانَ عَادَتُهُ الرُّكُوعَ عِنْدَ كُلِّ مِيلٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِتَشْهَدَ لَهُ الْبِقَاعُ) ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى مِيلٍ أُصَلِّي، فَلَمَّا اسْتَفْتَحْتُ الصَّلاةَ وَرَفَعْتُ يَدَيَّ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحَرَامِ، دَاخَلَنِي شَيْءٌ مِنْ جنس القرب، فزال عَقْلِي، فَمَكَثْتُ فِي مَوْضِعِي ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدَخَلْتُ الْمَنْزِلَ، فَوَجَدْتُهُ آخِرَ الشَّهْرِ.
٦٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحسن ثمك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلَّوْشَ الدَّيْنَوَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيُّ يَقُولُ: كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ، فَخَطَرَ لِي
стр. 115
خَاطِرٌ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ إِلَى جَانِبِ مِيلٍ عَلَيْهِ خِرْقَتَانِ وَهُوَ يَنْزِعُ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي! قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيَّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَنَا إِنْ مِتُّ والهوى حشو قلبي ... فبداء الهوى يموت الكرام
وشهق فيها شهقته كَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، فَكَفَّنْتُهُ فِي أَطْمَارِهِ وَرَجَعْتُ.
٦٧- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه الشيرازي، قال: ثنا عبد الواحد بن بكر الورثاني، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد المارستاني، قال: ثنا محمد بن عيسى القرشي، قال: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْهَبِ السَّائِحُ، قَالَ: رَأَيْتُ بَيْنَ الثعلبية والخزيمية غلاماً قائماً
стр. 116
يصلي عند بعض الْأَمْيَالِ قَدِ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قطع صَلاتَهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: مَا مَعَكَ مُؤْنِسٌ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: أَمَامِي ومعي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعنْ شِمَالِي وَفَوْقِي، فَعَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةً.
فَقُلْتُ: أَمَا مَعَكَ زَادٌ؟
قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟
قَالَ: الْإِخَلاصُ لله ، والتوحيد له، وَالْإِقْرَارُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِيمَانٌ صادق، وتوكل واثق.
قلت: هل لك في مرافقتي؟ قَالَ: الرَّفِيقُ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ وَلا أُحِبُّ أَنْ أُرَافِقَ أَحَدًا فَأَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
قُلْتُ: أَمَا تَسْتَوْحِشُ فِي هَذِهِ البَرِّيَّةِ وَحْدَكَ؟
فَقَالَ: إِنَّ الْأُنْسَ بِاللَّهِ قَطَعَ عَنِّي كُلَّ وَحْشَةٍ حَتَّى لَوْ كُنْتُ بَيْنَ السِّبَاعِ ما خفتها ولا استوحشت منها.
قلت: فَمِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟
قَالَ: الَّذِي غَذَّانِي فِي ظلم الأرحام صغيراً قد تَكَفَّلَ بِرِزْقِي كَبِيرًا.
قُلْتُ: فَفِي أَيِّ وَقْتٍ تَجِيئُكَ الْأَسْبَابُ؟ فَقَالَ لِي: حَدٌّ مَعْلُومٌ وَوَقْتٌ
стр. 117
مَفْهُومٌ إِذَا احْتَجْتُ إِلَى الطَّعَامِ أَصَبْتُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كُنْتُ، وَقَدْ عَلِمَ مَا يُصْلِحُنِي وهو غير غافل عني. قلت: لك حاجة؟ قال: نعم، إن رأيتني لا تُكَلِّمْنِي ولا تُعْلِمْ أَحَدًا أَنَّكَ تَعْرِفُنِي. قُلْتُ: لك ذلك، فهل حاجة غيرها؟
قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَنْسَانِي فِي دُعَائِكَ وَعِنْدَ الشَّدَائِدِ إِذَا نزلت بك، فافعل.
قلت: كيف يدعوا مِثْلِي لِمِثْلِكَ وَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي خَوْفًا وَتَوَكُّلا؟ فَقَالَ: لا تَقُلْ هَذَا، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ لله قَبْلِي وَصُمْتَ قَبْلِي، وَلَكَ حَقُّ الْإِسْلامِ وَمَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ. قُلْتُ: فَإِنَّ لِي أَيْضًا حَاجَةً. قَالَ: وما هي؟ قلت: ادع الله [تعالى] لِي. قَالَ: حَجَبَ اللَّهُ طَرْفَكَ عَنْ كُلِّ معصية، وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه؛ حَتَّى لا يَكُونَ لَكَ هَمٌّ إِلا هُوَ.
قُلْتُ: يَا حَبِيبِي مَتَى أَلْقَاكَ وَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِلِقَائِي فِيهَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ، فَإِنَّهَا مَجْمَعُ الْمُتَّقِينَ، فإياك أن تخالف الله [ ] فيما أمرك وندبك إليه وإن كنت تبغي لقائي، فاطلبني مع الناظرين إلى الله تعالى في زمرتهم.
стр. 118
قلت: وكيف علمت ذاك؟
قَالَ: بِغَضِّ طَرْفِي لَهُ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ، وَاجْتِنَابِي فِيهِ كُلَّ مُنْكَرٍ وَمَأْثَمٍ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَ جَنَّتِيَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَاحَ وَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى غَابَ عَنْ بَصَرِي.
٦٨- أَخْبَرَنَا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محفوظ بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، قال: ثنا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حُكِيَ أنَّ بَعْضَ المترفين مال إلى طريقة المتصوفة، واستشرف لِصُحْبَتِهِمْ وَالاخْتِلاطِ بِهِمْ، فَشَاوَرَ فِي هَذَا بَعْضَ مَشْيَخَتِهِمْ، فَرَدَّهُ عَمَّا تَشَرَّفَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا وحذره، فأبت نفسه الإجابة مَا جَذَبَتْهُ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، فَمَالَ إِلَى فَرِيقٍ من هذه الطائفة فعلق بِهِمْ، ثُمَّ صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَجِّ فَعَجَزَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَنْ مُسَايَرَتِهِمْ وَقَصَّرَ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، فَمَضَوْا وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ، فَاسْتَنَدَ إِلَى بَعَضِ الْأَمْيَالِ إِرَادَةَ الاسْتِرَاحَةِ مِنَ الإعياء والكلال، فمر به الشَّيْخُ الَّذِي شَاوَرَهُ فِيمَا حَصَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَسَنَّمَهُ، فَنَهَاهُ وَحَذَّرَهُ، فقال هذا الشيخ مخاطبا له:
إن الذين بخير كنت تذكرهم ... قضو عليك وعنهم كنت أنهاكا
فقال له الفتى: فما أصنع الآن؟ فقال له:
لا تطلبن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا
стр. 119
٦٩- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بن أحمد النجار، قال: سمعت أبو بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فإذا أنا بهميان مملوء، تلتمع منه الدنانير، فهممت أن آخذه وأحمله إِلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ مِنْ وَرَائِي: إِنْ أَخَذْتَهُ سَلَبْنَاكَ فَقْرَكَ.
٧٠- أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى جَمَلٍ، فَغَاصَتْ رِجْلُ الْجَمَلِ فِي الرَّمْلِ، فَقُلْتُ: جَلَّ اللَّهُ، فَقَالَ الْجَمَلُ: جَلَّ الله.
٧١- أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو سعد، قال: ثنا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الفارس، قال: أخبرني أبو علي الروذباري، قال: سمعت بنان الْحَمَّالَ يَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وحدي، فاستوحشت، فإذا بهاتف يهتف بي: يا بنان نقضت العهد، لم تستوحش؟ أليس
стр. 120
حبيبك معك؟
٧٢- أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: ثنا عبد العزيز القرمسيني، قال: ثنا ابن جهضم، قال: ثنا الخلدي، قال: ثنا ابْنُ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، إِذْ رَأَيْتُ رَجُلا مَغْرِبِيِّا عَلَى بَغْلٍ، وَبَيْنَ يديه مناد ينادي: من أصاب همياناً له ألف دينار؟ فإذا إنسان أعرج عَلَيْهِ، أَطْمَارٌ رَثَّةٌ يَقُولُ لِلمَغْرِبِيِّ:
أَيْشِ عَلامَةُ الهميان؟ فقال: كذا وكذا وفيه بضائع لقوم، وَأَنَا أُعْطِي مِنْ مَالِي أَلْفَ دِينَارٍ.
فَقَالَ الْفَقِيرُ: مَنْ يَقْرَأُ الْكِتَابَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. قَالَ: اعْدِلُوا بِنَا نَاحِيةً. فَعَدَلْنَا، فَأَخْرَجَ الْهِمْيَانَ، فَجَعَلَ المغربي يقول: حبتين لفلانة بنت فلان بخمس مئة دينار، وحبة لفلان بمئة دِينَارٍ، وَجَعَلَ يَعُدُّ، فَإِذَا هُوَ كَمَا قَالَ، فحل المغربي هميانه، وقال: خُذْ أَلْفَ دِينَارٍ الَّتِي وَعَدْتُ عَلَى وِجَادَةِ الهميان.
فقال الأعرج: لَوْ كَانَ قِيمَةُ الْهِمْيَانِ عِنْدِي بَعْرَتَيْنِ مَا كُنْتَ تَرَاهُ؟ فَكَيْفَ آخُذُ مِنْكَ أَلْفَ دِينَارٍ على ما هذه قِيمَتُهُ، وَمَضَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَالَ عبد الله بن خالد الطوسي لَمَّا خَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى مَكَّةَ، فُرِشَ لَهُ من العراق إلى الحجاز اللبود والمرغزي، وَكَانَ حَلَفَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًّا رَاجِلا فَاسْتَنَدَ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَ إِلَى مِيلٍ، فَإِذَا بِسَعْدُونَ الْمَجْنُونُ قَدْ عَارَضَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
هَبِ الدُّنْيَا تُوَاتِيكَ ... أَلَيْسَ الْمُوتُ يَأْتِيكَ
стр. 121
فما تصنع بالدنيا ... وظل الميل يكفيك
أيا طَالِبَ الدُّنْيَا ... دَعِ الدُّنْيَا لِشَانِيكَ
كَمَا أَضْحَكَكَ الدَّهْرُ ... كَذَاكَ الدَّهْرُ يُبْكِيكَ
فَشَهَقَ الرَّشِيدُ شَهْقَةً [و] خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَتْهُ ثَلاثُ صَلَوَاتٍ.
стр. 122
باب ذكر نبذة من أخبار صَالِحِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ
٧٣- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قال: أخبرنا علي بن عبد الله الحيري، قال: ثنا ابن باكويه الشيرازي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد المالكي، قال: ثنا يوسف بن أحمد البغدادي، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِيِّ، قَالَ: حَجَجَتُ أَنَا وأبو سليمان [الداراني] ، فِبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرِ، إِذْ سَقَطَتِ السَّطْيحَةُ مِنِّي وكان برداً شديداً، فأخبرت أبا سليمان، فقال: سلم وصل على محمد، وقل: يا راد الضالة ويا هادياً من الضلالة رد الضالة، فإذا بواحد ينادينا، من ذهبت له سطيحة، فأخذتها منه.
فقال لي أبو سليمان: لا تتركنا بلا ماء، فبينا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ طِمْرَانَ رثان وقد درعنا بِالْفِرَاءِ مَنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَهُوَ يَرْشَحُ عَرَقًا.
فقال له: يا شيخ! ألا ندثرك ببعض ما معنا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا دَارَانِيُّ!
стр. 123
الحر والبرد خلقان لله، إِنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَغْشَيَانِي، أَصَابَانِي، وَإِنَّ أَمْرَهُمَا أَنْ يَتْرُكَانِي، تَرَكَانِي، يَا دَارَانِيُّ! تَصِفُ الزُّهْدَ وتخاف من البرد، وأنا شيخ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً مَا انْتَفَضْتُ وَلا ارْتَعَدْتُ، يُلبِسُنِي فِي الْبَرْدِ فَيْحًا من محبته، ويلبسني في الصيف مَحَبَّتِهِ، ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: يَا دَارَانِيُّ! تَبْكِي وَتَصِيحُ وَتَسْتَرِيحُ إِلَى التَّرْوِيحِ. فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَمْ يَعْرِفْنِي غَيْرُهُ.
٧٤- أَخْبَرَنَا أَبُو بكر، قال: أخبرنا علي، قال: ثنا ابن باكويه، قال: أخبرنا أبو الحسن الحنظلي، قال: أخبرنا أحمد بن علي الإصطخري، قال: أخبرنا أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلاءِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَكَثْنَا أياماً فلم نَجِدْ مَا نَأْكُلُ، فَوَقَعْنَا إِلَى حَيٍّ فِي البرية، فإذا أعرابية وَعِنْدَهَا شَاةٌ، فَقُلْنَا لَهَا: بِكَمْ هَذِهِ الشَّاةُ؟ فَقَالَتْ: بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا. فَقُلْنَا لَهَا: أَحْسِنِي. فَقَالَتْ: بِخَمْسَةِ دِرَاهِمَ. فَقُلْنَا لَهَا: تَهْزَئِينَ؟ فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ سَأَلْتُمُونِي الْإِحْسَانَ، وَلَوْ أَمْكَنَنِي لَمْ آخُذْ شَيْئًا.
فَقَالَ ابْنُ الْجَلاءِ: أَيْشِ مَعَكُمْ؟ قلنا: ست مئة دِرْهَمٍ. فَقَالَ: أَعْطُوهَا وَاتْرُكُوا الشَّاةَ عَلَيْهَا. فَمَا سَافَرْنَا سَفْرَةً أَطْيَبَ مِنْهَا.
٧٥- أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ، ابْنُ عبد الملك وابن ناصر، قالا: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، قَالَ: قَرَأَ عَلَى ابْنِ شَاذَانَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ أخبرهم، قال: ثنا محمد بن يونس، قال: ثنا الأصمعي، قال: ثنا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: كُنَّا بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَبَيْنَ أَيْدِينَا سُفْرَةٌ لَنَا نَتَغَدَّى فِي يَوْمٍ قَائِظٍ، فَوَقَفَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ
стр. 124
وَمَعَهُ جَارِيةٌ لَهُ زِنْجِيَّةٌ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ! أفيكم أحد يقرأ كلام الله [ ] حتى يكتب لي كتاباً؟ قال: قلت: أصب من غذائنا حَتَّى نَكْتُبَ لَكَ مَا تُرِيدُ. قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَعَجِبْنَا مِنْ صَوْمِهِ فِي تِلَكَ البَرِّيَّةِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ غَدَائِنَا، دَعَوْنَا بِهِ فَقُلْنَا: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ! إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ كَانَتْ وَلَمْ أَكُنْ فِيهَا، وَسَتَكُونُ وَلا أَكُونُ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَعْتِقَ جَارِيَتِي هَذِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ لِيَوْمِ العقبة.
تدري ما يوم العقبة؟ قوله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فك رقبة﴾ . اكتب ما أقول لك ولا تزيدن علي حرفاً: هذه فلانة خادم فلان، قد أعتقها لوجه الله تعالى وَلِيَوْمِ الْعَقَبَةِ.
قَالَ شَبِيبٌ: فَقَدِمْتُ الْبَصْرَةَ وَأَتَيْتُ بغداد فحدثت بهذا الحديث المهدي، فقال: مئة نَسَمَةٍ تُعْتَقُ عَلَى عُهْدَةِ الْأَعْرَابِيِّ.
٧٦- أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بن علي، قال: أخبرنا ابن العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: ثنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: ثنا ابن الجنيد، قال: ثنا محمد بن الحسين، قال:
стр. 125
حدثني الصلت بن حكيم، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ السَّمَّاكِ عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُ الْبَادِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: لَوْ تَطَالَعَتْ قُلُوبُ المؤمنين بفكرها إِلَى مَا ادُّخِرَ لَهَا فِي حُجُبِ الْغُيُوبِ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ، لَمْ يَصْفُ لَهُمْ عَيْشٌ، وَلَمْ تَقَرَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْنٌ.
٧٧- أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، وأخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا أبو محمد بن السراج، قالا: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سمعت الْخُلْدِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَبَقِيتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لا أَطْعَمُ فِيهَا طَعَامًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، رَأَيْتُ كُوخًا وَفِيهِ غُلامٌ، فَقَصَدْتُ الْكُوخَ، فَرَأَيْتُ الْغُلامَ قائماً يصلي، فقلت في نفسي بالعشي يجيء إِلَى هَذَا طَعَامٌ فَآكُلُ مَعَهُ. فَبَقِيتُ تِلْكَ الليلة، والغد وبعد غد ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَجِئْهُ أَحَدٌ بِطَعَامٍ، فَقُلْتُ: هذا شيطان ليس هذا من الناس، فتركته وانصرفت، فلما كان بعض وَقْتٍ أَنَا قَاعِدٌ فِي مَنْزِلِي إِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ ادْخُلْ. فَدَخَلَ علي الغلام، فقال: يَا جَعْفَرُ! أَنْتَ كَمَا سُمِّيتَ جَاعَ فَرَّ.
٧٨- أنبأنا عبد الوهاب، قال: أنبأنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن الحسن الضراب، قال: ثنا أبي، ثنا أحمد بن مروان، قال: ثنا
стр. 126
عبد الرحمن بن مرزوق، قال عبد الرزاق: عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: حَجَّ الْحَجَّاجُ فَنَزَلَ بَعْضَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فدعا بالغداء.
وقال لحاجبه: انظر من يتغذى مَعِي وَاسْأَلْهُ عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ، فَنَظَرَ نَحْوَ الْجَبَلِ، فَإِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ بَيْنَ شَمْلَتَيْنِ مِنْ شَعْرٍ نَائِمٍ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: ائْتِ الْأَمِيرَ، فأتاه.
فقال له الحجاج: اغسل يدك وتغذ مَعِي. فَقَالَ: إِنَّهُ دَعَانِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ منك فأجبته.
قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى دَعَانِي إِلَى الصَّوْمِ فَصُمْتُ. قَالَ: فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ؟! قَالَ: نَعَمْ، صُمْتُ لِيَوْمٍ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.
قَالَ: فَأَفْطِرْ، وَتَصُومُ غَدًّا. قَالَ: إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْبَقَاءَ إلى غد.
قال: ليس ذاك لِي. قَالَ: فَكَيْفَ تَسْأَلُنِي عَاجِلا بِآجِلٍ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَالَ: إِنَّهُ طَعَامٌ طَيِّبٌ، قَالَ: لَمْ تُطَيِّبْهُ أَنْتَ وَلا الطَّبَّاخُ، وَلَكِنْ طَيَّبَتْهُ العافية.
٧٩- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا علي بن عبد الله الصوفي، قال: ثنا محمد بن داود الدينوري، قال: حدثني أبو زكريا الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: تُهْتُ فِي بَادِيَةِ الْعِرَاقِ
стр. 127
أَيَّامًا كَثِيرَةً لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَرْتَفِقُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ، رَأَيْتُ فِي الْفَلاةِ خباء شعر مضروب فَقَصَدْتُهُ، فَإِذَا بَيْتٌ وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مُسْبَلٌ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ مِنْ دَاخِلِ الْخِبَاءِ، وَقَالَتْ: يا إنسان! من أين أنت أَقْبَلْتَ؟
قُلْتُ: مِنْ مَكَّةَ. قَالَتْ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: الشَّامَ. فَقَالَتْ: أَرَى شَبَحَكَ شَبَحَ إِنْسَانٍ بَطَّالٍ، أَلا لَزِمْتَ زَاوِيَةً تَجْلِسُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيكَ الْيَقِينُ ثُمَّ تَنْظُرُ هَذِهِ الْكِسْرَةَ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُهَا؟ ثُمَّ قَالَتْ: تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: اقْرَأْ عَلَيَّ آخِرَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فَقَرَأْتُهَا فَشَهِقَتْ وَأُغْمِيَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفَاقَتْ بعد هوى، قرأت هي الآيات فأخذت قراءتها مني أَخْذًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا إِنْسَانُ! اقْرَأْهَا ثَانِيَةً، فَقَرَأْتُهَا فَلَحِقَهَا مَثْلُ مَا لَحِقَهَا فِي الْأَوَّلِ وَبَقِيَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ تُفِقْ.
فقلت: كيف استكشف حالها مَاتَتْ أَمْ لا؟ فَتَرَكْتُ الْبَيْتَ عَلَى حَالِهِ وَمَشَيْتُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مِيلٍ، فَأَشْرَفْتُ عَلَى وَادٍ فِيهِ أَعْرَابٌ، فَأَقْبَلَ إِلَيَّ غُلامَانِ مَعَهُمَا جَارِيَةٌ، فَقَالَ أَحَدُ الْغُلامَيْنِ: يَا إِنْسَانُ! أَتَيْتَ البيت فِي الْفَلاةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قلت: نعم. قال: قتلت العجوز ورب الكعبة، فرجعت معهم حتى أتيت البيت، فدخلت الجارية فكشفت عنها وإذا هِيَ مَيْتَةٌ، فَأَعْجَبَنِي خَاطِرُ الْغُلامِ، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: مَنْ هَذَانِ الْغُلامَانِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ أُخُتُهُمْ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً مَا تَأْنَسُ بِكَلامِ النَّاسِ، تَأْكُلُ فِي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَكْلَةً وَشَرْبَةً.
стр. 128
٨٠- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد البزوغاني، قال: أخبرنا أبو الحسن القزويني، قال: أخبرنا يوسف القواس، قال: ثنا أبو الفضل الخراساني، قال: ثنا أبو سعيد بن علي، قال: ثنا الأصمعي، قال: كنت في البادية أُعَلِّمُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا أَنَا بِأَعْرَابِيٍّ بِيَدِهِ سَيْفٌ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي لِيَأْخُذَ ثِيَابِي، قَالَ لِي: يَا حَضَرِيُّ! مَا أَدْخَلَكَ الْبَدْوَ؟ قُلْتُ: أُعَلِّمُ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَمَا الْقُرْآنُ؟ قُلْتُ: كَلامُ اللَّهِ . قَالَ: وَلِلَّهِ كَلامٌ؟ قلت: نعم. قال: فأنشدي مِنْهُ بَيْتًا. قُلْتُ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعدون﴾ .
قال: فرمى بالسيف مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، رِزْقِي فِي السَّمَاءِ، وَأَنَا أَطْلُبُهُ فِي الْأَرْضِ! ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ: أَلَسْتُ
стр. 129
صَاحِبَكَ بِالْأَمْسِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَأَنْشِدْنِي بَيْتًا آخَرَ. قُلْتُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مثلما أنكم تنطقون﴾ . فوقف، وبكى، وجعل يقول: من أَلْجَأَهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا.
وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ، قال: بينا أنا أسير في بعض الطرق إذ أَنَا بِغُلامٍ وَاقِفٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقِّي. قُلْتُ: وَمَا حَقُّكَ؟ قَالَ: أَنَا غُلامٌ عَلَى مذهب إبراهيم الخليل ﵇ لا أتغذى وَلا أَتَعَشَّى حَتَّى أَسِيرَ الْمِيلَ وَالْمِيلَيْنِ فِي طلب ضيفٍ، فأجبته إلى ذاك، فرحب بي وسرت معه حتى قريباً من خيمة، فصاح: يا أختاه! فأجابته: يا لبيكاه. قال: قُومِي إِلَى ضَيْفِنَا. فَقَالَتْ: حَتَّى أَبْدَأَ بِشُكْرِ الْمَوْلَى الَّذِي سَبَّبَ لَنَا الضَّيْفَ، فَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ وَأَخَذَ الْغُلامُ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ عِنَاقًا، فَلَمَّا جَلَسْتُ في الخيمة، نظرت على جارية من أحسن الناس وجهاً وكنت أُسَارِقُهَا النَّظَرَ، فَفَطِنَتْ فَقَالَتْ: مَهْ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّ زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، فَلَمَّا نِمْتُ بِالْلَيْلِ، سَمِعْتُ دَوِّيَ الْقُرْآنِ طُولَ الْلَيْلِ.
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قُلْتُ لِلْغُلامِ: مَنْ كَانَ ذلك؟ قَالَ: أُخْتِي تُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ إِلَى الصَّبَاحِ. فَقُلْتُ: يَا فَتَى! أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ أُخْتِكَ لِأَنَّكَ رَجُلٌ وَهِيَ امْرَأَةٌ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: وَيْحَكَ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مُوَفَّقٌ وَمَخْذُولٌ.
стр. 130
باب ثواب من سقى في طريق مكة ماء أَوْ فَعَلَ خَيْرًا
اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ مَا وَافَقَتْ فَاقَةَ مُحْتَاجٍ، وَفِعْلُ الْخَيْرِ فِي تلك الطرق أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ فِي غَيْرِهَا، لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ، ثَمَّ أَشَدُّ مِنْ مسها في غيره.
والثاني: أنه لا بلد [ثم] يُلْجَأُ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ لِقُوَّةِ بُخْلِهَا بِالشَّيْءِ مَخَافَةَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: لِأَنَّهُ إِعَانَةُ الْقَاصِدِينَ عَلَى الْقَصْدِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُفَضَّلُ هُنَالِكَ ما بالحاجة إِلَيْهِ أَمَسُّ، كَسَقْيِ الْمَاءِ، وَحَمْلِ الْمُنْقَطِعِ.
٨١- أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، قال: حدثني الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ لَفْظًا، قَالَ: وَجَدْتُ بخط أبي
стр. 131
الفتح القواس: ثنا صدقة بن هبيرة، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الزَّمَنُ: رَأَيْتُ زُبَيْدَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ قالت: غفر الله لِي فِي أَوَّلِ مِعْوَلٍ ضُرِبَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الصُّفْرَةُ فِي وَجْهِكِ؟
قَالَتْ: دُفِنَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بشر المريسي زفرت جهنم عليه زَفْرَةً فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، فَهَذِهِ الصُّفْرَةُ مِنْ تلك الزفرة.
стр. 132
باب ذكر حدود الحرم
حدود الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت غفار على ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن طرف أضاءة لبن على سبعة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة على أحد عشر ميلاً كذلك، ذكره الأزرقي.
وقال غيره: على سبعة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمنقطع، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد على تسعة أميال، ومن طريق جدة منقطع الأعشاس على عشرة أميال.
فصل
وَأَوَّلُ مَنْ نَصَبَ حُدُودَ الْحَرَمِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا قَلَعُوهَا فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] ، فجاءه جبريل، فقال: يَا مُحَمَّدُ! اشْتَدَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أما إنهم سيعيدونها. فرأى
стр. 133
رجل منهم في المنام قائلاً يقول: حرم أعزكم اللَّهُ بِهِ نَزَعْتُمْ أَنْصَابَهُ، الآنَ تَخَطَّفَكُمُ الْعَرَبُ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي مَجَالِسِهِمْ فَأَعَادُوهَا.
فَجَاءَ جبريل وقال: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ أَعَادُوهَا. قَالَ: أَفَأَصَابُوا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: مَا وَضَعُوا مِنْهَا نَصْبًا إِلا بِيَدِ مَلَكٍ.
٨٢- وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: نَصَبَ إبراهيم أنصاب الحرم يريه جبريل، ثم لم تحرك حتى كان قصي فجددها، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، فَبَعَثَ عَامَ الْفَتْحِ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَهَا، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتَّى كَانَ عُمَرُ بن الخطاب، فبعث أربعة من قريش فجددوها، [وهم] : مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ، ثم جددها معاوية ثُمَّ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِتَجْدِيدِهَا.
стр. 134
فَصْلٌ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا السَّبَبُ فِي أن بعض حدود الحرم يقرب من مكة وبعضها يبعد، ولم لم تجعل على قانون واحد؟
ففيه أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا:
٨٤- مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جبير عن ابن عباس، قَالَ:
لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ خَرَّ سَاجِدًا يَعْتَذِرُ، فأرسل الله تعالى إليه جبريل بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدْ قُبِلَتْ تَوْبَتُكَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّمَا أَتَلَهَّفُ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنَ الطَّوَافِ بِعَرْشِكَ مَعَ مَلائِكَتِكَ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي سَأُنْزِلُ إليك بيتاً أجعله قبلة، فأهبط الله إليه الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَكَانَ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ تَلْتَهِبُ الْتِهَابًا، وَلَهُ بَابَانِ شَرْقِيٌّ وَغَرْبِيٌّ، قَدْ نُظِّمَتْ حِيطَانُهُ بِكَوَاكِبَ بِيضٍ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْبَيْتُ فِي الْأَرْضِ، أَضَاءَ نُورُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَنَفَرَتْ لِذَلِكَ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ وَفَزِعُوا فَارْتَقَوْا فِي الْجَوِّ يَنْظُرُونَ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ النُّورُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ مِنْ مَكَّةَ، أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ الاقتراب إليه، فأرسل الله تعالى مَلائِكَةً فَقَامُوا حَوَالَيِ الْحَرَمِ فِي مَكَانِ الْأَعْلامِ اليوم فمنعتهم، فمن ثم ابتدئ اسم الحرم.
стр. 135
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ اشتد بكاؤه، فوضع الله [ ] لَهُ خَيْمَةً بِمَكَّةَ مَوْضِعَ الْكَعْبَةِ قِبْلَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتِ الْخَيْمَةُ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِيهَا ثلاث قَنَادِيلَ، فِيهَا نُورٌ يَلْتَهِبُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَانَ ضَوْءُ النُّورِ يَنْتَهِي إِلَى مَوَاضِعَ الْحَرَمِ، وَحَرَسَ الله تعالى تلك الخيمة بملائكة، فكانوا يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه ويذودون عن سُكَّانَ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ، رَفَعَهَا إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇ لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ، قَالَ لإسماعيل: أَبْغِنِي حَجَرًا أَجَعَلُهُ لِلنَّاسِ آيَةً. فَذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ [﵇] ورجع ولم يأته بشيء، وَوَجَدَ الرُّكْنَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لك هذا؟ قال: جاء بِهِ مَنْ لَمْ يَكِلْنِي إِلَى حَجَرِكَ، جَاءَ به جبريل فوضعه إبراهيم فِي مَوْضِعِهِ هَذَا، فَأَنَارَ شَرْقًا وَغَرْبًا وَيَمِينًا وشمالاً، فحرم الله الحرم حيث انتهى نور الركن وإشرافه مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
стр. 136
والرابع: أن آدم ﵇ لما أهبط إِلَى الْأَرْضِ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، فاستعاذ بالله تعالى فأرسل الله تعالى مَلائِكَةً، حَفُّوا بِمَكَّةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَوَقَفُوا حَوَالَيْهَا، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ مِنْ حَيْثُ كانت الملائكة وقفت.
قال عبد الله بن عمر: وَالْحَرَمُ حَرَامٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: كانوا يرون أن العرش على الحرم.
стр. 137
باب ذكر تعظيم حرمة الحرم
قال الله : ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ لَفْظُ هَذِهِ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ فِيمَنْ جَنَى قَبْلَ دُخُولِهِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ، إِلا أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَنَى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ وَرَدَّ الْأَمَانَ، فَبَقِيَ حُكْمُ الْآيَةِ فِيمَنْ جَنَى خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ.
وَقَدِ اختلف الفقهاء في ذلك:
فقال أحمد: رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: إِذَا قَتَلَ، أَوْ قَطَعَ يَدًّا أَوْ أَتَى حَدًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَكِنْ، لا يُبَايَعْ وَلا يُشَارَى وَلا يُؤَاكَلْ حَتَّى يَخْرُجَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قتل ثم لجأ، لم يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فإنه يقام عليه الحد وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: يقام عليه الحد في النفس وفيما دُونَ النَّفْسِ، وَفِي الْآيَةِ دَلَيلٌ عَلَى صِحْةِ مَذْهَبِنَا، وَقَدْ أَلْهَمَ اللَّهُ الْحَيَوَانَ البهيم
стр. 138
تعظيم الحرم، فإن الظبي يجتمع مع الكلب فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا خَرَجَا عَنْهُ؛ تَنَافَرَا.
وَإِنَّ الطير لا يعلوا على البيت إلا أن يستشفي مريضاً به.
стр. 139
أبواب الإحرام
стр. 140
أَبْوَابُ الْإِحَرَامِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
الْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ:
أَحَدُهَا: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَالثَّانِي: الْجُحْفَةُ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ.
وَالثَّالِثُ: يَلَمْلَمُ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ.
وَالرَّابِعُ: قَرْنٌ (بِتَسْكِينِ الرَّاءِ) , وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدَ، وَرُبَّمَا فَتَحَ رَاءَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لا يُعْرَفُ.
وَالْخَامِسُ: ذَاتُ عِرْقٍ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَشْرِقِ.
٨٥- وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدَ قَرْنًا، وَإِنَّهُ جورٌ عَنْ طَرِيقِنَا، فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَأَتِيَ قَرْنًا، شُقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. قَالَ: فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَأَرَادَ بِالْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنَّمَا حَدَّهَا لَهُمْ، لِأَنَّهَا حذو قرن [أي] تحاذيها.
стр. 141
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:
٨٦- فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ [عَائِشَةَ] أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ.
٨٧- وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبي داود، أنه قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ وَقَّتَهَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتِ الْعِرَاقُ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا:
٨٨- مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) من حديث ابن عمر وابن عباس عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ عِرْقٍ.
فَصْلٌ
فَهَذَهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا ممن يريد النسك، لزمه ألا يجاوزها حتى يحرم، فإن جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مَنْ يُرِيدُ النُّسُكَ، ثُمَّ أَحْرَمَ دُونَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ أو لم يعد.
стр. 142
باب في التمتع والقران والإفراد
لا خلاف في جواز التمتع والقران والإفراد.
و (التمتع) : هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَيَدْخُلَ مَكَّةَ وَيَطُوفَ وَيَسْعَى، وَيَفْعَلَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّلَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ وَيَفْعَلُ أَفْعَالَ الحج.
و (الإفراد) : أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ يَقِفَ بِعَرَفَةَ وَيَفْعَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ.
فَإِذَا تَحَلَّلَ، خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَفَعَلَ أَفْعَالَهَا.
و (القران) : أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَطُوفَ لهما ويسعى، وكله جَائِزٌ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذلك:
فمذهب أحمد بن حنبل ﵁ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ [﵃] .
стр. 143
وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ، وهو قول الشافعي القديم، غير أنهم ما ينصرونه.
وعند أبي حنفية أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ.
وَمَنْبَعُ الْخِلافِ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: اخْتَلافُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجِّهِ، هَلْ تمتع، أو قرن، أو أفرد؟ فإنه يجري الْأَفْضَلَ فِي فَرْضِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِرَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْأَصْلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْأَصْلُ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ رُخْصَةٌ.
وَالثَّالِثُ: الْبَحْثُ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ، فَعِنْدَنَا أَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ لا دَمُ جُبْرَانٍ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ دم القران دم نسك، إِلا أَنَّهُ يَقُولُ: الْقِرَانُ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْأَفْعَالِ وَالتَّعَبُّدِ، لَأَنَّ عِنْدَهُ لا يُجِزِئُ الْقَارِنَ طواف واحد ولا سعي واحد، وعندنا يجزئه.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الدَّمَ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دَمُ جُبْرَانٍ، وَالْعِبَادَةُ الْمَجْبُورَةُ أَنْقَصُ مِنَ الَّتِي لا تَفْتَقِرُ إِلَى جَبْرٍ.
٨٩- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ
стр. 144
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ.
فَصْلٌ
وَلا يجب دم التمتع إلا بشرائط:
أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمَرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَحُجَّ من سَنَتِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَيَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّهُ مُتَمَتَّعٌ، وَلا يَكُونُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلا يُسَافِرُ بَيْنَ الحج والعمرة سفراً يقصر فِي مِثْلِهِ الصَّلاةُ.
стр. 145
بَابُ آدَابِ الْمُحْرِمِ وَمَا يَلْزَمُهُ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحَرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، يَتَيَمَّمْ وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ، فَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزاراً، لبس السراويل، وكذلك إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَلا فدية عليه، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ.
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ لإحرام، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، إِلا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى بَعْدَ الإحرام، فعليه الفدية، وشبهه أصحابه باللباس يستصحب بعد الإحرام، والفارق بينما جَمَعُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فرقه بِفِعْلِهِ بَيْنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، فَكَانَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ ينزع اللباس، وكان يتطيب.
وقال مالك: لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَإِنْ فَعَلَ غَسَلَهُ، فَإِنِ اسْتَدَامَهُ، فَلا كَفَّارَةَ.
следующие страницы →