Полный текст (683 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا: وَهِيَ الْجَرْبَاءُ، لأَنَّ جَرَبَهَا يفسد اللحم.
فأما قول علي ﵇: لا تضحي بمقابلة ولا مدابرة وَلا خَرْقَاءَ وَلا شَرْقَاءَ، فَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، والإجزاء يقع.
والمقابلة: التي قطع شَيْءٌ مِنْ مَقْدَمِ أُذُنِهَا، وَبَقِيَ مُعَلَّقًا.
وَالْمُدَابِرَةُ: التي قطع مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهَا.
وَالْخَرْقَاءُ: الَّتِي قد نقب الكي أذنها.
والشرقاء: التي شق الكي أذنها.
ويجرئ الخصي، ويستحب أن تنحر الإبل قائمة معلقة، ويذبح ما سواها.
وأيام النحر [عند أحمد] ثَلاثَةٌ يَوْمُ الْعِيدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيدِ أَوْ قَدْرَ الصَّلاةِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ النَّحْرِ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، فَإِنْ ذَبَحَ التَّطُوُّعَ، كان صدقة بلحم أضحية.
стр. 247
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيَّامَ النَّحْرِ إِلَى آخَرِ أَيَّامِ مِنًى إِلَى الْمَغِيبِ.
وَهَلْ يَجُوزُ ذَبْحُ الأَضَاحِي والهدي بالليل؟
فيه عن أحمد روايتان:
أصحهما: الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لا يجزئ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَلا يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ الهدايا والأضاحي، ولا جلالها، بل يتصدق به، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُشْتَرَى بِهِ مَتَاعُ الْبَيْتِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: كَالْغُرْبَالِ وَالْمُنْخُلِ، وَلا يُشْتَرَى بِهِ مَا يُؤْكَلُ.
وَالْمَشْرُوعُ عندنا في الأضحية أَنْ يَأْكُلَ الثُّلُثَ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ.
стр. 248
بَابٌ ذِكْرُ الْهَدْيِ
إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ إِلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ: قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: الْهَدْيُ اسم لما يهدى إلى بيت اللَّهِ مِنْ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ شَاةٍ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الْهَدْيُ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ هَدْيَةٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: هُوَ الْهَدِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمَطَايَا ... وَأَعْنَاقِ الْهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْهَدْيُ يُجْمَعُ أَهْدَاءُ وهدياً وهدياً.
وَيُسْتَحَبُّ إِشْعَارُ الْهَدْيِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَفِي صِفَةِ الإِشْعَارِ قَوْلانِ:
стр. 249
أَحَدَهُمَا: أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: الأَيْسَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يوسف ومحمد، وعن أحمد كالقولين وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي شَقِّ أَيِّ الجانبين شاء.
وَتَقْلِيدُ الْغَنَمِ مَسْنُونٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ أن تقليدها نَعْلا، أَوْ أُذُنَ قِرْبَةٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ.
стр. 250
بَابٌ كَلامُ أَهْلِ الإِشَارَةِ فِي الأَضَاحِي وَالْعِيدِ
١٨٠- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرني أَبُو زُرْعَةَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ الْفَتْحِ الْحَلَبِيُّ يَوْمَ الْنَحْرِ، فَرَأَى النَّاسَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! أَرَى النَّاسُ يتقربون إليك بألوان الذبائح، وإني تقربت إِلَيْكَ بِحُزْنِي، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، ثُمَّ قال: إلهي! إلى متى ترددني فِي دَارِ الدُّنْيَا مَحْزُونًا، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، فَوَقَعَ مِنْ سَاعَتِهِ مَيْتًا.
١٨١- أَنْبَأنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو سعد الماليني، قال: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَابِتٍ الخطاب يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: رَأَيْتُ فتحاً الموصلي في يوم عيد الأضحى وقد شم ريح القنار، فدخل إلى أن أفاق، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِقُرْبَانِهِمْ، وَأَنَا أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِطُولِ حُزْنِي يَا مَحْبُوبُ، كَمْ تَتْرُكُنِي فِي أَزِقَّةِ الدُّنْيَا
стр. 251
مَحْزُونًا، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ وَحُمِلَ، فَدَفَنَّاهُ بَعْدَ ثَلاثٍ.
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
ضَحَّى الْحَبِيبُ بِقَلْبِي يَوْمَ عِيدِهِمُ ... وَالنَّاسُ ضَحُّوا بِمِثْلِ الشَّاءِ وَالنَّعَمِ
إِنَّ الْحَبِيبَ الَّذِي يُرْضِيهِ سَفْكُ دَمِي ... دَمِي حَلالٌ لَهُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ
لِلنَّاسِ حِجٌّ وَلِي حِجٌّ إِلَى سَكَنِي ... تُهْدَى الأَضَاحِي وَأُهْدِي مُهْجَتِي وَدَمِي
يَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَوْمٌ لَوْ بِجَارِحَةٍ ... بِالْحُبِّ طَافُوا لأَلْهَاهُمُ عَنِ الْحَرَمِ
يَا لائِمِي لا تلمني في هواه فلو ... عاينت منه الذي عاينت لم تلم
١٨٢- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الحسن الحنظلي، قال: سمعت الشلبي ينشد يوم العيد:
ليس عيد المحب قصداً لمصلى ... وَانْتِظَارُ الْجُلُوسِ وَالسُّلْطَانِ
إِنَّمَا الْعِيدُ أَنْ يَكُونَ لدى ... الحب كَرِيمًا مُقَرَّبًا فِي أَمَانِ
وَيُرْوَى عَنِ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ يَوْمَ عيدٍ:
стр. 252
عِيدِي مُقِيمٌ وَعِيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ ... وَالْقَلْبُ مِنِّي عن اللذات منحرف
ولي قرينان ما لي منهما خلفٌ ... طول الحنين وعيني دَمْعُهَا يَكْفُ
١٨٣- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قال: أخبرنا هَنَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: كَانَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ الْعِيدِ يَنُوحُ وَيَصِيحُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سودٌ وَزُرْقٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ:
تَزَيَّنَ النَّاسُ يَوْمَ الْعِيدِ لِلْعِيدِ ... وَقَدْ لَبِسْتُ ثِيَابَ الزُّرْقِ وَالسُّودِ
وَأَصْبَحَ الْكُلُّ مسروراً بعيدهم ... ورحت فيكم إلى نوحٍ وتعديد
فالناس فِي فرحٍ وَالْقَلْبُ فِي ترحٍ ... شَتَّانَ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فِي الْعِيدِ
١٨٤- أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي منصور، قال: أخبرنا الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: أخبرنا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يُنْشِدُ يَوْمَ عِيدٍ:
الناس بالعيد قَدْ سُرُّوا وَقَدْ فَرِحُوا ... وَمَا سُرِرْتُ بِهِ والواحد الصمد
لما تيقنت أني لا أعيانكم ... غَمَّضْتُ طَرْفِي فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى أَحَدِ
وَأَنْشَدَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ عيدٍ:
إِذَا مَا كُنْتَ لِي عِيدًا ... فَمَا أَصْنَعُ بِالْعِيدِ
جَرَى حُبُّكَ فِي قَلْبِي ... كَجَرْيِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ
стр. 253
١٨٥- أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: أخبرنا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلاءِ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لأَبِي عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيِّ: غَدًا الْعِيدُ فَغَيِّرْ مِنْ زِيِّكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
قَالُوا غَدًا الْعِيدُ مَاذَا أَنْتَ لابِسُهُ ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا
فقر وضرهما ثوبان تَحْتَهُمَا ... قَلْبٌ يَرَى إِلْفَهُ الأَعْيَادَ وَالْجُمُعَا
أَحْرَى الملابس أن يلقى الْحَبِيبَ بِهَا ... يَوْمَ التَّزَاوُرِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي خلعا
الدهر لي مأتم إِنْ غِبْتَ يَا أَمَلِي ... وَالْعِيدُ مَا كُنْتَ لِي مَرْءًا وَمُسْتَمَعَا
стр. 254
بَابُ الْحِلاقِ وَالتَّقْصِيرِ
إِذَا ذَبَحَ، حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، لا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يجزئه بعضه، كالمسح، فإن لم يكن له شعر، استحب أن يمر الموس عَلَى رَأْسِهِ، وَالْمَرَأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الأُنْمُلَةِ وَلا تَحْلِقُ.
وَمَنْ قَدَّمَ الْحِلاقَ عَلَى الرمي أو على النحر جاهلاً بالسنة في ذلك، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فهل عليه دم؟ فيه روايتان.
وكذلك إن أخر الحلاق من أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟
عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
١٨٦- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أن رجلا من الأنصار سأله عن الحج، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ:
((وَأَمَّا حَلْقُ رأسك، فإن لك بكل شعرة نوراً)) .
وفي لفظ:
((فإذا حَلَقْتَ رَأْسَكَ تَنَاثَرَتِ الذُّنُوبُ كَمَا يَتَنَاثَرُ الشَّعْرُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ ذَنْبٌ)) .
١٨٧- أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعْمَرِ الأَنْصَارِيُّ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو محمد الخلال، قال: ثنا أحمد بن محمد بن القاسم الرازي،
стр. 255
قال: ثنا أحمد بن محمد الجوهري، وقال: ثنا إبراهيم بن سهل المدائني، قال: حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ جَابِرٍ الْقَاضِي، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثابت: أَخْطَأْتُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ، فَعَلَّمَنِيهَا حَجَّامٌ، وَذَلِكَ أَنِّي حِينَ أَرَدْتُ أَنْ أَحْلِقَ رأسي وقفت عَلَيَّ حَجَّامٌ، فَقُلْتُ لَهُ: بِكَمْ تَحْلِقُ رَأْسِي؟
فقال: أعراقي أنت؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: النُّسُكُ لا يُشَارَطُ عَلَيْهِ، اجْلِسْ. فَجَلَسْتُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ لِي: حَوِّلْ وَجْهَكَ إِلَى الْقِبْلَةِ. فَحَوَّلْتُهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أحلق رأسي مِنَ الْجَانِبِ الأَيْسَرِ، فَقَالَ: أَدِرِ الشِّقَّ الأَيْمَنَ مِنْ رَأْسِكَ. فَأَدَرْتُهُ وَجَعَلَ يَحْلِقُ وَأَنَا سَاكِتٌ، فقال لي: كَبِّرْ، فَجَعَلْتُ أُكَبِّرُ حَتَّى قُمْتُ لأَذْهَبَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: رَحْلِي. قَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ امْضِ.
فَقُلْتُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا رَأَيْتَ مِنْ عَقْلِ هَذَا الْحَجَّامِ.
فقلت له: مِنْ أَيْنَ لَكَ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ؟
فَقَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَفْعَلُ هَذَا.
١٨٨- أخبرنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا ابن المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا ابن سويد، قال: ثنا ابن الأنباري، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الفضل بن
стр. 256
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُحَيْمِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَجَّ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فطلب حلاقاً، فجاء، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَتَحَيَّرَ ودهش وقال: هذه الألف، أمضي إلى أم فلانة أُبَشِّرُهَا. فَقَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفًا آخَرَ. فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إِنْ حَلَقَ رَأْسَ أَحَدٍ بَعْدَكَ. فَقَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفَيْنِ آخَرَيْنِ.
فَصْلٌ
وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلانِ:
فَالأَوَّلُ: يَحْصُلُ بِشَيْئَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ: بِالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ، أَوْ بِالرَّمْيِ وَالْحِلاقِ، أَوْ بِالْحِلاقِ وَالطَّوَافِ، فَإِذَا وَجَدَ ذلك، حل له سائر المحظورات إِلا النِّسَاءَ.
فَإِذَا وُجِدَ الثَّالِثُ: تَحَلَّلَ التَّحَلُّلُ الثاني، وحل له كل شيء.
стр. 257
باب ذكر مَسْجِدِ الْخَيْفِ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: (الْخَيْفُ) : مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْوَادِي وَانْحَدَرَ مِنَ الْجَبَلِ.
١٨٩- أنبأنا الحريري، عن العشاري، قال: ثنا أبو بكر الهاشمي، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا الأزرقي، قال: حدثني جدي، قال: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًا كُلُّهُمْ مَخْطُمُونَ بِاللِّيفِ.
قَالَ مروان: يعني رواحلهم.
١٩٠- أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو طالب العشاري، قال: أخبرنا ابن أخي ميمي، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني عيسى بن عبد الله التميمي، قال: ثنا ابن إدريس، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: كان يلتقي هو والحسن البصري في المواسم كُلَّ عَامٍ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ إِذَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ وَنَامَتِ الْعَيْنُ، وَمَعَهُمَا جُلاسٌ لَهُمَا يَتَحَدَّثُونَ إِلَيْهِمَا، فَبَيْنَمَا هُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ
стр. 258
يَتَحَدَّثَانِ مَعَ جُلَسَائِهِمَا، إِذْ أَقْبَلَ طَائِرٌ لَهُ حَفِيفٌ حَتَّى وَقَعَ إِلَى جَانِبِ وَهْبٍ فِي الْحَلَقَةِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ وَهْبٌ ﵇، وَعَلِمَ أنه من الجن، فقال وهب: من الرجل؟ قال: مِنَ الْجِنِّ، مِنْ مُسْلِمِيهِمْ.
قَالَ: فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: وَتُنْكِرُ أَنْ نُجَالِسَكُمْ وَنَحْمِلَ عَنْكُمْ إِنَّ لكم فينا رواة كثيرة، وَإِنَّا لَنُحَاضِرُكُمْ فِي أَشْيَاءَ مِنْ صَلاةٍ وَجِهَادٍ وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَنَحْمِلُ عَنْكُمُ الْعِلْمَ.
فَقَالَ وَهْبٌ: فَأَيُّ رُوَاةِ الْجِنِّ عِنْدَكُمْ أَفْضَلُ؟
قَالَ: رُوَاةُ هذا الشيخ، وأشار إلى الحسن.
وَمِمَّا قَالَتِ الشُّعَرَاءِ فِي ذِكْرِ الْخَيْفِ:
قَوْلُ عمر بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
قُلْ لِلْمَنَازِلِ بِالْكَدِيدِ تَكَلَّمِي ... درست وعهد جديد لم يقدم
стр. 259
دار الَّتِي تَبَّلَتْ فُؤَادُكَ غُدْوَةً ... بِالْخَيْفِ لَمَّا الْتَفَّ أَهْلُ الْمَوْسِمِ
وَلِمِهْيَارٍ:
لَيْتَ بَيْتًا بِالْخَيْفِ أَمْسَ اسْتَضَفْنَاهُ ... قِرَانًا وَلَوْ غَرَامًا وَوَجْدَا
لا عَدَا الروح من تهامة أنفاساً ... إذا استروحت تمنت نَجْدَا
وَلَهُ:
يَا مَنْ رَأَى بِالْعَقِيقِ بَارِقَةً ... تحسر منها الربا وتعتم
تقدح زند الجنوب جذوتها ... وسدفة الليل تحتها فحم
يذكرني لمحة زماناً على الخيف ... تقضى كَأَنَّهُ الْحُلْمُ
هَلْ لَكَ بِالنَّازِلِينَ أَرْضَ مِنًى ... يا علم الشوق بعدنا علم
جرت مع الرسم لي مُحَاوِرَةٌ ... فَهِمْتُ مِنْهَا مَا قَالَهُ الرَّسْمُ
وَلِعَلِيِّ بْنِ أَفْلَحَ:
هَذِهِ الْخَيْفُ وَهَاتِيكَ مِنًى ... فَتَرَفَّقْ أَيُّهَا الْحَادِي بِنَا
وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنَا سَاعَةً ... تندب الرَّبْعَ وَنَبْكِي الدِّمَنَا
فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا ... ولذا اليوم الدموع تقتنا
زَمَنًا كَانَ وَكُنَّا جِيرَةً ... يَا أَعَادَ اللَّهُ ذاك الزمنا
بيننا يوم ائتلاف النَّقَا ... كَانَ عَنْ غَيْرِ تَرَاضٍ بَيْنَنَا
стр. 260
بَابُ ذِكْرِ التَّكْبِيرِ
أَمَّا الْمُحْرِمُ: فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ عُقَيْبَ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلاةً: أَوَّلُهَا صَلاةُ الظُّهْرِ من يَوْمَ النَّحْرِ، وَآخِرُهَا صَلاةُ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيام التشريق.
وأما المحل: فيبتدئ بالتكبير عقيب صلاة الفجر يوم عرفة، ويقطعه بعد صلاة العصر آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ لا يُفَرِّقُ بين المحل والمحرم.
وصفة التكبير: شفع اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ.
وَهَلْ يكبر المنفرد؟ فيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: يُكَبِّرُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَعِنْدَنَا: أَنَّهُ لا يُكَبِّرُ عُقَيْبَ النَّوَافِلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُكَبِّرُ، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْمُسَافِرُ، خِلافًا لأَبِي حنيفة.
стр. 261
أبواب ذكر مكة
стр. 262
أَبْوَابُ ذِكْرِ مَكَّةَ
بَابٌ فِي ذِكْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَسْمَائِهَا
قَدْ سَمَّى اللَّهُ مَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءَ: مَكَّةُ، وَالْبَلَدُ، وَالْقَرْيَةُ، وَأُمُّ القرى.
فأما مكة: فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيديكم عنهم ببطن مكة﴾ .
فأما الكلام في هذا الاسم:
فقال الزجاج: مكة لا تنصرف، لأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اشتقاقها كاشتقاق بكة، لأن الميم تبدل من الْبَاءِ.
يُقَالُ: ضَرَبَهُ لازِمٌ وَلازِبٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: امْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا في ضرع الناقة، إذا مص مصاً شديداً حتى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ ازدحام الناس فيها.
стр. 263
وقال ابن فارس: يقال: تمككت العظم إذا أخرجت مخه، والتمكك: الاستقصاء.
١٩١- وفي الحديث:
((لا تمككوا على غرمائكم)) .
وَفِي تَسْمِيَةِ مَكَّةَ بِهَذَا الاسْمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لأَنَّهَا مَثَابَةٌ يَؤُمُّهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، فَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَجْذِبُهُمْ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: امْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ الناقة.
والثاني: أنها من قولهم: مككت الرجل إذا رددت نخوته، فَكَأَنَّهَا تَمَكُّ مَنْ ظَلَمَ فِيهَا، أَيْ: تُهْلِكُهُ.
وأنشد:
يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكًّا ... وَلا تَمُكِّي مذ حجاً وَعَكَّا
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا سُمِيِّتْ بِذَلِكَ؛ لِجَهْدِ أَهْلِهَا.
وَالرَّابَعُ: لِقِلَّةِ الْمَاءِ بِهَا.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أن مكة اسم لجميع البلدة، وَاخْتَلَفُوا فِي بَكَّةَ عَلَى
стр. 264
أربعة أقوال:
أحدها: أنها اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَعْبَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَمَكَّةُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمَسْجِدُ وَالْبَيْتُ وَمَكَّةُ اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ بَكَّةَ هِيَ مَكَّةُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَاحَتَّجَ لِتَصْحِيحِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّ الْبَاءَ تُبْدَلُ مِنَ الْمِيمِ، يُقَالُ: سَبَدَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، وسمد رأسه، إِذَا اسْتَأْصَلَهُ، وَشَرٌّ لازِمٌ وَلازِبٌ.
فَأَمَّا اشْتِقَاقُ بَكَّةَ، فَمِنَ الْبَكِّ، يُقَالُ: بَكَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بعضاً، أي: دفع.
وفي تسميتها ببكة ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لازْدِحَامِ النَّاسِ بِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: لأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، أي: تدقها، فما قصدها جبار إلا وقصه اللَّهُ، قَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَالثَّالِثُ: لأَنَّهَا تَضَعُ مِنْ نَخْوَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْبَلَدِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ ، يَعْنِي: مَكَّةَ.
وَالْبَلَدُ فِي اللُّغَةِ: صَدْرُ القرى.
وأما تسميتها بالقرية: فقال : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمنةً
стр. 265
مطمئنةً﴾ : يُشِيرُ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ أَمْنٍ، يأمن أهلها أن يغار عليهم.
مطمئنة: أَيْ: سَاكِنَةً بِأَهْلِهَا، لا يَحْتَاجُونَ إِلَى الانْتِقَالِ عَنْهَا لخوفٍ أَوْ ضِيقٍ، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ ، و (الرغد) : الرِّزْقُ الْوَاسِعُ الْكَثِيرُ.
يُقَالُ: أَرْغَدَ فُلانٌ، إِذَا صار في خصبٍ وسعة.
﴿فكفرت بأنعم الله﴾ ، فكذبت مُحَمَّدًا ﷺ .
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لباس الجوع والخوف﴾ ، وَأَصْلُ الذَّوْقِ بِالْفَمِّ، وَلَكِنَّهُ اسْتِعَارَةٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أن الله تعالى عَذَّبَ كُفَّارَ مَكَّةَ بِالْجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْعِظَامَ الْمُحْرَقَةَ، وَكَانُوا يَخَافُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] وَمَنْ سَرَايَاهُ.
وَالْقَرْيَةُ: اسْمٌ لِمَا يَجْمَعُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْعِ، تقول: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، إِذَا جَمَعْتُهُ فِيهِ، ويسمى ذلك الحوض مقراةً.
فأما تسميها بأم القرى، فقد قال : ﴿ولتنذر أم القرى﴾ ، يعني: مكة.
стр. 266
وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لأن الأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لأَنَّهَا أَقْدَمُهَا.
وَالثَّانِي: لأَنَّهَا قِبْلَةٌ يَؤُمُّهَا جَمِيعُ النَّاسِ.
وَالثَّالِثُ: لأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا.
وَالرَّابِعُ: لأَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ ، ولما اطردت العادة بأن بَلَدَ الْمَلِكِ وَبَيْتَهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الأَمَاكِنِ، سُمِّي أُمًّا، لأَنَّ الأُمَّ مُتَقَدِّمَةٌ.
стр. 267
بَابُ فَضْلِ مَكَّةَ
١٩٢- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، قال: أخبرنا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، قال: أخبرنا المخلص، قال: ثنا ابن صاعد، قال: ثنا ابن أبي نزة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت، قال: ثنا عبد الله بن أبي رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِي وفدٍ وَفِينَا أبو هريرة فذكر عن أبي هريرة في حديث ذَكَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، أَتَتْهُ الأَنْصَارُ فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَقُولُ:
((وَاللَّهِ، لَقَدْ عرفت أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ)) .
١٩٣- أَخْبَرَنَا يحيى بن علي وعبد الوهاب، قالا: أخبرنا أبو محمد الصريفيني، قال: أخبرنا أبو بكر بن عبدان، قال: ثنا عبد الواحد بن المهتدي
стр. 268
بالله، قال: ثنا أيوب بن سليمان الصغدي، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شُعَيبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِّي بْنِ الْحَمَرَاءِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزُورَةِ مِنْ سُوقِ مَكَّةَ:
((وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أرض الله ﵎ إلى الله، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ)) .
١٩٤- أَخْبَرَنَا المبارك بن علي، قال: أخبرنا ابن العلاء، قال: أخبرنا أبو الحسن الحمامي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الصواف، قال: ثنا محمد بن عثمان، قال: ثنا أبي، قال: ثنا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: اخْتَارَ الله البلاد، وأحب الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ الْبَلَدُ الْحَرَامُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حُدِّثْنَا أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدَتْ فِي الرُّكْنِ كتاباً بالسريانية، فلم تدر ما هو حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رجلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِذَا فِيهِ: أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتُهَا بسبعة أملاك حنفاء، ولا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء واللبن.
الأخشبان: الْجَبَلانِ، وَهُمَا أَبُو قُبَيْسٍ وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الأَحْمَرُ، وَكَانَ يُسَمَّى الأَعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ وَجْهُهُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ، وَمَكَّةُ
стр. 269
بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا لِمَ قِيلَ لِلْجَبَلِ أَبُو قُبَيْسٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَوَّلَ من نهض يبني فيه رجل من مذحج يُقَالُ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ، فَلَمَّا صَعِدَ بِالْبِنَاءِ فِيهِ، سُمِّيَ جَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اقْتُبِسَ مِنْهُ الرُّكْنُ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ.
وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
١٩٥- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النبي ﷺ ، أنه قال يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:
((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ، بِحُرْمَةِ الله إلى يوم القيامة، وأنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولا يُحِلَّ لِي إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حرام يحرمه اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعَضَّدُ شَوْكُهُ، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لُقَطَتُهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ)) .
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهُ! إِلا الإِذْخَرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ:
((إِلا الإِذْخَرَ)) .
стр. 270
الْخَلا: مَقْصُورٌ هُوَ الْحَشِيشُ، فَإِذَا مُدَّ، فَهُوَ الْمَكَانُ الْخَالِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مضاعفة الحسنات بها، والسيئات أيضاً، حتى أنه لو هم فيها الإِنْسَانُ بِسَيِّئَةٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ بِخِلافِ غَيْرِهَا مِنَ الْبِقَاعِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ [﵁] ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ الْبَيْتِ وَهُوَ بَعَدَنَ أَبْيَنَ، أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بِالْخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ولم يَعْمَلْهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَلْ تكتب السيئة أكثر من واحدة؟
فقال: لا، إِلا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ البصري: صوم يوم بمكة بمئة ألف، وصدقة درهم بمئة ألف، وكل حبة بمئة أَلْفٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ أَنْ لا يَخْرُجُوا حَتَّى يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [﵁] ، أَنَّهُ قَالَ: لا تَحْتَكِرُوا
стр. 271
الطَّعَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ احْتِكَارَ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ بظلم.
١٩٦- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: ثنا عبد العزيز بن الفضل، قال: ثنا علي بن محمد التميمي، قال: ثنا جعفر بن القاسم الخواص، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مُخَالَطَةُ الْوَلِيِّ للناس ذل، وتفرده عز، وقل ما رأيت ولياً لله إلا منفرداً.
وإن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ كَانَ رَجُلا لَهُ سَابِقَةٌ جَلِيلَةٌ، وَكَانَ يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بلدٍ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَطَالَ مُقَامُهُ بِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ طَالَ مُقَامُكَ بها. فقال: لِمَ لا أُقِيمُ بِهَا؟ وَلَمْ أَرَ بَلَدًا تنزل فيه الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ، وَالْمَلائِكَةُ تغدوا فِيهِ وَتَرُوحُ، وَإِنِّي أَرَى فِيهِ أَعَاجِيبَ كَثِيرَةً، أرى الملائكة يطوفون على صور شتى ولا يَقْطَعُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ قُلْتُ لَكَ كُلَّ مَا رَأَيْتُ لَصَغُرَتْ عَنْهُ عُقُولُ قَوْمٍ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. فقلت له: أسألك، إِلا أَخْبَرْتَنِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟
فَقَالَ: مَا مِنْ وَلِيٍّ لِلَّهِ تَعَالَى صَحَّتْ وِلايَتُهُ إِلا وهو يحضر هذا البلد في كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، لا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، فَمُقَامِي هَاهُنَا لأَجْلِ مَنْ أَرَاهُ مِنْهُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ
стр. 272
رجلاً يقال له: مالك بن القاسم حبلي وَقَدْ جَاءَ وَيَدُهُ غَمِرَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قريب عهد بالأكل؟
فَقَالَ لِي: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فَإِنِّي مُنْذُ أُسْبُوعٍ لم آكل، ولكن أطعمت والدي وَأَسْرَعْتُ، لأَلْحَقَ صَلاةَ الْفَجْرِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الذي جاء منه سبع مئة فَرْسَخٍ، فَهَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِي مُؤْمَنًا مُوقِنًا.
وَفِي هذه الحكاية: ((جاء ويده غمرة)) ، وهذه إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ اللَّحْمِ خَاصَّةً.
١٩٧- أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي منصور، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عبد الغافر، قال: الخطابي قال: أخبرني أبو عمر، قال: ثنا ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: يدي من الوحل لثقةٌ، ومن اللحم غمرةٌ، ومن السمك صمرة، ومن اللبن والزبد شثرةً، ومن
стр. 273
العجين ورخة، ومن الدم سلطة وسلطة، ومن الثريد مردة، ومن الحمأة ذوطة، وَمِنَ الأَشْنَانِ قَضِضَةٌ، وَمِنَ الْمِدَادِ وَحِدَه، وَمِنَ الْمَاءِ بَلِلَة، وَمِنَ الْبَزَرِ وَالنَّفْطِ نَمِسَةٌ وَنَسِمَةٌ، ومن الزعفران ردعة، ومن العطر عبقة.
стр. 274
بَابٌ بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَهْلُ اللَّهِ
١٩٨- لَمَّا اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ، قَالَ:
((يَا عَتَّابُ! أَتَدْرِي عَلَى مَنِ استعملتك؟
اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى أَهْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا (يَقُولُهَا ثَلاثًا)) ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ فِيمَا مَضَى يُلْقَوْنَ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ أَهْلِ اللَّهِ.
وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَرْوِي أَنَّ اللَّهَ تعالى يقول: مَنْ أَمَّنَ أَهْلَ الْحَرَمِ، اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ أَمَانِي، وَمَنْ أَخَافَهُمْ، فَقَدْ أَخْفَرَنِي فِي ذِمَّتِي، وَلِكُلِّ مَلِكٍ حِيَازَةٌ مِمَّا حَوَالَيْهِ، وَبَطْنُ مَكَّةَ حَوْزَتِي الَّتِي اخْتَرْتُ لِنَفْسِي، أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، أَهْلُهَا جِيرَتِي، وَجِيرَانُ بَيْتِي، وَعُمَّارُهَا وَزُوَّارُهَا وَفْدِي وأضيافي، وفي كنفي وأماني، ضامنون علي في ذمتي وجواري.
стр. 275
باب ذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ لِلْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ وَسَاقَ بُدْنًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ جَلَّلَ الْبُدْنُ وَأَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا وَأَحْرَمَ وَلَبَّى، وَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأَجْمَعُوا عَلَى صَدِّهِ، وَخَرَجُوا فَعَسْكَرُوا بِبَلْدَحٍ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من الحديبية، وقفت به رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ (يَزْجُرُونَهَا) ، فَأَبَتْ، فَقَالُوا: خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ: مَا خَلأَتْ، وَلَكِنْ حبسها حابس الفيل.
أما والله لا يسئلوني الْيَوْمَ خُطَّةً فِيهَا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ، إِلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها، فقامت، ثم ولى رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ عَلَى ثمدٍ مِنْ أَثْمَادِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَصَالَحُوهُ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وَشَرَطُوا أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعَامِ المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثاً، فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فأعانت قريش بعد ذلك عَلَى خُزَاعَةَ، ثُمَّ نَدِمُوا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِذَلِكَ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَدَخَلَهَا عَنْوَةً في رمضان.
стр. 276
١٩٩- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [﵁] ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاث مئة وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بعودٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ:
((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الباطل كان زهوقاً، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)) .
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حنين وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ يُصَلِّي بهم، ومعاذ بن جبل يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَالْفِقْهَ.
وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَجَمِيعِ بَنِي كِنَانَةَ وَهِيَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ.
قَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ صَنَمٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا شَجَرَةٌ كَانَتْ لِغَطْفَانَ يَعْبُدُونَهَا، وَبَعَثَ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ صنم عمرو بن جهينة الدوسي، وبعث عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ.
قال الضحاك: هو صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلْ كَانَتْ مَنَاةُ لِلأَنْصَارِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيَدَةَ: كَانَتِ اللاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ أَصْنَامًا مِنْ حِجَارَةٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَعْبُدُونَهَا.
стр. 277
بَابٌ أَذَانُ بِلالٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الفتح
٢٠٠- أنبأنا الحريري عن العشاري، قال: أخبرنا أبو الهاشمي، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أبو الوليد الأزرقي، قال: أخبرني جدي عن محمد بن إدريس الشافعي، عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: جاءت الظُّهْرُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالا أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَقُرَيْشٌ فَوْقَ الْجِبَالِ وَقَدْ فر وجوههم وتغيبوا خوفاً أن يقتلوا، منهم من يطلب الأَمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ أُومِنَ، فَلَمَّا أَذَّنَ بلال ورفع كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ، فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
تَقُولُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ: قَدْ لَعَمْرِي رَفَعَ لَكَ ذِكْرَكَ، أَمَّا الصَّلاةُ، فَسَنُصَلِّي، وَوَاللَّهِ مَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الأحبة.
стр. 278
وقال خالد بْنُ أُسَيْدٍ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ أَبِي، فَلَمْ يَسْمَعْ بِهَذَا الْيَوْمَ (وَكَانَ أُسَيْدٌ مَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِيَوْمٍ) .
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: واثكلاه! يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَ بِلالا يَنْهَقُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: هذا والله الحدث الجليل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بنية أبي طلحة.
وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطاً لله، فَسَيُغَيِّرُهُ.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَمَّا أَنَا، فَلا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ قُلْتُ شَيْئًا، لأخبرته هذه الحصاة.
فأتى جبريل النبي [ ﷺ ] فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا فُلانُ، فَقُلْتَ كَذَا، وَأَمَّا أَنْتَ يَا فُلانُ، فَقُلْتَ كَذَا، وَأَمَّا أَنْتَ يَا فُلانُ، فَقُلْتَ كَذَا.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أما أنا يا رسول الله، فما قُلْتُ شَيْئًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 279
بَابٌ كَيْفِيَةُ دُخُولِ مَكَّةَ لِلْحَاجِّ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَهَا مِنْ أَعْلاهَا مِنْ ثَنِيَةِ كَدَاءَ، فَإِذَا خَرَجَ، خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَةِ كُدَى.
٢٠١- فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) من حديث عائشة ﵂، أَن ّالنَّبِيّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، وَرُبَّمَا خَلَطُوا فِي ذَلِكَ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنِّي أَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ أَمْكِنَةٍ أَسْمَاؤُهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ، فَلِذَلِكَ تَشْتَبِهُ:
فَالأَوَّلُ: كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ مَعَ الْمَدِّ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ إِذَا صَعَدَ فِيهِ الآتِي من طريق العمرة، وما هنالك انحدر به إِلَى الْمَقَابِرِ وَإِلَى الْمَحْصَبِ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الدخول منه.
والثاني: كداء بضم الكاف مع القصر، وَهُوَ أَسْفَلُ مَكَّةَ يَدْخُلُ فِيهِ الدَّاخِلُ بَعْدَ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْ ذِي طُوَى وَهُوَ بِقُرْبِ شعب الشافعين عِنْدَ قُعَيْقِعَانَ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ.
стр. 280
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: كُدَيٌّ بِضَمِّ الْكَافِ مَعَ تَشْدِيدِ مصغر، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْيَمَنِ، فَهُوَ فِي طَرِيقِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ المقدمين في شيء، وهذا هو ضَبْطُ الْمُحَقِقِّينَ، مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عم الْعُذْرِيُّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا، حَكَاهُ عَنْهُ الْحُمَيْدِيُّ.
стр. 281
أبواب ذكر الكعبة
стр. 282
أبواب ذكر الكعبة
باب في ذكر المشهور من أسمائها
قال الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ .
وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْكَعْبَةِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: لأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ، وَيُقَالُ: بُرْدٌ مُكَعَّبٌ إِذَا طُوِيَ مُرَبَّعًا.
وَالثَّانِي: لِعُلُوِّهَا وَنُتُوئِهَا، يُقَالُ: كَعَبَتِ الْمَرْأَةُ كَعَابَةً فَهِيَ كاعبٌ إِذَا نَتَأَ ثَدْيُهَا.
وَسُمِّيَ الْبَيْتُ حَرَامًا، لأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ، فَلا يُصَادُ عِنْدَهُ وَلا حَوْلَهُ، وَلا يُخْتَلَى مَا عنده مِنَ الْحَشِيشِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَرَادَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرَ الْحَرَمِ، كَمَا قَالَ : ﴿هَدْيًا بالغ الكعبة﴾ وأراد الحرم.
стр. 283
قالوا: وَالْقِيَامُ بِمَعْنَى الْقِوَامُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا قِوَامُ دِينٍ، وقوام دُنْيَا، فَلا يَزَالُ فِي الأَرْضِ دِينٌ مَا حجت وعندها المعاش والمكاسب.
فأما تَسْمِيَتُهَا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ.
٢٠٢- رَوَى عبد الله بن الزبير [﵁] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال:
((إنما سمى الله البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليهم جَبَّارٌ قَطُّ)) .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَتِيقَ بِمَعْنَى الْقَدِيمِ، قاله الحسن.
والثالث: لأنه لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالرَّابِعُ: لأَنَّهُ أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب.
стр. 284
باب بيان أنه أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي ببكة مباركاً﴾ .
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ افتخروا، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية، قاله مجاهد.
واختلف العلماء في معنى كَوْنِهِ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ كَانَ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ كَيْفَ كَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) : أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حين خلق الله الأرض، فخلقه قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ.
قَالَ أبو هريرة [﵁] : كانت الأرض حشفة عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا
стр. 285
مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ عام.
وقال ابن عباس [﵁] : لَمَّا كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يخلق الله تعالى السماوات والأرض، بعث ريحاً فصفقت الماء، فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كَأَنَّهَا قُبَّةٌ، فَدَحَى الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا، فَمَادَتْ، فأوتدها بالجبال.
وعن ابن عباس: قَالَ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ.
وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الأَرْضُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلى.
(وَالثَّانِي) : أَنَّ آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إليه: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَنَاهُ.
رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
следующие страницы →