← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أبواب ذكر الكعبة

стр. 282

أبواب ذكر الكعبة باب في ذكر المشهور من أسمائها قال الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ . وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْكَعْبَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: لأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ، وَيُقَالُ: بُرْدٌ مُكَعَّبٌ إِذَا طُوِيَ مُرَبَّعًا. وَالثَّانِي: لِعُلُوِّهَا وَنُتُوئِهَا، يُقَالُ: كَعَبَتِ الْمَرْأَةُ كَعَابَةً فَهِيَ كاعبٌ إِذَا نَتَأَ ثَدْيُهَا. وَسُمِّيَ الْبَيْتُ حَرَامًا، لأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ، فَلا يُصَادُ عِنْدَهُ وَلا حَوْلَهُ، وَلا يُخْتَلَى مَا عنده مِنَ الْحَشِيشِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَرَادَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرَ الْحَرَمِ، كَمَا قَالَ : ﴿هَدْيًا بالغ الكعبة﴾ وأراد الحرم.

стр. 283

قالوا: وَالْقِيَامُ بِمَعْنَى الْقِوَامُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا قِوَامُ دِينٍ، وقوام دُنْيَا، فَلا يَزَالُ فِي الأَرْضِ دِينٌ مَا حجت وعندها المعاش والمكاسب. فأما تَسْمِيَتُهَا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. ٢٠٢- رَوَى عبد الله بن الزبير [﵁] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: ((إنما سمى الله البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليهم جَبَّارٌ قَطُّ)) . وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَتِيقَ بِمَعْنَى الْقَدِيمِ، قاله الحسن. والثالث: لأنه لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالرَّابِعُ: لأَنَّهُ أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب.

стр. 284

باب بيان أنه أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي ببكة مباركاً﴾ . وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ افتخروا، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية، قاله مجاهد. واختلف العلماء في معنى كَوْنِهِ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ كَانَ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ كَيْفَ كَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) : أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حين خلق الله الأرض، فخلقه قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ. قَالَ أبو هريرة [﵁] : كانت الأرض حشفة عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا

стр. 285

مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ عام. وقال ابن عباس [﵁] : لَمَّا كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يخلق الله تعالى السماوات والأرض، بعث ريحاً فصفقت الماء، فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كَأَنَّهَا قُبَّةٌ، فَدَحَى الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا، فَمَادَتْ، فأوتدها بالجبال. وعن ابن عباس: قَالَ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الأَرْضُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلى. (وَالثَّانِي) : أَنَّ آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إليه: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَنَاهُ. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 286

(وَالثَّالِثُ) : أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ، فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ، رُفِعَ، فَصَارَ مَعْمُورًا فِي السَّمَاءِ، وَبَنَى إبراهيم أثره، قاله قتادة. القول الثاني: أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ، وَقَدْ كَانَتْ قبله بيوت، قاله علي ﵇.

стр. 287

باب تلخيص قصة بناء الكعبة في المبتدى بِبِنَاءِ الْبَيْتِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تعالى وَضَعَهُ لا بِبِنَاءِ أَحَدٍ، وَفِي زَمَنِ وَضْعِهِ إِيَّاهُ قَوْلانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّهُ وَضَعَهُ قَبْلَ خَلْقِ الدنيا، وقد ذكرناه عن ابن عباس. ٢٠٣- وقد أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مسعدة، قال: أخبرنا أبو إبراهيم النصراباذي، قال: أخبرنا المغيرة بن عمرو بن الوليد، قال: ثنا المفضل بن محمد الجندي، قال: ثنا عبد الله بن أبي غسان اليماني، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عن ابن عباس [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَانَ الْبَيْتُ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ ﵇ يَاقُوَتَةً مِنْ يَوَاقِيتِ الجنة

стр. 288

وَكَانَ لَهُ بَابَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ، بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ، وَفِيهِ قَنَادِيلُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لا يَعُودُونَ فِيهِ إلا يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِذَاءَ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ ﵇ إِلَى مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ مِثْلُ الْفُلْكِ مِنْ شِدَّةِ رَعْدَتِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَهُوَ يَتَلأْلأُ كَأَنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ بَيْضَاءُ، فَأَخَذَهُ آدَمُ ﵇ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ اسْتِئْنَاسًا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِيثَاقَهُمْ فَجَعَلَهُ فِي الْحَجَرِ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى آدَمَ الْعَصَا، ثم قال: يا آدم! تخطأ فَتَخَطَّا، فَإِذَا هُوَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، فَمَكَثَ هُنَالِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِلَى الْبَيْتِ. فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ يَا آدَمُ، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى، فصار مَوْضِعِ كُلِّ قَدَمٍ قَرْيَةً، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مفازة حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَلَقِيَتْهُ الْمَلائِكَةُ، فَقَالُوا: بِرَّ حَجَّكَ يَا آدَمُ، لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، قَالَ: فَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لله والله أكبر، وكان آدَمُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ قَالَ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، فَكَانَ آدَمُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَسَابِيعَ بِاللَّيْلِ، وَخَمْسَةَ أَسَابِيعَ بِالنَّهَارِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ! اجْعَلْ لِهَذَا الْبَيْتِ عُمَّارًا يَعْمُرُونَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِي، فأوحى الله تعالى إليه أن معمره نبياً مِنْ ذُرِّيَّتِكَ اسْمُهُ

стр. 289

إِبْرَاهِيمُ أتَّخِذُهُ خَلِيلا، أَقْضِي عَلَى يَدَيْهِ عِمَارَتَهُ، وأنيط لَهُ سِقَايَتَهُ، وَأُرِيهِ حِلَّهُ وَحَرَمَهُ وَمَوَاقِفَهُ، وَأُعَلِّمُهُ مَشَاعِرَهُ وَمَنَاسِكَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ نَادَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِلَّهِ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فأسمع من بين الخافقين، فقال آدم: يا رب! اسلك مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ ذُرِّيَّتِي لا يُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا أَنْ تُلْحِقَهُ بِي فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَا آدَمُ! مَنْ مَاتَ فِي الْحَرَمِ لا يُشْرِكْ بِي شَيْئًا، بَعَثْتُهُ آمِنًا يوم القيامة)) . والثاني: أنه أهبط مع آدم، وقد ذكرناه عن قتادة. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ المْلائِكَةَ بَنَتْهُ. ٢٠٤- فَرَوَى جَعْفَرُ بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، قَالَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفةً﴾ فـ ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ ، غضب عَلَيْهِمْ فَعَاذُوا بِالْعَرْشِ، فَطَافُوا حَوْلَهُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: ابْنُوا فِي الأَرْضِ بَيْتًا يَعُوذُ بِهِ كُلُّ مَنْ سخطت عليه، ويطوف حوله كما فعلتم بعرشي، فَبَنَوْا هَذَا الْبَيْتَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ آدَمَ بَنَاهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵁] ، وقد

стр. 290

روى عطاء عن ابن عباس أَنَّ آدَمَ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ مِنْ لبنان وطور سيناء وطور زنيا والجودي وحراء. وقال عثمان بن ساج: حدثت أن آدم لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ، قَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ لكل عامر أجر، وَإِنَّ لِي أَجْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَرُدَّنِي من حيث أخرجتني. قال: ذلك لك. قال: وَمَنْ خَرَجَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ مِنْ ذُرِّيَّتِي، يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمِثْلِ الَّذِي أَقْرَرْتُ بِهِ مِنْ ذُنُوبِي أَنْ تَغْفِرَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَكَ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا رفعت الخيمة التي وضعها الله لآدم مكان البيت، ومات آدم وبنى بنو آدم من بعده مكانها بَيْتًا بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ، فَلَمْ يَزَلْ مَعْمُورًا يَعْمُرُونَهُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى كَانَ زَمَنُ نُوحٍ، فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان مَوْضِعُ الْبَيْتِ بَعْدَ الْغَرَقِ أَكَمَةً حَمْرَاءَ لا تعلوها السيول، وَكَانَ يَأْتِيهَا الْمَظْلُومُ وَيَدْعُو عِنْدَهَا الْمَكْرُوبُ، فَقَلَّ مَنْ دَعَا عِنْدَهَا إِلا

стр. 291

اسُتُجِيبَ لَهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَحُجُّونَ إِلَى مَوْضِعِ البيت، حتى بوأ الله مكانه إبراهيم. قال أهل السير: فلما ولد للخليل إسماعيل، أمره الله تعالى ببناء الْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! بَيِّنْ لِي صِفَتَهُ، فأرسل الله سحابة على قدر الْكَعْبَةِ، فَسَارَتْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَقَفَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَنُودِيَ: ابْنِ عَلَى ظِلِّهَا، لا تَزِدْ وَلا تَنْقُصْ. فَكَانَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يناوله الحجارة، فلما فرغا منه، أوحى الله تعالى إليه: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عليك الأذان وعلي البلاغ، فعلا ثبير، ونادى يا عباد الله! إن لله بيتاً فحجوه. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَبَّى كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَأُسْمِعَ من بين المشرق والمغرب، فأجابوه: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَإِنَّمَا يَحُجُّ الْيَوْمَ مَنْ أَجَابَ يومئذٍ. ثُمَّ إِنَّ الْبَيْتَ انْهَدَمَ فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَبَنَتْهُ جُرْهُمٍ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ، وَكَانَ بِنَاءُ قُرَيْشٍ لِلْبَيْتِ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ غُلامٌ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُلُمَ، أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرره، فَأَحْرَقَتْ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ، فَوَهَى الْبَيْتُ، فَنَقَضَتْهُ قُرَيْشٌ وبنته، فلما

стр. 292

أَرَادُوا وَضْعَ الرُّكْنِ، اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَرْفَعُهُ مِنَ القبائل، فاجتمع رأيهم إلى أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى أَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ نَبِيُّنَا ﷺ وَهُوَ غُلامٌ، فَحَكَّمُوهُ، فَقَالَ: هَاتُوا ثَوْبًا. فَأَخَذَ الرُّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ أَنْ يَأْخُذَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ قَالَ: ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَلَمَّا رَفَعُوهُ وَضَعَهُ [ ﷺ ] بيده. ٢٠٥- أنبأنا الحريري، قال: أخبرنا أبو بكر الخياط، قال: أخبرنا ابن دوست، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحسين، قال: حدثني أبو محمد السناط، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: لَمَّا هُدِمَتِ الْكَعْبَةُ، أَصَابُوا فِي طُوبَةٍ (يَعْنِي: آجُرَةٍ) مكتوب بِالْعِبْرَانِيَّةِ: احْذَرُوا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَاعْمَلُوا لِمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لا يُغْلَبُ، وَسَاكِنَ الأَمْوَاتِ لا يَرْجِعُ، وَمَلَكَ الْمَوْتِ مأمور لا يَعْصِي. ثُمَّ إن ابن الزبير هدم الكعبة وبناها على أساس إبراهيم، وكانت قريش

стр. 293

قَدْ قَصَّرَتْ عِنْ ذَلِكَ وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ في البيت، وجعل لها بابين، شرقيا وغربيا، ثم نقضها الحجاج بعد ذلك وأعادها إلى البناء الأول. ٢٠٦- وفي ((الصحيحين)) من حديث عائشة [﵂] عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((ألم تر أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟)) . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْلا حَدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَفَعَلْتُ)) . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجَرَ، إِلا أَنَّ البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. قالت عائشة: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: ((فعل ذلك قومك، ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا)) . وَفِي لَفْظٍ: ((لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكفر، لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس منه، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْهُ)) .

стр. 294

فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. ٢٠٧- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رُومَانَ قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هدمه وأدخل فيه من الحجر، ورأيت أساس إبراهيم حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. ٢٠٨- وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لها: ((لولا أن قومك حديثو عهد بشرك؛ لهدمت الكعبة، فألزقتها بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ)) . وَفِي لَفْظٍ: ((خَمْسَ أَذْرُعٍ)) . وَفِي لَفْظٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ [﵂] : ((هَلُمِّي لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ)) . فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ.

стр. 295

باب كيفية بناء المسجد الحرام اعلم أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ صَغِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جِدَارٌ، إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةٌ بِهِ، وَبَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ الْمَسْجِدُ، فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [﵁] دُورًا فَهَدَمَهَا، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا، ثُمَّ وَسَّعَ المسجد عُثْمَانُ [بْنُ عَفَّانَ ﵁] ، وَاشْتَرَى من قوم، ثم زاد ابن الزبير [﵁] في المسجد واشترى دوراً وأدخلها فِيهِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ إِلَيْهِ أَسَاطِينَ الرُّخَامِ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ الْمُزَخْرَفِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ زَادَ الْمَنْصُورُ فِي شِقِّهِ الشَّامِيِّ، ثُمَّ زَادَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي جَانِبٍ، فَأَحَبَّ أَنْ تَكُونَ وَسَطًا، فَاشْتَرَى مِنَ النَّاسِ الدُّورَ ووسطها.

стр. 296

باب فضل المسجد الحرام ٢٠٩- ثنا يحيى بن إبراهيم السلماني، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أبو نصر أحمد بن محمد القارئ، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله البزار، قال: ثنا النقاش، قال: ثنا أحمد بن فياض، قال: ثنا أبو محمد أخو الإمام، قال: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [الأنصاري ﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أفضل من مئة أَلْفِ صَلاةٍ)) . قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ: فَحَسَبْتُ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَبَلَغَتْ صَلاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عُمْرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَصَلاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ عُمْرُ مئتي سنة وسبعين سنة وسبعة أَشْهُرٍ وَعَشْرِ ليالٍ.

стр. 297

بَابُ ذِكْرِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ ٢١٠- أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ العشاري، قال: ثنا أبو بكر الهاشمي، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أبو الوليد الأزرقي، قال: حدثنا جدي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد، عن همام بن محمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ وَهُوَ تُبَّعٌ، وَكَانَ أول من كسا الكعبة. وقال جماعة من أهل العلم: كَانَ قَدْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَهَا، فكساها الأنطاع، ثم أري أن كساها فَكَسَاهَا الْوَصَائِلَ ثِيَابٌ حِبرَةٌ مِنْ عَصْبِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا نَشَأَ أَبُو زَمْعَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أنا أكسوها وَحْدِيَ الْكَعْبَةَ سَنَةً،

стр. 298

وجميع قريش سنة، فكان يأتي بالحبرة الجيدة، فَيَكْسُوهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، فَسَمَّتْهُ بِهَا قُرَيْشٌ الْعَدْلَ، لأَنَّهُ عَدَلَ فِعْلُهُ بِفِعْلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا. وأول عربية كست الكعبة الحرير والديباج: بتيلة بنت حباب أُمُّ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ٢١١- وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حنيفة، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُسَيَ الْبَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأَنْطَاعَ، ثُمَّ كَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ الثياب اليماني، ثم كساه عمر وعثمان [﵄] القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج. ويقال: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهُ الدِّيبَاجَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ويقال: ابن الزبير، ويقال: عبد الملك [بن مروان] . وَأَوَّلُ مَنْ خَلَّقَ جَوْفَ الْكَعْبَةِ ابْنُ الزُّبَيْرِ [﵁] . ٢١٢- وروى ابن أبي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [﵁] كسى الْكَعْبَةَ الْقَبَاطِيَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَجْرَى لَهَا مُعَاوِيَةُ وَظِيفَةَ الطِّيبِ

стр. 299

كُلَّ صَلاةٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهَا عَبِيدًا يَخْدِمُونَهَا. ٢١٣- أَنْبَانَا الحريري، عن العشاري، قال: أخبرنا أبو بكر الهاشمي، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أبو اليد الأَزْرَقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ تُكْسَى فِي كُلِّ سَنَةٍ كِسْوَتَيْنِ: كِسْوَةَ دِيبَاجٍ، وَكِسْوَةَ قَبَاطِيٍّ، فَأَمَّا الدِّيبَاجُ، فَتُكْسَاهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَيُعَلَّقُ الْقَمِيصُ وَيُدَلَّى وَلا يُخَاطُ، فَإِذَا صَدَرَ النَّاسُ مِنْ مِنًى، خِيطَ الْقَمِيصُ وَتُرِكَ الإِزَارُ حَتَّى يَذْهَبَ الْحَاجُّ لِئَلا يَخْرِقُوهُ، فَإِذَا كَانَ العاشور، علق الإزار فوصل بالقميص، فلا تَزَالُ هَذِهِ الْكِسْوَةُ كِسْوَةُ الدِّيبَاجِ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَتُكْسَى الْقَبَاطِيَّ للفطر. فَلَمَّا كَانَتْ خِلافَةُ الْمَأْمُونِ، رُفِعَ إِلَيْهِ أَنَّ الديباج يبلى ويتحرق قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ عِيدَ الْفِطْرِ، وَيُرَقَّعُ حَتَّى يسمج، فسأل مبارك الطَّبَرِيَّ مَوْلاهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى بَرِيدِ مَكَّةَ وصوافها: في أي الكسوة الْكَعْبَةُ أَحْسَنُ؟ فَقَالَ لَهُ: فِي الْبَيَاضِ، فَأَمَرَ بِكِسْوَةٍ مِنْ دِيبَاجٍ أَبْيَضَ، فَعُمِلَتْ سَنَةَ

стр. 300

ست ومئتين وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَصَارَتِ الْكَعْبَةُ تُكْسَى ثَلاثَ كُسِيًّ: الدِّيبَاجُ الأَحْمَرُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَالْقَبَاطِيُّ يوم هلال رجب، وجعلت كسوة الديباج التي أحدثها المأمون يَوْمَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لِلْفِطْرِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى الْمَأْمُونِ أَنَّ إِزَارَ الدِّيبَاجِ الأَبْيَضِ يتخرق فِي أَيَّامِ الْحَجِّ مِنْ مَسِّ الْحَاجِّ قَبْلَ أَنْ يُخَاطَ عَلَيْهَا إِزَارُ الدِّيبَاجِ الأَحْمَرِ الَّذِي تخاط في العاشور، فبعث بفضل إزار ديباج أَبْيَضَ تُكْسَاهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَوْ يَوْمَ سَابِعٍ، فَيُسْتَرُ بِهِ مَا تَخَرَّقَ مِنَ الإِزَارِ الَّذِي كسته لِلْفِطْرِ إِلَى أَنْ يُخَاطَ عَلَيْهَا إِزَارُ الدِّيبَاجِ الأحمر، ثم رفع [إلى] المتوكل أَنَّ إِزَارَ الدِّيبَاجِ الأَحْمَرِ يَبْلَى قَبْلَ هِلالِ رجب من مس الناس، فزادها إزارين مع الإزار الأول، وأسبل قميصها الديباج الأحمر حَتَّى بَلَغَ الأَرْضَ، ثُمَّ جَعَلَ الإِزَارَ فَوْقَهُ كُلَّ شَهْرَيْنِ إِزَارٌ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ ومئتين، ثم كتب الحجبة أَنَّ إِزَارًا وَاحِدًا مَعَ مَا أُزِيلَ مِنْ قميصها يجزئها، فصار يبعث بإزار واحد.

стр. 301

باب سدانة البيت كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: إِنَّهُ كَانَ وُلاةُ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَكُمْ طَسْمٌ، فَاسْتَخَفُّوا بحقه واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله، ثُمَّ وَلِيَتْهُ بَعْدَهُمْ جُرْهُمُ، فَاسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِ وَاسْتَحَلُّوا حرمته، فأهلكهم الله. قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ لَمَّا اسْتَخَفَّتْ جُرْهُمُ بِحَقِّهِ، شَرَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَلِيَتْهُ خُزَاعَةُ، ثُمَّ وَلِيَ بعد خزاعة قصي بن كلاب ولي حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ السَّدَانَةَ وَهِيَ الْحِجَابَةُ وَدَارَ النَّدْوَةِ وَاللِّوَاءَ. وَسُمِّيَتْ دَارُ النَّدْوَةِ لاجْتِمَاعِ النَّدَى فِيهَا يجلسون لإبرام أمورهم ومشاورهم، وَأَعْطَى عَبْدَ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، ثُمَّ جَعَلَ عَبْدُ الدَّارِ الْحِجَابَةَ إِلَى ابْنِهِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يزل الأمر ينقل إِلَى الأَوْلادِ حَتَّى وَلِيَ الْحِجَابَةَ عُثْمَانُ بْنُ طلحة. ٢١٤/أ- قَالَ عُثْمَانُ: كُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ والخميس، فجاء

стр. 302

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوماً يريد أن يدخل مع الناس [إلى الكعبة] فَنِلْتُ مِنْهُ وَحَلُمَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُثْمَانُ! لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ؟)) . فَقَلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ. قَالَ: ((بَلْ عَزَّتْ)) . وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، وَأَرَدْتُ الإِسْلامَ، فَإِذَا قَوْمِي يَزْبُرُونِي زَبْرًا شَدِيدًا. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ، غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَدَخَلَنِي الإِسْلامُ، وَلَمْ يعزم لي أَنْ آتِيهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَزَمَ لِي الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَأَدْلَجْتُ، فَلَقِيتُ خَالَدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَاصْطَحَبْنَا فَلَقِينَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فاصطحبنا الْمَدِينَةَ، فَبَايَعْتُهُ وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: يَا عُثْمَانُ! ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ. فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ مني، ثم دفعه إلي، فقال:

стр. 303

((خذوها يا بني أبي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظالم)) . وقال ابن عباس: لَمَّا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ، فَهَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ إياه، قال له العباس: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَةِ، فَكَفَّ عُثْمَانُ يَدَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَبَّاسَ، فقال النبي: ((هَاتِ الْمِفْتَاحِ)) . فَأَعَادَ الْعَبَّاسُ قَوْلَهُ وَكَفَّ عُثْمَانُ، فقال النبي: ((أَرِنِي الْمِفْتَاحَ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر)) . فقال: هاكه يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ وفتح البيت. فنزل جبريل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أهلها﴾ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يَلِيَ فَتْحَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ ابْنُ عمه، فبقيت الحجابة في ولد شيبة.

стр. 304

باب فضل الحجر الأسود ٢١٤/ب- أخبرني الكروخي، قال: أخبرنا الغورجي، قال: أخبرنا الجراحي، قال: ثنا المحبوبي، قال: ثنا الترمذي، قال: ثنا قتيبة، قال: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عن ابن عباس [﵄] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَدَّتْهُ خَطَايَا بني آدم)) . قال الترمذي: هذا حديث [حسن] صَحِيحٌ. ٢١٥- أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُصَيْنِ وَأَبُو بكر بن عبد الباقي، قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري، قال: ثنا أبو أحمد الغطريفي، قال: ثنا أبو خليفة، قال: ثنا شاذان بن فياض، قال: ثنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 305

((الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنْ حِجَارَةِ الْجَنَّةِ)) . ٢١٦- أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بن علي، قال: أخبرنا علي بن محمد بن العلاف، قال: ثنا علي بن أحمد الحمامي، قال: أخبرنا أحمد بن عثمان الآدمي، قال: ثنا موسى بن الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا رجاء أبو يحيى، قال: ثنا مُسَافِعُ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بن عمرو بن العاص يقول: أَشْهَدُ بِاللَّهِ ثَلاثًا (وَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ) ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: ((إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نُورَهُمَا، لأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)) . ٢١٧- أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا ابن حبابة، قال: ثنا البغوي، قال: ثنا شيبان، قال:

стр. 306

ثنا عقبة بن عبد الله الرفاعي، قال: ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الحجر، فقال: كان ياقوتة من ياقوت الْجَنَّةِ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: مَا سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّضَهُ تَوْحِيدُ الْمُسْلِمِينَ، فَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، ثم أَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ أَنَّ السَّوَادَ يَصْبِغُ وَلا يَنْصَبِغُ، وَالْبَيَاضُ يَنْصَبِغُ وَلا يَصْبِغُ، هَذَا قَوْلُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَا مِنَ الجواب: إن إبقاء أَثَرُ الْخَطَايَا فِيهِ وَهُوَ السَّوَادُ أَبْلَغُ فِي باب العبرة والعظة من تغيير ذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَرَّتْ فِي الْحَجَرِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقُلُوبِ أَعْظَمُ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ [أن] تجتنب. ٢١٨- وقد أنبأنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا حمزة بن محمد الربني قال: أخبرنا أبو محمد الخلال، قال: ثنا علي بن عمرو بن سهل، قال: ثنا محمد بن حميد المقرئ، قال: ثنا عبد الله بن محمد؛ قال: ثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: ثنا الهذيل بن بلال، عن عمرو بْنِ سَيْفٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ

стр. 307

أَبْيَضَ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَحَرُوا بُدْنَهُمْ، لطخوه بالفرث الدم. ٢١٩- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الحجر الأسود، وقال: إني أعلم أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ [ ﷺ ] يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عُمَرَ نَبَّهَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ الأَحْجَارِ، وَأَخْبَرَ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِلسُّنَّةِ لا لِعَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِيهِ بَيَانُ مُتَابَعَةِ السُّنَنِ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهَا عَلَى عِلَلٍ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَلَمْسِهِ. إحداهما: ٢٢٠- أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ، كَمُصَافَحَةِ الْمُلُوكِ لِلْبَيْعَةِ وَتَقْبِيلِ الْمَمْلُوكِ يَدَ الْمَالِكِ.

стр. 308

٢٢١- أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الحربي، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: ثنا أبو بكر النيسابوري، قال: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ خَلْدُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عمر العدني، قال: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] فَمَسَحَ الْحَجَرَ، فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ٢٢٢- وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي لَفْظٍ آخَرَ، قَالَ: الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ، يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ كَمَا يُصَافِحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ. والعلة الثانية: أن الله لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ، كَتَبَ كِتَابًا عَلَى الذُّرِّيَّةِ فَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ، وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب ﵇. قَالَ العْلُمَاءُ: وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ يَقُولُ: لامَسَهُ، إِيمَانًا بِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ. ٢٢٣- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

стр. 309

محمد، قالوا: ثنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا علي بن عمر السكري، قال: ثنا أحمد بن الحسين الصوفي؛ قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، قال: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ [﵄] يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيُبْعَثَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بحق)) .

стр. 310

باب ذكر الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ٢٢٤- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي عثمان، قال: ثنا محمد بن إسماعيل الوراق، قال: ثنا عمرو بن إسحاق، قال: ثنا سهل بن شاذويه، قال: ثنا عمر بن محمد بن الحسين، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عِيسَى بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ كُرْزِ بْنِ وَبَرَةَ، عَنْ طاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ، فَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حسنة وقنا عذاب النار﴾ ، فإنه يقول: آمين آمِينَ)) . ٢٢٥- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ ناصر، قالا: أخبرنا ابن

стр. 311

العلاف، قال: ثنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: ثنا الهيثم بن خارجة، قال: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي سويد، قال: سمعت ابن هشام يَسْأَلُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي أبو هريرة [﵁] ، أن النبي ﷺ قَالَ: ((وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حسنة وقنا عذاب النار﴾ ، قالوا: آمين)) . ٢٢٦- أخبرنا ابن عيسى الهروي، قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا ابن أبي شريح، قال: ثنا ابن صاعد، قال: ثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: ثنا علي بن عراب، قال: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ (يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزٍ) ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَيَضَعُ خده عليه. ٢٢٧- أخبرنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا عاصم بن الحسين، قال:

стр. 312

أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: ثنا أبو عبد الله المحاملي، قال: ثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثني أبو بكر، قال: حدثني أبو غزية، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر بن ربيعة، عن أبيه [﵁] ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ، إِلا الْيَمَانِيَّ، وَالأَسْوَدَ. وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِلامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَسْنُونٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يُسَنُّ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.

стр. 313

بَابُ ذِكْرِ الْحِجْرِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ. ٢٢٨- وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: ((الْحِجْرُ مِنَ البيت)) . فيدخل بهذا تحت قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ، فعلى هذا يلزم الطواف بالحجر، فإنه تَرَكَهُ فِي طَوَافِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال أبو حنيفة: يجزئه. وَقَدْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْحِجْرِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يتعاهدون فيه. ٢٢٩- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا ابن أبي صادق، قال: ثنا

стр. 314

ابن باكويه، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، قال: ثنا إسماعيل بن القاسم البرذعي، قال: ثنا عبد الله بن منبويه، قال: ثنا عبد الرحيم الدبيلي، قال: حدثني عثمان بن عمارة، قال: وردت الحجر مرة، فَإِذَا أَنَا بِمُحَمَّدِ بْنِ ثَوْبَانَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أدهم وعباد المنقرئ وهم يتكلمون بكلام لا أَعْقِلُهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ، إِنِّي شَابٌّ كَمَا تَرَوْنِي أَصُومُ النَّهَارَ، وَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَأَحُجُّ سَنَةً، وَأَغْزُو سَنَةً، ما أرى في نفس زِيَادَةً، فَشُغِلَ الْقَوْمُ عَنِّي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامِي، ثُمَّ حَانَ مِنْ واحدٍ مِنْهُمُ الْتِفَاتَةٌ، فَقَالَ: يَا غُلامُ! إِنَّ هَمَّ الْقَوْمِ لَمْ يَكُنْ فِي كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، إِنَّمَا كَانَ هَمُّ الْقَوْمِ فِي نَفَاذِ الأَبْصَارِ حتى أبصروا. ٢٣٠- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: ثنا ابن باكويه، قال: ثنا عيسى بن عمر، قال: ثنا أحمد بن محمد القرشي، قال: ثنا إبراهيم بن عيسى، قال: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بالبيت، إذ أنا بِامْرَأَةٍ جَهِيرَةٍ فِي الْحِجْرِ وَهِيَ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ شقةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلَةً لِمَعْرُوفِكَ، فَأَنِلْنِي مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سواك يا معروفاً بالمعروف. فَعَرَّفْتُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ، فَسَأَلْنَا عَنْ مَنْزِلِهَا وَقَصَدْنَاهَا وسلمنا عليها،

стр. 315

فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ: قُولِي خَيْرًا رَحِمَكِ اللَّهُ. قالت: وما أقول؟ أشكوا إِلَى اللَّهِ قَلْبِي وَهَوَايَ، فَقَدْ أَضَرَّا بِي وَشَغَلانِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي قُومَا، فَإِنِّي أُبَادِرُ طَيَّ صَحِيفَتِي. قَالَ أَيُّوبُ: فَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَزَوَّجْتِ رَجُلا يُعِينُكِ عَلَى مَا أَنْتِ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: لَوْ كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ أَوْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ما أردته! فقلت: أَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَهَذَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ. فَقَالَتْ: أُفٍّ لَكُمَا، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَشْغَلُكُمَا ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ مُحَادَثَةِ النِّسَاءِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى صَلاتِهَا. فَسَأَلْنَا عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ مُلَيْكَةُ بِنْتُ المنكدر.

стр. 316

بَابُ ذِكْرِ الْمِيزَابِ ٢٣١- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه كان إذا حاذا مِيزَابَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الحساب)) . وقال ابن عباس [﵁] : صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شَرَابَ الأَبْرَارِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا مُصَلَّى الأَخْيَارِ؟ قال: تحت الميزاب. قيل: وما شرب الأَبْرَارِ؟ قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَنْ قَامَ تَحْتَ مَثْعَبِ الْكَعْبَةِ فدعى، اسْتُجِيبَ لَهُ وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمه.

стр. 317

باب ذكر البيت العتيق الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ مُقَابِلُ الْكَعْبَةِ ٢٣٢- أخبرنا موهوب بن أحمد الجواليقي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري، قال: أخبرنا أبو الحسن بن الصلت، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، قال: ثنا أبو الوليد الأزرقي، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((البيت الَّذِي فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، وَهُوَ مِثْلُ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لَوْ سَقَطَ، سَقَطَ عَلَيْهِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا)) . ٢٣٣- أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا ابن مالك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال:

стр. 318

ثنا عفان، قال: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ [ ﷺ ] حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ((فَلَمَّا خَلُصْتُ (يَعْنِي: إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) إِذَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ البيت المعمور)) . ٢٣٤- قال قتادة: وحدثنا الحسن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه أري الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ملك، ثم لا يَعُودُونَ فِيهِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ٢٣٥- وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب [﵁] : هو فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.

стр. 319

باب تلخيص قصة أصحاب الفيل إذ قصدوا تخريب الكعبة فأهلكهم الله كان أبرهة بن الأَشْرَمِ قَدْ بَنَى بَيْعَةً، وَقَالَ: لأُضَيِّفَنَّ إِلَيْهَا حِجُّ الْعَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَدَخَلَهَا لَيْلا، فَأَحْدَثَ فِيهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَيَهْدِمَنَّهَا، فَسَارَ بِجُنُودِهِ، وَاسْتَصْحَبَ الْفِيلَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ، أمر أصحابه بالغارة على نعم النَّاسِ، فَأَصَابُوا إِبِلا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقَالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ وأخبره أني لم آت لقتال، إنما جِئْتُ لأَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ. فَانْطَلَقَ، فَلَقِيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لأُخْبِرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، إِلا أَنْ تُقَاتِلُوهُ، إِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَا لَهُ عِنْدَنَا قتال، وما لنا به يد أن سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ [﵇] ،

стр. 320

فإن منعه، فهو بيته، وإن نخلى بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا بِهِ قُوَّةٌ. قَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ، فانطلق، فلما دخل على أبرهة، أكرمه وَأَجَلَّهُ، وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ علي مئتي بعير أصابها. فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، وَلَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ لأَهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ وَكَلَّمْتَنِي فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ هَذِهِ الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه، فأمر بإبله، فردت عليه، فخرج فأخبر قريشاً وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال تخوفاً عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ إِذَا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، وَأَتَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْكَعْبَةَ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ وجعل يقول: يا رب لا أرجوا لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمْ أَنْ يخربوا قراكا
следующие страницы →