← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بَابُ ذِكْرِ الْمِيزَابِ ٢٣١- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه كان إذا حاذا مِيزَابَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الحساب)) . وقال ابن عباس [﵁] : صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شَرَابَ الأَبْرَارِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا مُصَلَّى الأَخْيَارِ؟ قال: تحت الميزاب. قيل: وما شرب الأَبْرَارِ؟ قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَنْ قَامَ تَحْتَ مَثْعَبِ الْكَعْبَةِ فدعى، اسْتُجِيبَ لَهُ وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمه.

стр. 317

باب ذكر البيت العتيق الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ مُقَابِلُ الْكَعْبَةِ ٢٣٢- أخبرنا موهوب بن أحمد الجواليقي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري، قال: أخبرنا أبو الحسن بن الصلت، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، قال: ثنا أبو الوليد الأزرقي، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((البيت الَّذِي فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، وَهُوَ مِثْلُ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لَوْ سَقَطَ، سَقَطَ عَلَيْهِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا)) . ٢٣٣- أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا ابن مالك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال:

стр. 318

ثنا عفان، قال: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ [ ﷺ ] حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ((فَلَمَّا خَلُصْتُ (يَعْنِي: إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) إِذَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ البيت المعمور)) . ٢٣٤- قال قتادة: وحدثنا الحسن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه أري الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ملك، ثم لا يَعُودُونَ فِيهِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ٢٣٥- وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب [﵁] : هو فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.

стр. 319

باب تلخيص قصة أصحاب الفيل إذ قصدوا تخريب الكعبة فأهلكهم الله كان أبرهة بن الأَشْرَمِ قَدْ بَنَى بَيْعَةً، وَقَالَ: لأُضَيِّفَنَّ إِلَيْهَا حِجُّ الْعَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَدَخَلَهَا لَيْلا، فَأَحْدَثَ فِيهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَيَهْدِمَنَّهَا، فَسَارَ بِجُنُودِهِ، وَاسْتَصْحَبَ الْفِيلَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ، أمر أصحابه بالغارة على نعم النَّاسِ، فَأَصَابُوا إِبِلا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقَالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ وأخبره أني لم آت لقتال، إنما جِئْتُ لأَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ. فَانْطَلَقَ، فَلَقِيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لأُخْبِرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، إِلا أَنْ تُقَاتِلُوهُ، إِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَا لَهُ عِنْدَنَا قتال، وما لنا به يد أن سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ [﵇] ،

стр. 320

فإن منعه، فهو بيته، وإن نخلى بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا بِهِ قُوَّةٌ. قَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ، فانطلق، فلما دخل على أبرهة، أكرمه وَأَجَلَّهُ، وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ علي مئتي بعير أصابها. فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، وَلَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ لأَهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ وَكَلَّمْتَنِي فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ هَذِهِ الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه، فأمر بإبله، فردت عليه، فخرج فأخبر قريشاً وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال تخوفاً عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ إِذَا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، وَأَتَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْكَعْبَةَ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ وجعل يقول: يا رب لا أرجوا لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمْ أَنْ يخربوا قراكا

стр. 321

وقال أيضاً: لا هم إن ألم بمنع رحله ... وحلاله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحا ... لهم عدواً محالك جروا جموع بِلادِهِمْ وَالْفِيلَ ... كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكَ عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ جَهْلا ... وَمَا رَقَبُوا جَلالَكَ إِنْ كُنْتَ تَارِكُهُمْ وَكَعْبَتَنَا ... فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ ثُمَّ إن أبرهة أصبح متهيباً للدخول، فبرك الفيل، فبعثوه، فأبى، فضربوه، فأبى، فوجهوه إلى اليمن راجعاً، فهرول، ووجهوه إلى الشام، فَهَرْوَلَ، وَإِلَى الْمَشْرِقِ، فَكَذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ، فأبى، وأرسل اللَّهُ تَعَالَى طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي صفتها، فقال ابن عباس [﵁] : كَانَتْ لَهَا خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الطَّيْرِ، وَأَكُفٌّ كَأَكُفِّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال ابن إسحاق: كانت أمثال الْخَطَاطِيفِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَلْوَانِهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أحدها: أنها كانت خضراً، قاله عكرمة.

стр. 322

والثاني: سوداً، قاله عبيد بن عمير. والثالث: بيضاً، قاله قتادة. قال: وكان مع كل طائر ثَلاثَةُ أَحْجَارٍ: حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، وحجرٌ فِي مِنْقَارِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْحِجَارَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ كَأَمْثَالِ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عمير: كان الحجر كرأس الرجل، وكالجمل، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْقَوْمَ، أَرْسَلَتْهَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُصِبْ الْحِجَارَةُ أَحَدًا، إِلا هَلَكَ، وَكَانَ الْحَجَرُ يَقَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ، فَهَلَكُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَبْرَهَةَ دَاءً فِي جَسَدِهِ فَتَسَاقَطَتْ أَنَامِلُهُ، وَانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، وَرَأَى أَهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ نَاحِيَةِ البحر، فقال عبد المطلب: إن هذه الطير غَرِيبَةٌ، ثُمَّ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى فرس لينظرن فَرَجَعَ يَرْكُضُ وَيَقُولُ: هَلَكَ الْقَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ، فَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَقِيلَ: لَمْ ينج منهم إلا أبو يَكْسُومَ، فَسَارَ وَطَائِرٌ يَطِيرُ مِنْ فَوْقِهِ، وَلا يَشْعُرُ بِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أَصَابَ الْقَوْمَ، فَلَمَّا أَتَمَّ كَلامَهُ، رَمَاهُ الطائر فمات.

стр. 323

بَابُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، الْحَمْدُ للَّهِ رب العالمين كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلا، وَالْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ وَقَدْ جِئْنَاكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي واعف عني، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إِلَهَ إِلا أنت (يرفع بذلك صوته) .

стр. 324

باب فضل النظر إلى الكعبة ٢٣٦- قال ﷺ : ((يُنْزِلُ اللَّهُ على هذا البيت عشرين ومئة رحمة [ستون منها للطائفين وأربعون للمصلين، و] عشرون للناظرين. ٢٣٧- وروى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عن النبي ﷺ : ((النَّظَرُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِبَادَةٌ)) . ٢٣٨- أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ عن العشاري، قال: أخبرنا أبو بكر الهاشمي، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أَبُو الوليد الأَزْرَقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَاسِينُ، عَنْ أبي بكر المديني، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس [﵄] يَقُولُ: النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ مَحْضُ الإِيمَانِ.

стр. 325

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، خَرَجَ مِنَ الْخَطَايَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمه. وقال عطاء: الناظر إلى البيت بمنزلة الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الْمُخْبِتِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، ونظرة إلى البيت تعدل عِبَادَةَ سَنَةٍ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا. وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ إِيمَانًا وتصديقاً، تحاتت عنه الذنوب كما تتحات الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ.

стр. 326

باب انزعاج العارفين عند رؤية الكعبة أو مكة كَانَ أَرْبَابُ الْمَعْرِفَةِ يَنْزَعِجُونَ إِذَا دَخَلُوا مَكَّةَ أو لاحت لَهُمُ الْكَعْبَةُ، لأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَنْزِلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهِ. حَجَّتِ امْرَأَةٌ عَابِدَةٌ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي، أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي؟ فَقِيلَ لَهَا: الآنَ تَرَيْنَهُ، فَلَمَّا لاحَ الْبَيْتُ، قَالُوا: هَذَا بَيْتُ رَبِّكِ، فَاشْتَدَّتْ نَحْوَهُ فَأَلْصَقَتْ جَبِينَهَا بِحَائِطِ الْبَيْتِ، فما رفعت إلا ميتةً! وحج الشبلي، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ جَعَلَ يَقُولُ: أَبَطْحَاءُ مَكَّةَ هَذَا الَّذِي أَرَاهُ عِيَانًا وَهَذَا أَنَا، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ دارهم وأنت محب ... ما بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الآمَاقِ وَقَالَ الرَّضِيُّ فِي هذا المعنى: إذا هزنا الشوق اضطربنا لهزه ... عَلَى شُعَبِ الرَّحْلِ اضْطِرَابَ الأَرَاقِمِ فَمِنْ صَبَوَاتٍ يستقيم بِمَائِلٍ ... وَمِنْ أُرَيْحِيَاتٍ تَهُبُّ بِنَائِمِ وَاسْتَشْرِفِ الأَعْلامَ حتى يدلني ... على طيبها مر الرياح النواسم وما أنسم الأرواح إلا لأنها ... تمر على تلك الربا والمعالم

стр. 327

أبواب ذكر الطواف بالبيت

стр. 328

أبواب ذكر الطواف بالبيت باب الأصل فِي الطَّوَافِ أَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ، فَقَدْ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، فقال: لما قال الله تعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إِنِّي جاعلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتجعل فيها من يفسد فيها.. قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ ، ظنت الملائكة أن ما قالوا رد عَلَى رَبِّهِمْ، فَلاذُوا بِالْعَرْشِ وَطَافُوا بِهِ إِشْفَاقًا مِنَ الْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ لَهُمُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، فَطَافُوا بِهِ ثُمَّ بَعَثَ مَلائِكَةً، فَقَالَ: ابْنُوا لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ بِمَثَالِهِ، وَأَمَرَ اللَّهُ تعالى أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَهُوَ لِيَاذٌ بِالْمَخْدُومِ، وَخِدْمَةٌ لَهُ.

стр. 329

بَابٌ أَقْسَامُ الطَّوَافِ وَمَا يُقَالُ فِيهِ الطَّوَافُ بالبيت في الحج على أربعة أَقْسَامٍ: مَسْنُونٌ: وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ. وَفَرْضٌ: وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ. وَوَاجِبٌ: وَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ. وَمُسْتَحَبٌّ: وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ. وَالنِّيَّةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الأطوفة، وإذا ابتدأ بطواف القدوم، اضطبع بردائه، فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفه على عاتقه الأيسر، ويبتدأ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلا، اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يده، فإن لم يمكنه، أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَطُوفُ، فَإِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ. وَظَاهِرُ كَلامِ الْخِرْقِيِّ: أَنَّهُ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ عِنْدَ اسْتِلامِ الْحَجَرِ فِي الطواف:

стр. 330

بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَطُوفُ سَبْعًا، يُرْمِلُ في الثلاثة الأول منه، (وَالرَّمْلُ: إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا) ، وَيَمْشِي في الأربعة، وكلما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني، استلمهما، ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ الرَّمْلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا. وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ الأَرْبَعَةِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ بَيْنَ ذَلِكَ. وَلا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلا تَضْطَبِعُ، وَلا يَرْمُلُ أَهْلُ مَكَّةَ. وَالأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَ رَاجِلا، فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا، أَجَزَأَهُ وَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يُكْرَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ، أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وعن أحمد: أنه لا يجزئه إلا لعذر، فإن حَمَلَهُ مُحْرِمٌ وَنَوَيَا جَمِيعًا، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ بِالْمَحْمُولِ عُذْرٌ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عذر، فعلى الروايتين، فأما الحامل، فلا تجزئه رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَلْزَمُ الطَّائِفُ أَنْ يَكُونَ

стр. 331

مُتَطَّهِرًا، فَإِنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ وَالنَّجَسِ عِنْدَنَا لا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أنه يصح ويلزمه دم، وهو في قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَافَ مَكْشُوفَ العورة فيه روايتان: إحداهما: لا يصح. والثانية: يجزئه، ويجبره بدم، فَإِنْ نَكَّسَ الطَّوَافَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ على يَمِينِهِ، أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ، أَوْ عَلَى شَاذَرُوَانِ الْكَعْبَةِ، أَوْ تَرَكَ مِنَ الطَّوَافِ شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ لم ينو.

стр. 332

باب ذكر فضائل الطَّوَافِ ٢٣٩- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَاكِمُ ويحيى بن علي المديني، قالا: أخبرنا ابن النقور، قال: أخبرنا ابن حبابة، قال: ثنا البغوي، قال: ثنا هدبة، قال: ثنا [حماد بن الجعد] ، قال: ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أن مولى لعبد الله بن عمران حدثه عن عبد الله بن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: (( (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ) . ٢٤٠- أَخْبَرَنَا يحيى بن علي، قال: أخبرنا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ وعبد الباقي بن محمد، قالوا: ثنا المخلص، قال: ثنا ابن صاعد، قال: ثنا عبد الله بن عمران، قال: ثنا يوسف (وهو ابْنُ السَّفَرِ) ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ،

стр. 333

عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ لِلَّهِ فِي كل يوم وليلة عشرين ومئة رحمة تنزل على هذا البيت؛ فستون لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ)) . ٢٤١- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن علي وابن ناصر، قالا: أخبرنا ابن العلاف، قال: ثنا عبد الملك بن بشران، قال: ثنا محمد بن الحسين الآجري، قال: ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: ثنا يحيى بن أيوب العابد، قال: ثنا محمد بن صبيح السماك، عن عائذ بن نسير، عن عطاء، عن عائشة [﵄] ، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى يباهي بالطائفين)) . ٢٤٢- وبالإسناد ثنا الآجري، قال: ثنا محمد بن الليث الجوهري، قال: ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ،

стр. 334

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [﵄] ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ [ ﷺ ] يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا ولم يضع الأخرى، إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حسنة وحط بها عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً)) . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ أَحْصَى أُسْبُوعًا، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ)) . ٢٤٣- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الأصفهاني، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد العانجاني، قال: ثنا جدي أبو أمي عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أَبُو شَيْبَةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَوَابِ الْحَجِّ وَمَا لَهُ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] :

стр. 335

((بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ دَرَجَةٌ تُرْفَعُ وَحَسَنَةٌ تُكْتَبُ وَسَيِّئَةٌ تُكَفَّرُ، فَإِذَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَعَدْلُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ تَعْتِقُهَا، وَمَلَكٌ يَضْرِبُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ يقول: كفيت ما مضى، فاعمل لما بقي)) . ٢٤٤- وبه حدثنا آدم، قال: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ [﵄] ، قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الرُّكْنَ لِيَسْتَلِمَهُ، خَاضَ [فِي] الرَّحْمَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، كَتَبَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَحَطَّ عَنْهُ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ دَرَجَةٍ، وَشُفِّعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بيته، فإذا أتى مقام إبراهيم صلى عليه فصلى عنده ركعتين إيماناً واحتساباً، كتب الله لَهُ عِتْقَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُحَرَّرًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

стр. 336

٢٤٥- وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده [﵁] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: ((إذا خرج المرء يُرِيدُ الطَّوَافَ أَقْبَلَ يَخُوضُ [فِي] الرَّحْمَةِ، فَإِذَا دَخَلَهُ، غَمَرَتْهُ، ثُمَّ لا يَرْفَعُ قَدَمًا وَلا يضع قدماً، إلا كتب الله له بكل قدم خمس مئة حسنة، وحط عنه خمس مئة سيئة (أو قال: خطيئة) ، ورفع له خمس مئة دَرَجَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُبُرَ الْمَقَامِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمه، وكتب له أجر عتق عَشْرِ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ﵇، وَاسْتَقْبَلَهُ مَلَكٌ عَلَى الرُّكْنِ. فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ فِيمَا بَقِيَ فَقَدْ كُفِيتَ مَا مَضَى، وَشُفِّعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)) . ٢٤٦- وَرُوِيَ أن النبي ﷺ قال لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: ((وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّكَ تَصْدُرُ حِينَ تَصْدُرُ وَأَنْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)) . وَحَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ اللَّهَ ينظر في كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى أَهْلِ

стр. 337

الأرض، وأول من ينظر إليه من أهل الأرض أَهْلُ الْحَرَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَنْ رَآهُ طَائِفًا، غَفَرَ لَهُ، وَمَنْ رَآهُ مُصَلِّيًا، غَفَرَ له، ومن رآه نائماً مستقبل الكعبة، غفر له، وأنه لا تغرب الشمس يَوْمٍ إِلا وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ رَجُلٌ مِنَ الأَبْدَالِ، وَلا يَطْلُعُ فَجْرُ لَيْلَةٍ إِلا طَافَ بِهِ وَاحَدٌ مِنَ الأَوْتَادِ، فَإِذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ، كَانَ سَبَبُ رَفْعِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفْرَ يَعُودُ مُسْتَوْلِيًا على ذلك المكان، فينقضون البيت. ٢٤٧- كما أخبرنا ابن عيسى السجزي، قال: ثنا محمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: ثنا ابن صاعد، قال: ثنا عبد الله بن شبيب، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الْعَزِيزُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] ، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةَ)) . أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

стр. 338

بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الإِكْثَارِ مِنَ الطَّوَافِ ٢٤٨- جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ((اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّهُ أقل شَيْءٍ تَجِدُونَهُ فِي صُحُفِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَغْبَطُ عمل تجدونه)) . ٢٤٩- أخبرنا سعيد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري، قال: أخبرنا المخلص، قال: ثنا يحيى بن صاعد، قال: ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، قَالَ: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) . ٢٥٠- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبي منصور، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد،

стр. 339

قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: ثنا شريح، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ طَارِقٍ في الطواف، قد انفرج له أهل الطواف، وعليه نعلان مطرقان، فحزروا طَوَافَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَإِذَا هُوَ يَطُوفُ في اليوم والليلة عشرة فراسخ.

стр. 340

باب الأدب في الطواف ينبغي للطائف حول البيت حسن الأدب، فإنه في صلاة. ٢٥١- رَوَى ابْنُ عَبَاسٍ [﵄] ، عَنِ النبي ﷺ ، أنه قال: ((الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ، إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، فَلا يَتَكَلَّمُ إلا الخير)) . ٢٥٢- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ ناصر، قالا: أخبرنا علي بن محمد بن العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: ثنا أبو بكر الآجري، قال: ثنا المفضل بن محمد الجندي، قال: ثنا صامت بن معاذ قال: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ (يَعْنِي: ابْنُ أَبِي رُوَّادٍ) ، قَالَ: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ خَاشِعِينَ ذَاكِرِينَ كَأَنَّ عَلَى رؤوسهم الطَّيْرَ وَقَعَ يَسْتَبِينُ لِمَنْ رَآهُمْ أَنَّهُمْ فِي نسك وعبادة.

стр. 341

قال أبي: وكان طاووس مِمَّنْ يُرَى فِي ذَلِكَ النَّعْتِ. ٢٥٣- وَبِهِ حَدَّثَنَا الآجري، قال: ثنا عبيد الله بن محمد بن عبد الحميد، قال: ثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة، قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس، قال: ثنا وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ أَنَا وسفيان الثوري بالبيت لَيْلا، فَانْقَلَبَ سُفْيَانُ وَبَقِيتُ فِي الطَّوَافِ، فَدَخَلْتُ الحجر، فصليت تحت الميزاب، فبينما أنا ساجد، إذ سَمِعْتُ كَلامًا بَيْنَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَالْحِجَارَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ! أَشْكُو إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَيْكَ مَا يَفْعَلُ هَؤُلاءِ الطَّائِفُونَ حَوْلِي مِنْ يفكههم فِي الْحَدِيثِ وَلَغَطِهِمْ وَسَهْوِهِمْ. قَالَ وُهَيْبٌ: فَأَوَّلْتُ أن البيت شكا إِلَى جِبْرِيلَ ﵇. ٢٥٤- وَبِهِ حَدَّثَنَا الآجُرِّيُّ، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْبَرْذَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ علي الْمُوَفَّقِ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، أَنَّهُ رَقَدَ فِي الْحِجْرِ، فَسَمِعَ الْبَيْتَ يَقُولُ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الطَّائِفُونَ حَوْلِي عَنْ مَعَاصِي الله، لأَصْرُخَنَّ صَرْخَةً أَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جِئْتُ منه.

стр. 342

باب غض البصر في الطواف وغيره اعْلَمْ أَنَّ غَضَّ الْبَصَرِ عَنِ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، ولكم جلب إطلاقه من آفة وخصوصاً فِي زَمَنِ الإِحْرَامِ وَكَشْفِ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ، فَيَنْبَغِي لمن يتقي الله أَنْ يَزْجُرَ هَوَاهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، تَعْظِيمًا لِلْمَقْصُودِ، وَقَدْ فَسَدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِإِطْلاقِ أبصارهم هنالك. ٢٥٥- أخبرنا المبارك بن علي، قال: أخبرنا علي بن محمد العلاف، قال: ثنا عبد الملك بن بشران قال: ثنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال: أخبرنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: ثنا المبرد، قال: ثنا هِشَامٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، قال: حج عبد الملك بن مروان وحج معه خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالاتِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عند عبد الملك، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ بَصُرَ بِرَمْلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَعَشِقَهَا عِشْقًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْقُفُولَ، هَمَّ خَالِدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! رَمْلَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَدْ أَذْهَلَتْ عَقْلِي، وَاللَّهِ مَا أَبْدَيْتُ لَكَ مَا بِي حَتَّى عِيلَ صبري، فلقد

стр. 343

عَرَضْتُ النَّوْمَ عَلَى عَيْنِي فَلَمْ تَقْبَلْهُ، وَالسُّلُوَّ عَلَى قَلْبِي فَامْتَنَعَ مِنْهُ، فَأَطَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّعَجُّبَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَقُولُ: إِنَّ الْهَوَى يَسْتَأْسِرُ مِثْلَكَ. فَقَالَ: وَإِنِّي لأَشَدُّ تَعَجُّبًا مِنْ تَعَجُّبِكَ مِنِّي، وَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ: إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس: الشُّعَرَاءِ وَالأَعْرَابِ، فَأَمَّا الشُّعَرَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوا قُلُوبَهُمُ الْفِكْرَ فِي النِّسَاءِ وَالْغَزَلَ، فَمَالَ طَبْعُهُمْ إِلَى النِّسَاءِ فَضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ دَفْعِ الْهَوَى، فَاسْتَسْلَمُوا إليه منقادين، وأما الأعراب، فإن أحدهم يخلوا بِامْرَأَتِهِ فَلا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ غَيْرَ حُبِّهِ لَهَا، وَجُمْلَةُ أَمْرِي مَا رَأَيْتُ نَظْرَةً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَزْمِ وَحَسَّنَتْ عِنْدِي رُكُوبَ الإِثْمِ مِثْلَ نَظْرَتِي هَذِهِ. فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: أوكل هذا قد بلغ منك؟ فقال: والله ما عرفتني هذه البلية قَبْلَ وَقْتِي هَذَا. فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ رَمْلَةَ عَلَى خَالِدٍ، فَذَكَرُوا ذلك لها فقالت: لا والله، أويطلق نساءه؟ فطلق امرأتين كانتا عنده، فظعن بِهَا إِلَى الشَّامِ، وَفِيهَا يَقُولُ: أَلَيْسَ يَزِيدُ الشوق كل ليلة ... وفي كل يوم من حبيبنا قربا

стр. 344

خليلي ما من ساعة نذكر أنها ... من الدهر إلا فرجت عن الْكُرَبَا أُحِبُّ بَنِي الْعَوَّامِ طُرًا لِحُبِّهَا ... وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا تَجُولُ خَلاخِيلُ النِّسَاءِ وَلا أَرَى ... لِرَمْلَةَ خَلْخَالا يَجُولُ وَلا قُلْبَا وَقَالَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْفَضْلِ فِي هَذَا المعنى: النجاة النجاة مِنْ أَرْضِ نَجْدَ ... قَبْلَ أَنْ يَعْلَقَ الْفُؤَادُ بِوَجْدِ كَمْ خَلِيٍّ غَدَا إِلَيْهِ وَأَمْسَى ... وَهُوَ يهذب بعلوةٍ وبهند انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب عقوبة أقوام أساؤوا الأدب عند الكعبة

стр. 345

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجزء الثاني من كتاب مثير العزم الساكن إلى أشراف الأماكن

стр. 346

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب عقوبة أقوام أساؤوا الأدب عند الكعبة ٢٥٦- أنبأنا أحمد بن علي بن المجلى، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا ابن بشران، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حدثني إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مرثد، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ بَرِقَ لَهُ سَاعِدُ امْرَأَةٍ، فَوَضَعَ سَاعِدَهُ عَلَى سَاعِدِهَا يَتَلَذَّذُ بِهِ، فَلَصَقَتْ سَاعِدَاهُمَا، فَأَتَى بَعْضُ الشُّيُوخِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلْتَ فِيهِ فعاهد رب البيت ألا تعود. ففعل. فخلى عنه. ٢٥٧- وبالإسناد ثنا القرشي، قال: ثنا خالد بن خداش، قال: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ أبي نجيح، أن يسافاً ونائلة رجل وامرأة حجا من الشام قبلها وهما يطوفان، فمسخا حجرين لم يزالا في المسجد حتى جاء الله بالإسلام فأخرجا.

стр. 347

٢٥٨- وبه ثنا القرشي، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا يزيد بن عياض بن جعد به، قال: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ يسافاً ونائلة كانا رجلاً وامرأة، يساف من جرهم ونائلة من قيطوراء، كَانَا فِي الْبَيْتِ فَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَمُسِخا حجرين. ٢٥٩- وبه حدثنا القرشي، قال: ثنا سويد بن سعيد، قال: ثنا مسلم بن خالد، عن ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إذ جاءت امرأة إلى البيت تعوذ به مِنْ زَوْجِهَا، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَيَبَسَتْ يَدُهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي الإِسْلامِ وإنه لأشل.

стр. 348

بَابُ ذِكْرِ مَنْ ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فِي الطَّوَافِ فَوَلَدَتْ فِي الْكَعْبَةِ ٢٦٠- رَوَى ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ أبيه، قال: كانت أم حكيم بن حِزَامٍ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فأعجلها، فأدخلها قريش إلى الكعبة، فولدت حكيماً، وعاش مئة وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الإسلام. ٢٦١- وقد روى أبو حمزة اليماني عن علي بن الحسين، أن فاطمة بنت أسد ضَرَبَهَا الطَّلْقُ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَفُتِحَتْ لَهَا الْكَعْبَةُ، فَوَلَدَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب ﵁. إِلا أَنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ لا يَثْبُتُ.

стр. 349

بَابُ ذِكْرِ الإِشَارَةِ فِي الطَّوَافِ يَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ بِقَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ يَطُوفُ بِبَيْتِهِ، وليعلم أن خالص الْمُرَادِ مِنْ طَوَافِ الْبَدَنِ بِالْبَيْتِ طَوَافُ الْقَلْبِ بِحَضْرَةِ الرَّبِّ، وَعَلَى هَذَا، كَانَ طَوَافُ الْعَارِفِينَ. وقد حج بعض الصوفية، فلما رجع؛ دخل على الشبلي فقال له: عقدت في الْحَجَّ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ يُخَالِفُ هَذَا الْعَقْدَ؟ قَالَ: لا. قال: ما عقدت، تجردت من ثيابك؟ قال: نعم. تَجَرَّدْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: لا. قَالَ: ما تجردت ولبيت؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَجَدْتَ جَوَابَ التَّلْبِيَةِ؟ قَالَ: لا.

стр. 350

قال: ما لبيت رَأَيْتَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: رَأَيْتَ مَنْ قَصَدْتَ؟ قَالَ: لا. قَالَ: مَا رَأَيْتَ. وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَقْرِئُ أَحْوَالَ الْحَجِّ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: مَا حَجَجْتَ عَلَيْكَ الْعَوْدَ. ٢٦٢- أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي منصور، قال: أخبرنا الحميدي؛ قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: أخبرنا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَرْذَعِيَّ، قال: سمعت الشبلي وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى الناس حج البيت﴾ ، فَوَصَفَ صِفَةً لَمْ يَضْبِطْهَا أَهْلُ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ أنشأ يَقُولُ: لَسْتُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحِبِّينَ إِنْ لَمْ ... أَدَعِ الْقَلْبَ بَيْتَهُ وَالْمَقَامَا وَطَوَافِي إِجَالَةُ السِّرِّ فِيهِ ... وَهُوَ رُكْنِي إِذَا أَرَدْتُ اسْتِلامَا ٢٦٣- أَخْبَرَنَا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا ابن خلف، قال: أخبرنا السلمي، قال: سمعت أحمد بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ يَقُولُ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَقْطَعُ الأَوْدِيَةَ وَالْقِفَارَ والمفاوز حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ لأَنَّ فِيهِ آثَارَ أَنْبِيَائِهِ، كَيْفَ لا يَقْطَعُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّ فِيهِ آثَارَ ربه؟ ٢٦٤- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال:

стр. 351

ثنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَطَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرٌ الخلدي، قال: سعمت الْجُنَيْدَ يَقُولُ: حَجَجْتُ عَلَى الْوِحْدَةِ فَجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ دَخَلْتُ الطَّوَافَ، فَإِذَا بِجَارِيَةٍ تَطُوفُ وَتَقُولُ: أَبَى الْحُبُّ أَنْ يَخْفَى وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُهُ ... فَأَصْبَحَ عِنْدِي قَدْ أَنَاخَ وَطَنَّبَا إِذَا اشْتَدَّ شَوْقِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِهِ ... وَإِنْ رُمْتُ قُرْبًا مِنْ حَبِيبِي تَقَرَّبَا وَيَبْدُو فاقتي ثُمَّ أَحْيَا بِهِ لَهُ ... وَيُسْعِدُنِي حَتَّى أَلَذَّ وأطربا قال: فقلت: يَا جَارِيَةُ! أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ تَعَالَى فِي مثل هذا المكان؟ فَالْتَفَتَتْ إِلَيَّ وَقَالَتْ: يَا جُنَيْدُ! لَوْلا التُّقَى لَمْ تَرَنِي ... أَهْجُرُ طِيبَ الْوَسَنِ إِنَّ التُّقَى شَرَّدَنِي ... كَمَا تَرَى عَنْ وَطَنِي أَفِرُّ مِنْ وَجْدِي بِهِ ... فَحُبُّهُ تَيَّمَنِي

стр. 352

ثُمَّ قَالَتْ: يَا جُنَيْدُ! تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَمْ برب البيت؟ قلت: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَكَ، سُبْحَانَكَ! مَا أَعْظَمَ مَشِيئَتَكَ فِي خَلْقِكَ، خَلْقٌ كَالأَحْجَارِ يَطُوفُونَ بِالأَحْجَارِ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: يطوفون بالأحجار يبغون قربةً ... إِلَيْكَ وَهُمْ أَقْسَى قُلُوبًا مِنَ الصَّخْرِ وَتَاهُوا فلم يدروا أن التيه منهم ... وحلوا محل القرب من باطن الفكر فلو خلصوا فِي الْوُدِّ غَابَتْ صِفَاتُهُمُ ... وَقَامَتْ صِفَاتُ الْوُدِّ للحق في الذكر قَالَ الْجُنَيْدُ: فَغُشِّيَ عَلَيَّ مِنْ قَوْلِهَا، فَلَمَّا أفقت، لم أرها. وأنشد لأبي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ: إليك قصدي لا لِلْبَيْتِ وَالأَثَرِ ... وَلا طَوَافِي بِأَرْكَانٍ وَلا حَجَرِ صفا دَمْعِي الصَّفَا لِي حِينَ أَعْبُرُهُ ... وَزْمَزِمِي دمعةٌ تَجْرِي مِنَ الْبَصَرِ وَفِيكَ سَعْيِي وَتَعْمِيرِي وَمُزْدَلِفِي ... والهدى جسمي الذي يغنى عن الجزر عرفانه عَرَفَاتِي إِذْ مِنًى مِنَنِي ... وَمَوْقِفِي وَقْفَةٌ فِي الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ وَجَمْرُ قَلْبِي جِمَارٌ نَبْذُهُ شَرَرُ ... وَالْحَرَمُ تَحْرِيمِيَ الدُّنْيَا عَنِ الْفِكَرِ وَمَسْجِدُ الْخَيْفِ خَوْفِي مِنْ تَبَاعُدِكُمْ ... وَمَشْعَرِي وَمَقَامِي دُونَكُمْ خَطَرِي زَادِي رَجَائِي لَهُ وَالشَّوْقُ رَاحِلَتِي ... وَالْمَاءُ مِنْ عبراتي والهوى سقري

стр. 353

بَابٌ ذِكْرُ كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عَنِ الطَّائِفِينَ وَأَدْعِيَةٌ وأحوال جرت لهم ٢٦٥- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي محمد بن الحسين الأزرق، قال: ثنا أبو سهل القطان، قال: ثنا أحمد بن يحيى بن إسحاق، قال: ثنا أحمد بن حرب النيسابوري، قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جَمِيلٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بن محرز، عن يزيد بن الأصم، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: بينا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبة وهو يَقُولُ: يَا مَنْ لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لا تَغْلُطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا من لا يتبرم بالحاج الْمُلِحِّينَ! أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ. قُلْتُ: يا عبد الله! أعد الكلام. قال: أوسمعته؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ، كان الخضر يقول: لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، إِلا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجَ وعدد المطر وورق

стр. 354

الشجر. ٢٦٦- أخبرنا محمد بن أبي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، قال: أخبرنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن والرياشي وَأَبُو حَاتِمٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًا وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ بِبَابِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ! سَائِلُكَ بِبَابِكَ، مَضَتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، فَارْضَ عَنْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يُعْفَى عَنِ الْمُسِيءِ وَيُثَابُ الْمُحْسِنِ، وأنت أفضل من دعوت وأكرم من رجوت. ٢٦٧- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أبو الحسن بن جهضم الصوفي، قال: ثنا أبو بكر محمد بن القاسم، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، قال: بينا أنا أطوف، نَظَرْتُ إِلَى أَعْرَابِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ وَفَدَ الْعِبَادُ إِلَيْهِ! ذَهَبَتْ أَيَّامِي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَقَدْ وَرَدْتُ إِلَى بَيْتِكَ الْمُعَظَّمِ الْمُكَرَّمِ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ لا تَسَعُهَا الأَرْضُ وَلا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ مُسْتَجِيرًا بِعَفْوِكَ مِنْهَا، وَحَطَطْتُ رَحْلِي بفنائك، وأنفقت مالي في رضاك،

стр. 355

فما الذي يَكُونُ مِنْ جَزَائِكَ يَا مَوْلاي؟ ثُمَّ أَقْبَلَ على الناس بوجهه فقال: معاشر النَّاسِ! ادْعُوا لِمَنْ وَكَزَتْهُ الْخَطَايَا، وَغَمَرَتْهُ الْبَلايَا، ارْحَمُوا أَسِيرَ ضُرًّ، وَغَرِيبَ فاقةٍ، سَأَلْتُكُمْ بِالَّذِي قَدْ عَمَّتْكُمُ الرَّغْبَةُ إِلَيْهِ إِلا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تعالى أن يهب لي جرمي، ويغفر لي ذنوبي، ثُمَّ عَادَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي! عَظِيمُ الذَّنْبِ مَكْرُوبٌ، وَعَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ مَطْرُودٌ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ ذَا فَاقَةٍ إِلَى رَحْمَتِكَ يَا مَوْلاي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ وَضَعَ يَسَارَهُ عَلَى أُمِّ رأسه، فيصرخ وَيَبْكِي وَيَشْهَقُ وَيَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي! أُضْحِكَتِ الأَرْضُ بِالزَّهْرَةِ، وَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ بِالرَّحْمَةِ، وَالَّذِي أَعْطَيْتَ الْمُوَحِّدِينَ، إِنَّ نَفْسِي لَوَاثِقَةٌ لِي وَلَهُمْ مِنْكَ بالرضا، وَكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وَأَنْتَ حَبِيبُ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ، وَقُرَّةُ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ، يَا مَوْلاي! حَقًّا حَقًّا أَقُولُ لَقَدْ أَمَرْتَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فَاجْعَلْ وُفُودِي إِلَيْكَ عِتْقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ. ٢٦٨- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ظفر، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الفقيه، قال: ثنا هلال بن محمد، قال: ثنا عمر بن أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا زكريا، قال: ثنا الأصمعي، قال: ثنا سُفَيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: السَّائِلُ بِبَابِكَ انْقَضَتْ أَيَّامُهُ، وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَضَتْ شَهَوَاتِهِ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُهُ، وَلِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ.
следующие страницы →