← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَطَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرٌ الخلدي، قال: سعمت الْجُنَيْدَ يَقُولُ: حَجَجْتُ عَلَى الْوِحْدَةِ فَجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ دَخَلْتُ الطَّوَافَ، فَإِذَا بِجَارِيَةٍ تَطُوفُ وَتَقُولُ: أَبَى الْحُبُّ أَنْ يَخْفَى وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُهُ ... فَأَصْبَحَ عِنْدِي قَدْ أَنَاخَ وَطَنَّبَا إِذَا اشْتَدَّ شَوْقِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِهِ ... وَإِنْ رُمْتُ قُرْبًا مِنْ حَبِيبِي تَقَرَّبَا وَيَبْدُو فاقتي ثُمَّ أَحْيَا بِهِ لَهُ ... وَيُسْعِدُنِي حَتَّى أَلَذَّ وأطربا قال: فقلت: يَا جَارِيَةُ! أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ تَعَالَى فِي مثل هذا المكان؟ فَالْتَفَتَتْ إِلَيَّ وَقَالَتْ: يَا جُنَيْدُ! لَوْلا التُّقَى لَمْ تَرَنِي ... أَهْجُرُ طِيبَ الْوَسَنِ إِنَّ التُّقَى شَرَّدَنِي ... كَمَا تَرَى عَنْ وَطَنِي أَفِرُّ مِنْ وَجْدِي بِهِ ... فَحُبُّهُ تَيَّمَنِي

стр. 352

ثُمَّ قَالَتْ: يَا جُنَيْدُ! تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَمْ برب البيت؟ قلت: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَكَ، سُبْحَانَكَ! مَا أَعْظَمَ مَشِيئَتَكَ فِي خَلْقِكَ، خَلْقٌ كَالأَحْجَارِ يَطُوفُونَ بِالأَحْجَارِ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: يطوفون بالأحجار يبغون قربةً ... إِلَيْكَ وَهُمْ أَقْسَى قُلُوبًا مِنَ الصَّخْرِ وَتَاهُوا فلم يدروا أن التيه منهم ... وحلوا محل القرب من باطن الفكر فلو خلصوا فِي الْوُدِّ غَابَتْ صِفَاتُهُمُ ... وَقَامَتْ صِفَاتُ الْوُدِّ للحق في الذكر قَالَ الْجُنَيْدُ: فَغُشِّيَ عَلَيَّ مِنْ قَوْلِهَا، فَلَمَّا أفقت، لم أرها. وأنشد لأبي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ: إليك قصدي لا لِلْبَيْتِ وَالأَثَرِ ... وَلا طَوَافِي بِأَرْكَانٍ وَلا حَجَرِ صفا دَمْعِي الصَّفَا لِي حِينَ أَعْبُرُهُ ... وَزْمَزِمِي دمعةٌ تَجْرِي مِنَ الْبَصَرِ وَفِيكَ سَعْيِي وَتَعْمِيرِي وَمُزْدَلِفِي ... والهدى جسمي الذي يغنى عن الجزر عرفانه عَرَفَاتِي إِذْ مِنًى مِنَنِي ... وَمَوْقِفِي وَقْفَةٌ فِي الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ وَجَمْرُ قَلْبِي جِمَارٌ نَبْذُهُ شَرَرُ ... وَالْحَرَمُ تَحْرِيمِيَ الدُّنْيَا عَنِ الْفِكَرِ وَمَسْجِدُ الْخَيْفِ خَوْفِي مِنْ تَبَاعُدِكُمْ ... وَمَشْعَرِي وَمَقَامِي دُونَكُمْ خَطَرِي زَادِي رَجَائِي لَهُ وَالشَّوْقُ رَاحِلَتِي ... وَالْمَاءُ مِنْ عبراتي والهوى سقري

стр. 353

بَابٌ ذِكْرُ كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عَنِ الطَّائِفِينَ وَأَدْعِيَةٌ وأحوال جرت لهم ٢٦٥- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي محمد بن الحسين الأزرق، قال: ثنا أبو سهل القطان، قال: ثنا أحمد بن يحيى بن إسحاق، قال: ثنا أحمد بن حرب النيسابوري، قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جَمِيلٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بن محرز، عن يزيد بن الأصم، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: بينا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبة وهو يَقُولُ: يَا مَنْ لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لا تَغْلُطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا من لا يتبرم بالحاج الْمُلِحِّينَ! أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ. قُلْتُ: يا عبد الله! أعد الكلام. قال: أوسمعته؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ، كان الخضر يقول: لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، إِلا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجَ وعدد المطر وورق

стр. 354

الشجر. ٢٦٦- أخبرنا محمد بن أبي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، قال: أخبرنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن والرياشي وَأَبُو حَاتِمٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًا وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ بِبَابِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ! سَائِلُكَ بِبَابِكَ، مَضَتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، فَارْضَ عَنْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يُعْفَى عَنِ الْمُسِيءِ وَيُثَابُ الْمُحْسِنِ، وأنت أفضل من دعوت وأكرم من رجوت. ٢٦٧- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أبو الحسن بن جهضم الصوفي، قال: ثنا أبو بكر محمد بن القاسم، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، قال: بينا أنا أطوف، نَظَرْتُ إِلَى أَعْرَابِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ وَفَدَ الْعِبَادُ إِلَيْهِ! ذَهَبَتْ أَيَّامِي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَقَدْ وَرَدْتُ إِلَى بَيْتِكَ الْمُعَظَّمِ الْمُكَرَّمِ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ لا تَسَعُهَا الأَرْضُ وَلا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ مُسْتَجِيرًا بِعَفْوِكَ مِنْهَا، وَحَطَطْتُ رَحْلِي بفنائك، وأنفقت مالي في رضاك،

стр. 355

فما الذي يَكُونُ مِنْ جَزَائِكَ يَا مَوْلاي؟ ثُمَّ أَقْبَلَ على الناس بوجهه فقال: معاشر النَّاسِ! ادْعُوا لِمَنْ وَكَزَتْهُ الْخَطَايَا، وَغَمَرَتْهُ الْبَلايَا، ارْحَمُوا أَسِيرَ ضُرًّ، وَغَرِيبَ فاقةٍ، سَأَلْتُكُمْ بِالَّذِي قَدْ عَمَّتْكُمُ الرَّغْبَةُ إِلَيْهِ إِلا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تعالى أن يهب لي جرمي، ويغفر لي ذنوبي، ثُمَّ عَادَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي! عَظِيمُ الذَّنْبِ مَكْرُوبٌ، وَعَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ مَطْرُودٌ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ ذَا فَاقَةٍ إِلَى رَحْمَتِكَ يَا مَوْلاي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ وَضَعَ يَسَارَهُ عَلَى أُمِّ رأسه، فيصرخ وَيَبْكِي وَيَشْهَقُ وَيَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي! أُضْحِكَتِ الأَرْضُ بِالزَّهْرَةِ، وَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ بِالرَّحْمَةِ، وَالَّذِي أَعْطَيْتَ الْمُوَحِّدِينَ، إِنَّ نَفْسِي لَوَاثِقَةٌ لِي وَلَهُمْ مِنْكَ بالرضا، وَكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وَأَنْتَ حَبِيبُ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ، وَقُرَّةُ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ، يَا مَوْلاي! حَقًّا حَقًّا أَقُولُ لَقَدْ أَمَرْتَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فَاجْعَلْ وُفُودِي إِلَيْكَ عِتْقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ. ٢٦٨- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ظفر، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الفقيه، قال: ثنا هلال بن محمد، قال: ثنا عمر بن أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا زكريا، قال: ثنا الأصمعي، قال: ثنا سُفَيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: السَّائِلُ بِبَابِكَ انْقَضَتْ أَيَّامُهُ، وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَضَتْ شَهَوَاتِهِ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُهُ، وَلِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ.

стр. 356

٢٦٩- أخبرنا أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا حمزة بن محمد، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: تَعَلَّقَ شَابٌّ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إِلَهِي! لا لَكَ شَرِيكٌ فَيُؤْتَى، وَلا وَزِيرٌ فَيُرْشَى، إِنْ أَطَعْتُكَ فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِنْ عَصَيْتُكَ فَبِجَهْلِي وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ، فَبِإِثْبَاتِ حُجَّتِكَ وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي لَدَيْكَ إِلا غَفَرْتَ لِي. فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: الْفَتَى عَتِيقٌ من النار. ٢٧٠- أنبأ أبو سعد البغدادي، قال: أخبرنا أبو العباس الطهراني وأبو عمرو بن منده، قالا: ثنا ابن بوه، قال: أخبرنا أبو الحسن اللنباني، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: ثنا أبو حاتم الرازي، قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن كامل، قال: أخبرنا عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قال: قال طاووس: بَيْنَا أَنَا بِمَكَّةَ، بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ، فَأَجْلَسَنِي إلى جنبه، واتكأني على وسادة، إِذْ سَمِعَ مُلَبِيًا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ رَافِعًا صَوْتَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ. فَأُتِيَ بِهِ. فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: لَيْسَ عن الإسلام

стр. 357

سَأَلْتُ. قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدِ. قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ (يُرِيدُ أَخَاهُ) ؟ قَالَ: تركته عظيماً، جسيماً، لباساً، رَكَّابًا، خَرَّاجًا، وَلاجًا. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ. قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنْ سِيرَتِهِ. قَالَ: تَرَكْتُهُ ظَلُومًا، غَشُومًا، مُطِيعًا لِلْمَخْلُوقِ، عَاصِيًا لِلْخَالِقِ. قَالَ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَكَانَهُ مِنِّي؟ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَرَاهُ بِمَكَانِهِ مِنْكَ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَانِي مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَا وَافِدٌ بيته، ومصدق نبيه، وقاض دَيْنَهُ؟ فَسَكَتَ الْحَجَّاجُ وَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أن يؤذن له. قال طاووس: فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ وَقُلْتُ: الرَّجُلُ حَكِيمٌ. فَأَتَى الْبَيْتَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَعُوذُ، وَبِكَ أَلُوذُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِضَمَانِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ منع الباخلين، وغناً عما فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَكَ الْقَرِيبَ وَمَعْرُوفَكَ الْقَدِيمَ، وَعَادَتَكَ الْحَسَنَةَ. ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَرَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ حَجِّي وَتَعَبِي وَنَصَبِي، فَلا تَحْرِمْنِي الأَجْرَ عَلَى مُصِيبَتِي بِتَرْكِكَ الْقَبُولَ مِنِّي. ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَرَأَيْتُهُ غَدَاةَ جَمْعٍ يَقُولُ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ، وَاللَّهِ وَإِنْ عَفَوْتَ يُرَدِّدُ ذلك. ٢٧١- أخبرنا أبو حفص البغدادي قال: أخبرنا أبو محمد بن

стр. 358

السراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا علي بن عبد الله الصوفي، قال: ثنا الخلدي، قال: ثنا ابن مسروق، قال: ثنا هارون بن سوار المقرئ، قَالَ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ، إِذْ لَكَزَنِي رَجُلٌ بِمِرْفَقِهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، فَقَالَ لي: يا أبا صالح! قلت: لَبَّيْكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّهُ شَهِدَ الْمَوْسِمَ شَرٌّ مِنِّي وَمِنْكَ، فبئسما ظننت. ٢٧٢- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بن يعقوب يقول: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ سَيِّدٍ حَمْدَوَيْهِ يقول: سمعت قاسم بن عثمان الجوعي يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رَجُلا لا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: إِلَهِي قَضَيْتَ حَوَائِجَ الْمُحْتَاجِينَ، وَحَاجَتِي لَمْ تُقْضَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ لا تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْكَلامِ؟ قَالَ: أُحَدِّثُكَ: كُنَّا سَبْعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى تَرَافَقْنَا وَغَزَوْنَا أرض العدو، واستؤسرنا كُلَّنَا؛ فَاعْتَزَلَ بِنَا بِطَرِيقٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَضْرِبَ رقابنا، فَإِذَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَيْهَا سَبْعُ جوارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ بَابٍ جَارِيَةٌ، فقدم رجل منا فضربت عُنُقُهُ، فَرَأَيْتُ جَارِيَةً فِي يَدِهَا مِنْدِيلٌ قَدْ هَبَطَتْ إِلَى الأَرْضِ

стр. 359

حَتَّى ضُرِبَتْ أَعْنَاقُ السِّتَّةِ، وَبَقِيتُ أَنَا وَبَقِي بَابٌ وَاحِدٌ، فَلَمَّا قَدِمْتُ لِتُضْرَبَ رَقَبَتِي اسْتَوْهَبَنِي بَعْضُ رِجَالِهِ، فَوَهَبَنِي لَهُ، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ فَاتَكَ يَا مَحْرَومُ؟! وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ، فَأَنَا يَا أَخِي مُتَحَسِّرٌ عَلَى مَا فَاتَنِي. قَالَ قَاسِمٌ الْجُوعِيُّ: أَرَاهُ أَفْضَلَهُمْ، لأَنَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا، وَتُرِكَ يَعْمَلُ عَلَى الشَّوْقِ. ٢٧٣- أَخْبَرَنَا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رجلاً بفرد عَيْنٍ وَهُوَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ؟ فَقَالَ: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت يوماً إلى شخص فَاسْتَحْسَنْتُهُ، فَإِذَا بِلَطْمَةٍ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنِي، فَسَالَتْ عيني على خدي، فقلت: آه، فوقعت الأخرى، وقائل يقول: لَوْ زِدْتَ لَزِدْنَاكَ. ٢٧٤- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بن علي الخوزي قال:

стр. 360

سمعت أبا بكر الكتاني يَقُولُ: رَأَيْتُ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ وَكَانَ غَرِيبًا تَقَدَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! ما أدري ما يقول هؤلاء؟ انظر ما في هذه الرقعة. فطارت رقعة في الهواء وغاب. ٢٧٥- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ، قَالَ: حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِي على الفقر، فبينا أَنَا فِي الطَّوَافِ وَأَنَا أَقُولُ: يَا حَبِيبِي يَا حَبِيبِي، فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي: لَيْسَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِسْكِينًا حَتَّى تَكُونَ حَبِيبًا. فَغُشِّيَ عَلَيَّ، ثُمَّ كُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقُولُ: مسكينك مِسْكِينُكَ، وَأَنَا تَائِبٌ عَنْ قَوْلِي حَبِيبِي. ٢٧٦- أَخْبَرَنَا محمد بن أبي منصور وعلي بن أبي عمر، قالا: أخبرنا رزق الله وطراد، قالا: أخبرنا ابن بشران، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بن حسن، قَالَ: قَالَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: بَيْنَمَا امْرَأَةٌ فِي الطَّوَافِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رب!

стр. 361

ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ، يَا رَبِّ! سُبْحَانَكَ وعزتك، إنك لأرحم الراحمين، يا رب! مالك عقوبة إلا النار. فقالت صاحبة لها وكانت مَعَهَا: يَا أُخَيَّةُ! دَخَلْتِ بَيْتَ رَبِّكِ الْيَوْمَ؟ قالت: وَاللَّهِ مَا أَرَى هَاتَيْنِ الْقَدَمَيْنِ أَهْلا لِلطَّوَافِ حول بيت ربي ، فَكَيْفَ أَرَاهُمَا أَهْلا أَطَأُ بِهِمَا بَيْتَ رَبِّي وَقَدْ عَلِمْتُ حَيْثُ مَشَتَا وَأَيْنَ مشتا. ٢٧٧- أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا ابن السراج، قال: أخبرنا التوزي، قال: ثنا ابن أخي ميمي، قال: ثنا البرذعي، قال: ثنا أبو بكر القرشي؛ قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أَبِي عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْعَى لِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ وَلا أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، لَقَدْ رَأَيْتُ جَارِيَةً مِنْهُمْ ذات ليلة متعلقة بأستار الكعبة، فجعلت تدعوا وَتَتَضَرَّعُ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ. ٢٧٨- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصوفي، قال: ثنا أبو سعد الحيري، قال: ثنا ابن باكويه، قال: أخبرني محمد بن يحيى الجيلي، قال: ثنا محمد بن عيسى القرشي، قال: ثنا أبو الأشهب السايح، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ: يَا وَحْشَتِي بَعْدَ الأُنْسِ، وَيَا ذِلَّتِي بَعْدَ الْعِزِّ، وَيَا فَقْرِي بَعْدَ الْغِنَى.

стр. 362

فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ؟ أَذَهَبَ لَكِ مَالٌ، أَوْ أُصِبْتِ بِمُصِيبَةٍ؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ كَانَ لِي قَلْبٌ فَقَدْتُهُ. قُلْتُ: وَهَذِهِ مُصِيبَتُكِ؟ قَالَتْ: وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْقُلُوبِ وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْمَحْبُوبِ. فَقُلْتُ: لَهَا إِنَّ حُسْنَ صَوْتِكِ قَدْ عَطَّلَ عَلَى سَامِعِيهِ الطَّوَافَ. فَقَالَتْ: يَا شَيْخُ الْبَيْتُ! بَيْتُكَ أَمْ بَيْتُهُ؟ قُلْتُ: بَلْ بيته. قالت: فالحرم حرمك أم حرمه؟ قلت: حَرَمُهُ. قَالَتْ: فَدَعْنَا نَتَدَلَّلُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَزَارَنَا إِلَيْهِ. ثُمَّ قَالَتْ: بِحُبِّكَ لِي إِلا رَدَدْتَ عَلَيَّ قَلْبِي. فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أين تعلمين أنه يحبك؟ قالت: بالعناية الْقَدِيمَةِ جَيَّشَ مِنْ أَجْلِي الْجُيُوشَ، وَأَنْفَقَ الأَمْوَالَ، وَأَخْرَجَنِي مِنْ بِلادِ الشِّرْكِ، وَأَدْخَلَنِي فِي التَّوْحِيدِ، وَعَرَّفَنِي نَفْسَهُ، بَعْدَ جَهْلِي إِيَّاهُ، فَهَلْ هَذَا إلا لعناية؟ قُلْتُ: كَيْفَ حُبُّكِ لَهُ؟ قَالَتْ: أَعْظَمُ شَيْءٍ وَأَجَلُّهُ. قُلْتُ: وَتَعْرِفِينَ الْحُبَّ؟ قَالَتْ: فَإِذَا جَهِلْتُ الْحُبَّ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْرِفُ؟ قُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قالت: أرق من الشراب، قلت: وأي شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَتْ: مِنْ طِينَةٍ عُجِنَتْ بِالْحَلاوَةِ، وخمرت في إناء الجلالة، حلو المتجنى ما أقصر، فَإِذَا أُفْرِطَ، عَادَ خَبَلا قَاتِلا،

стр. 363

وفساداً معطلاً، وهو شجرة غرسها كَرِيهٌ، وَمَجْنَاهَا لَذِيذٌ. ثُمَّ وَلَّتْ وَأَنْشَأَتْ، تَقُولُ: وَذِي قَلَقٍ مَا يَعْرِفُ الصَّبْرَ وَالْعِزَّا ... لَهُ مقلة عبرى أضربها البكا وَجِسْمٌ نَحِيلٌ مِنْ شَجًى لاعِجِ الْهَوَى ... فَمَنْ ذَا يُدَاوِي الْمُسْتَهَامَ مِنَ الضَّنَا وَلا سِيَّمَا وَالْحُبُّ صَعْبٌ مَرَامُهُ ... إِذَا عَطَفَتْ مِنْهُ الْعَوَاطِفُ بالعنا ٢٧٩- أخبرنا إبراهيم بن دينار الفقيه، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد، قال: ثنا أَبُو الشَّيْخِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن حيان، قال: سمعت أبا سعيد الثقفي يَحْكِي عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ في الطواف، إذ طلع نور لحق أعنان السَّمَاءِ، فَتَعَجَّبْتُ وَأَتْمَمْتُ طَوَافِي، وَقُمْتُ أَتَفَكَّرُ فِي ذلك النور، فسمعت صوتاً حزيناً، فنظرت وإذ بِجَارِيَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ: أَنْتَ تدري يا حبيبي ... من حَبِيبِي أَنْتَ تَدْرِي وَنُحُولُ الْجِسْمِ وَالدَّمْعُ ... يَبُوحَانِ بسري يا عزيزي قَدْ كَتَمْتُ ... الْحُبَّ حَتَّى ضَاقَ صَدْرِي

стр. 364

قَالَ ذُو النُّونِ: فَشَجَانِي مَا سَمِعْتُ حَتَّى انتحبت، فبكت وقالت: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي! بِحُبِّكَ لِي إِلا غَفَرْتَ لِي. قَالَ: فَتَعَاظَمَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ! أَمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي بِحُبِّي لَكَ حَتَّى تقولي بحبك لي؟ فقالت: إليك يا ذو النُّونِ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ قَوْمًا يُحِبُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحِبُّوهُ؟ أَمَا سَمِعْتَ الله يقول: ﴿فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه﴾ ، فسبقت محبته لهم قبل مَحَبَّتَهُمْ لَهُ. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ أَنِّي ذُو النُّونِ؟ فَقَالَتْ: يَا بَطَّالُ! جَالَتِ الْقُلُوبُ فِي مَيْدَانِ الأَسْرَارِ، فَعَرَفْتُكَ بِمَعْرِفَةِ الْجَبَّارِ. ثُمَّ قَالَتِ: انْظُرْ مِنْ خَلْفِكَ. فَأَدَرْتُ وَجْهِي، فَلا أَدْرِي السَّمَاءُ اقْتَلَعَتْهَا أَمِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهَا؟ وَقَالَ ذو النون: بينا أنا أطوف بالبيت ليلاً وَقَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ، وَإِذَا بِشَخْصٍ قَدْ حَاذَى باب البيت وهو يقول: رب! عبدك المسكين الطريد الشريد، أسألك بِالْعُصْبَةِ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيَّ بِرُؤْيَتِي لَهُمْ، إِلا أَعْطَيْتَنِي مَا

стр. 365

أَعْطَيْتَهُمْ، وَسَقَيْتَنِي مَا سَقَيْتَهُمْ بِكَأْسِ حُبِّكَ، وَكَشَفَّتَ عن قلبي أغطية الجهالة والحجب حَتَّى تَرْقَى رُوحِي بِأَجْنِحَةِ الشَّوْقِ إِلَيْكَ، فَأُنَاجِيكَ في رياض بَهَائِكَ. ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَمِعْتُ لِدُمُوعِهِ وَقْعًا على الحصى، ثم ضحك قهقهة ومضى، فتبعته وأنا أقول: إما عارف أو مخذول. فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَخَذَ نَاحِيَةَ خَرَابَاتِ مَكَّةَ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا ذَا النُّونِ. قلت: ناشدتك بمحبوبك، إلا وقفت لي. فَوَقَفَ وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ذَا النُّونِ، أَمَا لَكَ شُغُلٌ؟ قُلْتُ: مَنِ الْقَوْمُ الَّذِينَ سَأَلْتَ بِحُرْمَتِهِمْ؟ فَقَالَ: قَوْمٌ سَارُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرَ مَنْ نَصَبَ الْمَحْبُوبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَجَرَّدُوا تَجَرُّدَ من أخذت الزبانية بحقوه وَأُجِّجَتِ النَّارُ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَةُ الشَّقَاءِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ. ٢٨٠- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: ثنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: حدثني عبد العزيز بن الفضل، قال: حدثني عبد الجبار بن عبد الصمد، قال: حدثني الحسين بن أحمد بن هارون، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَرْدَبِيلِيُّ، عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ أَنْ أَصْحَبَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: عَلَى شَرِيطَةٍ عَلَى أَنَّكَ لا تَنْظُرُ إِلا لِلَّهِ وَبِاللَّهِ. فَشَرَطْتُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي فَخَرَجْتُ معه، فبينا نَحْنُ فِي الطَّوَافِ، إِذَا بِغُلامٍ قَدِ افْتُتِنَ الناس في الطواف بِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ، وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فلما طال ذلك، قلت: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! أَلَيْسَ شَرَطْتَ عَلَيَّ أَنْ لا أَنْظُرَ إِلا لِلَّهِ وَبِاللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَإِنِّي أَرَاكَ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى هَذَا الغلام. فقال: إن هذا ابني وولدي، وَهَؤُلاءِ غِلْمَانِي وَخَدَمِي الَّذِينَ مَعَهُ،

стр. 366

وَلَكِنِ انْطَلِقْ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ مِنِّي وَعَانِقْهُ عَنِّي. فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَاءَ إِلَى وَالِدِهِ وسلم عَلَيْهِ، ثُمَّ صَرَفَهُ مَعَ الْخَدَمِ وَقَالَ: ارْجِعِ انْظُرْ أَيْشِ يُرَادُ بِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: هَجَرْتُ الْخَلْقَ طُرًا فِي رِضَاكَا ... وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَي أَرَاكَا فَلَوْ قَطَّعْتَنِي فِي الْحُبِّ إِرَبًا ... لَمَا حَنَّ الْفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا ٢٨١- قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ شُجَاعِ بْنِ فَارِسٍ، قال: أخبرنا هناد، قال: ثنا محمد بن علي بن مخلد، قال: ثنا أحمد بن محمد، قال: حدثني صالح بن محمد، قال: حدثني حمزة الرقي، قال: حدثني علي بن يعقوب، قال: ثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا ابن الشيظمي، قَالَ: حَجَجْتُ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ، فَبَيْنَا أَنَا أطوف بالكعبة، إذ بَصُرْتُ بِجَارِيَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ تَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي! هَا أَنَا أَمَتُكَ الْغَرِيبَةُ، وَسَائِلَتُكَ الْفَقِيرَةُ، حَيْثُ لا يَخْفَى عليك مكاني، ولا يستتر عنك سوء حالي، قد هَتَكَتِ الْحَاجَةُ حِجَابِي، وَكَشَفَتِ الْفَاقَةُ نِقَابِي، فَكَشَفْتَ لَهَا وَجْهًا رَقِيقًا عِنْدَ الذُّلِ وَذَلِيلا عِنْدَ المسألة، طال وعزتك ما حجبه عنه ماء الغنا، وصانه عنه ماء الحياء، قد خدمت عَنِّي أَكُفُّ الْمَرْزُوقِينَ، وَضَاقَتْ بِي صُدُورُ الْمَخْلُوقِينَ، فمن

стр. 367

حَرَمَنِي لَمْ أَلُمْهُ، وَمَنْ وَصَلَنِي وَكَلْتُهُ إِلَى مكافأتك. فدنوت منها، فبررتها ثم قلت لَهَا: مَنْ أَنْتِ وَمِمَّنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عني من قل مَالُهُ وَذَهَبَ رِجَالُهُ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: بَعْضُ بَنَاتِ الرِّجَالِ أَبْرَزَهَا الدَّهْرُ ... كَمَا قَدْ تَرَى وَأَحْوَجَهَا أَبْرَزَهَا مِنْ جَلِيلِ نعمتها ... وابتزها ملكها وأخرجها وطال ما كَانَتِ الْعُيُونُ إِذَا ... مَا خَرَجَتْ تَسْتَشِفُّ هَوْدَجَهَا إِنْ كَانَ قَدْ سَاءَهَا وَأَحْزَنَهَا ... فَطَالَمَا سَرَّهَا وأبهجها الحمد لله رب معسرة ... قد ضمن الله أَنْ يُفَرِّجَهَا قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا من ولد الحسين بن علي صلوات الله عليه. ٢٨٢- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: قَالَ لَنَا القاضي أبو الحسن بن صخر الأزدي: بينما أنا في الطواف وإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول:

стр. 368

سُتُورُ بَيْتِكَ ذَيْلُ الأَمْنِ مِنْكَ وَقَدْ ... عَلَقْتُهَا مُسْتَجِيرًا أَيُّهَا الْبَارِي وَمَا أَظُنُّكَ لَمَّا إِنْ عَلِقْتُ بِهَا ... خَوْفًا مِنَ النَّارِ تُدْنِينِي مِنَ النار وها أنا جار ببيت أَنْتَ قُلْتَ لَنَا ... حُجُّوا إِلَيْهِ وَقَدْ أَوْصَيْتَ بِالْجَارِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَرَجْتُ حَاجًّا إِلَى بيت الله تعالى؛ فإذا أنا بسعدون المجنون قد تعلق بأستار الكعبة يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ وَيَقُولُ: مَنْ أَوْلَى بِالتَّقْصِيرِ مِنِّي وَقَدْ خَلَقْتَنِي ضَعِيفًا، وَمَنْ أولى بالعفو منك وَأَنْتَ مَوْلاي. قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَإِذَا عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ مُرَقَّعَةٌ بِالأَدَمِ وَإِذَا عَلَى كُمِّهِ الأَيْمَنِ مَكْتُوبٌ: تَعْصِي مَوْلاكَ يَا سَعِيدُ ... ما هكذا يفعل الْعَبِيدُ فَرَاقِبِ اللَّهَ وَاخْشَ مِنْهُ ... يَا عَبْدَ سُوءٍ غَدًا الْوَعِيدُ وَعَلَى كُمِّهِ الأَيْسَرِ مَكْتُوبٌ: يَا مَنْ يَرَى بَاطِنَ اعْتِقَادِي ... وَمُنْتَهَى الأَمْرِ من فؤادي أصلح فساد الأمر مني ... ولا تدع موضع الفساد فقلت له: يَا سَعْدُونُ! أَنَّى لَكَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ؟ وَالنَّاسُ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ؟ فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 369

زَعَمَ النَّاسُ أَنَّنِي مَجْنُونُ ... كَيْفَ أَصْحُو وَلِي فُؤَادٌ مَصُونُ أَلِفَ الْحُزْنَ وَالْبُكَا فِي الدَّيَاجِي ... فَهُوَ بِاللَّهِ مُشْغَفٌ مَحْزُونُ ثُمَّ غَابَ عَنِّي.

стр. 370

بَابٌ طَوَافُ الْحَشَرَاتِ بِالْبَيْتِ ٢٨٣- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا العشاري، قال: أخبرنا ابن أخي ميمي، قال: ثنا أبو علي البرذعي، قال: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ علي العجلي، قال: ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَجْلَحِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: بَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ قَرِيبًا مِنَ الْبَيْتِ، إِذْ أَقْبَلَتْ حَيَّةٌ مِنْ بَابِ الْعِرَاقِ حَتَّى طَافَتْ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَتَتِ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَتْهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْجَانُّ! إِنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ عمرتك وإنا نخاف عليك بعض صِبْيَانِنَا، فَانْصَرِفِي. فَخَرَجَتْ رَاجِعَةً مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ.

стр. 371

بَابٌ طَوَافُ سَفِينَةِ نُوحٍ ﵇ بِالْبَيْتِ زمن الغرق ٢٨٤- أنبأ الحريري عن العشاري، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الهاشمي، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ أبي المهدي، قال: ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الفرات، عن علباء بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس [﵁] ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ، فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وَجَّهَهَا إِلَى الْجُودِيِّ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ.

стр. 372

بَابُ دُخُولِ الْبَيْتِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه دخل البيت وصلى فيه، فيستحب لِلإِنْسَانِ دُخُولُهُ حَافِيًا. وَأَوَّلُ مَنْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فِي الإِسْلامِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ النَّوَافِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ . ٢٨٥- أخبرنا أبو القاسم الحريري، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: ثنا علي بن موسى الكاتب، قال: ثنا عمر بن شبة، قال: ثنا مخشي بن معاوية، قال: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلالٌ وعثمان بن طلحة الحاجب، فأجيف الباب عليهم، فمكثوا فيه طويلاً،

стр. 373

ثم خرج رسول الله. قال عبد الله: فزاحمت، فكنت أول الناس دخل على إثر رسول الله فَأَجِدُ بِلالا عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: يَا بِلالُ! أين صلى رسول الله؟ قال: بين العمودين المقدمين. فنسيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) . وَفِي بَعْضِ الأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: فَسَأَلْتُ بِلالا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة. وفي لفظ: ((وعند الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ)) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُخُولُ الْكَعْبَةِ دُخُولٌ فِي حَسَنَةٍ، وَخُرُوجٌ منها خروج من سيئة.

стр. 374

باب ما يصنع بَعْدَ الطَّوَافِ إِذَا قَضَى الطَّائِفُ طَوَافَهُ، سُنَّ له أن يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا بِالإِخْلاصِ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يكون خلف المقام.

стр. 375

بَابُ ذِكْرِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الْحِجْرُ، وَفِي سبب وقوفه عليه قولان: إحداهما: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل ﵇ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ انْزِلْ. فَأَبَى، فَقَالَتْ: فَدَعْنِي أَغْسِلُ رَأْسَكَ. فَأَتَتْهُ بَحَجَرٍ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ، ثُمَّ رفعته، فغابت رجله فيه، فجعله الله تعالى من الشعائر، هذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَامَ عَلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. ٢٨٦- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁،

стр. 376

أنه قال: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. فنزلت: ﴿واتخذوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ . - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ مِنَ الْجَنَّةِ. - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا جَوْهَرَتَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلا مَا مَسَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، مَا مَسَّهُمَا ذُو عَاهَةٍ إِلا شَفَاهُ الله. ٢٨٧- أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: ثنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: ثنا أبو الحسن بن معروف، قال: ثنا الحسين بن الفهم، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ. قَالَ بَعْضُ سَدَنَةِ الْبَيْتِ: ذَهَبْنَا نَرْفَعُ الْمَقَامَ فِي خِلافَةِ الْمَهْدِيِّ، فانثلم وهو من حجر رضو، فَخَشِينَا أَنْ يَتَفَتَّتَ، فَكَتَبْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَضببنا بِهَا الْمَقَامَ أَسْفَلَهُ وَأَعْلاهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ أَنْ يجعل عليه ذهب أحسن من ذلك العمل، فَفَعَلُوا، وَذَرْعُ الْمَقَامِ ذِرَاعٌ، وَالْقَدَمَانِ دَاخِلانِ فِيهِ سبع أصابع.

стр. 377

٢٨٨- أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الفتح، قال: أخبرنا ابن أخي ميمي، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنِي صَالِحُ الْمُرِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ، أَنَّهُ كَانَ خَلْفَ الْمَقَامِ جَالِسًا، فَسَمِعَ دَاعِيًا دَعَا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَعَجِبَ مِنْهُنَّ وَحَفِظَهُنَّ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا: اللَّهُمَّ فَرِّغْنِي لِمَا خَلْقَتَنِي لَهُ، وَلا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ، وَلا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ، وَلا تُعَذِّبْنِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ. ٢٨٩- أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن الصوفي، قال: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّيرَوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ يَقُولُ: رَأَيْتُ شَابًّا فِي الطَّوَافِ مُتَّزِرًا بِعَبَاءَةٍ مُتَّشِحًا بِأُخْرَى، كَثِيرَ الطَّوَافِ وَالصَّلاةِ، فَوَقَعَتْ في قلبي محبته، ففتح علي بأربع مئة دِرْهَمٍ، فَجِئْتُ بِهَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ خَلْفَ الْمَقَامِ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى طَرَفِ عَبَاءَتِهِ وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَخِي! اصْرِفْ هَذِهِ الْقُطَيْعَاتِ فِي

стр. 378

بعض حوائجك. فقام وبددها في الحصى وقال: يا إبراهيم! اشتريت من الله هَذِهِ الْجِلْسَةَ بِسَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، تُرِيدُ أَنْ تَخْدَعَنِي عَنِ اللَّهِ بِهَذَا الْوَسَخِ؟! قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَا رَأَيْتُ أَذَلَّ مِنْ نَفْسِي وَأَنَا أَجْمَعُهَا مِنْ بَيْنِ الْحَصَى، وَمَا رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ ثُمَّ ذَهَبَ. ٢٩٠- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو زرعة، قال: أخبرني أبو بكر الغازي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَعَ أَصْحَابِنَا فِي مَوْضِعٍ، فَقَدَّمُوا اللَّبَنَ وَقَالُوا لي: كل. فقلت: لا آكل؛ فإنه يضرني. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، صَلَّيْتُ يَوْمًا خَلْفَ الْمَقَامِ وَدَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا أَشْرَكْتُ بِكَ قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي وَيَقُولُ: وَلا يَوْمَ اللَّبَنِ.

стр. 379

بَابُ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ الصَّلاةِ عِنْدَ الْمَقَامِ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، عَادَ إِلَى الرُّكْنِ واستلمه، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَسَعَى.

стр. 380

بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّفَا: فِي اللُّغَةِ: الْحِجَارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لا تُنِبْتُ شَيْئًا، وَهُوَ جَمْعٌ وَاحِدُهُ صَفَاةٌ، وَصَفَا مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصَى. وَالْمَرْوَةُ: الْحِجَارَةُ اللَّيِّنَةُ. ٢٩١- وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ عَنِ الصفا والمروة ولم سُمِّيَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: لأَنَّ آدَمَ لَمَّا حَجَّ، رقي عَلَى الصَّفَا رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَقَدْ أَصْفَاهَا، وَقَامَتِ امْرَأَتُهُ حَوَّاءُ على المروة لتقبل توبتها. فصل فأما السَّعْيُ بَيْنَهُمَا، فَسَيَأْتِي فِي قِصَّةِ زَمْزَمَ أَنَّ هَاجَرَ سَعَتْ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلُ السَّعْيِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا: فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لا يَنُوبُ عَنْهُ الدَّمُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ.

стр. 381

فَصْلٌ فَإِذَا أَرَادَ السَّعْيَ بَدَأَ بِالصَّفَا، وَالأَفْضَلُ أن يرقى وَيُكَبِّرَ ثَلاثًا وَيَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إله إلا الله، لا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كره الكافرون. ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ نحو ست أذرع، ثم يسعى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحِذَاءِ دَارِ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصْعَدَ الْمَرْوَةَ، وَيَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، وَالْمَرْأَةُ تَمْشِي وَلا تَسْعَى. وَيُسْتَحَبُّ ألا يَسْعَى إِلا مُتَطَهِّرًا مُسْتَتِرًا، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي السَّعْيِ كَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ، وَالْمُوَالاةُ شَرْطٌ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَإِنْ قَطَعَ الْمُوَالاةَ لحاجة قصيرة الْمُدَّةِ، بَنَى، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، ابْتَدَأَ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنَّ الْمُوَالاةَ سُنَّةٌ.

стр. 382

بَابُ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ السَّعْيِ إِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ عَادَ إِلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا ثلاث ليال، إلا أن يختار التعجل فِي يَوْمَيْنِ، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلاثَ فِي أَيَّامِ التشريق بعد الزوال، كل جمرة في كل يوم بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، كَمَا وَصَفْنَا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فيبدأ بِالْجَمْرَةِ الأُولَى وَهِيَ أَبْعَدُ الْجَمَرَاتِ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَرْمِيهَا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إِلَى مَوْضِعٍ لا يُصِيبُهُ الْحَصَى، وَيَقِفُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ سُورَةِ البقرة يدعو الله تعالى، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَقِفُ وَيَدْعُو كَمَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا. فَصْلٌ وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً، فَفِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ:

стр. 383

إِحْدَاهُنَّ: يَلْزَمُهُ دَمٌ. وَالثَّانِيَةُ: مُدٌّ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مدان، وفي ثلاثة دم. والثالثة: يَلْزَمُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وَالرَّابِعَةُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى، لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَفِيهَا الرِّوَايَاتُ الأَرْبَعُ. ويجوز لأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَرُعَاةِ الإِبِلِ أَنْ يَدَعُوا المبيت ليالي منى، وأن يرموا في يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ أَقَامُوا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَ الرُّعَاةَ الْبَيْتُوتَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَهْلَ السِّقَايَةِ. وَمَنْ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، دَفَنَ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْحَصَى، فَإِنْ أَقَامَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، لزمه البيتوتة والرمي مِنَ الْغَدِ، وَإِذَا نَفَرَ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الأَبْطَحَ، وَهُوَ الْمُحَصَّبُ وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ يَهْجَعُ يَسِيرًا، ثم يدخل مكة.

стр. 384

باب ذكر زمزم وبدو شأنها ٢٩٢- أخبرنا ابن عيسى، قال: أخبرنا الداوودي، قال: أخبرنا السرخسي، قال: ثنا الفربري، قال: حدثنا البخاري، قال: ثنا عبد الله بن محمد، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المطلب بن أبي وداعة يزيد إحداهما عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، قَالَ: جَاءَ إبراهيم بأم إسماعيل وابنها إسماعيل وهي مرضعة حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ وَلَيْسَ بمكة أحد وليس بها ماء، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَا مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلا شَيْءَ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فقالت له: آلله أمرك بهاذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعُنَا اللَّهُ. ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ [﵇] حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ

стр. 385

الدعوات ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بوادٍ غَيْرِ ذي زرع﴾ ، حتى بلغ: ﴿يشكرون﴾ ، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذلك الماء، حتى إذا نفذ، عطشت وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ فَاسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عليها ونظرت فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ٢٩٣- قال ابن عباس: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا)) . فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ، سمعت صوتاً فقال: صَهٍ! تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أُسْمِعْتُ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ غُوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بعقبه (أو قال: بجناحه) ، حتى ظهر الْمَاءَ، فَجَعَلَتْ تَحُوضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تغرف الماء من سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ :

стр. 386

((يرحم الله أم إسماعيل، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، (أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ) ؛ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا)) . فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيتاً لله ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ بَانَ فِيهِ مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا بِزَمْزَمَ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَمَّا فَاضَ، زَمَّتْهُ هَاجَرُ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: وَزَمْزَمُ مِنْ قَوْلِكَ زَمَمْتُ النَّاقَةَ إِذَا جَعَلْتَ لَهَا زِمَامًا تَحْبِسُهَا بِهِ. فَصْلٌ وَاعْلَمْ أن زَمْزَمَ دُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَوَلِيَ سِقَايَةَ الْبَيْتِ وَرِفَادَتَهُ، فَأُتِيَ فِي مَنَامِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ طَيْبَةَ. قَالَ: وما طيبة؟ فأتى من الْغَدِ، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ بَرَّةَ. قَالَ: وَمَا برة؟ فأتى من الغد فقيل له: احفر المضنونة. فقال: وما المضنونة؟ فأتى، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ زَمْزَمَ. قَالَ: وَمَا

стр. 387

زمزم؟ قال: لا تنزح وَلا تُذَمُّ تَسْقِي الْحَجِيجَ الأَعْظَمَ وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ وَهِيَ شرف لك ولولدك، وكان غراب أعصم لا يَبْرَحُ عِنْدَ الذَّبَائِحِ مَكَانَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، فغدا عبد المطلب بمعوله ومسحاته معه ابْنُهُ الْحَارِثُ وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَجَعَلَ يَحْفُرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى بَدَا لَهُ الطوي، فكبر وقال: هذا طوي إسماعيل [﵇] . فقالت له قريش: أشركنا فيه. قال: ما أنا بفاعل شيء خصصت به دُونِكُمْ، فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ. فَخَرَجُوا إِلَيْهَا فَعَطِشُوا فِي الطَّرِيقِ حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْمَوْتِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا الْعَجْزُ، أَلا نَضْرِبُ فِي الأَرْضِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً. فَارْتَحَلُوا وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلى راحلته فركبها، فلم انبعثت به، انفجرت تَحْتَ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ عَبْدُ المطلب وكبر أصحابه، فشربوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَهُ: قَدْ قَضَى لَكَ عَلَيْنَا الَّذِي سَقَاكَ، فَوَاللَّهِ لا نُخَاصِمُكَ فِيهَا أَبَدًا. فَرَجَعُوا وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ.

стр. 388

بَابُ فَضْلِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ٢٩٤- رُوِيَ عن النبي ﷺ ، أنه قَالَ: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) . ٢٩٥- وَقَالَ: ((مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ)) . ٢٩٦- وَفِي ((الصحيحين)) من حديث أبي ذر [﵁] ، أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا هَاهُنَا مِنْ بَيْنِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَيَوْمٍ. قال: ((فمن كَانَ يُطْعِمُكَ؟)) . قَالَ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جوعٍ. فَقَالَ ﵇: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طعم)) .

стр. 389

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ. ٢٩٧- فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النبي ﷺ ، أنه قال: ((التَّضَلُّعُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)) . ويستحب لمن شرب أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافَعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟! فَعِنْدَ الأَكْثَرِينَ لا يُكْرَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ. وَالأُخْرَى: يُكْرَهُ لِقَوْلِ العباس ﵇: لا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، لَكِنْ لِشَارِبٍ حلٌ وبلٌ. ٢٩٨- قرأت على محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد، قال: ثنا ابن أبي الفوارس قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي، قال: أخبرنا

стр. 390

محمد بن المسيب الأرغياني، قال: ثنا عبد الله بن حنيف، قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ مِنْ هَرَاةَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ شَيْخُ صِدْقٍ، فقال لي: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ وقد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البير، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا سُوَيْقُ لَوْزٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فضلته فشربتها، فإذا لبن مَضْرُوبٌ بِعَسَلٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ، فَشَرِبَ فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا سُكَّرٌ مَضْرُوبٌ بِلَبَنٍ لَمْ أذق أطيب منه، فأخذت ملحفته فلففتها على يدي. وقلت له: يَا شَيْخُ! بِحَقِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ عَلَيْكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: تَكْتُمُ عَلَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ. ٢٩٩- أَنْبَأنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الحافظ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال:
следующие страницы →