← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

((يرحم الله أم إسماعيل، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، (أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ) ؛ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا)) . فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيتاً لله ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ بَانَ فِيهِ مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا بِزَمْزَمَ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَمَّا فَاضَ، زَمَّتْهُ هَاجَرُ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: وَزَمْزَمُ مِنْ قَوْلِكَ زَمَمْتُ النَّاقَةَ إِذَا جَعَلْتَ لَهَا زِمَامًا تَحْبِسُهَا بِهِ. فَصْلٌ وَاعْلَمْ أن زَمْزَمَ دُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَوَلِيَ سِقَايَةَ الْبَيْتِ وَرِفَادَتَهُ، فَأُتِيَ فِي مَنَامِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ طَيْبَةَ. قَالَ: وما طيبة؟ فأتى من الْغَدِ، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ بَرَّةَ. قَالَ: وَمَا برة؟ فأتى من الغد فقيل له: احفر المضنونة. فقال: وما المضنونة؟ فأتى، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ زَمْزَمَ. قَالَ: وَمَا

стр. 387

زمزم؟ قال: لا تنزح وَلا تُذَمُّ تَسْقِي الْحَجِيجَ الأَعْظَمَ وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ وَهِيَ شرف لك ولولدك، وكان غراب أعصم لا يَبْرَحُ عِنْدَ الذَّبَائِحِ مَكَانَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، فغدا عبد المطلب بمعوله ومسحاته معه ابْنُهُ الْحَارِثُ وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَجَعَلَ يَحْفُرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى بَدَا لَهُ الطوي، فكبر وقال: هذا طوي إسماعيل [﵇] . فقالت له قريش: أشركنا فيه. قال: ما أنا بفاعل شيء خصصت به دُونِكُمْ، فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ. فَخَرَجُوا إِلَيْهَا فَعَطِشُوا فِي الطَّرِيقِ حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْمَوْتِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا الْعَجْزُ، أَلا نَضْرِبُ فِي الأَرْضِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً. فَارْتَحَلُوا وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلى راحلته فركبها، فلم انبعثت به، انفجرت تَحْتَ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ عَبْدُ المطلب وكبر أصحابه، فشربوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَهُ: قَدْ قَضَى لَكَ عَلَيْنَا الَّذِي سَقَاكَ، فَوَاللَّهِ لا نُخَاصِمُكَ فِيهَا أَبَدًا. فَرَجَعُوا وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ.

стр. 388

بَابُ فَضْلِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ٢٩٤- رُوِيَ عن النبي ﷺ ، أنه قَالَ: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) . ٢٩٥- وَقَالَ: ((مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ)) . ٢٩٦- وَفِي ((الصحيحين)) من حديث أبي ذر [﵁] ، أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا هَاهُنَا مِنْ بَيْنِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَيَوْمٍ. قال: ((فمن كَانَ يُطْعِمُكَ؟)) . قَالَ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جوعٍ. فَقَالَ ﵇: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طعم)) .

стр. 389

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ. ٢٩٧- فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النبي ﷺ ، أنه قال: ((التَّضَلُّعُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)) . ويستحب لمن شرب أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافَعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟! فَعِنْدَ الأَكْثَرِينَ لا يُكْرَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ. وَالأُخْرَى: يُكْرَهُ لِقَوْلِ العباس ﵇: لا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، لَكِنْ لِشَارِبٍ حلٌ وبلٌ. ٢٩٨- قرأت على محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد، قال: ثنا ابن أبي الفوارس قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي، قال: أخبرنا

стр. 390

محمد بن المسيب الأرغياني، قال: ثنا عبد الله بن حنيف، قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ مِنْ هَرَاةَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ شَيْخُ صِدْقٍ، فقال لي: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ وقد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البير، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا سُوَيْقُ لَوْزٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فضلته فشربتها، فإذا لبن مَضْرُوبٌ بِعَسَلٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ، فَشَرِبَ فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا سُكَّرٌ مَضْرُوبٌ بِلَبَنٍ لَمْ أذق أطيب منه، فأخذت ملحفته فلففتها على يدي. وقلت له: يَا شَيْخُ! بِحَقِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ عَلَيْكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: تَكْتُمُ عَلَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ. ٢٩٩- أَنْبَأنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الحافظ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال:

стр. 391

أخبرنا عبد العزيز بن الحسن الضراب، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أحمد بن مروان، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثِ زَمْزَمَ إِنَّهَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ له: يا أبا محمد! أليس الحديث صحيح الذي حدثنا فِي زَمْزَمَ إِنَّهُ لِمَا شُرِبَ لَهُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ شَرِبْتُ الآنَ دلولاً من زمزم على أنك تحدثني بمئة حديث فقال سفيان: اقعد. فحدثه بمئة حديث.

стр. 392

باب الرفادة والسقاية قد ذكرنا في حديث زمزم، أن عبد المطلب ولي السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَهَذَا قَدْ يَشْكُلُ، فَلْنَشْرَحْهُ. كَانَ أصل السقاية: حياض من أدم توضع على زمن قصي بفناء الكعبة، ويستقى فِيهَا الْمَاءُ لِلْحَاجِّ. وَالرِّفَادَةُ: خرجٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تخرجه من أموالها إلى قصي تصنع به طَعَامًا لِلْحَاجِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَعَةٌ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ اسْتَوْلَى على الحرم، وجمع إليه بَنِي كِنَانَةَ وَقَالَ: أَرَى أَنْ تَجْتَمِعُوا فِي الْحَرَمِ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ، خَرَجُوا عَنِ الحرم لا يستحلون أن يبيتوا فيه، فقالوا: هذا عظيم. فقال: والله، لا أخرج منه. فَثَبَتَ فِيهِ مَعَ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْمَوْسِمُ، قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ حَرَمِهِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ زُوَّارُ الله وأضيافه، فترافدوا واجعلوا لهم طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ حَتَّى يَصْدُرُوا، وَلَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ ذَلِكَ، لَقُمْتُ بِهِ. فَفَرَضَ عليهم

стр. 393

فَرْضًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ مِنْ أَمْوَالِهَا، فَجَمَعَ ذَلِكَ وَنَحَرَ عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ جَزُورًا وَنَحَرَ بِمَكَّةَ جُزُرًا كَثِيرَةً، وَأَطْعَمَ النَّاسَ وَسَقَى اللَّبَنَ الْمَحْضَ وَالْمَاءَ وَالزَّبِيبَ. وَكَانَ قُصَيٌّ يحمل راجل الحاج ويكسو عاريهم، وما زال ذَلِكَ الأَمْرُ حَتَّى قَامَ بِهِ هَاشِمٌ، ثُمَّ أَخُوهُ الْمُطَّلِبُ ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ قَامَ به العباس ﵇. ٣٠٠- أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي، قال: أخبرنا الحسين بن محمد الكوفي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن دحيم، قال: ثنا ابن أبي عوزة، قال: أخبرنا محمد بن سعيد، قال: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عباس، قال: لم يرخص رسول الله لأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ إِلا للعباس بن عبد المطلب من أجل سِقَايَتِهِ. ٣٠١- وَرَوَى ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَطْعَمَ الْحَاجَّ الْفَالَوْذَجَ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ.

стр. 394

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَفَدَ ابْنُ جُدْعَانَ عَلَى كِسْرَى فَأَكَلَ عِنْدَهُ الْفَالَوْذَجَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: لُبَابُ الْبُرِّ مَعَ الْعَسَلِ. فَقَالَ: ابْغُونِي غُلامًا يَصْنَعُهُ. فَأَتَوْهُ بِغُلامٍ، فَابْتَاعَهُ وَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ فَصَنَعَهُ لِلْحَاجِّ، وَوَضَعَ الْمَوَائِدَ مِنَ الأَبْطَحِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِ: أَلا من أراد الفالوذج، فليحضر. فحضر الناس. وما زال إطعام الناس فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الإِسْلامِ، وَكَانَتِ الْخُلَفَاءُ تُقِيمُهُ وَلا يُكَلِّفُونَ أَحَدًا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اشْتَرَى دَارًا بِمَكَّةَ وَسَمَّاهَا دَارَ الْمَرَاجِلِ، وَجَعَلَ فِيهَا قُدُورًا، وَرَسَمَ لَهَا مِنْ ماله، فكانت الْجُزُرُ وَالْغَنَمُ تُنْحَرُ وَتُطْبَخُ فِيهَا، وَيُطْعَمُ الْحَاجُّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. ٣٠٢- وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إلى السقاية فاستسقى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ! اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فأت رسول الله بشراب من عندها. فقال: اسْقِنِي. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيديهم فيه. قال: ((اسقني)) .

стр. 395

فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ)) . ثُمَّ قَالَ: ((لَوْلا أَنْ تُغْلَبُوا؛ لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ (يَعْنِي: عَاتِقَهُ)) ) . ٣٠٣- وفي أفراد مسلم مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: ((انْزَعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لنزعت معكم)) .

стр. 396

باب الْعُمْرَةِ أَصْلُ الْعُمْرَةِ وَالاعْتِمَارِ: الزِّيَارَةُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُمْرَةِ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنها واجبة، وهو مذهب علي ﵇ وابن عمر وابن عباس والمنصور من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: هِيَ سُنَّةٌ. وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الحج والعمرة لله﴾ . ٣٠٤- ومن النقل حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [﵁] في مجيء جبريل وَسُؤَالِهِ النَّبِيَّ ﷺ : مَا الإسلام؟ فقال: ((أن تشهد ألا إله إلا اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وتعتمر)) .

стр. 397

ذكره الجوزقي في كتابه المخرج على ((الصحيحين)) . فصل وأركان العمرة: الإحرام، والطواف والسعي على إحدى الروايتين. وواجبها: الْحِلاقُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَمَّا سُنَنُهَا: فَالْغُسْلُ لِلإِحْرَامِ وَالأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ، أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ، خَرَجَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَقَدْ حَلَّ، فَإِنْ فَعَلَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ شَيْئًا قَبْلَ الْحِلاقِ، فَفِيهِ روايتان: إحداهما: لا شيء عليه. والثانية: عليه فديته. فَإِنْ تَرَكَ الْحِلاقَ وَالتَّقْصِيرَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ على روايتين.

стр. 398

بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ ٣٠٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ وَسَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالا: أخبرنا ابن البطر، قال: ثنا ابن رزقويه، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: ثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ [﵁] ؛ قَالَ: أَرَادَتْ أُمِّي الْحَجَّ، فَكَانَ جَمَلُهَا أَعْجَفَ، فذكرت ذلك لرسول الله، فَقَالَ: ((اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً)) . ٣٠٦- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

стр. 399

محمد، قالوا: ثنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا علي بن عمر السكري، قال: ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، قال: ثنا شريح بن يونس، قال: ثنا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أبيه، عن ابن عباس [﵁] ، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: حَجَّ أَبُو طَلْحَةَ وَابْنُهُ وَتَرَكَانِي. فَقَالَ: ((يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! عُمَرْةٌ في رمضان تجزئك من حَجَّةٍ)) . ٣٠٧- وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ فِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أن النبي ﷺ قال لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً)) . أَوْ قَالَ: ((حجة معي)) .

стр. 400

باب ذكر أسواق العرب التي كانت تقوم بمكة في مواسم الحج كان للعرب أسواق، فأعظمها وأكثرها جمعاً وتجارة: سوق عكاظ، وكان كسرى في ذلك الزمان يبعث بِالسَّيْفِ الْقَاطِعِ وَالْفَرَسِ الرَّائِعِ وَالْحُلَّةِ الْفَاخِرَةِ، فَتُعْرَضُ فِي ذَلِكَ السُّوقِ وَيُنَادِي مُنَادِيهِ: إِنَّ هَذَا بَعَثَهُ الْمَلِكُ إِلَى سَيِّدِ الْعَرَبِ، فَلا يَأْخُذُهُ إلا من أذعنت له العرب جميعاً بِالسُّؤْدُدِ. فَكَانَ آخِرُ مَنْ أَخَذَهُ بِعُكَاظٍ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ. وَكَانَ كِسْرَى يُرِيدُ بِذَلِكَ: مَعْرِفَةَ ساداتهم ليعتمد عليهم في أمور العرب، فَيَكُونُونَ عَوْنًا لَهُ عَلَى إِعْزَازِ مُلْكِهِ وَحِمَايَتِهِ مِنَ الْعَرَبِ. وَكَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ إِلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَبَيْنَهُمَا قُرْبٌ، فيقيمون بها إلى آخر يوم التروية.

стр. 401

أَبْوَابٌ فِيهَا نُبَذٌ مِمَّا كَانَ يَجْرِي لِلْعَرَبِ في أيام الموسم بعكاظ وغيرها

стр. 402

أَبْوَابٌ فِيهَا نُبَذٌ مِمَّا كَانَ يَجْرِي لِلْعَرَبِ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ بِعُكَاظٍ وَغَيْرِهَا بَابٌ خُطَبُ الفصحاء خُطْبَةُ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍ بِعُكَاظٍ ٣٠٨- رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍ كَانَ يَقِفُ بِعُكَاظٍ فِي الْمَوْسِمِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ! فاسمعوا وافهموا وتعلموا: ليل ساج، ونهار وَهَّاجٌ، وَالأَرْضُ مِهَادٌ، وَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ، وَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَالنُّجُومُ أَعْلامٌ، صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ، وَثَمِّرُوا أموالكم، الدار أمامكم، والظن غير مَا تَقُولُونَ، زَيِّنُوا حَرَمَكُمْ وَعَظِّمُوهُ وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ نَجْوِي لدعوته، خير العشيرة يأتي الحق جذلانا. ثُمَّ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ ذَا سَمْعٍ وبصر، لتنصبت تنصب الفحل، ولأرقلت إرقال الجمل فرحاً بدعوته.

стр. 403

خُطْبَةُ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ بِسُوقِ عُكَاظٍ ٣٠٩- أَخْبَرَنَا أبو سعد الزوزني، قال: أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، قال: أخبرنا عيسى بن علي، قال: ثنا البغوي، قال: ثنا محمد بن حسان السمتي، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشعبي، عن ابن عباس، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يَعْرِفُ الْقُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الإِيَادِيَّ)) ؟ فَقَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَمَا فَعَلَ؟)) قَالُوا: هَلَكَ. قَالَ: ((مَا أَنْسَاهُ بِعُكَاظٍ عَلَى جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس! اجتمعوا واستمعوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لا تغور، أقسم قس قسماً حقاً لإن كان في الأمر رضا؛ ليكونن سخط، إن لله لدينا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عليه، ما لي أرى الناس يذهبون لا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟)) . ثُمَّ قال:

стр. 404

((أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ)) . فَأَنْشَدُوهُ: فِي الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... للقوم ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأَصَاغِرُ وَالأَكَابِرْ لا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ ... وَلا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ قَوْلُهُ: إِنَّ فِي السماء لخبراً: رَدٌّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَبَيَّنَ أَنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَرًا غَيْرَ مَا يَعْلَمُونَ، وَالْعِبْرَةُ تَعَرُّفُ مَا بَطَنَ بِمَا ظَهَرَ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِكَ عَبَرْتُ النَّهْرَ. ٣١٠- وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قس: ((أما إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ)) . خُطْبَةُ زيد بن عمر بن نفيل عند الكعبة ٣١١- روى يونس عن الزهري، قال: قالت أسماء: نظرت على زيد بن

стр. 405

عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ وَهُوَ يقول: يا معاشر قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أحب الوجوه إليك، لعبدتك متوجهاً إليه، ولكني لا أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي نَصَحْتُ لأَقْوَامٍ وَقُلْتُ لَهُمْ ... أَنَا النَّذِيرُ فَلا يَغْرُرْكُمْ أَحَدُ لا تَعْبُدُونَ إِلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ ... وَإِنْ سُئِلْتُمْ فقولوا ما له أمد سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ ... مِنْ قَبْلِ ما سبح الجودي والجمد لا شيء فيما نرى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الإِلَهُ وَيُودَى الْمَالُ وَالْوَلَدُ لم يغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلا سُلَيْمَانُ إِذْ دَانَ الشُّعُوبُ لَهُ ... وَالإِنْسُ وَالْجِنُّ يَجْرِي بَيْنَهَا الْبُرَدُ مُسَخَّرًا دُونَ أَسْبَابِ السَّمَاءِ لَهُ ... فَلا يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كان ببعض أرض لَخْمٍ قُتِلَ، فَرَثَاهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَقَالَ: رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عمروٍ وَإِنَّمَا ... تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا من النار حامياً دعاؤك رباً ليس رباً كَمِثْلِهِ ... وَتَرْكُكَ أَوْثَانَ الْجِبَالِ كَمَا هِيَا وَقَدْ يدرك الإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الأَرْضِ ستين واديا

стр. 406

بَابٌ ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ خُطَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ الْخُطْبَةُ الأُولَى يَوْمَ الْفَتْحِ ٣١٢- لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ خَطَبَ النَّاسَ، فَرَوَتْ صفية بنت شيبة أن النبي ﷺ لما نَزَلَ وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الركن بمحجن فِي يَدِهِ، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ ثُمَّ خَرَجَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِهَا، وَقَدِ اسْتَكَفَّ لَهُ النَّاسُ، فَقَامَ قَائِمًا عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: ((لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلا كُلُّ مَأْثَرَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دَمٍ يُدَّعَى، فَهُو تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ، وسقاية الحاج، أو قتل خطأ العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّ الله تعالى قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ من تراب)) . ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها

стр. 407

الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى ... ﴾ إِلَى آخَرِهَا، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أخ كريم وابن عم كريم. قَالَ: ((اذْهَبُوا، فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)) . ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ومفتاح الكعبة بيده، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مع السقاية. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أين عثمان بن طلحة؟)) . فدعي له؛ فقال: ((هاك مفتحك)) . الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ ٣١٣- رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ؛ قَالَ: كُنَّا مع رسول الله حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يوم فتح مكة، غدت خُزَاعَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ

стр. 408

فَقَتَلُوهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا؛ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فيها دماً ولا يعضد بها شجراً، لم تحل لأحد كان قبلي ولا لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا قدر الساعة، غضباً على أهلها، ثم قد رجعت لحرمتها بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ! ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ مقامي هذا، فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا فدم قاتلهم، وإن شاؤوا فَعَقْلُهُ)) . ثُمَّ وَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ عن ابن عباس، وأن رَسُولَ اللَّهِ [ ﷺ ] قَالَهُ يوم الفتح. الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ ٣١٤- رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَكَانُوا يدفعون غداً عند المشعر الحرام حين يعتم بها رؤوس الْجِبَالِ وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِهَا، هَدْيُنَا مُخَالِفُ هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ)) . ٣١٥- وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ من حديث عمر بن الخطاب، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ.

стр. 409

فخالفهم رسول الله، فَأَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا ٣١٦- رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوداع. ((يا أيها الناس! اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف. أيها الناس! إن دماءكم وأموالكم حرام إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، كُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكُمْ رؤوس أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أن لا رباً، وأن رباً لعباس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وَأَنَّ أَوَّلَ دمائكم أضع دم ابن رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي ليث، فقتله هذيل. أما بعد أيها الناس، قد يئس الشيطان أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سوى ذلك من أعمالكم فقد رضي، فاحذروه أيها الناس على دينكم، وأن النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا

стр. 410

وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السماوات والأرض، وأن عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، منها أربعة حرم: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ؛ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لا يَمْلِكْنَ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلَمَةِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَاعْقِلُوا تَعِيشُوا، إِنَّ كُلَّ مسلم أخو المسلم وَالْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلا تَظْلِمُوا، وَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بلغت؟)) . ٣١٧- وَقَدْ أَخْرَجَ مسلم في أفراده مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْضَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ.

стр. 411

الْخُطْبَةُ الْخَامِسَةُ بِعَرَفَةَ أَيْضًا ٣١٨- رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بكار بإسناده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَاتٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وقال: ((أَلا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بلدكم هذا، في سنتكم هذه، اللهم قَدْ نَصَحْتُهُمْ وَأَبْلَغْتُهُمْ كَمَا عَهِدْتَ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِيهِمْ)) . الْخُطْبَةُ السَّادِسَةُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ٣١٩- رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مالك الأشعري، أن رسول الله قال في حجة الوداع في وسط أَيَّامِ الأَضْحَى: ((أَلَيْسَ هَذَا الْيَوْمُ حَرَامٌ؟)) . قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ حُرْمَتَكُمْ بَيْنَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ، ثم أنبئكم من المسلم: من سلم المسلمون مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُؤْمِنُ: مَنْ أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُهَاجِرُ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَهَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْمُؤْمِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ: لَحْمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أن يحرقه، وجهه عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَلْطِمَهُ، وَدَمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَسْفِكَهُ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ

стр. 412

يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّيهِ)) . الْخُطْبَةُ السَّابِعَةُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا ٣٢٠- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ المقرئ، قال: أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: ثنا القاضي أبو عبد الله المحاملي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، قال: حدثني أبي، قال: ثنا من شهد خطبة رسول الله بمنى أوسط أيام التشريق وهو على بعير، فقال: ((يا أيها النَّاسُ! أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرِبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، أَلا لا فَضْلَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى، أَلا قَدْ بَلَّغْتُ؟)) . قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) .

стр. 413

الْخُطْبَةُ الثَّامِنَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا ٣٢١- أَخْبَرَنَا الكروخي، قال: أخبرنا أبو عامر الأزدي، قال: أخبرنا الجراحي، قال: ثنا المحبوبي، قال: ثنا الترمذي، قال: ثنا موسى بن عبد الرحمن الكوفي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: ((اتقوا الله ربكم، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ)) . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 414

بَابُ ذِكْرِ اجْتِمَاعِ الشُّعَرَاءِ بِسُوقِ عُكَاظٍ وَتَنَاشُدِهِمُ الأشعار قال الأصمعي: كان النابغة الذبياني يضرب لَهُ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ بِسُوقِ عُكَاظٍ، فَتَأْتِيهِ الشُّعَرَاءُ، فَتَعْرِضُ عَلَيْهِ أَشْعَارَهَا، فَأَوَّلُ مَنْ أَنْشَدَهُ الأَعْشَى، ثُمَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الشعراء، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الْخَنْسَاءُ أَبْيَاتَهَا الَّتِي تَقُولُ فِيهَا: وإن صخراً ليأتم الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ فَقَالَ: وَاللَّهِ، لَوْلا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ أَنْشَدَنِي آنِفًا، لَقُلْتُ إِنَّكِ أَشْعَرُ أَهْلِ زَمَانِكِ مِنَ الجن والإنس. فقام حسان فقال: لا، أنا والله أَشْعَرُ مِنْهَا وَمِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ النابغة: حيث تقول ماذا؟ فقال: حيث أقول: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجده دما ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابن أما فقال له: يَا بُنَيَّ! إِنَّكَ قُلْتَ: ((لَنَا الْجَفَنَاتُ)) ، فَقَلَّلْتَ عددك، وقلت: ((يلمعن بالضحى)) ، ولو قلت: في الدجى، لكان فخراً، لأن الضيفان يكثرون

стр. 415

بالليل، وقللت عدد أسيافك، وقلت: ((يقطرن)) ، ولو قلت: يجرين، لكان أكثر للدم، وفخرت بمن ولدته وَلَمْ تَفْخَرْ بِمَنْ وَلَدَكَ. وَقَدْ كَانَ الزَّجَّاجُ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: إِنَّ الأَلِفَ والتاء تأتي للكثرة، قال : ﴿وهم في الغرفات﴾ ، وقال: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ ، وقال: ﴿في جناتٍ﴾ .

стр. 416

بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَإِجَازَةَ الْحَاجِّ كَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ عَامِرُ بن الظرب، وكان يقال له: ذو الحكم، قال الشاعر: لذي الحكم قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا ... وَمَا عُلِّمَ الإنسان إلا ليعلما وكانت لَهُ أَعْوَادٌ يَجْلِسُ عَلَيْهَا، فَيَحْكُمُ بَيْنَ الْعَرَبِ، ويخطب في أيام الموسم، فَيَحُثُّ النَّاسَ عَلَى مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ، وَيُقَبِّحُ لَهُمُ الغدر، وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحَلِفِ وَحِفْظِ الْجَارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَضَى فِي الْخُنْثَى مِنْ حَيْثُ يبول، فلما مات، رثاه الأسود بن يعفر [فَقَالَ] : وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَوْ أَنَّ عِلْمِي نَافِعِي ... أَنَّ السَّبِيلَ سَبِيلُ ذِي الأَعْوَادِ ثُمَّ لَمْ يجتمع بعد ذلك بعكاظ إلا لسعد بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَقَدْ ذَكَرَ

стр. 417

ذلك المخبل السَّعْدِيُّ، فَقَالَ: لَيَالِي سَعْدٍ فِي عُكَاظٍ يَسُوقُهَا ... له كل شرق من عكاظ ومغرب ثم اجتمع ذلك بعده لحنظلة بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، ثُمَّ وَلِيَهُ بَعْدَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ الأَضْبَطُ بْنُ قريع بن عوف بن كعب بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ وَمَا زَالَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ نَشَبٌ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ.

стр. 418

بَابُ إِيثَارِ طَاعَةِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الأَمَاكِنِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ دَخَلَ ابْنُ عباس إلى الْحَرَمَ وَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمَ الوفد بمن حلوا، لاستبشروا. ٣٢٢- وأقرأت عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ بن الحسين بن خيرون، قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم الزهري، قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا علي بن محمد المصري، قال: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا موسى الشوا يَقُولُ: كُنْتُ مَعَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ الْعَابِدَةِ بِمِنًى، فَلَمَّا صِرْنَا عِنْدَ الْجِمَارِ رَأَتِ النَّاسَ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السماء، فقالت: حبيبي قد أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا وَتَرَكُوكَ. ثُمَّ صَاحَتْ وَسَقَطَتْ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَغَطَّيْتُهَا بِثَوْبِي، ثُمّ قُلْتُ لِلنَّاسِ: أصابها

стр. 419

شَيْءٌ وَأَوْهَمْتُهُمْ أَنَّ بِهَا عِلَّةً، ثُمَّ أَقَمْتُ حَتَّى أَفَاقَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ إِبْرَاهِيمَ! مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ؟ فَقَالَتْ: يَا بَطَّالُ! إِذَا كان هو يقسم الثناء، فلمن يتصنع؟

стр. 420

بَابُ ذِكْرِ أَمَاكِنَ بِمَكَّةَ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلاةُ وَالدُّعَاءُ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: الْمَكَانُ الأَوَّلُ: البيت الذي ولد فيه الرسول ﷺ : وَكَانَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَخَذَهُ حِينَ هَاجَرَ رَسُولُ الله، فلم يزل بيده ويد ولده، حَتَّى بَاعُوهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الحجاج بن يوسف، فَأَدْخَلَهُ فِي دَارِهِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْبَيْضَاءُ، وتعرف اليوم بابن يُوسُفَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَيْتُ فِي الدَّارِ، حَتَّى حَجَّتِ الْخَيْزُرَانُ جَارِيَةُ الْمَهْدِيِّ فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يصلى فيه، وأخرجته من الدار وأخرجته إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ زُقَاقُ الْمَوْلِدِ. المكان الثاني: منزل خديجة ﵍: وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وخديجة، وفيه ولدت أولادها من رسول الله، وفيه توفيت خديجة، ولم يزل النبي مقيماً فيه حَتَّى هَاجَرَ، فَأَخَذَهُ عَقِيلٌ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَجَعَلَهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ وبناه.

стр. 421

وفتح معاوية فيه بَابًا مِنْ دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ الدَّارُ التي قال فيها رسول الله يَوْمَ الْفَتْحِ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)) . الْمَكَانُ الثَّالِثُ: مَسْجِدٌ فِي دَارِ الأرقم بن أبي الأرقم: التي عند الصفا، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: دَارُ الْخَيْزُرَانُ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَتِرًا فِيهِ فِي بِدَايَةِ الإِسْلامِ. الْمَكَانُ الرَّابِعُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الرَّدْمِ: عِنْدَ بِئْرِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ. الْمَكَانُ الْخَامِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مكة أيضاً: يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْجِنِّ، وَهُوَ فِيمَا يُقَالُ: موضع الخط الذي خطه لابن مسعود ليلتئذ وَيُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْبَيْعَةِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِنَّ بايعوا رسول الله هناك. الْمَكَانُ السَّادِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ أَيْضًا: يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ يُقَابِلُ مَسْجِدَ الْجِنِّ، يُقَالُ إن النبي ﷺ دعا شَجَرَةً كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ،

стр. 422

فأقبلت تخط الأرض حتى وقعت بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَرَجَعَتْ. الْمَكَانُ السَّابِعُ: مسجد يسميه أَهْلُ مَكَّةَ مَسْجِدُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ: لأَنَّهُ بَنَاهُ. الْمَكَانُ الثَّامِنُ: مَسْجِدٌ عَنْ يَمِينِ الْمَوْقِفِ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْجِدِ عَرَفَةَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَامُ. الْمَكَانُ التَّاسِعُ: مَسْجِدٌ بِمِنًى يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْكَبْشِ؛ لأن الكبش الذي فدى به إبراهيم ولده نزل هناك. الْمَكَانُ الْعَاشِرُ: مَسْجِدٌ بِأَجْيَادٍ، وَفِيهِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُتَّكَأُ يُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّكَأَ هُنَالِكَ. الْمَكَانُ الْحَادِي عَشَرَ: مسجد عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مَسْجِدٌ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ وَلَيْسَ بِالْخَلِيلِ. الْمَكَانُ الثَّانِي عَشَرَ: مِسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ سُوقِ الْغَنَمِ يُقَالُ إن رسول الله ﷺ بَايَعَ النَّاسَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. الْمَكَانُ الثَّالِثَ عشر: مسجد العقبة حيث بايع الأنصار [رسول الله ﷺ بقرب منى] . الْمَكَانُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَسْجِدٌ بِذِي طُوَى، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْزِلُ هُنَالِكَ

стр. 423

حين يعتمر وحين حج تَحْتَ سَمُرَةَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ، وَبَنَتْهُ زُبَيْدَةُ بَازِجٍ. الْمَكَانُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ. الْمَكَانُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ التَّنْعِيمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((اعمر أختك من التنعيم، فإذا هبطت بِهَا الأَكَمَةَ، فَمُرْهَا فَلْتُحْرِمْ)) . الْمَكَانُ السَّابِعَ عَشَرَ: جَبَلِ حِرَاءَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ. الْمَكَانُ الثَّامِنَ عَشَرَ: جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ.

стр. 424

بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَأُلْهِمَ الْخُرُوجَ لمصلحة ٣٢٣- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ثمك بن عبد الله الطوسي يقول: سمعت علوس الدَّيْنَوَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيُّ يَقُولُ: كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ فَخَطَرَ لِي خَاطِرٌ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فإذا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ يَنْزَعُ، فَشَهِقَ شَهْقَةً كَانَتْ فِيهَا نفسه، فكفنته في أطماره ودفنته ورجعت. ويروى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ، فبينا أنا أطوف بالبيت، نوديت في سري: سر إلى بلاد الروم. فقلت: يا عجباً! أكون ببيت اللَّهِ الْحَرَامِ فَأَتْرُكُهُ وَأَمْضِي إِلَى بِلادِ الرُّومِ؟! ثم هممت بالطواف، فلم أستطع، فسرت إِلَى بِلادِ الرُّومِ، فَلَمَّا دَخَلْتُهَا، سَمِعْتُ النَّاسَ يقولون: إن بنت ملكنا

стр. 425

صرعت وعرضت عَلَى كُلِّ الأَطِبَاءِ، فَمَا عَرَفُوا لَهَا دَوَاءً. فقلت: احملوني إِلَيْهَا، فَأَنَا غُلامُ الطَّبِيبِ. فَحُمِلْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ: مَرْحَبًا يَا خَوَّاصُ. فَقُلْتُ: مَا لَكِ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى الْبَارِحَةِ، فإني نمت فرأيت في المنام عَرْشَ رَبِّي بَارِزًا، فَانْتَبَهْتُ كَمَا تَرَى لا ينطق لِسَانِي إِلا بِقَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ محمد رسول الله، فلما رأوني هكذا، نسبوا إِلَى الْجُنُونِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّ اللَّهَ يُخُلِّصُكِ مِنْهُمْ، فمن أين عرفت اسمي؟ فقالت: نوديت: سنبعث لك من تسلمين على يده وَأُلْهِمْتُ ذِكْرَكَ. فَهَمَمْتُ بِالنُّهُوضِ، فَقَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قلت: مَكَّةَ. فَقَالَتْ: هَا هِيَ مَكَّةُ. فَنَظَرْتُ، فَإِذَا مَكَّةَ، فَسِرْتُ قَلِيلا فَإِذَا أَنَا بِالْبَيْتِ.
следующие страницы →