Полный текст (683 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وفتح معاوية فيه بَابًا مِنْ دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ الدَّارُ التي قال فيها رسول الله يَوْمَ الْفَتْحِ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)) .
الْمَكَانُ الثَّالِثُ: مَسْجِدٌ فِي دَارِ الأرقم بن أبي الأرقم: التي عند الصفا، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: دَارُ الْخَيْزُرَانُ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَتِرًا فِيهِ فِي بِدَايَةِ الإِسْلامِ.
الْمَكَانُ الرَّابِعُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الرَّدْمِ: عِنْدَ بِئْرِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ.
الْمَكَانُ الْخَامِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مكة أيضاً: يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْجِنِّ، وَهُوَ فِيمَا يُقَالُ: موضع الخط الذي خطه لابن مسعود ليلتئذ وَيُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْبَيْعَةِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِنَّ بايعوا رسول الله هناك.
الْمَكَانُ السَّادِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ أَيْضًا: يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ يُقَابِلُ مَسْجِدَ الْجِنِّ، يُقَالُ إن النبي ﷺ دعا شَجَرَةً كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ،
стр. 422
فأقبلت تخط الأرض حتى وقعت بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَرَجَعَتْ.
الْمَكَانُ السَّابِعُ: مسجد يسميه أَهْلُ مَكَّةَ مَسْجِدُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ: لأَنَّهُ بَنَاهُ.
الْمَكَانُ الثَّامِنُ: مَسْجِدٌ عَنْ يَمِينِ الْمَوْقِفِ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْجِدِ عَرَفَةَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَامُ.
الْمَكَانُ التَّاسِعُ: مَسْجِدٌ بِمِنًى يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْكَبْشِ؛ لأن الكبش الذي فدى به إبراهيم ولده نزل هناك.
الْمَكَانُ الْعَاشِرُ: مَسْجِدٌ بِأَجْيَادٍ، وَفِيهِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُتَّكَأُ يُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّكَأَ هُنَالِكَ.
الْمَكَانُ الْحَادِي عَشَرَ: مسجد عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مَسْجِدٌ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ وَلَيْسَ بِالْخَلِيلِ.
الْمَكَانُ الثَّانِي عَشَرَ: مِسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ سُوقِ الْغَنَمِ يُقَالُ إن رسول الله ﷺ بَايَعَ النَّاسَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ.
الْمَكَانُ الثَّالِثَ عشر: مسجد العقبة حيث بايع الأنصار [رسول الله ﷺ بقرب منى] .
الْمَكَانُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَسْجِدٌ بِذِي طُوَى، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْزِلُ هُنَالِكَ
стр. 423
حين يعتمر وحين حج تَحْتَ سَمُرَةَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ، وَبَنَتْهُ زُبَيْدَةُ بَازِجٍ.
الْمَكَانُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ.
الْمَكَانُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ التَّنْعِيمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ:
((اعمر أختك من التنعيم، فإذا هبطت بِهَا الأَكَمَةَ، فَمُرْهَا فَلْتُحْرِمْ)) .
الْمَكَانُ السَّابِعَ عَشَرَ: جَبَلِ حِرَاءَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ.
الْمَكَانُ الثَّامِنَ عَشَرَ: جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ.
стр. 424
بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَأُلْهِمَ الْخُرُوجَ لمصلحة
٣٢٣- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ثمك بن عبد الله الطوسي يقول: سمعت علوس الدَّيْنَوَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيُّ يَقُولُ: كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ فَخَطَرَ لِي خَاطِرٌ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فإذا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ يَنْزَعُ، فَشَهِقَ شَهْقَةً كَانَتْ فِيهَا نفسه، فكفنته في أطماره ودفنته ورجعت.
ويروى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ، فبينا أنا أطوف بالبيت، نوديت في سري: سر إلى بلاد الروم. فقلت: يا عجباً! أكون ببيت اللَّهِ الْحَرَامِ فَأَتْرُكُهُ وَأَمْضِي إِلَى بِلادِ الرُّومِ؟! ثم هممت بالطواف، فلم أستطع، فسرت إِلَى بِلادِ الرُّومِ، فَلَمَّا دَخَلْتُهَا، سَمِعْتُ النَّاسَ يقولون: إن بنت ملكنا
стр. 425
صرعت وعرضت عَلَى كُلِّ الأَطِبَاءِ، فَمَا عَرَفُوا لَهَا دَوَاءً. فقلت: احملوني إِلَيْهَا، فَأَنَا غُلامُ الطَّبِيبِ. فَحُمِلْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ: مَرْحَبًا يَا خَوَّاصُ. فَقُلْتُ: مَا لَكِ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى الْبَارِحَةِ، فإني نمت فرأيت في المنام عَرْشَ رَبِّي بَارِزًا، فَانْتَبَهْتُ كَمَا تَرَى لا ينطق لِسَانِي إِلا بِقَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ محمد رسول الله، فلما رأوني هكذا، نسبوا إِلَى الْجُنُونِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّ اللَّهَ يُخُلِّصُكِ مِنْهُمْ، فمن أين عرفت اسمي؟ فقالت: نوديت: سنبعث لك من تسلمين على يده وَأُلْهِمْتُ ذِكْرَكَ. فَهَمَمْتُ بِالنُّهُوضِ، فَقَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قلت: مَكَّةَ. فَقَالَتْ: هَا هِيَ مَكَّةُ. فَنَظَرْتُ، فَإِذَا مَكَّةَ، فَسِرْتُ قَلِيلا فَإِذَا أَنَا بِالْبَيْتِ.
стр. 426
بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ، لَزِمَهُ دَمٌ إِلا الْحَائِضَ، فَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، لَمْ يقم بَعْدَهُ، فَإِنْ أَقَامَ، أَعَادَهُ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَلْيَقِفْ فِي الْمُلْتَزَمِ وَلْيَدْعُ.
стр. 427
باب ذكر الملتزم
الملتزم: ما بين الركن والباب، وهو مقدار أربع أذرعٍ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَقُومُ عَبْدٌ ثُمَّ فيَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ، إِلا اسْتَجَابَ له.
٣٢٤- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا ابن جهضم، قال: ثنا الحسن بن عبد الرحيم، قال: ثنا عمر بن محمد، قال: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أدهم، قال: طفت ذات ليلة بالبيت، فكانت لَيْلَةً مَطِيرَةً شَدِيدَةَ الظُّلْمَةِ، وَقَدْ خَلا الطَّوَافُ، فَوَقَفْتُ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ أَدْعُو وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي حَتَّى لا أَعْصِيَكَ. فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَنْتَ تَسْأَلُنِي أَنْ أَعْصِمَكَ وَكُلُّ عِبَادِي يَسْأَلُونِي الْعِصْمَةَ، فَإِذَا عَصَمْتُهُمْ، فَعَلَى مَنْ أَتَفَضَّلُ، وَلِمَنْ أَغْفِرُ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَبَقِيتُ لَيْلَتِي إِلَى الصباح مستغفراً لله ، ومستحيياً منه تعالى.
стр. 428
فَصْلٌ
وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَاءِ الطَّائِفِ لِلْوَدَاعِ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رضاً، وإلا، فمن الآن قبل أن تنأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي هَذَا، أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فاصحبني الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أبقيتني، واجمع لي خيري الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فإن شَاءَ زَادَ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ.
- قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا علمت منها وما لم أعلم، لدى خَلْقِهِ كُلِّهِمْ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُمْ وَمَا لَمْ أعلم. ثم قفل إلى بلد، فَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ
стр. 429
وذهب ليقول مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَنُودِيَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَتْعَبْتَ الْحَفَظَةَ مِنْ عَامِ أَوَّلَ إِلَى الآنَ، فَمَا فَرَغُوا مِمَّا قُلْتَ.
стр. 430
بَابُ ذِكْرِ أَمَاكِنَ بِمَكَّةَ وَمَا وَالاهَا وَقَرُبَ مِنْهَا مِثْلُ الْحَجُونِ وَالْمُحَصَّبِ وَالْحِجَازِ وَنَجْدَ ذَكَرَهَا الشُّعَرَاءُ فِي أَشْعَارِهِمْ فَأَطْرَبَ ذِكْرُهَا السَّامِعَ
قَالَ بَعْضُهُمْ:
قِفَا وَدِّعَا نَجْدًا وَمَنْ حَلَّ بِالْحِمَى ... وقل لنجد عندنا أن تودعا
وَلَيْسَ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... عَلَيْكَ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا
وقال:
فَمَا وَجْدُ أَعْرَابِيَّةٍ قَذَفَتْ بِهَا ... صُرُوفُ النَّوَى مِنْ حَيْثُ لَمْ تَكُ ظَنَّتِ
تَمَنَّتْ أَحَالِيبَ الرِّعَاءِ وَخَيْمَةً ... بِنَجْدٍ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهَا مَا تَمَنَّتِ
إِذَا ذَكَرَتْ نَجْدًا وَطِيبَ تُرَابِهِ ... وَبَرْدَ حَصَاهُ آخِرَ اللَّيْلِ حَنَّتِ
بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْدِ بَرِيَا وَجَدْتُهُ ... غَدَاةَ غَدَتْ أَظْعَانُهُمْ فَاسْتَقَلَّتِ
стр. 431
وَقَالَ جَمِيلٌ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذًا لَسَعِيدُ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ: أَنْشَدَنِي أَبِي:
هَيَّجَتْنِي إِلَى الْحَجُونِ شُجُونُ ... لَيْتَهُ قَدْ بَدَا لِعَيْنَيَّ الْحَجُونُ
حَلَّ فِي الْقَلْبِ سَاكِنُوهُ مَحَلا ... مِنْ فؤادي يحل فيه المسكين
كل داء له دواء وداء الحب ... يا صاحبي داء دفين
ليت شعري عمن أحب أيمسى ... عند ذكري كما أكون يكون
وَلِقَيْسٍ الْمَجْنُونِ:
أَلا حَبَّذَا نجدٌ وطيبٌ تُرَابِهِ ... وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ
أَلا ليت شعري عن عوارضي ... فيا لطول الليالي هل تغيرن بعدي
وعن جارتينا بالنثيل إلى الحمى ... على عهدنا لم لا تَدُومَا عَلَى الْعَهْدِ
وَعَنْ أُقْحُوَانَ الرَّمْلِ مَا هو صانع ... إذا هو أثرى ليلة بثرى جعد
وقال كثير:
وقد حلفت جهداً بِمَا نَحَرَتْ لَهُ ... قُرَيْشٌ غَدَاةَ الْمَأْزَمَيْنِ وَصَلَتْ
стр. 432
وَكَانَتْ لِقَطْعِ الْحَبْلِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... كَنَاذِرَةٍ نَذْرًا فارقت وحلت
فقلت لها يا عن كل مصيبة ... إذا وطنت لَهَا النَّفْسَ ذَلَّتْ
وَلابْنِ الدُّمَيْنَةَ:
أَلا يَا صَبَا نَجْدٍ مَتَى هِجْتَ مِنْ نَجْدِ ... لَقَدْ زادني مسراك وجداً على وجدي
إن هَتَفَتْ وَرْقَاءُ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى ... عَلَى فَنَنٍ غض النبات من الزند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن ... جَلِيدًا وَأَبْدَيْتَ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تُبْدِي
وَقَدْ زعموا أن المحب إذا دنا ... يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يُشْفِي مِنَ الْوَجْدِ
بِكُلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... ألا أَّنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ
وَلِلرَّضِيِّ رحمة الله عليه:
يَا قُلْبُ مَا أَنْتَ مِنْ نَجْدٍ وَسَاكِنِهِ ... خَلَّفْتَ نَجْدًا وَرَاءَ الْمُدْلَجِ السَّارِي
أَهْفُو إِلَى الركب تعلو إلي ركائبهم ... من الحمى في أسحاق وَأَطْمَارِ
تَفُوحُ أَرْوَاحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيَابِهِمْ ... عِنْدَ النُّزُولِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالدَّارِ
يَا رَاكِبَانِ قِفَا لي فاقضيا وطراً ... وَخَبِّرَانِي عَنْ نَجْدٍ بِأَخْبَارِ
стр. 433
هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت ... خميلة الطلح ذات البان والغار
أم هل أبيت وداري عند كاظمةٍ ... داري وسمار ذاك الحمى سمار
فَلَمْ يَزَالا إِلَى أَنْ نَمَّ بِي نَفْسِي ... وحدث الركب عن دمعي الجاري
وله:
يا بانتي بطن العقيق سقيتما ... بماء الفؤادي بعد ماء شئوني
أُحِبُّكُمَا وَالْمُسْتَجَنُّ بطيبةٍ ... مَحَبَّةَ ذخرٍ بَاتَ عِنْدَ ضنين
ولابن حيوس:
أسكان نعمان الأَرَاكَ تَيَقَّنُوا ... بِأَنَّكُمْ فِي رَبْعِ قَلْبِي سُكَّانُ
وَدُومُوا عَلَى حُسْنِ الْوِدَادِ فَإِنَّنِي ... بُلِيتُ بِأَقْوَامٍ إِذَا حَفِظُوا خَانُوا
سَلُوا اللَّيْلَ عَنِّي مُذْ تناءت دِيَارُكُمْ ... هَلِ اكْتَحَلَتْ بِالنَّوْمِ لِي فِيهِ أَجْفَانُ
وَهَلْ جُرِّدَتْ أَسْيَافُ بَرْقِ دِيَارِكُمْ ... فَكَانَ لَهَا إِلا جُفُونِيَ أَجْفَانُ
وَلِمِهْيَارٍ:
وَإِذَا هَبَّتْ صَبَا أَرْضِكُمْ حَمَلَتْ ... تُرْبَ الْغَضَا بَانًا وَرِنْدَا
لامَ في نجد وما استنصحته ... بَابِلِيٌّ لا أَرَاهُ اللَّهُ نَجْدَا
стр. 434
رُدَّ لِي يَوْمًا عَلَى وَادِي مِنًى ... إِنْ قَضَى اللَّهُ لأمرٍ فَاتَ رَدَّا
عَجَبًا لِي كَيْفَ أَبْقَى بَعْدَهُمْ ... غَيْرَ أَنْ قَدْ خُلِقَ الإنسان جلدا
وله:
مِنْ نَاظِرٍ لِي بَيْنَ سَلْعٍ وَقِبَا ... كَيْفَ أَضَاءَ الْبَرْقُ أَمْ كَيْفَ خَبَا
نَبَّهَنِي وَمِيضُهُ وَلَمْ تَنَمْ عَيْنِي ... وَلَكِنْ رَدَّ عَقْلا عَزْبَا
قَرَّتْ لَهُ بَنَاتُ قَلْبِي خَافِقًا ... وَاسْتَبْرَدَتْهُ أَضْلُعِي ملتهبا
يا لبعيد مِنًى دَنَا بِهِ ... يُوهِمُنِي الصِّدْقَ بُرِيقٌ كَذِبَا
ولنسيم سحر بحجر رَدَّتْ ... بِهِ عَهْدَ الصِّبَا رِيحُ الصَّبَا
أُلَيَّةٌ مَا فَتَحَ الْعَطَّارُ عَنْ ... أَعْبَقَ مِنْهُ نَفْسًا وَأَطْيَبَا
سَلْ مَنْ يَدُلُّ النَّاشِدِينَ بِالْغَضَا ... عَلَى الطَّرِيدِ وَيَرُدُّ السَّلَبَا
أَرَاجِعٌ لِي وَالْمُنَى هَلْهَلَةٌ ... وطالع نَجْمُ زَّمَانِ غَرْبَا
وَطَوْفَةٌ بَيْنَ الْقِبَابِ بِمِنًى ... لا خائف عتباً وَلا مُرْتَقِبَا
وَلَهُ:
يَا صَبَا نَجْدٍ وَيَا بَانَ الْغَضَا ... ارْفُقَا بِي فِي التَّثَنِّي وَالْهُبُوبِ
وَاسْلَمَا لا مِثْلَ مَا طَاحَ دَمِي ... مِنْكُمَا بين نسيم وقضيب
ففؤادي يشتكي جور الهوى ... وعذارى يشتكي جور المشيب
стр. 435
آلفتكم والهوى يقدم بي ... وأغض الصوت وَالدَّمْعُ يَشِي بِي
لا يَكُنْ آخِرُ عَهْدِي بكم ... يا ولاة القلب ليلاة القلوب
وله:
هبت بأشواق نجدية ... مطعمة أنت لها واجب
ما أنت يا قلب وَأَهْلَ الْحِمَى ... وَإِنَّمَا هُمْ أَمْسَكَ الذَّاهِبُ
فَأَرْدُدُ على الريح أحاديثها ... ففي صابها نَاقِلٌ كَاذِبُ
وَدُونَ نَجْدٍ وَظِبَاءِ الْحِمَى ... أَنْ يفرح الْمَنْسَمُ وَالْغَارِبُ
وَلَهُ:
وَبِجَرْعَاءِ الْحِمَى قَلْبِي فَعُجْ ... بالحمى وأقر على قلبي السلاما
وترحل فَتَحَدَّثْ عَجَبًا ... إِنَّ قَلْبًا سَارَ عَنْ جِسْمٍ أَقَامَا
قُلْ لِجِيرَانِ الْغَضَا آهٍ عَلَى ... طِيبِ عَيْشٍ بِالْغَضَا لَوْ كَانَ دَامَا
حَمِّلُوا رِيحَ الصَّبَا نَشْرَكُمُ ... قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ شِيحًا وَثُمَامَا
وَابْعَثُوا أَشْبَاحَكُمْ لِي فِي الْكَرَى ... إِنْ أَذِنْتُمْ لِجُفُونِي أَنْ تَنَامَا
وَلَهُ:
стр. 436
تظن ليالينا عودا ... على العهد من برقي ثهمدا
وَيَا صَاحِبَيَّ أَيْنَ وَجْهُ الصَّبَاحِ ... وَأَيْنَ غَدٌ صف لعيني غدا
أسدوا مسارح ليل العراق ... أَمْ صَبَغُوا فَجْرَهُ أَسْوَدَا
وَخَلَّفَ الضُّلُوعَ زَفِيرُ أَبِي ... وَقَدْ بَرَّدَ اللَّيْلُ أَنْ يُبَرَّدَا
خَلِيلَيَّ لِي حَاجَةٌ مَا أَخَفَّ ... بِرَامَةٍ لَوْ حُمِّلَتْ مُسْعِدَا
أُرِيدُ لأَكْتُمَ وَابْنُ الأَرَاكِ ... يَفْضَحُهَا كُلَّمَا غَرَّدَا
أُحِبُّ وَإِنْ أَخْصَبَ الْحَاضِرُونَ ... بِبَادِيَةِ الرَّمْلِ أَنْ أَخْلُدَا
أَرَى كَبِدِي قُسِمَتْ شُعْبَتَيْنِ ... مَعَ الشوق غورا أَوْ أَنْجُدَا
وَلَهُ:
يَا طَرَبًا لِنَفْحَةٍ نَجْدِيَّةٍ ... أعدل حر القلب باستبرادها
وما الصبا يحيى لولا أنها ... إذا جردت مَرَّتْ عَلَى بِلادِهَا
وَلَهُ:
حَلَفْتُ بِالْمُقَصِّرِينَ ... رَكِبُوا فأوجفوا
لانو على العيس وخافوا ... فوتها فعنفوا
стр. 437
زجوا لأثقال الذنوب ... ساعة تخفف
فَاسْتَنْفَدُوا جُهْدَهُمْ ... سَارِينَ حَتَّى وَقَفُوا
فَلَثَمُوا وَمَسَحُوا ... وَجَمَّرُوا وَطَوَّفُوا
وَلَهُ:
لَنَا مِنْ لَيْلِنَا بِلِوَى الصَّرِيمِ ... قِرَاعُ الْهَمِّ أَوْ عَدُّ النُّجُومِ
فَإِنْ تَكُ صَاحِبًا وَعَزَمْتَ رُشْدًا ... غَدًا وَحَمَلْتَ شَطْرًا مِنْ هُمُومِي
فَقُلْ لِمُلاعِبِ الْعَلَمَيْنِ سَيَرَى ... مَعَ الْحَيِّ الْمُقَوَّضِ أَوْ أُقِيمِي
إِذَا عَرِيَ اللِّوَى من شجو قلبي ... ومن طرف أصبت به سقيم
فلا ناحت بحاجر بنت غصنٍ ... ولا نظرت بِرَامَةَ أُمُّ رِيمِ
وَلابْنِ الشِّبْلِ:
مَنْ رَأَى الْبَرْقَ بِنَجْدٍ إِذْ تَرَاءَى ... أَسْلَبَ النَّوْمَ وَأَهْدَى البرحاء
فاض فيضاً كجفوني ماء ... والتظى وهناً كأنفاسي التضاءً
نام سمار الدجى عن ساهر ... تخذالهم سميراً والبكا
أَسْعَدَتْهُ أَدْمُعٌ تَفْضَحُهُ ... وَإِذَا مَا أَحْسَنَ الدَّمْعُ أساء
стр. 438
يَا خَلِيلَيَّ وَلَمْ أُشْعِرْكُمَا ... بِالْهَوَى حَتَّى تَبَيَّنْتُ الإِخَاءَ
عَلِّلا قَلْبِي بِذِكْرَى قَاتِلِي ... رُبَّ دَاءٍ قَادَ لِلنَّفْسِ دَوَاءَ
وَلأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطِ:
خذ مِنْ صَبَا نَجْدٍ أَمَانًا لِقَلْبِهِ ... فَقَدْ كَادَ رِيَّاهَا يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وَإِيَّاكُمَا ذَاكَ النَّسِيمُ فَإِنَّهُ ... إذا هَبَّ كَانَ الْوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ
خَلِيلَيَّ لَوْ أجبتما لَعَلِمْتُمَا ... مَحَلَّ الْهَوَى مِنْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِهِ
وقال شيخنا أبو عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعِ:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى الرمل فاسلا ... عن الحي بالجرعاء هاتيك الْكُثُبَا
وَعُوجَا عَلَى وَادِي الأَرَاكِ فَحَيِّيَا ... هُنَالِكَ أطلالاً رزئت بِهَا الْقَلْبَا
وَحُطَّا بِذَاكَ الشِّعْبِ رَحْلِي وَأَعْقِلا ... قلوصيكما آلَيْتُ أَبْرَحُهُ شِعْبَا
وَلا تُنْكِرَا لَثْمِي ثَرَاهُ فَإِنَّنِي ... بِهِ ذَاكِرٌ عَهْدًا فَمُسْتَلِمٌ تُرْبَا
نَشَدْتُكُمَا أن تمنحاني وقفة ... أبل بها شوقاً وأقضي بها نحبا
أنبأنا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ لِنَفْسِهِ:
بَيْنَ الْحَطِيمِ وَزَمْزَمَ وَالرُّكْنِ ... والحجر المقبل
стр. 439
لِلْعَاشِقِينَ بَنَى الْهَوَى ... أَبَدًا مَصَارِعَ لَيْسَ تُجْهَلْ
كَمْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ عَلِيلِ ... هَوًى طَرِيحٍ لا تعلل
وقتيل بين بَيْنَ خَيْفِ ... مِنًى وَجَمْعٍ لَيْسَ يُعْقَلْ
وَقَالَ آخَرُ:
رَأَى الْبَرْقُ نَجْدِيًا فَحَنَّ إِلَى نَجْدٍ ... وَبَاتَ أَسِيرَ الشَّوْقِ فِي قَبْضَةِ الْبُعْدِ
يُعَالِجُ قلباً قلبته يد النوى ... عَلَى جَمْرَةِ التَّوْدِيعِ فِي لَهَبِ الْوَجْدِ
وَلا مسعدٌ إلا زفير وإنه ... تقد شغاف القلب منه ولا تجدي
وَمَا أَنْطَقَتْهُ الْبَارِقَاتُ تَشَوُّقًا ... لِنَجْدٍ وَلَكِنْ لِلْمُقِيمِينَ فِي نَجْدِ
وَلابْنِ الْبَيَاضِيِّ:
يَا لَيْلَتِي بِذَاتِ الشِّيحِ وَالضَّالِّ ... وَمَنْبَتِ الْبَانِ مِنْ نَعْمَانَ عُودَا لي
ويا مراتع أطلالي بِذِي سَلَمِ ... لَهْفِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عَصْرِكِ الْخَالِي
مَا لِي أُعَلِّلُ قَلْبِي بِالْوُقُوفِ على ... منازل اقفرت منهم وَأَطْلالِ
وَلأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْخَفَاجِيِّ:
أَتَظُنُّ الْوَرَقَ في الأيك تغني ... إنما تُضْمِرُ حُزْنًا مِثْلَ حُزْنِي
стр. 440
لا أَرَاكَ اللَّهُ نَجْدًا بَعْدَهَا ... أَيُّهَا الْحَادِي بِهَا إِنْ لَمْ تُجِبْنِي
هَلْ تُبَارِينِي إِلَى بَثِّ الْجَوَى ... فِي دِيَارِ الْحَيِّ نَشْوَى ذَاتُ غُصْنِ
هَبْ لَهَا الشَّوْقَ وَلَكِنْ زَادَنَا ... أَنَّنَا نَبْكِي عَلَيْهَا وَتُغَنِّي
يَا زَمَانَ الْخَيْفِ هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ ... يَسْمَحُ الدَّهْرُ بِهَا مِنْ بَعْدِ ضَنِّ
أَرَضِينَا بِثَنِيَّاتِ اللِّوَى ... عَنْ زرودٍ يَا لَهَا صَفْقَةُ غَبْنِ
سَلْ أَرَاكَ الْجَزَعَ هَلْ جَادَتْ بِهِ ... مُزْنَةٌ رَوَتْ ثَرَاهُ غَيْرُ جَفْنِي
وأحاديث الغضى هَلْ عَلِمْتَ ... أَنَّهَا تَمْلِكُ قَلْبِي قَبْلَ أُذْنِي
وقال السري الرفا:
مَرَرْنَا بِالْعَقِيقِ فَمِنْ عَقِيقٍ ... تَرَقْرَقَ فِي مَحَاجِرِنَا وذابا
ومن مغناً جَعَلْنَا الشَّوْقَ فِيهِ ... سُؤَالا وَالدُّمُوعَ لَهُ جَوَابَا
وقال [أيضاً] :
تَذَكَّرَ نَجْدًا فَحَنَّ ادِّكَارًا ... وَأَرَّقَهُ الْبَرْقُ لِمَّا اسْتَنَارَا
أَمَاتَتْ صَبَابَتُهُ صَبْرَهُ ... وَكَانَ يَرَى أَنْ يَمُوتَ اصْطِبَارَا
وَجَارَ الْهَوَى فَاسْتَجَارَ الدُّمُوعَ ... إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا مُسْتَجَارَا
وَلأَبِي الْحَسَنِ بْنِ طاهر الحبار:
стр. 441
أإن رأيت بالكثيب ربما ... يَرْتَادُ مِنْهُ الشِّيحَ وَالْقَيْصُومَا
تَجَدَّدَتْ لِي طَرْبَةٌ إِلَى الصِّبَا ... وَذَكَّرَتْنِي عَهْدَهُ الْقَدِيمَا
وَوَكَلَتْنِي أَنْشُدُ الْبُرُوقَ عَنْ ... أَهْلِ الْحِمَى وَأَسْأَلُ الرُّسُومَا
هَا إِنَّهَا مَنَازِلٌ تَعَوَّدَتْ ... مِنِّي إِذَا شَارَفْتُهَا التَّسْلِيمَا
وَقَفْتُ فِيهَا سَالِمًا رَأْدَ الضُّحَى ... وَبِتُّ مِنْ وجد بها سليما
سجية عُذْرِيَّةٌ إِنَّ الْهَوَى ... الْعُذْرِيَّ لا يُفَارِقُ الْكَرِيمَا
يَا نَفْحَةَ الشَّمَالِ مِنْ تِلْقَائِهَا ... رُدِّي عَلَى ذلك النسيما
يا طيف من يسكن بطن وجرةٍ ... كيف عَرَفْتَ الْجِسْرَ وَالْحَرِيمَا
إِنِّي اهْتَدَيْتُ بَابِلا وَأَنْتَ لا ... تعرف إلا الجزع والصريما
نَمَتْ عَلَيْكَ نَفْحَةٌ نَجْدِيَّةٌ ... حَمَلَتْ مِنْ عَرَارِهَا شميما
زرت فلم تمتع وَذَنْبُ مُقْلَتِي ... أَنَّ الْكَرَى يَعْتَادُهَا تَهْوِيمَا
وَلأَبِي القاسم المطرز:
صحى كُلُّ عُذْرِي الْغَرَامَ عَنِ الْهَوَى ... وَأَنْتَ عَلَى حُكْمِ الصَّبَابَةِ نَازِلُ
نَزَلْنَا إِلَى التَّوْدِيعِ مِنْ دَارَةَ الْحِمَى ... فَضَنَّتْ عَلَيْنَا بِالسَّلامِ الْمَنَازِلُ
وَلأَبِي منصور بن الفضل في أبيات:
تزاورن عن أذرعاتٍ يمينا ... نواشز لسن يطعن البرينا
стр. 442
كلفن بنجد كان الرياض ... أخذن لنجدٍ عليها يَمِينَا
إِذَا جِئْتُمَا بَانَةَ الْوَادِيَيْنِ ... فَأَرْخُوا النُّسُوعَ وحلوا الوضينا
فثم علائق من أجلها ... ملأ الدُّجَى وَالضُّحَى قَدْ طُوِينَا
وَقَدْ أَنْبَأَتْهُمْ مِيَاهُ الجفون ... أن بقلبك داءً دفينا
ولي في أثناء قصيدة عارضت بها قصيدة ابْنِ الْفَضْلِ:
إِذَا جُزْتَ بِالْغُورِ عَرِّجْ يَمِينًا ... فَقَدْ أَخَذَ الشَّوْقُ مِنَّا يَمِينَا
وَسَلِّمْ عَلَى بَانه الْوَادِيَيْنِ ... فَإِنْ سَمِعْتَ أَوْشَكَتْ أَنْ تُبِينَا
ومل نحو غصن بأرض النقا ... وما يشبه الأيك تلك الغصونا
وَصِحْ فِي مَغَانِيهِمُ أَيْنَ هُمْ ... وَهَيْهَاتَ أَمُّوا طريقاً شطونا
وَرَوِّ ثَرَى أَرْضِهِمْ بِالدُّمُوعِ ... وَخَلِّ الضُّلُوعَ عَلَى ما طوينا
أراك يشوقك وادي الأراك ... أللدار تبكي أم الساكنينا
سقى الله مربعنا بالحمى ... وإن كان أورث داء دفينا
وعاذ له فَوْقَ دَاءِ الْمُحِبِّ ... رُوَيْدًا رُوَيْدًا بِنَا قَدْ بلينا
لم تَعْذِلِينَ أَمَا تَعْذُرِينَ ... فَلَوْ قَدْ نَفَعْتِ دَفَعْتِ الأنينا
إذا غلب الحب ضاع الْعِتَابُ ... تَعِبْتُ وَأَتْعَبْتُ لَوْ تَعْلَمِينَا
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
عَرِّجُوا بِالرِّفَاقِ نَحْوَ الرَّكْبِ ... وَقِفُوا وَقْفَةً لأنشد قلبي
стр. 443
وخذوا لي من النقيب لماظاً ... أو ردوني إِلَى الْعُذَيْبِ وَحَسْبِي
فَهُبُوبُ الرِّيَاحِ مِنْ أَرْضِ نجد ... قوت روحي وَحَبَّذَا مِنْ مَهَبِّ
يَا نَسِيمَ الصَّبَا تَرَنَّمَ على الدوح ... بصوت تشجى وَإِنْ طَارَ لُبِّي
مَنْ مُعِيدُ أَيَّامَنَا بِلِوَى الْجَزَعِ ... وَهَيْهَاتَ أَيْنَ مِنِّي صَحْبِي
يَا غُصُونَ النقا سأسقيك دمعي ... وكفا عيني يكفي عيون السحب
ولي في أخرى:
عثرت بريحكم الصبا سحراً ... فارتاح قلبي المدنق الْحَرِضُ
مَا لِي أَرَاكِ سَقِيمَةً بِهِمْ ... يَا رِيحُ عِنْدِي لا بِكِ الْمَرَضُ
أَتْبَعْتُهَا نَفْسًا أُشَيِّعُهَا ... فَإِذَا جُرُوحُ الْقَلْبِ تُنْتَقَضُ
قِفْ صَاحِبِي إِنْ كُنْتَ تُسْعِدُنِي ... عِنْدَ الْكَثِيبِ فَثَمَّ لِي عرض
وَانْشُدْ فُؤَادِي عِنْدَ كَاظِمَةٍ ... فِي كُلِّ رَكْبٍ راح يعترض
فرضوا على الأجفان إذ ظعنوا ... لا تَلْتَقِي فَاصْبِرْ لِمَا فَرَضُوا
كَيْفَ اصْطِبَارِي بَعْدَ فُرْقَتِهِمْ ... وَاشَدْهُ مَا عَنْهُمْ عِوَضُ
وَلِي في أخرى:
وَدِّعُوا يَوْمَ النَّوَى وَاسْتَقِلُّوا ... لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَهَا أَيْنَ حَلُّوا
يَا نَسِيمَ الرِّيحِ بَلِّغْ إِلَيْهِمْ ... إن عقدي معهم ما يُحَلُّ
لِي مِنَ الرِّيحِ الشَّمَالِ انْتِهَالٌ ... فَإِذَا هَبَّتْ سُحَيْرًا فَعَلُ
стр. 444
عَرَّضُوا قَلْبِي لسقمٍ طَوِيلٍ ... بَاطِنٍ يُظْهِرُ مِنْهُ الأقل
أيها الراكب إِنْ جُزْتَ عَرِّجْ ... فَعَلِيلُ الْغُورِ مَا يُسْتَبْلُ
ثُمَّ إِيَّاكَ وَحَبْلَيْ زرودٍ ... فَدَمَ الْمَقْتُولُ ثَمَّ يطل
قيدوا الأسرى فلم يغنيهم ... بَعْدَهَا أَنْشَاطُ عَقْدٍ وَحِلُّ
لَوْ بَكَتْ عَيْنِي عَلَى قَدْرِ وَجْدِي ... صَارَ وَادِيهِمْ دَمًا لا يَحِلُّ
مَرِضَ الْقَلْبُ زرودٍ جَنَّتُهُ ... أَبِذَاكَ الرَّمْلِ يا قوم صل
يا عريب البراثم حماه ... فلماذا جاركم يستذل
ولي في أخرى:
قِفْ بِالرِّيَاضِ عَلَى الْغَدِيرْ ... وَانْدُبْ بِهَا نَدْبَ الأَسِيرْ
ذَكِّرْ أَثِيلاتِ النَّقَا ... مَا كَانَ مِنْ عيش قصير
وانفض دُمُوعَكَ رُبَّمَا ... سَكَنَتْ بِهَا نَارُ السَّعِيرْ
وَاحْبِسْ زَفِيرًا إِنْ بَدَا ... هَاجَ النَّبَاتُ مِنَ الزَّفِيرْ
يَا بَانَةَ الْوَادِي أَنْعِمِي ... فِي مَوْطِنِ الرَّمْلِ الوثير
وتمايلي بالورق يشدوا ... بالغناء وبالزمير
حاشاك من حر الجوى ... وَسَلِمْتِ مِنْ عَيْشٍ مَرِيرْ
أَيْنَ الَّذِينَ عَهِدْتُهُمْ ... بفنائك الرحب الغزير
لله أيام مضت ... لانت لنا لين الحرير
стр. 445
ولي في أخرى:
هل عند ربع عفا خبر من الخير ... من أين يعلم قفر دارين الأَثَرِ
وَقَفْتَ تَسْأَلُ وَرْدًا إِذْ وَرَدَّتْ بِهِ ... وَمَا شَفَيْتَ غَلِيلَ الصَّدْرِ فِي الصَّدْرِ
دَعْ ماء عينيك وَاحْلُلْ مِنْ مَزَادَتِهِ ... فَإِنَّمَا خُلِقْتَ لِلدَّمْعِ وَالسَّهَرِ
خلفت قلبك في الأظعان إذ ... نزلت بالمأزمين زمان النفر بالنفر
وَرُحْتَ تَطْلُبُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ ضُحًى ... مَا ضاع عند منى فاعجب لذا الحور
لَمَّا طَرَقْنَا النَّقَا كَانَ الْفُؤَادُ مَعِي ... فَضَلَّ عني بين الضال والسمر
يا أرجل العيس تهنيك الرمال فما ... أغدوا بِوَجْدِي غَدًا إِلا عَلَى الأَبَرِ
عَجِبْتُ مِنْ بَارِقٍ فِي الْحَيِّ أَزْعَجَنِي ... فَجَادَ جَفْنِي قَبْلَ الغيم بالمطر
قصائدي بَدَوِيَّاتٌ وَقَدْ نَزَلْتُ ... رِيفَ الْعِرَاقِ فَنَالَتْ رِقَّةَ الْحَضَرِ
طَبْعُ الرِّضَى وَعِلْمُ الْمُرْتَضَى جُمِعَا ... مَعًا لِشِعْرِي وَفَحْوَاهُ إِلَى عُمَرِ
وَلِي فِي أُخْرَى:
يَا صَاحِبِي إِنْ كُنْتَ لِي أَوْ مَعِي ... فعد إلى روض الحمى نرتعي
وَسَلْ عَنِ الْوَادِي وَأَرْبَابِهِ ... وَانْشُدْ فُؤَادِي فِي ربا المجمع
стр. 446
حَيِّ كَثِيبَ الرَّمْلِ رَمْلِ الْحِمَى ... وَقِفْ وَسَلِّمْ لِي عَلَى لَعْلَعْ
وَاسْمَعْ حَدِيثًا قَدْ رَوَتْهُ الصبا ... تسنده عن بانة الأجرع
وابك فما في العين من فضلة ... ونب فدتك النفس عن مدمعي
وأنزل على الشيخ بواديهم ... واشمم عشيب البلد البلقع
عند منى كُنْتَ وَكَانَ الْهَوَى ... فَصَمَّ إِلا عَنْهُمُ مَسْمَعِي
لَهْفِي عَلَى طِيبِ لَيَالٍ خَلَتْ ... عُودِي تَعُودِي مدنفاً قد نعي
إذا تذكرت زماناً مضى ... فويح أجفاني من أدمعي
وَلِي فِي أُخْرَى:
تَمَلَّكُوا وَاحْتَكَمُوا ... وَصَارَ قَلْبِي لَهُمْ
تَصَرَّفُوا فِي مُلْكِهِمْ ... فَلا يُقَالُ ظَلَمُوا
إِنْ وَصَلُوا مُحِبَّهُمْ ... أَوْ قَطَعُوا فَهُمُ هُمُ
أصبر لما شاء وإن ... ساء الَّذِي قَدْ حَكَمُوا
قَدْ أَوْدَعُوا سِرَّ فُؤَادِي ... حبهم واستكتموا
يا أرض سلع أخبري ... وحدثيني عنهم
يا ليت شعري إذا غدوا أأنجدوا أم أتهموا
تبكهم أرض منى ... وتشتكيهم زَمْزَمُ
مَا ضَرَّهُمْ حِينَ سَرَوْا ... لَوْ وَقَفُوا أو سلموا
يَشُوقُنِي وَادِيهِمُ ... وَضَالَّةٌ وَالسَّلَمُ
стр. 447
وَلِي فِي أُخْرَى:
إِلَى كَمْ أُسَائِلُ هَذِي الْمَغَانِي ... لَقَدْ نَطَقَتْ لَوْ فَهِمَتِ الْمَعَانِي
أَمَا لَكَ شُغُلٌ بِمَا أَنْتَ فِيهِ ... مِنَ الْوَجْدِ عن ذكر ماضي الزماني
وَكَيْفَ وَوَجْدِي مِنْ ذَاكَ كَانَ ... أُعَانِي لِتْذَكَارِهِ ما أعاني
قفوا بي أحيي كَثِيبَ النَّقَا ... فَإِنَّ الْكَثِيبَ لِمَنْ تَعْلَمَانِ
بَكَيْتُ لِمُرِّ زمانٍ مَضَى ... فَعَيْنِي السَّمَاكُ أَوِ الْمِرْزَمَانِ
أتنسى لرامة عَهْدِ الْحِمَى ... دَعَانِي فَوَجْدِي بِهِ قَدْ دَعَانِي
وَلِي فِي أُخْرَى:
يَا رَفِيقَيَّ قِفَا لِي فانظرا ... إِنَّ عَيْنِي لِدُمُوعِي لا تُرَى
هَلْ خَبَتْ نَارُهُمُ أَوْ أُوقِدَتْ ... أَوْ جَرَى وَادِيهُمُ أَوْ أَقْفَرَا
إِنَّ قَلْبِي فَاتَهُ شُرْبُ الْحِمَى ... فَهُوَ لا يَنْفَعُهُ أَنْ يُمْطَرَا
آهٍ مِنْ طِيبِ ليال سلفت ... كان كل الليل فِيهَا سَحَرَا
أَتُرَى يَرْجِعُ لِي دَهْرٌ مَضَى ... أم ترى ينفعني قولي ترى
стр. 448
باب ذكر قبول الحاج
٣٢٥-[سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الموحد يقول: سمعت هناد بن إبراهيم النسفي يقول: سمعت سعد بن محمد الطبري يقول: سمعت إبراهيم المزكي.
٣٢٦- و] قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي طالب العشاري، قال: ثنا أحمد بن إبراهيم بن الحصين، قال: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ السَّرَّاجَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الموفق يقول: حججت خمسين ونيفاً حجة، فنظرت إلى أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَضَجِيجِ أَصْوَاتِهِمْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَؤُلاءِ أَحَدٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ، فَقَدْ وَهَبْتُ حَجَّتِي لَهُ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، فبت بها، فرأيت رب العزة ﵎ في المنام، فقال لِي: يَا عَلِيُّ بْنَ الْمُوَفَّقِ! تُسَخِّي عَلَيَّ، قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم، وشفعت كل واحد منهم فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَأَنَا أَهْلُ التقوى وأهل
стр. 449
المغفرة.
٣٢٧- أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا مكي بن علي، قال: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حَجَّةً، خَرَجْتُ مِنَ الطَّوَافِ، وَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ الْمِيزَابِ، وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ لا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ حَالِي عِنْدَ اللَّهِ ، وَقَدْ كَثُرَ تَرَدُّدِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.
فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَكَأَنَّ قَائِلا يقول لي:
يا علي بن الموفق! هل تدعو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّهُ؟
قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَقَدْ سُرِّيَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ، قَالَ: حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَنِمْتُ لَيْلَةَ عَرَفَةَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ قَدْ نزل مِنَ السَّمَاءِ فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ: يَا عَبْدَ الله! فقال: لبيك يا عبد الله. قال: تدري كم حج بيت ربنا فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ: حج بيت ربنا ست
стр. 450
مئة أَلْفٍ، فَتَدْرِي كَمْ قُبِلَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لا. قَالَ: قُبِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَنْفُسٍ. قَالَ: ثُمَّ ارْتَفَعَا فِي الْهَوَاءِ فَغَابَا عَنِّي، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا وَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، وَأَهَمَّنِي أَمْرِي وَقُلْتُ: إِذَا قبل ست أَنْفُسٍ، فَأَيْنَ أَكُونُ أَنَا فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ؟ فَلَمَّا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَةَ وَبِتُّ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، جَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِي كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَفِي قلة من قبل منهم فحملني النَّوْمُ، فَإِذَا الشَّخْصَانِ قَدْ نَزَلا عَلَى هَيْئَتِهِمَا، فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَعَادَا ذَلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَفَتَدْرِي مَاذَا حَكَمَ رَبُّنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَالَ: لا. قَالَ: فَإِنَّهُ وَهَبَ لكل واحد من الستة مئة ألف، فانتبهت ولي مِنَ السُّرُورِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ.
стр. 451
باب ذكر من آثر أهل فَاقَةٍ بِنَفَقَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ فَبَعَثَ اللَّهُ تعالى مَلَكًا فَحَجَّ عَنْهُ
٣٢٨- قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، قَالَ: حَكَى لِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: حَكَى لِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ قَالَ: كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ قَدْ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْحَجُّ، قال: فحدثت عنه، أنه قال: ورد الحاج فِي بَعْضِ السِّنِينَ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إِلَى الْحَجِّ، فَأَخَذْتُ فِي كُمِّي خمس مئة دينار، وخرجت إلى السوق لأشتري آلة الحج، فبينا أنا في بعض الطريق، عارضتني امرأة وقالت: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَا امْرَأَةٌ شَرِيفَةٌ وَلِي بَنَاتٌ عراة واليوم الرَّابِعِ مَا أَكَلْنَا شَيْئًا. قَالَ: فَوَقَعَ كَلامُهَا في قلبي، فطرحت الخمس مئة [دِينَارٍ] فِي طَرَفِ إِزَارِهَا، وَقُلْتُ: عُودِي إِلَى بيتك واستعيني بهذه الدنانير على وقتك. فحمدت الله وَانْصَرَفَتْ، وَنَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِي حَلاوَةَ الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ
стр. 452
السنة وَخَرَجَ النَّاسُ وَحَجُّوا وَعَادُوا، فَقُلْتُ: أَخْرُجُ للقاء الأصدقاء والسلام عليهم، فَخَرَجْتُ فَجَعَلْتَ كُلَّمَا لَقِيتُ صَدِيقًا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وقلت له: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَشَكَرَ سَعْيَكَ، يَقُولُ لِي: وَأَنْتَ قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَشَكَرَ سَعْيَكَ.
فَطَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المنام وقال لِي: يَا فُلانُ! لا تَعْجَبْ مِنْ تَهْنِئَةِ الناس لك بالحج، أغثت ملهوفة وأعنت ضعيفة، فسألت الله تعالى فخلق في صُورَتِكَ مَلَكًا، فَهُوَ يَحُجُّ عَنْكَ فِي كُلِّ عَامٍ، فَإِنْ شِئْتَ حُجَّ وَإِنْ شِئْتَ لا تحجج.
٣٢٩- وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ نَفْسِهِ أَبُو سعد عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الْوَاعِظُ بِإِسْنَادٍ لَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ دَخَلَ الْكُوفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ تَنْتُفُ بَطَّةً، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أنها ميتة، فوقف وقال: يا هذه! هذه ميتة أو مذبوحة؟ قالت: مَيْتَةٌ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آكُلَهَا وَعِيَالِي.
فَقَالَ: إن الله تعالى قد حرم الميتة وأنت في هذا الْبَلَدِ. فَقَالَتْ: يَا
стр. 453
هَذَا! انْصَرِفْ عَنِّي. فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهَا الْكَلامَ، إِلَى أَنْ تَعَرَّفَ مَنْزِلَهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَحَمَلَ معه بغلاً عليه نفقة وكسوة وزاداً، وَجَاءَ فَطَرَقَ الْبَابَ، فَفَتَحَتَ، فَنَزَلَ عَنِ الْبَغْلِ وضربه، فَدَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: هَذَا الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالزَّادِ لَكُمْ. ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى رَجَعَ الْحَاجُّ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ يُهَنِّئُونَهُ بِالْحَجِّ، فَقَالَ: مَا حَجَجْتُ السَّنَةَ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! أَلَمْ أُودِعْكَ نفقتي ونحن ذاهبون إلى عرفات. وقال آخر: ألم تسقني بموضع كذا وكذا. وقال آخر: ألم تشتر لي كذا. فقال: ما أَدْرِي مَا تَقُولُونَ؟ أَمَّا أَنَا، فَلَمْ أَحُجَّ الْعَامَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُتِيَ فِي مَنَامِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ! إن الله جل جلاه قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ، وَإِنَّهُ بَعَثَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِكَ، فَحَجَّ عَنْكَ.
-وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنه نوى الحج ومعه ثمان مئة دِرْهَمٍ، فَعَرَضَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ حَاجَةٌ، فَبَعَثَ وَلَدَهُ إِلَى بَعْضِ جَيرَانِهِ فَرَجَعَ الْوَلَدُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَارِنَا وَعِنْدَهُمْ طَبِيخٌ فَاشْتَهَيْتُهُ فَلَمْ يُطْعِمُونِي.
стр. 454
فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى جَارِهِ يُعَاتِبُهُ عَلَى مَا فَعَلَ، فَبَكَى الْجَارُ وَقَالَ: قَدْ أَلْجَأْتَنِي إِلَى كَشْفِ حَالِي، إِنَّا مُنْذُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَمْ نطعم، فطبخنا ميتة فأكلنا، وعلمت أن ولدك يجد ما لا يحل له مَعَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةَ.
فَتَعَجَّبَ الرَّجُلُ وَقَالَ لِنَفْسِهِ: كَيْفَ النَّجَاةُ وَفِي جِوَارِكَ مِثْلُ هَذَا وَأَنْتَ تَتَأَهَّبُ لِلْحَجِّ؟ فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَأَعْطَاهُ الثَّمَانِ مئة درهم، فلما كانت عشية عرفة رأى ذا النون المصري فِي مَنَامِهِ وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ كَأَنَ قَائِلا يَقُولُ: يَا ذَا النُّونِ! تَرَى هَذَا الزِّحَامَ عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَجَّ منهم إلا رجل تخلف عن الموقف فَحَجَّ بِهَمِّهِ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ.
قال ذو النون: من هو؟ قيل: رَجُلٌ يَسْكُنُ دِمَشْقَ. فَذَهَبَ ذُو النُّونِ إِلَى دِمَشْقَ وَبَحَثَ عَنْهُ حَتَّى عَرَفَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ.
стр. 455
أبواب ذكر كبراء الحاج وساداتهم
стр. 456
أبواب ذكر كبراء الحاج وَسَادَاتِهِمْ
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الْمَلائِكَةِ
٣٣٠- جَاءَ فِي الحديث، أن الملائكة تلقت آدم بَعْدَ حَجِّهِ، فَقَالُوا: لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. قَالَ: فَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فكان يَقُولُهَا فِي طَوَافِهِ.
٣٣١- وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ جِبْرِيلَ [﵇] وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ قَدْ عَلاهَا الْغُبَارُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] : مَا هَذَا الْغُبَارُ الَّذِي أَرَى؟ قَالَ: إِنِّي زرْتُ الْبَيْتَ فَازْدَحَمَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى الرُّكْنِ، فَهَذَا الْغُبَارُ مِمَّا تنثر بأجنحتها.
стр. 457
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تعالى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مَلَكًا لِبَعْضِ أُمُورِهِ فِي الأَرْضِ، اسْتَأْذَنَهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ فِي الطَّوَافِ ببيته فيهبط الْمَلَكُ مُهِلا.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الأُولَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَلَكٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الأَرْضِ، إِلا أَمَرَهُ بزيارة البيت فينتفض من تحت العرش محرماً مُلَبِّيًا حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا بِالْبَيْتِ وَيَرْكَعُ فِي جَوْفِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَصْعَدُ.
٣٣٢- أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مسيعدة، قال: أخبرنا أبو إسماعيل النصراباذي، قال: ثنا المغيرة بن عمرو، قال: أخبرنا المفضل بن محمد، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري، قال: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا قط وَلا سَحَابَةً فَتَمُرُّ حَيْثَ تُبْعَثُ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ تَمْضِي حَيْثُ أُمِرَتْ.
стр. 458
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ آدَمَ ﵇
قَدْ سبق في كتابنا هذا أن الله تعالى أمر آدم ببناء البيت وبالطواف حوله.
٣٣٣- وقد روى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أوحى إلى آدم [﵇] : ابْنِ لِي بَيْتًا، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى، فَطُوِيَتْ لَهُ الأرض ولم يقع قدمه عَلَى شَيْءٍ إِلا صَارَ عُمْرَانًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ، فَبَنَى الْبَيْتَ وَطَافَ بِهِ وَصَلَّى فيه.
٣٣٤- وروى مجاهد عن ابن عباس، أن آدم نَزَلَ بِالْهِنْدِ، فَحَجَّ مِنَ الْهِنْدِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً عَلَى رِجْلَيْهِ.
فَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ: هَلا كَانَ يَرْكَبُ؟ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَحْمِلُهُ؟!
٣٣٥- وَفِي رِوَايَةٍ أخرى عن ابن عباس، قال: أهبط الله آدم إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ الأسود وَهُوَ يَتَلألأُ مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ، فَضَمَّهُ أُنْسًا به،
стр. 459
ثم قيل له: تخطئ فتخطئ. فَإِذَا هُوَ بِالْهِنْدِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِلَى الرُّكْنِ فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ. فحج.
٣٣٦- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عبد الله بن الحسين الهمذاني، قال: أخبرنا الدارقطني، قال: ثنا أحمد بن نصر بن طالب الحافظ، قال: ثنا حفص بن عمر الرافقي، قال: ثنا محمد بن كثير العبدي، قال: ثنا عبيد اللَّهِ بْنُ الْمِنْهَالِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَسِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
((لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ، طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلانِيَتِي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَاعْطِنِي سُؤْلِي، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، أَسْأَلُكَ إِيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي وَيَقِينًا صَادِقًا، حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لن يصيبني إلا ما كتب لي، ورضني بقضائك.
فأوحى الله إِلَيْهِ: يَا آدَمُ! إِنَّكَ قَدْ دَعَوْتَنِي دُعَاءً استجبت لك فيه ولن يدعوني به أحد من ذريتك من بعدك إِلا اسْتَجَبْتُ لَهُ، وَغَفْرَتُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَفَرَّجْتُ همومه وَاتَّجَرْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأَتْتَهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَإِنْ كَانَ لا
стр. 460
يُرِيدُهَا)) .
قَسِيمٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَفْتُوحُ الْقَافِ مَكْسُورُ السِّينِ.
следующие страницы →