Полный текст (683 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
١٣- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الحاكم ويحيى بن علي، قالا: أخبرنا ابن النقور، قال: أخبرنا ابن حبابة، قال: ثنا البغوي، قال: ثنا هدبة بن خالد، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا الجريري، عن حيان بن عمير، قال: ثنا ماعز، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
((إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وجهاد في سبيله، ثم أرعدت فخذ السائل، ثم قال: مَهْ! قَالَ: ثُمَّ عَمَلٌ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ، إِلا كَمِثْلِهِ حَجَّةٌ بَارَّةٌ حَجَّةٌ بَارَّةٌ)) .
١٤- أخبرنا أبو سعد الزوزني، قال: أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، قال: أخبرنا عثمان بن عمرو بن المنتاب، قال: ثنا ابن صاعد، قال: ثنا الحسين بن الحسن، أخبرنا الهيثم بن جميل، قال: أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
стр. 37
((إِيمَانٌ بِاللَّهِ ) .
قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال:
((ثم الجهاد في سبيل الله ) .
قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:
((ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ)) .
أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
١٥- وَفِي أَفْرَادِ البخاري من حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول الله! ترى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ:
((لَكِنَّ أفضل الجهاد حَجٌّ مَبْرُورٌ)) .
١٦- وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عن النبي ﷺ ، أنَّهُ قَالَ:
((حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلى الْجَنَّةُ)) .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ:
((إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ)) .
وَسُئِلَ الحسن البصري: ما الحج المبرور؟ فقال: أَنْ يَرْجِعَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، رَاغِبًا فِي الآخرة.
стр. 38
١٧- وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا لحج مبرور جزاء إلا الجنة)) .
١٨- وفي حديث [عمر بن الخطاب] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةَ مَا بينهما يزيد في العمر والرزق وينفي الذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) .
١٩- وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال:
((دعوة الحاج لا ترد حتى يَرْجِعُ)) .
٢٠- وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عن النبي ﷺ ، أنه قَالَ:
((مَنْ أَرَادَ دُنْيَا وَآخِرَةً، فَلْيَؤُمَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَا أَتَاهُ عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ دُنْيَا إلا أعطاه مِنْهَا، وَلا آخِرَةً إِلا ادُّخِرَ لَهُ مِنْهَا)) .
стр. 39
٢١- وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال:
((الحاج وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ سَأَلُوا، أُعْطُوا، وَإِنْ أَنْفَقُوا، أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ، مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ عَلَى شَرَفٍ، إِلا أَهَلَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ بِتَهْلِيلِهِ وَتَكْبِيرِهِ حَتَّى يَبْلُغَ مُنْقَطَعَ التُّرَابِ)) .
٢٢- قرأت على محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد، قال: ثنا أبو الفتح الحافظ، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، قال: ثنا أحمد بن روح، قال: ثنا حماد بن المؤمل، قال: ثنا محمد بن عمرو بن الجهم، قال: ثنا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((مَنْ جَاءَ هَذَا الْبَيْتَ حَاجًّا وطاف أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْ مَائِهَا، أخرجه مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) .
٢٣- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ:
стр. 40
((لك بكل خطوة تخطوها راحلتك حسنة، تحط عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَتُرْفَعُ لَكَ بِهَا دَرَجَةٌ)) .
٢٤- أخبرنا يحيى بن علي، قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين السماني، قال: أخبرنا أبو طاهر بن مهدي، قال: حدثنا عثمان محمد السمرقندي، قال: ثنا أبو أمية، قال: ثنا عمر بن عثمان، قال: ثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عن علقمة بن مرثد، عن أبي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيَهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
((النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ تُضَاعَفُ في سبيل الله الدرهم بسبع مئة)) .
٢٥- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الغنائم بن النرسي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: ثنا عمر بن الحسن، قال: ثنا محمد بن كامل، قال: ثنا محمد بن إسحاق العكاشي، قال: حدثني
стр. 41
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَبَا أمامة وواثلة يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((أربع حق على الله عَوْنُهُمْ: الْغَازِي، وَالْمُتَزَوِّجُ، وَالْمُكَاتِبُ، وَالْحَاجُّ)) .
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَإِذَا الصَّلاةُ تُجْهِدُ الْبَدَنَ دُونَ الْمَالِ، وَالصِّيَامُ كَذَلِكَ، وَالْحَجُّ يُجْهِدُهُمَا، فَرَأَيْتُهُ أَفْضَلَ.
وَكَانَ أَبُو الشَّعْثَاءِ لا يماكس في الكرى إِلَى مَكَّةَ، وَلا فِي الرَّقَبَةِ يَشْتَرِيهَا لِلْعِتْقِ، وَلا فِي الْأُضْحِيَةِ.
وَقَالَ: لا يُمَاكَسُ فِي كل شَيْءٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ .
فصل
واعلم أن التكليف ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ:
تَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ الْقَلْبِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَلَيْسَ فِي التكليف قسم رابع.
стр. 42
والصلاة والصوم يجمعان شيئين مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ: عَقْدُ الْقَلْبِ، وَفِعْلُ الْبَدَنِ، والزكاة تجمع شيئين: عَقْدُ الْقَلْبِ وَإِخْرَاجُ الْمَالِ، وَالْحَجُّ يَجْمَعُ الْأَرْكَانَ الثَّلاثَةَ، فَبَانَ فَضْلُهُ، ثُمَّ إنْهَاكُهُ لِلْبَدَنِ أَشَدُّ وَإِجْهَادُهُ لِلْمَالِ أَكْثَرُ، وَيَجْمَعُ مُفَارَقَةَ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ وَالْمَأْلُوفَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَلِقَاءَ الشَّدَائِدِ، وَهُوَ زِيَارَةُ الْحَقِّ ، ثم هو [فيه] حُضُورُ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُ فَضْلِهَا، وَيَتَضَمَّنُ الدُّخُولَ فِي جُمْلَةِ الْمُخْلِصِينَ، وَالاخْتِلاطَ بِالْأَبْدَالِ وَالصَّالِحِينَ، وَالانْغِمَاسَ فِي دُعَاءِ الْمَقْبُولِينَ.
٢٦- أَخْبَرَنَا عُمَرُ بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ داود الدينوري يقول: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤي (وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلا) ، قال: كنت في البحر، فانكسر المركب وغرق كل ما كان فِيهِ، وَكَانَ فِي وِطَائِي لُؤْلُؤٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ، وَقَرُبَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ وَخِفْتُ الْفَوَاتَ، فلما سلم الله عز
стр. 43
وجل روحي ونجاني مِنَ الْغَرَقِ، مَشَيْتُ.
فَقَالَ لِي جَمَاعَةٌ كَانُوا في المركب: لو توقفت عَسَى يَجِيءُ مَنْ يُخْرِجُ شَيْئًا، فَيُخْرِجُ لَكَ مِنْ رَحْلِكَ شَيْئًا.
فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ما مر مني وفي وِطَائِي شَيْءٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ، وَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أُوثِرُهُ عَلَى وقفةٍ بِعَرَفَةَ.
فَقَالُوا: وَمَا الَّذِي وَرَّثَكَ هَذَا؟
فَقُلْتُ: أَنَا رَجُلٌ مُولَعٌ بِالْحَجِّ، أَطْلُبُ الرِّبْحَ وَالثَّوَابَ، حَجَجْتُ فِي بعض السنين وعطشت عطشاً شديداً، فأجلست عبداً لي فِي وَسَطِ الْمَحْمَلِ وَنَزَلْتُ أَطْلُبُ الْمَاءَ، وَالنَّاسُ قد عَطِشُوا فَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ رَجُلا رَجُلا وَمَحْمَلا محملاً: معكم ماء؟ وإذا بالناس شَرْعٌ وَاحِدٌ حَتَّى صِرْتُ فِي سَاقَةِ الْقَافِلَةِ بميل أو ميلين، فمررت بمصنع مصهرج، وإذا رَجُلٌ فَقِيرٌ جَالِسٌ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ، وَقَدْ غَرَزَ عَصَاهُ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ وَالْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ مَوْضِعِ الْعَصَا وَهُوَ يَشْرَبُ، فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ، وَجِئْتُ إِلَى الْقَافِلَةِ وَالنَّاسُ قَدْ نَزَلُوا، فَأَخْرَجْتُ قِرْبَةً وَمَضَيْتُ فَمَلَأْتُهَا، فَرَآنِيَ الناس فبادروا بِالْقِرَبِ، فَرَوَوْا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمَّا رَوِيَ النَّاسُ وسارت القافلة، وجئت لأنظر وإذا البركة ملأى تلتطم أمواجها، فموسم
стр. 44
يَحْضُرُهُ مِثْلُ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حَضَرَ الْمَوْقِفَ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أُوثِرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلاف، لا وَاللَّهِ وَلا الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. وَتَرَكَ اللُّؤْلُؤَ وَجَمِيعَ قُمَاشِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ: فَبَلَغَنِي أَنَّ قِيمَةَ ما كان غرق له خمسين ألف دينار.
стр. 45
بَابُ سَبَبِ تَوَقَانِ النَّفْسِ إِلَى مَكَّةَ
التَّائِقُونَ إلى مكة على ستة أقسام:
القسم الأول: من يكون وَطَنًا لَهُ فَيَخْرُجُ عَنْهَا فَيَتُوقُ إِلَى وَطَنِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَذُوقُ فِي تَرَدُّدِهِ إليها حلاوة ربح الدنيا، فذاك يتوق إِلَى رِبْحِهِ لا إِلَيْهَا، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا؛ تَاقَ إِلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: مَنْ يَكُونُ مَحْصُورًا فِي بَلَدِهِ، فَيُحِبُّ النُّزْهَةَ وَالْفُرْجَةَ وَيَرَى مَا يَطْلُبُهُ فِي طَرِيقِهَا، فَيَنْسَى شِدَّةً يَلْقَاهَا لِلَّذَّةِ التي يطلبها، وتبهرج نفسه عليه أنها حب الحج وإنما تحب الراحة.
وَالرَّابِعُ: مَنْ تُبْطِنُ نَفْسُهُ الرِّيَاءَ وَتُخْفِيهِ عَنْهُ حَتَّى لا يَكَادَ يُحِسُّ بِهِ وَذَلِكَ حُبُّهَا لقول الناس: قد حج فلان لتلقيبه وتسميته بالحاجي، فهي تتوق إِلَى ذَلِكَ وَتُبَهْرِجُ عَلَيْهِ بِحُبِّ الْحَجِّ، وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ الْغُرُورِ، فَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّ رَجُلا جَاءَهُ فقال: أريد أن أحج. فقال:
стр. 46
كم معك؟ قال: ألفا درهم. قال: أما حججت؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلَ من الحج، اقض دين مدين [و] فَرِّجْ عَنْ مَكْرُوبٍ. فَسَكَتَ.
فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: مَا تَمِيلُ نَفْسِي إِلا إِلَى الْحَجِّ. قال: إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَرْكَبَ وَتَجِيءَ وَيُقَالَ قَدْ حَجَّ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَنْ يَعْلَمُ فَضْلَ الْحَجِّ، فَيَتُوقُ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ لِأَنَّ مضاعفة الثواب في تلك الأماكن تزيد عَلَى غَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: تَوَقَانٌ عَامٌّ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِلا أَنَّ فِيهِ شَائِبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ، وَهُوَ أَنَّ أَقْوَامًا يَتُوقُونَ وَيَجِدُونَ قَلَقًا لا يَبْعَثُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْمَكَانُ مُسْتَلَذًّا فِي نَفْسِهِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الْقَلَقَ، فَهَذَا السِّرُّ الْغَامِضُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ.
وَلِهَذَا التَّوَقَانِ ثَلاثَةُ أَسْبَابٍ:
أَحَدُهَا: دُعَاءُ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حِينَ قَالَ:
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تهوي إليهم﴾ .
قال ابن عباس: تَحِنُّ إِلَيْهِمْ, قَالَ: وَأَرَادَ حُبَّ سُكْنَى مَكَّةَ، ولو قال: فاجعل أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، لَحَجَّهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لكنه قال: ﴿من الناس﴾ .
стр. 47
والثاني:
٢٧- أنه جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَتَحِنُّ الْقُلُوبُ إِلَيْهَا)) .
٢٨- وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ:
((لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تُنْسَخُ فِيهَا الْآجَالُ، وَيُكْتَبُ فِيهَا الْحَاجُّ)) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدم بأرض نعمان.
٢٩- فأخبرنا ابن عبد الواحد، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا حسين بن محمد، قال: ثنا جَرِيرٌ (يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ) ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس [﵁] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
((أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ (يَعْنِي: عَرَفَةَ) ،
стр. 48
فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلا، قَالَ: ﴿ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَوَّلُ وَطَنٍ، وَالنَّفْسُ أَبَدًا تُنَازِعُ إِلَى الْوَطَنِ، وليس لقائل أن يقول: فهذا شَيْءٌ لا تَتَخَايَلُهُ النَّفْسُ، فَكَيْفَ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ؟ لأن النفس قد كانت في أحوال وتقلبت فَنَسِيَتْ، كَمَا أَنَّ الَإِنْسَانَ قَدْ يَمِيلُ إِلَى شخص ولا يدري لم، ثم يظهر بينهما تشاكل أوجب ذلك أو مناسبة، ثُمَّ لَيْسَ نِسْيَانُ النَّفْسِ لِذَلِكَ الْعَهْدِ بِأَعْجَبَ مِنْ نِسْيَانِهَا لِلْعَهْدِ، وَالْأَوْطَانُ أَبَدًا مَحْبُوبَةٌ.
٣٠- وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه لما سافر إلى المدينة فتذكر مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِ، فَاشْتَاقَ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ:
أَتَشْتَاقُ إِلَى بَلَدِكَ وَمَوْلِدِكَ؟ قَالَ:
((نَعَمْ)) .
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فرض عليك القرآن لرادك إلى معادٍ﴾ .
стр. 49
٣١- أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسين بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن جعفر، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا يونس، قال: ثنا حماد (يعني: ابن زيد) ، عن هشام [بن عروة] ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ [﵂] ، قَالَتْ:
قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فاشتكى أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امرئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى من شراك نعله
فقالت: وَكَانَ بِلالٌ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بوادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا، قَالَ:
((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وانقل حماها إلى الجحفة)) .
قال: فَكَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ بِالْجُحْفَةِ، فَمَا يَبْلُغُ الْحُلُمَ حَتَّى تَصْرَعَهُ الْحُمَّى.
стр. 50
أخرجاه في ((الصحيحين)) .
٣٢- أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو ظاهر بن أبي الصقر، قال: أخبرنا مكي بن نظيف، قال: ثنا طاهر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو محمد بن زبر، قال: ثنا العباس بن محمد، قال: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، أَنَّ أُصَيْلا الْهُذَلِيَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من مكة، فقال له:
((يَا أُصَيْلُ! كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ؟)) .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَرَكْتُهَا وَقَدِ ابْيَضَّتْ بَطْحَاؤُهَا، وَاخْضَرَّتْ مسيلاتها (يَعْنِي: شِعَابَهَا) ، وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا (وَالْإِمْشَارُ: ثَمَرٌ لَهُ أحمر) ، وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا (وَالْإِعْذَاقُ: اجْتِمَاعُ أُصُولِهِ) ، وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا وَالْإِحْجَانُ: تَعَقُّفُهُ. فَقَالَ:
((يَا أُصَيْلُ! دَعِ الْقُلُوبَ تَقِرُّ، لا تُشَوِّقْهُمْ إِلَى مَكَّةَ)) .
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ دَلِيلَ حُبِّ الْوَطَنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا
стр. 51
أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ ، فَسَوَّى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْأَوْطَانِ.
وَأَوْصَى الْإِسْكَنْدَرُ إِذَا مَاتَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى بَلَدِهِ، حباً لوطنه.
واعتل اسفنديار فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَشْتَهِي؟ قال: شَمَّةً مِنْ تُرْبَةِ بَلْخٍ، وَشَرْبَةً مِنْ مَاءِ وَادِيهَا.
وَاعْتَلَّ سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ بِالرُّومِ وَكَانَ مَأْسُورًا بِهَا، وَكَانَتْ بِنْتُ مَلِكِهِمْ قَدْ عَشِقَتْهُ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا تَشْتَهِي؟ فَقَالَ: شَرْبَةً مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ، وَشَمِيمًا مِنْ تُرَابِ إِصْطَخَرَ، فَغَابَتْ عنه أياماً ثم أتت بِمَاءٍ مِنَ الْفُرَاتِ، وَقَبْضَةٍ مِنْ شَاطِئِهِ، وَقَالَتْ: هذا من دجلة، وهذه من تُرْبَةُ أَرْضِكَ، فَشَرِبَ بِالْوَهَمِ، وَاشْتَمَّ مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ، فَنَقِهَ مِنْ عِلَّتِهِ.
وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا سَافَرَتْ، حَمَلَتْ مَعَهَا مِنْ تُرْبَةِ بَلَدِهَا تَسْتَشْفِي بِهِ عِنْدَ مَرَضٍ يَعْرِضُ.
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني ضبة:
نَسِيرُ عَلَى عِلْمٍ بِكُنْهِ مَسِيرِنَا ... وَعِدَّةِ زَادٍ فِي بَقَايَا الْمَزَاوِدِ
ونَحْمِلُ فِي الأَسْفَارِ مِنَّا قبيضة ... من المنتأى النائي لحب الموارد
ولَمَّا حُمِلَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ إِلَى عُثْمَانَ بن عفان، كرهت فراق
стр. 52
أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لِأَخِيهَا ضَبٍّ:
أَلَسْتَ تَرَى بِاللَّهِ يَا ضَبُّ أَنَّنِي ... مُوَافِقَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا
أما كان في أولاد عمر بن عامر ... لك الويل ما يفنى الخبأ الْمُحْجِبَا
أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ تَمُوتِي غَرِيبَةً ... بِيَثْرِبَ لا تَلْقَيْنَ أُمًّا وَلا أَبَا
وَقَالَتِ الحكماء:
أرض الرجل ظئره، وداره مهره، والغريب كالفرس الذي زايل أرضه، فهو زاوٍ لا يَنْمَى، وَذَابِلٌ لا يَنْضُرُ.
وَفِطْرَةُ الرَّجُلِ مَعْجُونَةٌ بِحُبِّ الْوَطَنِ، ثُمَّ إِنَّ الْإِبِلَ تَحِنُّ إِلَى أَوْطَانِهَا، وَالطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهَا.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدِ انْتَقَلَ عَنْ وَطَنِهِ، فَنَزَلَ دِيَارًا أعمر من دياره وأخصب، ودانت له المماليك ثُمَّ كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْوَطَنَ يَحِنُّ حَنِينَ الإبل إلى الأعطان.
وأنشد فِي هَذَا الْمَعْنَى:
مَا مِنْ غَرِيبٍ وَإِنْ أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا
وما يزال حمام باللوى غرد ... يهيج منى فؤدا طال ما سَكَنَا
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، فَمِنْهُ قَوْلُ بعضهم:
إذا ما ذكرت الثغر فَاضَتْ مَدَامِعِي ... وَأَضْحَى فُؤَادِي نَهْبَةً لِلْهَمَاهِمْ
حَنِينًا إِلَى أَرْضٍ بِهَا اخْضَرَّ شَارِبِي ... وَحُلَّتْ بِهَا عني عقود التمايم
وقال آخر:
стр. 53
يَقَرُّ بِعَيْنَيَّ أَنْ أَرَى فِي مَكَانَةٍ ... ذَرَى عطفات الأجرع المتقاود
وَأَنْ أَرِدَ الْمَاءَ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ ... طَرُوقًا وقد مَلَّ السُّرَى كُلُّ وَاحِدٍ
وَأُلْصِقُ أَحْشَائِي بِبُرْدِ تُرَابِهِ ... وَإِنْ كَانَ مَمْزُوجًا بِسُمِّ الْأَسَاوِدِ
وَأَنْشَدَ أَبُو النَّصْرِ الْأَسَدِيُّ:
أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ مَا بين صارةٍ ... إلى قفوانٍ أن تسح سحابها
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا
وَقَالَ الطَّائِيُّ:
كم منزل في الأرض بالغه الْفَتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى ... مَا الْحُبُّ إِلا لِلْحَبِيبِ الَأَوَّلِ
وَقَالَ آخَرٌ:
أَقُولُ لِصَاحِبِي وَالْعِيسُ تحدي بنا ... نحو القبيبة فالضمار
تزود من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا أرواح نجد ... وديار رَوْضِهِ غِبَّ الْقِطَارِ
وَعَيْشُكَ إِذَ يَحِلُّ الْقَوْمُ نَجْدًا ... وَأَنْتَ عَلَى زَمَانِكَ غَيْرُ زَارِي
شُهُورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
(العرار) : نبت طيب الريح.
و (القطار) : من القطر وهو المطر.
و (الزاري) : العايب.
وَفِي (السِّرَارِ) لُغَتَانِ: يُقَالُ هُوَ سِرَارُ الشَّهْرِ وسراره.
стр. 54
و (السرار) : الْلَيْلَةُ الَّتِي يُسْتَسَرُّ فِيهَا الْقَمَرُ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلا يُرَى، وَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَتَيْنِ.
وَلابْنِ الرُّومِيِّ:
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إلَيْهِمْ ... مَآرِبُ قَضَاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا
إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمْ ... عُهُودُ الصبا فيها فحنو لذالكا
وَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ غُمُوضٌ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي ذَوْقٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ مَا يَكْشِفُهُ فِي أَوَّلِهِ، وَأَعْلَمْتُ أَنَّ لِلنَّفْسِ عِلْمًا قَدْ تَنَاسَتْهُ، فَهِيَ تَنْزِعُ بِالطَّبْعِ إِلَى حُبِّ الْوَطَنِ الأول وإن لم تعرف أنه كان وطناً، وَيَقْوَى شَوْقُهَا إِلَيْهِ بِقَدْرٍ حَظِّهَا الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ زَادَ شَوْقُ الْقَوِيِّ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ ضَعُفَ إِيمَانُهُ، فَكَأَنَّ الْإِيمَانَ ذَكَّرَهُ مَا هُنَاكَ كما قال القائل:
لا يذكر الرمل الأحن مغترب له ... بذي الرمل أوطار وأوطان
تهفوا إِلَى الْبَانِ مِنْ قَلْبِي نَوَازِعُهُ ... وَمَا بِيَ الْبَانُ بَلْ مَنْ دَارُهُ الْبَانُ
أَسُدُّ سَمْعِيَ إذا غنى الحمام به ... ألا يهيج بسر الْوَجْدِ إِعْلانُ
وَرُبَّ دارٍ أَوَّلِيهَا مُجَانَبَةٍ ... وَلِي إِلَى الدَّارِ إِطْرَابٌ وَأَشْجَانُ
إِذَا تَلَفَّتُّ فِي أطلالها ابتدرت ... للعين والقلب أَمْوَاهٌ وَنِيرَانُ
وَقَالَ أَيْضًا:
стр. 55
وأستشرف الأعلام حتى يدلني ... على طيبها مر الرياح النواسم
وما أنسم الأرواح إلا لأنها ... تمر على تلك الربا والمعالم
ولهذا المعنى الذي شرحته قال ذو النون [المصري] وقد سئل أين أنت من قوله [تعالى] : ﴿ألست بربكم﴾ ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ الْآنَ فِي أُذُنِي.
стр. 56
بَابُ التَّهَيُّؤِ لِلْحَجِّ
يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَظَالِمِ الَّتِي بَيْنَهُ وبين الخلق، وينزع بالتوبة عن الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ، لِيَسْتَقْبِلَ الزِّيَارَةَ نظيفاً عن قاذورات الخطأ.
٣٣- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأ البرمكي، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا أبو ذر البصري، قال: ثنا إسحاق بن وهب، قال: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((رَدُّ دَانِقٍ من حرام تعدل عند الله سبعين حجة)) .
стр. 57
٣٤- وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن ابن خيرون، قال: ثنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أبو بكر المفيد، قال: ثنا أبو بشر الدولابي، قال: ثنا الحسن بن علي بن السكن، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا دُجَيْنُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ [﵁] ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((إِذَا حج رجل بِمَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيك، قال الله لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْكَ)) .
٣٥- وأخبرناه عالياً ظفر بن علي، قال: أخبرنا أبو مطيع المصري، قال: أخبرنا أبو بكر بن مردويه، قال: ثنا محمد بن محمد المصري، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا دجين بن ثابت، قال: ثنا أَسْلَمُ، عَنْ عُمَرَ [﵁] ، قَالَ: قال رسول الله ﷺ :
стр. 58
((مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ، فَقَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيك، قال الله له: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، وَحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ)) .
فصل
ثم يصلي صَلاةَ الاسْتِخَارَةِ:
٣٦- أَخْبَرَنَا بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: ثنا إسحاق بن عيسى، قال: ثنا عبد الرحمن، ابن أبي الموالي، قال: ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر [﵁] ، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ:
((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخْيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم
стр. 59
أن هذا الأمر (تسميه بِاسْمِهِ) خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ، ثُمَّ بَارِكَ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثم ارضني به)) .
انفرد بإخراجه البخاري.
فصل
وينبغي أَنْ يُصَحِّحَ قَصْدَهُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ أَرَادَ التِّجَارَةَ، فلتكن ضِمْنًا وَتَبَعًا، وَلا تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَكْبَرَ.
٣٧- فقد أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمدويه، قال: ثنا عبد الرحمن بن الحسن السرخسي، قال: حدثني إسماعيل بن جميع، قال: ثنا مغيث بن أحمد البلخي، قال: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَعْفَرٍ (يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ) ، قال: ثنا ثابت، عن أنس ابن مَالِكٍ [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 60
((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَحُجُّ أَغْنِيَاءُ أُمَّتِي لِلنُّزْهَةِ، وَأَوْسَاطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَفُقَرَاؤُهُمْ للمسألة)) .
فصل
ثم ينبغي له أَنْ يَرُدَّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْوَدَائِعِ، وَأَنْ يلتمس رفيقاً صالحاً، وأن الرَّفِيقَ الصَّالِحَ تُفِيدُ رُؤْيَتُهُ وَتَعُودُ بَرَكَتُهُ.
٣٨- أَخْبَرَنَا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي، قال: أخبرنا ابن دوست، قال: أخبرنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حَدَّثَنِي مُخَوَّلٌ، قَالَ: جَاءَنِي بَهِيمٌ (يَعْنِي: الْعِجْلِيَّ) ، فقال لي: تعلم رَجُلا مِنْ جِيرَانِكَ أَوْ إِخْوَانِكَ يُرِيدُ الْحَجَّ ترضاه يرافقني. قلت:
стр. 61
نَعَمْ. فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْحَيِّ له صلاح ودين، فجمعت بينهما، وتواطئا عَلَى الْمُرَافَقَةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بَهِيمٌ إِلَى أَهْلِهِ، فلما كان بعد، أتاني الرجل وقال: يَا هَذَا! أُحِبُّ أَنْ تَزْوِيَ عَنِّي صَاحِبَكَ ويطلب رفيقاً غيري. فقلت: ولم؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ بِالْكُوفَةِ لَهُ نَظِيرًا فِي حسن الخلق والاحتمال. قال: وَيْحَكَ، حُدِّثْتُ أَنَّهُ طَوِيلُ الْبُكَاءِ لا يَكَادُ يَفْتُرُ، فَهَذَا يُنَغِّصُ عَلَيْنَا الْعَيْشَ. فَقُلْتُ: وَيْحَكَ، إنما يكون البكاء أحياناً عند التذكرة، أوما تبكي أنت؟ قال: بلى، ولكنه قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ كَثْرَةِ بكائه. فقلت: اصحبه لعلك تَنْتَفِعَ بِهِ. فَقَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَا فِيهِ، جِيءَ بِالْإِبِلِ وَوُطِّئَ لَهُمَا، فَجَلَسَ بَهِيمٌ فِي ظِلِّ حائط [يبكي] ، فوضع يده تحت لِحْيَتِهِ، ثُمَّ عَلَى صَدْرِهِ حَتَّى وَاللَّهِ رَأَيْتُ دموعه على الأرض، فقال لي صاحبي: يَا مُخَوَّلُ! قَدِ ابْتَدَأَ صَاحِبُكَ، لَيْسَ هَذَا لي رفيق.
فَقُلْتُ: ارْفُقْ، لَعَلَّهُ ذَكَرَ عِيَالَهُ وَمُفَارَقَتَهُ إِيَّاهُمْ. وَسَمِعَهَا بَهِيمٌ، فَقَالَ: يَا أَخِي! وَاللَّهِ مَا هو ذاك، وما هو إلا لأني ذَكَرْتُ بِهَا الرِّحْلَةَ إِلَى الْآخِرَةِ. وَعَلا صَوْتُهُ بِالنَّحِيبِ.
فَقَالَ لِي صَاحِبِي: مَا هِيَ بِأَوَّلِ عَدَاوَتِكَ لِي، مَالِي وَلِبَهِيمٍ؟! إِنَّمَا كَانَ
стр. 62
ينبغي أن ترافق بين بهيم وبن دَاوُدَ الطَّائِيِّ وَسَلامٍ أَبِي الْأَحْوَصِ حَتَّى يَبْكِيَ بعضهم إلى بعض، فيشتفون أَوْ يَمُوتُونَ.
فَلَمْ أَزَلْ أَرْفُقُ بِهِ، وَقُلْتُ: وَيْحَكَ، لَعَلَّهَا خَيْرُ سَفْرَةٍ سَافَرْتَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُ بِهِ بَهِيمٌ، وَلَوْ عَلِمَ، مَا صاحبه، فخرجا ورجعا.
فلما [وصلا] جِئْتُ أُسَلِّمُ عَلَى جَارِي، قَالَ لِي: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَخِي عَنِّي خَيْرًا، مَا ظَنَنْتُ أن في هذا الْخَلْقِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، كَانَ وَاللَّهِ يَتَفَضَّلُ علي في النفقة وهو معدم وَأَنَا مُوسِرٌ، وَفِي الْخِدْمَةِ وَأَنَا شَابٌّ وَهُوَ شَيْخٌ، وَيَطْبَخُ لِي وَأَنَا مُفْطِرٌ وَهُوَ صَائِمٌ.
فقلت: فكيف كَانَ أَمْرُكَ مَعَهُ فِي الَّذِي كُنْتَ تَكْرَهُهُ من طويل بكائه؟
قال: ألفت والله ذاك الْبُكَاءَ وَسُرَّ قَلْبِي حَتَّى كُنْتُ أُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَأَذَّى بِنَا الرُّفُقَةُ، ثُمَّ أَلِفُوا ذَلِكَ، فَجَعَلُوا إِذَا سَمِعُونَا نَبْكِي يَبْكُونَ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: مَا الَّذِي جَعَلَهُمْ أَوْلَى بِالْبُكَاءِ مِنَّا وَالْمَصِيرُ وَاحِدٌ؟! فَيَبْكُونَ وَنَبْكِي ثُمَّ خَرَجْتُ من عنده، فأتيت بهيماً فقلت: كَيْفَ رَأَيْتَ صَاحِبَكَ؟ قَالَ: كَخَيْرِ صَاحِبٍ، كَثِيرَ الذكر لله، طويل التلاوة، وسريع الدَّمْعَةِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا.
стр. 63
بَابُ الْإِفْضَالِ عَلَى الْإِخْوَانِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّفَرِ
٣٩- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: ثنا أبو بكر بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: أخبرنا شعبة عن عبد الله بن عمران، قال: سمعت مجاهد يَقُولُ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أخدمه وكان يخدمني أكثر.
٤٠- أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو محمد الخلال، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الكاتب، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بن علي بن الحسن بن شفيق، قال: سمعت أبي قال: كان ابن الْمُبَارَكِ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ، اجْتَمَعَ إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، فَيَقُولُونَ: نَصْحَبُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: هَاتُوا نَفَقَاتِكُمْ. فَيَأْخُذُ نَفَقَاتِهِمْ، فَيَجْعَلُهَا فِي صُنْدُوقٍ وَيَقْفِلُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَكْتَرِي لَهُمْ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ مَرْوَ إِلَى بَغْدَادَ، فَلا يَزَالُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَيُطْعِمُهُمْ أَطْيَبَ الطعام وأطيب الحلو، ثم يخرجهم
стр. 64
من بغداد بأحسن زي وأكمل مروة، حَتَّى يَصِلُوا إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وإذا صاروا إلى المدينة، قَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: مَا أَمَرَكَ عِيَالُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طُرَفِهَا؟ فيقول: كذا وكذا. ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى مكة، فَقَضَوْا حَجَّهُمْ، قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مَا أَمَرَكَ عِيَالُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ؟ فَيَقُولُ: كَذَا، وَكَذَا. فَيَشْتَرِي لَهُمْ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَلا يَزَالُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ إِلَى أن يصيروا إلى مرو، فإذا وصل إلى مرو وجصص أَبْوَابَهُمْ وَدُورَهُمْ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ صَنَعَ لَهُمْ وَلِيمَةً وَكَسَاهُمْ، فَإِذَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا دعا بالصندوق، ففتحه، ودفع إلى كل واحد مِنْهُمْ صُرَّتَهُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا اسْمَهُ.
قال أبي: أخبرني خادمه أنه عمل آخِرِ سَفْرَةٍ [سَافَرَهَا] دَعْوَةً، فَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ خمسة وعشرين خواناً فالوذج.
قال أبي: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ لِلفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: لَوْلاكَ وأصحابك ما اتجرت.
قال أبي: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مئة ألف درهم.
стр. 65
باب ما يصنع إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهِ
إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فليقل ما:
٤١- أخبرنا به ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا أبو كامل، قال: ثنا حَمَّادٌ (يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ) ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ، عَنِ ابن عمر [﵁] ، أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ (يَعْنِي: للسفر) ، كبر ثلاثاً، ثم قال:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا له مقرنين وإنا إلى ربنا
стр. 66
لمنقلبون﴾ ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِي هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر، واطو لنا البعيد، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأهل [والمال والولد] ، اللهم اصحبنا في سفرنا [هذا] وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا)) .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
فَصْلٌ
فإذا ودعه أحد، فليقل له: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
стр. 67
بَابُ انْزِعَاجِ مُوَدِّعِي الْحَاجِّ شَوْقًا إِلَى الْحَجِّ
٤٢- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا الحميدي، قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: أخبرنا السلمي، قال: قال بعضهم: خرجت أم أيمن بنت علي امرأة أبي علي الروذباري من مصر وَقْتَ خُرُوجِ الْحَاجِّ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَالْجِمَالُ تَمُرُّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: وَاضَعْفَاهُ، وَتُنْشِدُ عَلَى أَثَرِ قَوْلِهَا:
فَقَلْتُ دَعُونِي وَاتِّبَاعِي رِكَابَكُمْ ... أَكُنْ طَوْعَ أَيْدِيكُمْ كَمَا يَفْعَلُ الْعَبْدُ
وَمَا بَالُ زعمي لا يَهُونُ عَلَيْهِمُ ... وَقَدْ عَلِمُوا أَنْ لَيْسَ لِي مِنْهُمُ بُدُّ
وَتَقُولُ: هَذِهِ حَسْرَةُ مَنِ انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف يكون حَسْرَةُ مَنِ انْقَطَعَ عَنْ رَبِّ الْبَيْتِ.
وَقَالَ الرضي في هذا المعنى:
أيها الرائح المغد تحمل ... حاجة للمعذب المشتاق
أقر مني السلام أهل المصطفى ... فبلاغ السلام بعض التلاق
وإذا مررت بالخيف فاشهد ... أنى قَلْبِي إِلَيْهِ بِالْأَشْوَاقِ
وَإِذَا مَا سُئِلْتَ عَنِّي فقل نضو ... هوى ما أظنه اليوم باقي
ضَاعَ قَلْبِي فَانْشُدْهُ لِي بَيْنَ جَمْعٍ ... وَمِنًى عِنْدَ بَعْضِ تِلْكَ الْحِدَاقِ
وَابْكِ عَنِّي فَإِنَّنِي كُنْتُ مِنْ قَبْلُ ... أُعِيرُ الدُّمُوعَ لِلْعُشَّاقِ
стр. 68
وله [أيضاً] :
أَلا هَلْ إِلَى ظِلِّ الْأَثِيلِ تَخَلُّصٌ ... وَهَلْ لِثَنِيَّاتِ الْغُوَيْرِ طُلُوعُ
وَهَلْ لِلَيَالِينَا الطِّوَالِ تَصَرُّمٌ ... وَهَلْ لِلَيَالِينَا الْقِصَارِ رُجُوعُ
وَلَهُ:
حَيِّ بَيْنَ النقي وبين المصلى ... وقفات الركائب الأنضاء
ورواح الحجيج ليلة جمع ... ويجمع مجامع الأهواء
وتذكر عن مناخ مطي ... بأعالي منىً ومرسى خبائي
وله من أَبْيَاتٍ:
تَعَجَّبَ صَحْبِي مِنْ بُكَائِي وَأَنْكَرُوا ... جَوَابِي ما لم تسمع الأذنان
فقلت نعم لم تَسْمَعُ الْأُذُنُ ... دَعْوَةً بَلَى إِنَّ قَلْبِي سَامِعٌ وَجِنَانِي
وَيَا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ خَبِّرُوا ... طَلِيقًا بِأَعْلَى الْخَيْفِ أَنَّى عَانِي
وَيَا صَاحِبَي رَحْلِي أَقِلا فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ بِقَلْبِي غَيْرَ مَا تَرَيَانِ
وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِ جَمْعٍ إِلَى مِنًى ... إلى موقف التجمير غير أماني
تعلل دَائِي بِالْعِرَاقِ طَمَاعَةٌ ... وَكَيْفَ شِفَائِي وَالطَّبِيبُ يَمَانِي
وَلَهُ فِي أَبْيَاتٍ قَالَهَا وَالنَّاسُ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ:
أَقُولُ لِرَكْبٍ رَائِحِينَ لَعَلَّكُمْ ... تَحِلُّونَ مِنْ بَعْدِي الْعَقِيقَ الْيَمَانِيَا
стр. 69
خُذُوا نَظْرَةً مِنِّي فَلاقُوا بِهَا الْحِمَى ... وَنَجْدًا وَكُثْبَانَ اللِّوَى وَالْمَطَالِيَا
وَمُرُّوا عَلَى أَبْيَاتِ حَيٍّ بِرَامَةَ ... فَقُولُوا لَدِيغٌ يَبْتغِي الْيَوْمَ رَاقِيَا
عَدِمْتُ دَوَائِي بِالْعِرَاقِ فَرُبَّمَا ... وَجَدْتُمْ بِنَجْدَ لِيَ طَبِيبًا مداويا
وقولوا لجيراني عَلَى الْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... تُرَاكُمْ مَنِ اسْتَبْدَلْتُمْ بِجِوَارِيَا
وَمَنْ وَرَدَ الْمَاءَ الَّذِي كُنْتُ وَارِدًا به، ... ورعى للشعب الذي كنت راعيا
فوا لهفي كم إلى الْخَيْفِ شَهْقَةً ... تَذُوبُ عَلَيْهَا قِطْعَةٌ مِنْ فُؤَادِيَا
ترحلت عنكم إلى أمامي نظرة ... وعشر وَعَشْرٌ بَعْدَكُمْ مِنْ وَرَائِيَا
ولَهُ فِي أَبْيَاتٍ:
من معيد لي أيامي بِجِزْعِ السَّمُرَاتِ ...
وَلَيَالِي بِجَمْعٍ وَمِنًى وَالْجَمَرَاتِ ...
يَا وقوفاً ما وقفنا في ظلال السلمات ...
نتشاكى مَا عَنَانَا بِكَلامِ الْعَبَرَاتِ ...
آهٍ مِنْ جِيدٍ إِلَى الدَّارِ طَوِيلُ اللَّفَتَاتِ ...
وغَرَامٌ غَيْرُ مَاضٍ بِلِقَاءٍ غَيْرِ آتِ ...
فَسَقَى بَطْنَ مِنًى وَالْخَيْفَ صوب العاديات ...
غرست عندي غرس الشوق بمرو الجنات
أين راق لغرامي وطبيب لشكاتي ...
стр. 70
وله:
خُذِي نَفْسِي يَا رِيحُ مِنْ جَانِبِ الْحِمَى ... فلاقى بها ليلاً نسيم ربا نجد
فإن بذاك الجو حَيًّا عَهَدْتُهُ ... وَبِالرُّغْمِ مِنِّي أَنْ يَطُولَ بِهِ عهدي
ولولا تداوي القلب من ألم الهوى ... بِذِكْرِ تَلاقِينَا قَضَيْتُ مِنَ الْوَجْدِ
وَيَا صَاحِبَيَّ اليوم عوجاً لنسألا ... ركيباً من الغورين أنضاهم تحدي
عز الْحَي بِالْجَرْعَاءِ جَرْعَاءِ مَالِكٍ ... هَلِ ارْتَبَعُوا وَاخْضَرَّ واديهم بعدي
شممت بنجدٍ شَيْحَةً حَاجِرِيَّةً ... فَأَمْطَرْتُهَا دَمْعِي وَأَفْرَشْتُهَا خَدِّي
ذكرت بِهَا رَيَّا الْحَبِيبِ عَلَى النَّوَى ... وَهَيْهَاتَ ذَا يَا بُعْدُ بَيْنَهُمَا عِنْدِي
وَإِنِّي لَمَجْلُوبٌ إِلَى الشَّوْقِ كُلَّمَا ... تَنَفَّسَ شَاكٍ أَوْ تَأَلَّمَ ذُو وجد
تعرض رسل الشوق والركب هاجر ... فيوقظني مِنْ بَيْنِ نُوَّامِهِمْ وَحْدِي
وَمَا شَرِبَ الْعُشَّاقُ إِلا بَقِيَّتِي ... وَمَا وَرَدُوا فِي الْحُبِّ إِلا على وردي
ولمهيار في هذا المعنى:
ألا فتى يسأل قلبي ما له ... ينزوا إذا برق الحمى بداله
فهب يرجوا خَبَرًا مِنَ الْغَضَا ... يُسْنِدُهُ عَنْهُ فَمَا رَوَى لَهُ
أَرَادَ نَجْدًا مَعَهُ بِبَابِلَ ... إِرَادَةً هَاجَتْ له بلباله
ولنسيم الريح الصبا ومن له ... بنسمة مِنَ الصَّبَا طُوبَى لَهُ
وَيَوْمُ ذِي الْبَانِ وما أشارت ... مِنْ ذِي الْبَانِ إِلا أَنْ أَقُولَ يَا له
стр. 71
وله:
وَمَا أَتْبَعْتُ ظَعْنَ الْحَيِّ طَرْفِي ... لِأَغْنَمَ نَظَرَةً فتكون زادي
ولكني بعثت بلحظ عين ... وراء الركب يسأل عن فؤادي
وله:
سَلْ أَبْرَقَ الْحَنَّانَ وَاحْبِسْ بِهِ ... أَيْنَ لَيَالِينَا عَلَى الْأَبْرَقِ
وَكَيْفَ بِأَنَّاتٍ بِسَقْطِ اللِّوَى ... مَا لَمْ يَجِدْهَا الدَّهرُ لَمْ تُوَرَّقِ
هَلْ حَمَلَتْ لا حَمَلَتْ بَعْدَنَا ... عَنْكَ الصَّبَا عَرْفًا لِمُسْتَنْشِقِ
أعناك صواب الدمع عز مِنَّةٍ ... أَحْمِلُهَا لِلْمُرْعِدِ الْمُبْرِقِ
دَمْعٌ عَلَى الْخَيْفِ مني جنا مَا جَنَى ... بُكَاءُ حَسَّانٍ عَلَى جِلَّقِ
للَّهِ رهن لَكَ يَوْمَ النَّقَا ... لَوْلا وَفَاءُ الْحُبِّ لَمْ يُغْلَقِ
يَا سَائِقَ الْأَظْعَانِ رِفْقًا وَإِنْ ... لَمْ يُغْنِ قَوْلِي لِلَعُسُوفِ ارْفُقِ
لَوْلا زَفِيرِي خَلْفَ أجمالهم ... وحر أنفاس لم تسبق
لا تبردوا بالعذل قلبي ... فما استنجدوا الدَّمْعُ عَلَى مَحْرَقِ
سَمَّيْتَ لِي نَجْدًا عَلَى بعدها ... يا وله المشيم بِالْمَعْرَقِ
داوٍ بِهَا حُبِّي فَمَا مُهْجَتِي ... أَوَّلَ مخبولٍ بنجدٍ رقي
وله:
стр. 72
يا لهوىً لما أطقت حمله ... يوم النخيل سامني لَمْ أُطِقْ
فَارَقْتُ حَوْلا أَهْلَ نجدٍ وَالْهَوَى ... ذَاكَ الْهَوَى وَحُرَقِي تِلْكَ الْحُرَقْ
فَقُلْ لِمَنْ ظن البعاد سلوة ... لا تنتحل من طَعْمَ شَيْءٍ لَمْ تَذُقِ
آهٍ لِقَلْبٍ شُقَّ عنه أضلعي ... من الحمى تخالج البرق الشقق
ثَارَ بِهِ الشَوْقُ فَهَبَّ فَهَفَا ... تَطَلُّعًا ثُمَّ ترا ثُمَّ مَرَقْ
وَلِأَبِي غَالِبِ بْنِ بِشْرَانَ:
وَلَمَّا أثاروا العيس للبين ... بَيَّنَتْ غَرَامِي لِمَنْ حَوْلِي دُمُوعٌ وَأَنْفَاسُ
فَقُلْتُ لهم لا بأس بي تعجبوا ... وقالوا الذي أفديته كُلَّهُ بَاسُ
تَعَوَّضْ بِأُنْسٍ الصَّبْرِ عَنْ وَحْشَةِ الْأَسَى ... فَقَدْ فَارَقَ الْأَحْبَابَ مِنْ قَبْلِكَ النَّاسُ
وَلِبَعْضِ الْمُحْدَثِينَ:
يَا سَائِقَ الْعِيسِ تَرَفَّقْ وَاسْتَمِعْ ... مني وبلغ إن وصلت عني
وقف بأكتاف الْحِجَازِ نَاشِدًا ... قَلْبِي فَقَدْ ضَاعَ الْغَدَاةَ مِنِّي
وقل إذا وصلت نحو أَرْضِهِمْ ... ذَاكَ الْأَسِيرُ مُوثَقٌ بِالْحُزْنِ
عَرِّضْ بِذِكْرِي عِنْدَهُمْ عَسَاهُمْ ... إِنْ سَمِعُوكَ سَائَلُوكَ عَنِّي
قَلْ ذَلِكَ الْمَحبُوُسُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... مُعَذَّبُ الْقَلْبِ بكِلِّ فن
يَقُولُ أَمَّلْتُ بِأَنْ أَزُورَكُمْ ... فِي جُمْلَةِ الْوَفْدِ فَخَابَ ظَنِّي
أَقْعَدَنِي الْخُذْلانُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... وَرُمْتُ أَنْ أسْعَى فلَمْ يَدَعْنِي
وَقَالَ آخَرُ:
стр. 73
شيعتهم فاسترابوني فَقُلْتُ لَهُمْ ... إِنِّي بُعِثْتُ مَعَ الْأَجْمَالِ أَحْدُوهَا
قالوا فما نفس يعلو كذا صعدا ... وما لعينك لا ترقى مآقيها
قلت التنفس من إدمان سيركم ... والعين تقذف دَمْعًا مِنْ قَذًى فِيهَا
وَوَصَلَنِي كِتَابٌ مِنْ بعض إخواني من الحاج يتضمن الاستيجاش لِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَهَيَّجَ شَوْقِي إِلَى تلك الأماكن، فكتبت إليه أبياتاً منها:
أتراكم في النقا فالمنحنا يوم ... سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فَاعْلَمُوا ... وَاشْكُرُوا الْمُنْعِمَ يَا أَهْلَ مِنَى
قَدْ رَبِحْتُمْ وَخَسِرْنَا فَصِلُوا ... بِفُضُولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غبنا
يا سقى الله الحمى أَنْتُمْ بِهِ ... وَرَعَى تِلْكَ الرُّبَا وَالدِّمَنَا
سَارَ قَلْبِي خَلْفَ أَجْمَالِكُمْ ... غَيْرَ أَنَّ الْوَهَنَ عَاقَ البدنا
ما قطعتم وادياً إلا وقد ... جِئْتُهُ أَسْعَى بِأَقْدَامِ الْمُنَى
إِنْ سَقَتْكُمْ دِيمَةٌ هَاطِلَةٌ ... فَدُمُوعِي قَدْ جَرَتْ لِي أَعْيُنَا
وَأُنَادِي كلما لبيتم في ... فؤادي أسفى واحزنا
بدني نضو شوق لأبدنكم ... والذي أقلقني أني هنا
آه واشوقاً إلى ذاك الحمى ... شَوْقُ مَحْرُومٍ وَقَدْ ذَاقَ الْجَنَا
стр. 74
سلموا عني على أربابه ... وأخبروهم أنني خلف الضَّنَا
أَنَا مُذْ غِبْتُمْ عَلَى تِذَكَارِكُمْ ... أَتُرَاكُمْ عِنْدَكُمْ مَا عِنْدَنَا
عَرْفُكُمْ تَعْرِفُهُ رِيحُ الصَّبَا ... كلما هبت به مر بِنَا
دَرَّ دَرُّ الْوَصْلِ مَا أَعْذَبَهُ ... لَيْتَهُ يَرْضَى بِرُوحِي ثَمَنَا
زَمَنًا مُذْ زَالَ أُولَى زَمَنَا ... فَأَعَادَ اللَّهُ ذَاكَ الزَّمَنَا
стр. 75
بَابٌ آدَابُ السَّيْرِ فِي السَّفَرِ
٤٣- أَخْبَرَنَا هِبَةُ الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ عن سير رسول الله فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ:
((كَانَ سَيْرُهُ الْعَنَقَ، فإذا وجد فجوةً، نص)) .
[قال هشام] : وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
فَصْلٌ
ويكره له أَنْ يَسِيرَ وَحْدَهُ.
следующие страницы →