← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

هَذَا؟ سَلَّمَكَ اللَّهُ وَوَفَّقَكَ. ثُمَّ صَمَتَ، فَلَمْ يكلمنا، فخرجنا من عنده. فلما صرنا إلى الْبَابِ، قَالَ هَارُونُ: إِذَا دَلَلْتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِ هَذَا، هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ. فدخلت عليه امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: يَا هَذَا! قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ، فَتَفَرَّجْنَا بِهِ. فَقَالَ لَهَا: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَمَّا كَبُرَ نَحَرُوهُ، فَأَكَلُوا لَحْمَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونُ هَذَا الْكَلامَ، قال: ندخل فعسى أن يَقْبَلُ الْمَالَ. فَلَمَّا عَلِمَ الْفُضَيْلُ، خَرَجَ فَجَلَسَ فِي السُّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ، فَجَاءَ هَارُونُ وجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه ولا يجيبه، فبينا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا هَذَا! قَدْ آذَيْتَ الشّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةَ، فَانْصَرِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَانْصَرَفْنَا. مَوْعِظَةُ الْعُمَرِيِّ لِلرَّشِيدِ بمكة ٣٥٥- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَبَّالُ الحافظ إذناً، قال: أَنْبَأنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الجراح، قال: ثنا محمد بن جعفر بن راذان، قال: ثنا هارون بن عبد العزيز العباسي، قال: ثنا محمد بن خلف بن حيان، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 492

عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ فِي زُقَاقِ الشَّطْوِيِّ وَإِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ وَقَدْ حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَقَالَ لَهُ إنسان: يا عَبْدِ اللَّهِ! هُوَ ذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى قد أخلي له السعي. قَالَ الْعُمَرِيُّ لِلرَّجُلِ: لا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا، كَلَّفْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ عَنْهُ غَنِيًّا. ثُمَّ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ فَتَبِعْتُهُ، فَأَقْبَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ مِنَ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا، فَصَاحَ بِهِ: يَا هَارُونُ! فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا عَمِّ. قَالَ: ارْقِ الصَّفَا. فَلَمَّا رَقِيَهُ، قَالَ له: ارْمِ بِطَرْفِكَ إِلَى الْبَيْتِ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: كَمْ هُمْ؟ قَالَ: وَمَنْ يُحْصِيهِمْ؟ قَالَ: فكم فِي النَّاسِ مِثْلُهُمْ؟ قَالَ: خَلْقٌ لا يُحْصِيهِمْ إِلا اللَّهُ. قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ تُسْأَلُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَانْظُرْ كَيْفَ تكون؟ قال: فبكا هارون وجلس، وجعلوا يعطونه منديلاً مِنْدِيلا للدُّمُوعِ. قَالَ الْعُمَرِيُّ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا، قَالَ: قُلْ يَا عَمِّ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّ الرَّجُلَ ليسرع فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أسرع فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ ثُمَّ مَضَى وَهَارُونُ يَبْكِي.

стр. 493

قال محمد بن خلف: وسمعت مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: بَلَغَنِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ قَالَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ كل سنة، ما منعني إِلا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ، ثَمَّ يُسْمِعُنِي ما أكره. موعظة شيبان الرشيد بمكة ٣٥٦- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا محمد بن عبد الملك الأسدي، قال: أنبأنا الحسين بن جعفر السلماسي، قال: ثنا المعافى بن زكريا، قال: ثنا محمد بن مخلد، قال: ثنا حماد بن المؤمل، قال: ثنا زَيْدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: لَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ، قِيلِ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ حَجَّ شيبان. فقال: اطلبوه لي. فطلبوه فأتوه بِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْبَانُ! عِظْنِي. قَالَ: يا أمير المؤمنين! أنا رجل لكن لا أُفْصِحُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَجِئْنِي بِمَنْ يَفْهَمُ كَلامِي حَتَّى أُكَلِّمَهُ. فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَفْهَمُ كَلامَهُ، فَقَالَ لَهُ بِالنَّبَطِيَّةِ: قُلْ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ الَّذِي يُخَوِّفُكَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْمَأْمَنَ أَنْصَحُ لَكَ مِنَ الَّذِي يُؤَمِّنُكَ قَبْلَ أَنْ يبلغ الخوف. فقال لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ تَفْسِيرُ هَذَا؟ قَالَ: قُلْ له: الذي يقول لك: يا هذا! اتق الله، فإنك رجل مسؤول عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، اسْتَرْعَاكَ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَقَلَّدَكَ أمورها، وأنت مسؤول عَنْهَا، فَاعْدِلْ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاقْسِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَانْفِرْ في

стр. 494

السَّرِيَّةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، هَذَا الَّذِي نخوفك، فإذا بلغت المأمن، أمنت هو أنصح لك ممن نقول لك: أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ قَرَابَةُ نبيكم [ ﷺ ] وَفِي شَفَاعَتِهِ، فَلا يَزَالُ يُؤَمِّنُكَ، حَتَّى إِذَا بلغت الخوف، عطبت، قال: فبكا هَارُونُ حَتَّى رَحِمَهُ مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: حَسْبُكَ. مَوْعِظَةُ أَعْرَابِيٍّ لِلَرَّشِيدِ فِي الطواف حج الرشيد في بعض السنين، فبينا هو يطوف بالبيت، عرض لَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَنْشَدَهُ: عِشْ مَا بَدَا لَكَ كم تراك تعيش ... أتظن سهم الحادثات يطيش عش كيف شئت لتأتينك وقعة ... يَوْمًا وَلَيْسَ عَلَى جَنَاحِكَ رِيشُ فَوَقَفَ فَاسْتَعَادَهُ، ثم بكا حَتَّى بُلَّ وَجْهُهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْعِظَةَ بُهْلُولٍ لِلرَّشِيدِ عِنْدَ الكوفة فيما تقدم.

стр. 495

باب وفيه ذكر طرف من طرف أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَالأَوْلِيَاءِ فِي الْحَجِّ ٣٥٧- أَنْبَأنَا أَبُو سعد أحمد بن محمد البغدادي، قال: أنبأنا أحمد بن محمد الطهراني وأبو عمرو بن منده، قالا: أنبأنا الحسن بن محمد بن بوه، قال: أنبأنا أحمد بن محمد اللنباني، قال: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بن علي، قال: حدثني عيسى بن سلمة الرملي، قال: ثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ كَانَ لأَبِي قِلابَةَ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، فَتَقَدَّمَ أَصْحَابُهُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَصَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ: اللهم! إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر. فأظلته سحابة، وأمطرت عَلَيْهِ، حَتَّى بَلَتْ ثَوْبَهُ، وَذَهَبَ الْعَطَشُ عَنْهُ، فنزل، فحوض حياضاً، فملأها ماءاً، فَانَتَهَى إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَشَرِبُوا، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَهُ من ذلك المطر شيء.

стр. 496

٣٥٨- وبالإسناد ثنا السري بن يحيى، قال: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: كَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ يَحُجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَحُجُّ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ إِخْوَانِهِ تَعَوَّدُوا ذَلِكَ، فَأَبْطَأَ عَامًا مِنْ تِلْكَ الأَعْوَامِ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا. فَقَالُوا: كَبُرَ وَاللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، يَأْمُرُنَا بِالْخُرُوجِ وَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الْحَجِّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ إِلا يَخْرُجُوا، فَفَعَلُوا اسْتَحْيَاءً، فَأَصَابَهُمْ حِينَ جَنَّ عَلَيْهِمُ الليل إعصاراً شديداً حَتَّى كَانَ لا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلا ما تنادوا، فأصبحوا وهم ينظرون إلى جبال تهامة، فحمدوا الله، فَقَالَ: وَمَا تَعْجَبُونَ مَنْ هَذَا فَي قُدْرَةِ الله ؟ ٣٥٩- أخبرنا أبو الحسين سعد الخير بن محمد، قال: أنبأنا علي بن الحسين بن أيوب، قال: ثنا أبو محمد الخلال، قال: ثنا عبد الله بن عثمان الصفار، قال: ثنا جعفر بن محمد بن نصير، قال: ثنا ابن مسروق، قال: ثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا هارون بن معروف، قال: ثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: كان حبيب بن محمد يرى بالبصرة يوم التروية، ويرى يوم عرفة بعرفة. ٣٦٠- أخبرنا أبو الحسن، قال: أنبأنا علي بن الحسين، قال: ثنا الخلال، قال: ثنا عمر بن شاهين، قال: ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث،

стр. 497

قال: ثنا سلمة بن شبيب، قال: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سَيَّارٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ حَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُرَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَيُرَى يَوْمَ عرفة بعرفات. ٣٦١- وبه ثنا سلمة، قال: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دَينَارٍ، أَنَّهُ كَانَ يُرَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَيُرَى يَوْمَ عرفة بعرفات. ٣٦٢- أخبرنا أبو الحسن، قال: أنبأنا علي بن الحسين، قال: ثنا الخلال، قال: ثنا أحمد بن إبراهيم، قال: ثنا سليمان بن أحمد الملطي، قال: ثنا الحسين بن محمد بن بادا، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ بِعَرَفَاتٍ وَكَلَّمْتُهُ، ثُمَّ رأيته يطوف بالبيت، فقلت: ادع الله لي أن يقبل حجي. فبكا ودعا لي، ثم أتيت مِصْرَ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَسَنَ كَانَ مَعَنَا بِمَكَّةَ. فقالوا: ما حج العام، وقد كان بلغني أَنَّهُ يَمُرُّ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ، فَمَا كُنْتُ أُصَدِّقُ حَتَّى رَأَيْتُهُ، فَعَاتَبَنِي وَقَالَ: شَهَرْتَنِي، ما كنت أحب أن تحدث بها عني، فلا تعد بحقي عليك. ٣٦٣- أخبرنا الْمُحَمَّدَانِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنُ نَاصِرٍ، قَالا: قال: ثنا

стр. 498

المبارك بن علي، قال: أنبأنا ابن بيان، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد، قال: ثنا أبو بكر الآجري، قال: ثنا العباس بن يوسف الشكلي، قال: حدثني إبراهيم بن زياد المقرئ، قال: ثنا عبد الله بن الفرج، قال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بِابْتِدَائِهِ كَيْفَ كَانَ، قال: كنت يوماً جالساً فِي مَجْلِسٍ لِي لَهُ مَنْظَرَةٌ إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا، فَجَلَسَ فِي فَيْءِ الْقَصْرِ لِيَسْتَرِيحَ فَقُلْتُ للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ، فأقرأه مِنِّي السَّلامَ، وَسَلْهُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْنَا فَقَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِي. فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَامَ مَعَهُ، فدخل فسلم، فرددت ﵇، فاستبشرت بِدُخُولِهِ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الطَّعَامَ فَأَبَى، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ. فَقُلْتُ: أين تريد؟ فقال: الحج إن شاء الله، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْعَشْرِ أَوِ الثَّانِي. فَقُلْتُ: فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. فَقُلْتُ: فَالصُّحْبَةُ؟ فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ. قَالَ لِي: قُمْ فَلَبِسْتُ مَا يَصْلُحُ لِلسَّفَرِ. وَأَخَذَ بِيَدِي وَخَرَجْنَا مِنْ بَلْخَ، فَمَرَرْنَا بِقَرْيَةٍ لَنَا، فلقيني رجل من الفلاحين فأرضيته ببعض ما يحتاج إِلَيْهِ، فَقَدَّمَ إِلَيْنَا خُبْزًا وَبَيْضًا، وَسَأَلَنَا أَنْ نَأْكُلَ فَأَكَلْنَا، وَجَاءَنَا بِمَاءٍ، فَشَرِبْنَا، ثُمّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ قُمْ.

стр. 499

فَأَخَذَ بِيَدِي، فَجَعَلْنَا نَسِيرُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ تُجْذَبُ مِنْ تَحْتِنَا كَأَنَّهَا الْمَوْجُ، فَمَرَرْنَا بِمَدِينَةٍ بَعْدَ مَدِينَةٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذِهِ مَدِينَةُ كذا، هذه مدينة كذا، هذه الكوفة، ثم إنه قال لي: الموعد ها هنا فِي مَكَانِكَ هَذَا فِي الْوَقْتِ (يَعْنِي: مِنَ اللَّيْلِ) . حَتَّى إِذَا كَانَ الْوَقْتُ، إِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ فَأَخَذَ بِيَدِي، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فجعل يَقُولُ: هَذَا مَنْزِلُ كَذَا، هَذَا مَنْزِلُ كَذَا، هَذِهِ فَيْدُ، وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ. وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ تُجْذَبُ مِنْ تَحْتِنَا كَأَنَّهَا الْمَوْجُ، فَصِرْنَا إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزُرْنَاهُ، وَقَالَ لِي: الْمَوْعِدُ فِي الْوَقْتِ فِي اللَّيْلِ فَي الْمُصَلَّى. حَتَّى إِذَا كَانَ الوقت خرجت، فإذا بِهِ فِي الْمُصَلَّى، فَأَخَذَ بِيَدِي فَفَعَلَ كَفِعْلِهِ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ فِي اللَّيْلِ، فَفَارَقَنِي. فَقَبَضْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: الصُّحْبَةُ. فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الشَّامَ. فقلت: أنا معك. فقال لي: إذا انقضى الحج، فالموعد ها هنا عِنْدَ زَمْزَمَ. حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْحَجُّ، إِذَا بِهِ عِنْدَ زَمْزَمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، ثم خرجنا من مكة ففعل كفعل الأول، فإذا نحن ببيت المقدس، فلما دخل الْمَسْجِدَ، قَالَ لِي: عَلَيْكَ السَّلامُ، أَنَا عَلَى المقام إن شاء الله ها هنا. ثُمَّ فَارَقَنِي، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلا عَرَّفَنِي اسْمَهُ، فَرَجِعْتُ إِلَى بَلَدِي أَسِيرُ سَيْرَ الضعفى منزلاً بعد منزلٍ حتى رجعت إلى بلخ.

стр. 500

٣٦٤- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالا: أَنْبَأنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الصيرفي إذناً، قال: أَنْبَأنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ البلخي حدثهم، قال: ثنا خشنام بن حاتم الأصم، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ لِي شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ: خَرَجْتُ حَاجًّا فَنَزَلْتُ الْقَادِسِيَّةَ، فَبَيْنَمَا أَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ فِي زِينَتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، نَظَرْتُ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ، شَدِيدِ السُّمْرَةِ، فَوْقَ ثيابه ثوب من صوف مشتمل شملة، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ وَقَدْ جَلَسَ مُنْفَرِدًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا مِنَ الصُّوفِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كَلا عَلَى النَّاسِ، وَاللَّهِ لأَمْضِيَنَّ إِلَيْهِ ولأوبخنه. فدنوت منه، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلا، قَالَ: يَا شَقِيقُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ تَكَلَّمَ على ما في نفسي، وَمَا هَذَا إِلا عَبْدٌ صَالِحٌ، وَغَابَ عَنْ عيني، فلما نزلنا واقعته إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: هَذَا صَاحِبِي أَمْضِي إِلَيْهِ وَأَسْتَحِلُّهُ. فَصَبَرْتُ حَتَّى جلس، وأقبلت نحوه، فَقَالَ: يَا شَقِيقُ! اتْلُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تاب وآمن﴾ . ثم مضى، فقلت: إن هذا الفتى لَمِنَ الأَبْدَالِ قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى سِرِّي مَرَّتَيْنِ، فلما نزلنا زبالاً، إذا بالفتى قائم على البير وبيده ركوة

стр. 501

يريد أن يستقي ماء، فَسَقَطَتِ الرَّكْوَةُ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَرَأَيْتُهُ قد رمق السَّمَاءِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَنْتَ رَبِّي إِذَا ظَمِئْتُ من الماء، وأنت قوتي إذا أردت الطعام، اللهم سَيِّدِي مَا لِي سِوَاهَا، فَلا تُعْدِمْنِيهَا. قَالَ شَقِيقٌ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْبِئْرَ وَقَدِ ارْتَفَعَ مَاؤُهَا، فَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ الرَّكْوَةَ وَمَلأَهَا مَاءً وَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى رَكَعَاتٍ، ثُمَّ مَالَ إِلَى كَثِيبِ رَمْلٍ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ وَيَطْرَحُهُ فِي الرَّكْوَةِ، وَيُحَرِكُهُ وَيَشْرَبُ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أَطْعِمْنِي مِنْ فَضْلِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ: يَا شَقِيقُ! لَمْ تَزَلْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ. ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا هو سُوَيْقٌ وَسُكَّرٌ، فَوَاللَّهِ مَا شَرِبْتُ قَطُّ أَلَذَّ منه، فشبعت منه وَرَوِيتُ، وَأَقَمْتُ أَيَّامًا لا أَشْتَهِي طَعَامًا، ثُمَّ لَمْ أَرَهْ حَتَّى دَخَلْنَا مَكَّةَ، فَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً على جَنْبِ قُبَّةِ الشَّرَابِ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ وَأَنِينٍ وَبُكَاءٍ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا رَأَى الْفَجْرَ، جَلَسَ فِي مُصَلاهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، وَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا لَهُ غاشية وموال، وَهُوَ عَلَى خِلافِ مَا رَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَدَارَ بِهِ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ. فقلت لبعض من رأيته يقرب مِنْهُ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟

стр. 502

فَقَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ. فَقُلْتُ: قَدْ عجبت أن تكون هَذِهِ الْعَجَائِبِ، إِلا لِمَثْلِ هَذَا السَّيِّدِ. ٣٦٥- أَخْبَرَنَا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنبأنا مسعود بن ناصر السجستاني، قال: أنبأنا أبو حازم العبدوي، قال: أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَهْضَمٍ، قال: ثنا أبو الطيب محمد بن جعفر، قال: ثنا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ يقول: رَأَيْتُ رَجُلا فِي الْبَادِيَةِ شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ لَهُ ذُؤَابَتَانِ، وَعَلَى رَأْسِهِ رِدَاءُ قَصَبٍ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُ كَتَّانٍ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلُ طَاقٍ. قَالَ مَعْرُوفٌ: فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَمِنْ زِيِّهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا عَمِّ. فَقُلْتُ: الْفَتَى مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: مَنْ مَدِينَةِ دِمَشْقَ. قُلْتُ: وَمَتَى خَرَجْتَ مِنْهَا؟ قَالَ: ضَحْوَةً. قَالَ معروف: فتعجبت منه، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ

стр. 503

الَّذِي رَأَيْتُهُ فِيهِ مَرَاحِلُ كَثِيرَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ الْمَقْصِدُ؟ قَالَ: مَكَّةَ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا، لَرَفِقَ بِنَفْسِهِ، فَوَدَّعْتُهُ، وَمَضَى ولم أَرَهُ حَتَّى مَضَتْ ثَلاثُ سِنِينَ. فَلَمَّا كَانَ ذات يوم أنا جالس فِي مَنْزِلِي أَتَفَكَّرُ فِي أَمْرِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ، إِذَا بِإِنْسَانٍ يَدُقُّ الْبَابَ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَنَا بِصَاحِبِي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتَ: مَرْحَبًا وأهلاً. فأدخلته المنزل، فرأيته منقطعاً وَالِهًا، تَالِفًا، عَلَيْهِ زُرْمَانِقَةٌ، حَافِيًا حَاسِرًا، فَقُلْتُ: هي إِيشِ الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ! لاطَفَنِي حَتَّى أدخلني الشبكة فرماني، فمرةً يلاطفني، ومرة يهددني، ومرةً يجوعني، ومرة يكرمني، وليته وَقَفَنِي عَلَى بَعْضِ أَسْرَارِ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ لْيَفْعَلْ بِي مَا شَاءَ. قَالَ مَعْرُوفٌ: فَأَبْكَانِي كَلامُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: فَحَدِّثْنِي بِبَعْضِ مَا جَرَى عَلَيْكَ منذ أن فارقتني. فقال: هَيْهَاتَ أَنْ أُبْدِيَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْفِيَهُ، ولكن أبدأ بما فعل في طريقي إليك مَوْلايَ وَسَيِّدِي. ثُمَّ اسْتَفْرَغَهُ الْبُكَاءُ، فَقُلْتُ: وَمَا فعل بك؟

стр. 504

قال: جوعني ثلاثين يوماً، ثم جئنا إِلَى قريةٍ فِيهَا مَقْثَأَةٌ قَدْ نُبِذَ مِنْهَا المدود، فقعدت آكل منه، فبصرني صَاحِبُ الْمَقْثَأَةِ، فَأَقْبَلَ يَضْرِبُ ظَهْرِي وَبَطْنِي وَيَقُولُ: يا لص! ما خرب مقثاي غيرك، منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك. فبينا هو يضربني، إذ أَقْبَلَ فَارِسٌ نَحْوَهُ مُسْرِعًا إِلَيْهِ وَقَلَّبَ السَّوْطَ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ: تَعْمَدُ إِلَى وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَتَقُولُ لَهُ: يَا لِصُّ؟ فَأَخَذَ صاحب المقثأة بيدي، فذهب إلى منزله، فما أبقى من الكرامة شيء، إِلا عَمِلَهُ وَاسْتَحَلَّنِي، وَجَعَلَ مَقْثَأَتَهُ لِلَّهِ وَلأَصْحَابِ مَعْرُوفٍ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: صِفْ لِي مَعْرُوفًا. فوصفه، فَعَرَفْتُكَ بِالصِّفَةِ بِمَا كُنْتُ قَدْ شَاهَدْتُهُ مِنْ صِفَتِكَ. قَالَ مَعْرُوفٌ: فَمَا اسْتَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى دق صاحب المقثاة الباب، ودخل وكان موسراً وأخرج جميع ماله وأنفقه على الفقراء، وصحب الشاب سنة فخرجا إِلَى الْحَجِّ، فَمَاتَا بِالرَّبَذَةِ.

стр. 505

٣٦٦- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أنبأنا علي بن عبد الله، قال: أنبأنا ابن باكويه، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا علي الروذباري يقول: سمعت أبا العباس الشرفي يَقُولُ: كُنَّا مَعَ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرِضَ، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى نَاحِيَةٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَنَا عَطْشَانُ. فضرب برجل فَإِذَا عَيْنُ مَاءٍ زُلالٍ، فَقَالَ الْفَتَى: أُحِبّ أن أشرب في قدح. فضرب بيده الأَرْضِ فَنَاوَلَهُ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ أَبْيَضَ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُ، فَشَرِبَ وَسَقَانَا، وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إِلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْمًا: مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يكرم الله بِهَا عِبَادَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يُعْطَى الإِيمَانَ بِهَا. فَقَالَ: مَنْ لَمْ يعط الإيمان بهذا، كَفَرَ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مِنْ طَرِيقِ الأَحْوَالِ. فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ لَهُمْ قَوْلا فِيهِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ بَلَى! قَدْ زَعَمَ أَصْحَابُكَ أَنَّهَا خِدَعٌ من الحق، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْخِدَعُ فِي حَالِ السُّكُونِ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الملك

стр. 506

في أعشاق الحقائق، فتلك مرتبة الربانيين. ٣٦٧- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا محمد بن الحسن السلمي، قال: ثنا أحمد بن إبراهيم المسوحي (من أجلة مشايخ بغداد، وظرافهم ومتوكليهم) ، قال: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا (يعني الْخَوَّاصَ) يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُسُوحِيُّ يَحُجُّ بِقَمِيصٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلٍ طَاقٍ، وَلا يَحْمِلُ شَيْئًا لا رَكْوَةٌ وَلا كُوزٌ، إِلا كُوزَ فِيهِ تُفَّاحٌ شَامِيٌّ يَشُّمُّهُ مِنْ جَوْفِ بَغْدَادَ إلى مكة، وكان من أفاضل الناس. ٣٦٨- وبه حدثنا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الفارسي، قال: أخبرني أبو علي الروذباري، قال: سمعت بنانا الْحَمَّالَ يَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وحدي فاستوحشت، فإذا هاتف يهتف بي: يا بنان! نقضت العهد، لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ ٣٦٩- وبه ثنا ابن باكويه، قال: أنبأنا ابن خفيف، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمُزَيِّنَ بِمَكَّةَ قَالَ: كنت في طريق تبوك فتقدمت إلى بئر لأستقي

стр. 507

مِنْهَا، فَزَلَقَتْ رِجْلِي، فَوَقَعْتُ فِي جَوْفِ الْبِئْرِ، فرأيت في البئر زاوية واسعة، فأصلحت موضعاً وجلست عليه، وَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مِنِّي شَيْءٌ لا أُفْسِدُ الماء على الناس، وطابت نَفْسِي، وَسَكَنَ قَلْبِي، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ، إِذَا أنا بخشخشة، فتأملت، فإذا بأفعى ينزل علي، فَرَاجَعْتُ نَفْسِي فَإِذَا هِيَ سَاكِنَةٌ، فَنَزَلَ وَدَارَ بي، وكنت هادي السر، ثم لف بي ذنبه وأخرجني مِنَ الْبِئْرِ، ثُمَّ حَلَّ عَنِّي ذَنَبَهُ، فَلا أدري أأرض ابتلعته، أم سماء اقتلعته؟ فقمت فمشيت. ٣٧٠- وبه حدثنا ابن باكويه، قال: أنبأنا أبو الحسن بالبصرة، قال: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لأَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ وكان قريب المغرب: اترك الحيل والتدبير حتى نصلي العشاء بمكة. ٣٧١- أخبرنا أبو المعمر الأنصاري، قال: أنبأنا الحسن بن المظفر الهمذاني، قال: ثنا أبي، قال: حدثني محمد بن عمر بن أحمد العنبري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ، فَصَحِبَنِي بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وَكَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَأَضَافَنَا الطَّرِيقُ إِلَى جَبَلٍ، وَكُنَّا جَمَاعَةً فَاسْتَسْقَيْنَاهُ مَاءً، وَلَمْ يَكُنْ بِالْقُرْبِ مَاءً، فأخذ ركوته وأومأ بِهَا إِلَى الْجَبَلِ، فَسَمِعْتُ خَرِيرَ الْمَاءِ بِأُذُنِي حَتَّى امْتَلأَتِ الرَّكْوَةُ، فَسَقَى

стр. 508

الْجَمَاعَةَ، فَكَانَتْ عَيْنِي إِلَى الْمَوْضِعِ، فَلا أَرَى لِلْمَاءِ أَثَرًا، وَلا شِقًّا فِي الْجَبَلِ. قَالَ أَبِي: فَسَأَلْتُ جَعْفَرًا عَنْ هَذَا، فَقَالَ: كَرَامَةُ الله لأوليائه. ٣٧٢- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أنبأنا ابن السراج، قال: أنبأنا عبد العزيز الأزجي، قال: ثنا أبو الحسن الصوفي، قال: ثنا الخلدي، قال: ثنا إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ، قَالَ: سَمِعْتُ حَسَنًا أَخَا سِنَانٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي قَدْ خَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ فَمَضَيْتُ عَلَى طَرِيقٍ وَمَضُوا عَلَى طَرِيقٍ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا افْتَرَقْنَا صَادَ أَصْحَابِي ظَبْيًا، فَذَبَحُوهُ وَشَوُوهُ، فَلَمَّا جَلَسُوا لِيَأْكُلُوهُ، إِذَا بنسرٍ قَدِ انْقَضَّ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَمَلَ رُبُعَ الظَّبْيِ، قَالُوا: فَأَقْبَلْنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو تُرَابٍ: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا بِمَكَّةَ، قُلْتُ لَهُمْ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ خَبَرُكُمْ بَعْدِي، فَأَخْبَرُونِي خَبَرَهُمْ وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ الظَّبْيِ. فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ سَائِرًا، فَإِذَا نسر قد ألقى إلي رُبُعَ ظَبِيٍ مَشْوِيٍ، فَأَكَلْتُ، وَكَانَ أَكْلُنَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. ٣٧٣- قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الباقي عن محمد بن علي العشاري،

стр. 509

قال: أنبأنا ابن أخي ميمي، قال: أنبأنا ابن صفوان، قال: ثنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قال: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بن الحسين، قال: حدثني حكم بن جعفر السعدي، قال: حدثني عبيد اللَّهِ بْنُ أَبِي نُوحٍ (وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ) ، قَالَ: صَحِبْتُ شَيْخًا فَي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَأَعْجَبَتْنِي هَيْئَتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَصْحَبَكَ. قَالَ: أَنْتَ وَمَا أَحْبَبْتَ. قَالَ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّهَارِ، فَإِذَا أَمْسَى، أَقَامَ فِي مَنْزِلٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَقُومُ اللَّيْلَ يُصَلِّي، وَكَانَ يَصُومُ فِي شدة الحر، فإذا أمسى، عمد إِلَى جَرِيبٍ مَعَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَلْقَاهُ إِلَى فِيهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، وَكَانَ يَدْعُونِي، فَيَقُولُ: هَلُمَّ فَأَصِبْ مِنْ هَذَا، فَأَقُولُ فِي نفسي: والله ما هذا لمجزئك أَنْتَ، فَكَيْفَ أُشْرِكُكَ فِيهِ؟ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذلك، ودخلت له قلبي هيبة عندما رأيت من اجتهاده وصبره، قال: فبينا نَحْنُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يسوق حماراً، فقال لي: انْطَلِقْ فَاشْتَرِ ذَلِكَ الْحِمَارَ. قَالَ: فَمَنَعَتْنِي وَاللَّهِ هَيْبَتُهُ فِي صَدْرِي أَنْ أَرُدَّهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِ الْحِمَارِ وَأَنَا أَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَعِيَ ثمنه، فكيف أشتريه؟

стр. 510

فأتيت صَاحِبَ الْحِمَارِ فَسَاوَمْتُهُ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَنْقُصَهُ من ثلاثين ديناراً. قال: خذه واستخر الله. قلت: الثمن. قال: بسم اللَّهَ، ثُمَّ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي الْجِرَابَ، فَخُذِ الثَّمَنَ فَأَعْطِهِ. فَأَخَذْتُ الْجِرَابَ، ثُمّ قُلْتُ: بِسْمِ الله، وأدخلت يَدِيَ فِيهِ، فَإِذَا صُرَّةٌ فِيهَا ثَلاثُونَ دِينَارًا لا تزيد ولا تنقص. قال: فدفعتها للرجل وَأَخَذْتُ الْحِمَارَ وَجِئْتُ بِهِ، فَقَالَ لِي: ارْكَبْ. فقلت له: أَنْتَ أَضْعَفُ مِنِّي. فَرَكِبَ، وَكُنْتُ أَمْشِي مَعَ حماره، فحيث أدركه الليل، قام قائماً ولا يزال راكعاً وساجداً حَتَّى أَتَيْنَا عُسْفَانَ، فَلَقِيَهُ شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثم جعلا يبكيان، فلما أراد أن يتفرقا، قَالَ صَاحِبِي لِلشَّيْخِ: أَوْصِنِي. قَالَ: نَعَمْ، أَلْزِمِ التَّقْوَى قَلْبَكَ، وَانْصُبْ ذِكْرَ الْمَعَادِ أَمَامَكَ. قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: نَعَمْ، اسْتَقْبِلِ الآخِرَةَ بِالْحُسْنَى مِنْ عَمَلِكَ، وَبَاشِرْ عَوَارِضَ الدُّنْيَا بِالزُّهْدِ مِنْ قَلْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأَكْيَاسَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا عَيْبَ الدنيا حتى عمي على أهلها والسلام عليك ورحمة الله. ثُمَّ افْتَرَقَا، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ قال: عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ. فَخَرَجْنَا مِنْ عُسْفَانَ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الأَبْطَحِ، نَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَقَالَ لِي: اثْبُتْ مَكَانَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ نَظْرَةً ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَانْطَلَقَ وَعَرَضَ لي رجل، فقال: تَبِيعُ الْحِمَارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ:

стр. 511

بِثَلاثِينَ دِينَارًا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ مِنْكَ. قُلْتُ: يا هذا! والله ما هو لي، وإنما هو لرفيق لِي وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لأَكُلِّمُهُ إذا طَلَعَ الشَّيْخُ. فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ الْحِمَارَ بِثَلاثِينَ دِينَارًا. قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ اسْتَزَدْتَهُ لَزَادَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَّا إِذْ بعت، فأوجزنا. فَأَخَذْتُ مِنَ الرَّجُلِ ثَلاثِينَ دِينَارًا، وَدَفَعْتُ الْحِمَارَ إِلَيْهِ، وَجِئْتُ بِالدَّنَانِيرِ، فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَا؟ قال: هِيَ لَكَ فَأَنْفِقْهَا. قُلْتُ: لا حَاجَةَ لِي بها. قال: فألقها في الجراب. فألقيتها في الجراب، فنزلنا الأبطح، فقال: ابتغ دواة وقرطاساً. فأتيته بها، فكتب كتابين ثم شدهما ودفع أَحَدَهُمَا إِلَيَّ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِهِ إِلَى عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَهُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وكذا، فادفعه إليه وأقرأه مِنِّي السَّلامَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ دفع الآخر إلي. فقال: لِيَكُنْ هَذَا مَعَكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَاقْرَأْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وأتيت بِهِ عَبَّادَ بْنَ عَبَّادٍ وَهُوَ قَاعِدٌ يُحَدِّثُ، عنده خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، كِتَابُ بَعْضِ إِخْوَانِكَ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: يَا عباد! فإن أحذرك الفقر يوم يحتاج النَّاسُ إِلَى الذُّخْرِ، فَإِنَّ فَقْرَ الآخِرَةِ لا يَسُدُّهُ غِنًى، وَإِنَّ مُصَابَ الآخِرَةِ لا تُجْبَرُ مُصِيبَتُهُ أَبَدًا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ وَأَنَا ميت الساعة إن شاء الله، فأحضرني لتكفني، وَتَوَلَّى الصَّلاةَ عَلَيَّ، وَإِدْخَالِي حُفْرَتِي، وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْرَأِ السَّلامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْكُمْ جَمِيعًا السَّلامُ ورحمة

стр. 512

الله. فلما قرأ عباد الكتاب، قال: يَا هَذَا! أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: بِالأَبْطَحِ. قَالَ: فَمَرِيضٌ هُوَ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ السَّاعَةَ صَحِيحًا. فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ مَيْتٌ مُسَجًّى عَلَيْهِ عباءة، فَقَالَ لِي عَبَّادٌ: هَذَا صَاحِبُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: تَرَكْتَهُ صَحِيحًا؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ صَحِيحًا السَّاعَةَ. فَجَلَسَ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي جَهَازِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ وَاحْتَشَدَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَتَحْتُ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَأَنْتَ يَا أَخِي نَفَعَكَ اللَّهُ بِمَعْرُوفِكَ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، وَجَزَاكَ عَنْ صُحْبَتِنَا خَيْرًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَعْرُوفِ يَجِدُهُ لِجَنْبِهِ مُضْطَجِعًا، وَإِنَّ حَاجَتِي إِلَيْكَ إِذَا قَضَى اللَّهُ نُسُكَكَ أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فتدفع مِيرَاثِي إِلَى وَارِثِي، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كُلُّ أَمْرِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَجَبٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِكَ، كيف آتي بيت المقدس ولم تسم لي أحداً، ولم تصف لي موضعاً؟ ولا أدري لمن أدفعه؟ قال: وخلف قدحاً، وجرابه ذاك وعصا كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا. قَالَ: وَكَفَّنَّاهُ فَي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ، وَلَفَفْنَا الْعَبَاءَةَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْقَضَى

стр. 513

الْحَجُّ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لأَنْطَلِقَنَّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلِّيَ أَنْ أَقَعَ عَلَى وَارِثِ هَذَا الرَّجُلِ. فانطلقت فدخلت المسجد، فبينا أَنَا أَتَصَفَّحُ النَّاسَ لا أَدْرِي عَمَّنْ أَسْأَلُ، إذ ناداني رجل من بعض ذلك الخلق باسمي: يا فلان؟ فالتفت، فإذا شيخ كأنه صاحب. فقال: هات ميراث فلان. فدفعت إليه العصا، وَالْقَدَحَ، وَالْجِرَابَ، ثُمَّ وَلَّيْتُ رَاجِعًا، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى قُلْتُ لِنَفْسِي: تَضْرِبُ من مكة إلى بيت الْمَقْدِسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ مِنَ الشَّيْخِ الأَوَّلِ مَا رأيت، ورأيت من هَذَا الشَّيْخُ الثَّانِي مَا رَأَيْتَ، وَلا تَسْأَلُ عن هَؤُلاءِ الْقَوْمِ؟ أَيَّ شَيْءٍ قِصَّتُهُمْ، وَتَسْأَلُهُمْ عَنْ أمرهم ومن هم؟ قال: فرجعت ومن رأيي ألا أُفَارِقَ هَذَا الشَّيْخَ الآخَرَ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ أموت، فجعلت أدور الخلق وَأَجْهَدُ أَنْ أَعْرِفَهُ أَوْ أَقَعُ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَقَعُ عَلَيْهِ، وَجَعَلْتُ أَسْأَلُ عَنْهُ، وَأَقَمْتُ أَيَّامًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَطْلُبُهُ وَأَسَأْلُ عَنْهُ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَدُلُّنِي عَلَيْهِ، فَرَجَعْتَ مُنْصَرِفًا إِلَى الْعِرَاقِ. ٣٧٤- أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، قال: أنبأنا محمد بن علي بن الفتح، قال: ثنا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سعيد الْمِصِّيصِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ خَفِيفٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الدَّرَّاجَ يَقُولُ: كُنْتُ أَحُجُّ فيصحبني جَمَاعَةٌ، فَكُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَى الْقِيَامِ مَعَهُمْ وَالاشْتِغَالِ بِهِمْ، فَذَهَبَتْ سَنَةً

стр. 514

مِنَ السِّنِينَ، وَخَرَجْتُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَجُلٌ فِي الْمِحْرَابِ مَجْذُومٌ وَعَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا رَآنِي، سَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ لَي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ! عَزَمْتَ عَلَى الحج؟ قلت: نعم، على غيظ وكراهية له. فلما قال لي: فالصحبة. فقلت في نفسي: أنا هربت من الأصحاء أقع في يدي مجذوم. وقلت: لا. قَالَ لِي: افْعَلْ. قُلْتُ: لا وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ! يَصْنَعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ. فَقُلْتُ: نَعَمْ (عَلَى الإِنْكَارِ عَلَيْهِ) . قَالَ: فَتَرَكْتُهُ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ، مَشَيْتُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُغِيثَةِ، فَبَلَغْتُ مِنَ الْغَدِ ضَحْوَةً، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ لِي: يَا أَبَا الحسين! يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي. قال: فأخذني شبه الوسواس في أمره. قال: فلم أحس حتى بلغت القرعا على العدو، فَبَلَغْتُ مَعَ الصُّبْحِ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بالشيخ قاعد. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ! يَصْنَعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ. قَالَ: فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ فَوَقَعْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِي، فَقُلْتُ: الْمَعْذِرَةُ إلى الله وإليك. قال لي: ما لك؟ قُلْتُ: أَخْطَأْتُ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟، قُلْتُ: الصُّحْبَةُ. قَالَ: أَلَيْسَ حَلَفْتَ وَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُحَنِّثَكَ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَرَاكَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ.

стр. 515

قال: ذلك لك. قال: فذهب عني التعب والجوع في كُلِّ مَنْزِلٍ، لَيْسَ لِي هَمٌّ إِلا الدُّخُولُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَرَاهُ إِلَى أَنْ بَلَغْتُ الْمَدِينَةَ، فَغَابَ عَنِّي، فَلَمْ أَرَهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ حَضَرْتُ أَبَا بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ وَأَبَا الْحَسَنِ الْمُزَيِّنَ فَذَكَرْتُ لَهُمْ، فَقَالُوا لَي: يَا أَحْمَقُ! ذَاكَ أبو جعفر المجذوم ونحن نسأل الله أَنْ نَرَاهُ، إِنْ لَقِيتَهُ فَتَعَلَّقْ بِهِ لَعَلَّنَا نَرَاهُ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى منى وعرفات، لم ألقه، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمْرَةِ رَمَيْتُ الْجِمَارَ، فَجَذَبَنِي إنسان وقال لي: يا أبا الحسن! السَّلامُ عَلَيْكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ لَحِقَنِي مِنْ رُؤْيَتِهِ أَمْرٌ، فَصِحْتُ وَغُشِّيَ عَلِيَّ وَذَهَبَ عَنِّي، وَجِئْتُ إلى مسجد الخيف، فأخبرت أَصْحَابَنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْوَدَاعِ صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَفَعْتُ يَدِيَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَجْذِبُنِي، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَينِ! عَزَمْتُ عَلَيْكَ، أن تصيح. قلت: لا، أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لِي. فَقَالَ: سَلْ مَا شِئْتَ. فَسَأَلْتُ اللَّهَ ثَلاثَ دَعَوَاتٍ، فَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِي وَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الأَدْعِيَةِ، فَقَالَ: أَمَّا أَحَدُهَا: فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! حبب إلي الفقر، فليس في الدنيا شيء أحب إلي منه. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فقلت: اللهم لا تَجْعَلْنِي أَبِيتُ لَيْلَةً وَلِي شَيْءٌ أَدَّخِرُهُ لِغَدٍ وَأَنَا مُنْذُ كذا وكذا سنة ما لي شيء أدخره. وأما الثالثة: فقلت: اللَّهُمَّ إِذَا أَذِنْتَ لأَوْلِيَائِكَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ فاجعلني

стр. 516

مِنْهُمْ، وَأَنَا أَرْجُو ذَلِكَ. ٣٧٥- أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظفر، قال: أنبأنا جعفر بن أحمد، قال: أنبأنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، قال: ثنا محمد بن داود، قال: حَدَّثَنِي حَامِدٌ الأَسْوَدُ صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ رَكْوَتُهُ ويمشي، فبينا نَحْنُ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ تَنَاوَلَ رَكْوَتَهُ وَمَشَى فَأَتْبَعْتُهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى وَافَيْنَا الْكُوفَةَ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا وَافَاهَا، قَالَ لِي: يَا حَامِدُ! إِلَى أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي! خَرَجْتُ بِخُرُوجِكَ. فَقَالَ: أَنَا أُرِيدِ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قُلْتُ: وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أُرِيدُ مَكَّةَ. فَمَشَيْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ، إِذَا شَابٌّ قَدِ انْضَمَّ إِلَيْنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فمشى معي يوماً وليلة لا يسجد لله سَجْدَةً، فَعَرَّفْتُ إِبْرَاهِيمَ. وَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ لا يُصَلِّي. فَجَلَسَ وَقَالَ لَهُ: يَا غُلامُ! مَا لَكَ لا تُصَلَّي وَالصَّلاةُ أَوْجَبُ عَلَيْكَ مِنَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: يَا شَيْخُ! مَا عَلَيَّ مِنْ صَلاةٍ. قَالَ: أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ قَالَ: لا. قال: فأي شيء أنت؟ قال: نصراني، ولكني أسارني في النصرانية إلى التوكل، وادعت نَفْسِي أَنَّهَا قَدْ أَحْكَمَتْ حَالَ التَّوَكُّلِ، فَلَمْ أصدقها فيما ادعت، حتى خرجت إلى هذه الْفَلاةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا

стр. 517

مَوْجُودٌ غَيْرَ الْمَعْبُودِ، أُثِيرُ سَاكِنِي، وَأَمْتَحِنُ خَاطِرِي. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَمَشَى. وَقَالَ: دَعْهُ يَكُونُ مَعَكَ. فلم يزل يسايرنا إلى أن وافينا بطن مر، فقام إبراهيم ونزع خلقاته، وطهرها بالماء، ثم جلس، وقال له: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ الْمَسِيحِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ! هَذَا دَهْلِيزُ مَكَّةَ، وَقَدْ حَرَّمَ الله على أمثالك الدخول إليه، وقرأ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نجسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بعد عامهم هذا﴾ ، وَالَّذِي أَرَدْتَ أَنْ تَسْتَكْشِفَ مَنْ نَفْسِكَ فَقَدْ بَانَ لَكَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ، فَإِنْ رَأَيْنَاكَ بِمَكَّةَ، أَنْكَرْنَا عَلَيْكَ. قَالَ حَامِدٌ: فَتَرَكْنَاهُ، ودخلنا مكة، وخرجنا إلى الموقف، فبينا نَحْنُ جُلُوسٌ بِعَرَفَاتٍ، إِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ يَتَصَفَّحُ الْوُجُوهَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَأَكَبَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَكَ يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ؟ فقال: هيهات، أنا اليوم عبده، والمسيح عَبْدُهُ, فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنِي حَدِيثَكَ. قَالَ: جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج، فَقُمْتُ وَتَنَكَّرْتُ فِي زِيِّ الْمُسْلِمِينَ كَأَنِّي مُحْرِمٌ، فساعة وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى الْكَعْبَةِ، اضْمَحَلَّ عِنْدِي كُلُّ دِينٍ سِوَى الإِسْلامِ، فَأَسْلَمْتُ، وَاغْتَسَلْتُ، وَأَحْرَمْتُ، وَهَا أنا أطلبك يومي. فالتفت إلينا إبراهيم وقال: يا حامد! انظر إلى بَرَكَةَ الصِّدْقِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ كَيْفَ

стр. 518

هَدَاهُ إِلَى الإِسْلامِ؟ وَصَحِبَنَا حَتَّى مَاتَ بَيْنَ الفقراء. ٣٧٦- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أنبأنا جعفر بن أحمد، قال: أنبأنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا ابن جهضم الصوفي، قال: ثنا خَلَفُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَبَّادَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بن محمد النيلي صَاحِبَ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (وَكَانَ يُفَضَّلُ عَلَى سَهْلٍ) يَقُولُ: سَلَكْتُ الْبَادِيَةَ مِرَارًا، ثُمَّ ضعفت، فجلست عن الحج، فأحببت أَنْ أُؤَدِّبَ نَفْسِي لِمَا رَأَيْتُ مِنْ ضَعْفِهَا وَسُكُونِهَا إِلَى الْجُلُوسِ وَالدَّعَةِ، فَاعْتَقَدْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَخْرُجَ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ وَلا أَصْحَبُ أَحَدًا، فَخَرَجْتُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ وَكَانَ الْوَقْتُ بَارِدًا، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ على عشر فراسخ أو نحوها، أَدْرَكَنِي اللَّيْلُ. وَكَانَتْ لَيْلَةً مُظْلِمَةً، وَمَطَرًا شَدِيدًا، وأنا أمشي، إذ سمعت قائلاً يقول: من هذا المار؟ فأجابه آخر، فقال: إنسي. فقال الأول: أين يريد؟ قال الآخر: يزور بيت مولاه.

стр. 519

قال الأول: أي شيء دَعْوَاهُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَدَّعِي الْغِنَى عَنِ الْخَلْقِ، والسير مع الحق. فقال له الأَوَّلُ: سَلْهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّعْرِ؟ فَقَالَ الآخَرُ: يَا إِنْسِيُّ! فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا جِنِّيُّ يَا جِنِّيُّ؟ فَقَالَ: نَحْنُ مِنْ أَصْحَابِ مَوْلاكَ، تُجِيزُ لَنَا شِعْرًا حَتَّى نَعْلَمَ صِدْقَ دَعْوَاكَ؟ قُلْتُ: قُولا. فَقَالَ: مُدَلَّهُ الْقَلْبِ غَائِبٌ سَاهِي ... مُقَرَّبُ الْقَلْبِ شَاهِدٌ رَائِي مُبَلْبَلُ السِّرِّ والهٌ دَنِفٌ ... مُؤَانَسُ الْقَلْبِ ذَاهِبٌ فَانِي فَأَجَبْتُهُمْ، فَقُلْتُ: فَهُوَ مَعَ الْحَقِّ عَاقِلٌ فَطِنٌ ... وَهُوَ مَعَ الخلق ضاحك باكي فسمعت صيحة مِنَ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُنِي: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُ لا تعرض لهؤلاء؟ ثم قال: من الآنَ مَعَ دَعْوَاكَ. فَقُلْتُ: أَزِيدُكُمْ بَيْتًا آخَرَ. فقالا: هَاتِ. فَقُلْتُ: مُحْتَجِبُ السِّرِّ غَيْرُ مُحْتَجِبٍ ... وَغَائِبٌ غير أنه بادي فسمعت لهما صيحة شديدة، ثم إنه انقطع عن كلامهما، فَلا أَدْرِي مَاتَا أَوْ تَرَكَانِي وَذَهَبَا، وَمَضَيْتُ عَلَى حَالِي وَحَجَجْتُ. ٣٧٧- وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، قال: ثنا الخلدي، قال: حدثني أبو

стр. 520

الْعَبَّاسِ عَنْ مُحَمَّدِ غُلامٍ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: ودعت الشيخ أبا عبيد حين أردت الخروج إلى الحج، فقال لي: معك شيء؟ قلت: لا، ليس معي غير هذه الركوة. فقال: إِذَا أَرَدْتَ شَيْئًا أَوْ جُعْتَ أَوْ عَطِشْتَ، فصل رَكْعَتَيْنِ وَاجْعَلْهَا عَنْ يَمِينِكَ، فَإِذَا سَلَّمْتَ، رَأَيْتَ كُلَّمَا تُحِبُّ. قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَلَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، وَالنَّاسُ يَصِيحُونَ الْعَطَشَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا قَالَ وَهُوَ صَادِقٌ، فَأَخَذْتُ الرَّكْوَةَ، فَرَمَيْتُ بِهَا في مصنع، وصليت ركعتين، فَمَا سَلَّمْتُ إِلا وَالرِّيَاحُ تَذْهَبُ بِهَا وَتَجِيءُ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فَأَخَذْتُ الرَّكْوَةَ، ثُمَّ صحت بالناس فجاءوا واستقروا حتى رووا. ٣٧٨- أخبرنا أبو الحسن الأنصاري، قال: أنبأنا علي بن الحسين بن أيوب قال: أنبأنا أبو محمد الخلال، قال: ثنا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْقَوَّاسُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ الخلدي يقول: سمعت الخواص يقول: أعرف من طريق مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ طَرِيقًا، مِنْهَا طَرِيقَانِ: طَرِيقٌ ذهب، وطريق فضة. ٣٧٩- أخبرنا ابن ظفر، قال: أنبأنا ابن السَّرَّاجُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، قال: ثنا ابن جهضم، قال: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّيرَوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الخواص يقول: سلكت الْبَادِيَةِ سِتَّةَ عَشَرَ طَرِيقًا عَلَى غَيْرِ

стр. 521

الجادة، فأعجب ما رأيت فيها رجل لَيْسَ لَهُ يَدَانِ وَلا رِجِلانِ، وَعَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَزْحَفُ زَحْفًا، فَتَحَيَّرْتُ مِنْهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَنِي وَلَمْ تَرَنِي قَبْلَهَا؟ فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِكَ عَرَّفَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. فَقُلْتُ: صَدَقْتَ إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ فقال: إلى مكة. قلت: ومن أين أتيت؟ قال: أنا مِنْ بُخَارَى. فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ شَزْرًا، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! تَعْجَبُ مِنْ قَوِيٍّ يَحْمِلُ ضَعِيفًا وَيَرْفُقُ بِهِ؟ ثُمَّ دَمَعَتْ عيناه، فقلت: لا يا حَبِيبِي. فَتَرَكْتُهُ عَلَى حَالِهِ وَمَضَيْتُ أَنَا، فَلَمَّا دَخَلْتُ مَكَّةَ، رَأَيْتُهُ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ يَزْحَفُ زَحْفًا. ٣٨٠- وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْخُلْدِيَّ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ الأَقْطَعُ عَلَى فرد قدم، قال: فَلَمَّا بَلَغْتُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ وَقَعَ فِي سِرِّي أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ مِثْلِي، فَإِذَا أَنَا بِمُقْعَدٍ يَحْبُو، فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ أَعْجَبُ مِنْهُ. فَقَالَ لِي: مَا لَكَ تَتَعَجَّبُ مِنْ قَوِيٍّ يَحْمِلُ ضَعِيفًا؟ ٣٨١- قرأت على محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أنبأنا هلال بن محمد، قال: أنبأنا الخلدي، قال: ثنا الْجُنَيْدُ عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ فَتًى فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ جَالِسًا يَبْكِي، فَقُلْتُ له: يا فتى! مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الْغَرِيبُ الْمَطْلُوبُ. فَعَرَفْتُ معنى كلامه، فجلست أبكي معه وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى قَضَى نَحْبَهُ. فَخَرَجْتُ، فَاشْتَرَيْتُ لَهُ كَفَنًا،

стр. 522

ثُمَّ عُدْتُ فَلَمْ أَرَهْ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! من سبقني فَحَظِيَ بِثَوَابِهِ، فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي: يَا ذَا النُّونِ! هَذَا الْغَرِيبُ الَّذَيِ طَلَبَهُ إِبْلِيسُ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَرَهُ، وَطَلَبَهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَلَمْ يَرَيَاهُ، وَطَلَبَهُ رِضْوَانٌ خَازِنُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يره. قلت: فأين هو يا سيدي؟ قال: هُوَ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. ٣٨٢- قرأت على محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أنبأنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: ثنا عبيد الله بن محمد الفقيه، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الأَدَمِيُّ، قال: حدثني أبي، قال: قال سهل بن عبد الله: قال عمر بْنُ وَاصِلٍ: صَحِبْتُ رَجُلا مِنَ الأَوْلِيَاءِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَنَالَتْهُ فَاقَةٌ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَعَدَلَ إلى مسجد في أصل جبل، فإذا فيه بئر عليها بَكَرَةٍ وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ وَمَطَهْرَةٌ عِنْدَ الْبِئْرِ، وَشَجَرَةُ رُمَّانٍ لَيْسَ فِيهَا حَمْلٌ، فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ إلى المغرب، فلما دخل الوقت، إذا هو بِأَرْبَعِينَ رَجُلا عَلَيْهِمُ الْمُسُوحُ، وَفِي أَرْجُلِهِمْ نِعَالُ الْخُوصِ، قَدْ دَخُلُوا الْمَسْجِدَ، فَسَلَّمُوا، وَأَذَّنَ أَحَدُهُمْ وأقام الصلاة وتقدم، فصلى بهم، فلما فرغ من صلاته قدم إِلَى الشَّجَرَةِ، فَإِذَا فِيهَا أَرْبَعُونَ رُمَّانَةً غَضَّةً طَرِيَّةً، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُمَّانَةً وَانْصَرَفَ. قَالَ: وَبِتُّ عَلَى فَاقَتِي، فَلَمَّا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذُوا فِيهِ الرُّمَّانَ أَقْبَلُوا أَجْمَعُونَ، فَلَمَّا صَلَّوْا وَأَخَذُوا الرُّمَّانَ، قُلْتُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ! أَنَا أَخُوكُمْ فِي الإِسْلامِ وَبِي فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ، فَلا كَلَّمْتُمُونِي وَلا وَاسَيْتُمُونِي؟ فَقَالَ رَئِيسُهُمْ: إِنَّا لا نُكَلِّمُ مَحْجُوبًا بِمَا مَعَهُ، فَامْضِ وَاطْرَحْهُ وَرَاءَ هَذَا

стр. 523

الْجَبَلِ فِي الْوَادِي، وَارْجِعْ إِلَيْنَا حَتَّى تَنَالَ ما ننال. قال: فرقيت الجبل، ولم تسخ نفسي برمي ما معي، فدفنته ورجعت. فقال لِي: رَمَيْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَأَيْتَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فَمَا رَمَيْتَ بِهِ إِذًا، فَارْجِعْ فَارْمِ بِهِ فِي الْوَادِي. فَفَعَلْتُ، فَإِذَا قَدْ غَشِيَنِي مِثْلُ الدِّرْعِ نُورٌ، فَرَجَعْتُ، فَإِذَا بالشجرة رمانة، فأكلتها واستقللت بها من الجوع والعطش، ولم ألبث في المضي إلى مكة، فإذا أنا بهم بين زمزم والمقام، فأقبلوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِهِمْ يَسْأَلُونِي عَنْ حَالِي؟ فَقُلْتُ: قَدْ غَنِيتُ عَنْكُمْ وَعَنْ كَلامِكُمْ آخِرًا كَمَا أَغْنَاكُمُ الله به عَنْ كَلامِي أَوَّلا، فَمَا فِيَّ لِغَيْرِ اللَّهِ مَوْضِعٌ. [كَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ سَهْلٍ عَنْ عمر بن واصل وقد انقلب. والصواب: عن عمر عن سهل] . -ويحكى عن الشبلي، قَالَ: رَأَيْتُ بَدَوِيًّا بِمَكَّةَ يَخْدِمُ الصُّوفِيَّةَ وَيَتَحَنَّنُ عَلَيْهِمْ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ سَبِبِ ذَلِكَ، فَقَالَ: كُنْتُ في البادية وإذا بغلام شاب حاف

стр. 524

مَكْشُوفِ الرَّأْسِ، مَا مَعَهُ رَكْوَةٌ وَلا عَصَى، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أُدْرِكُ الْفَتَى، فَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَطْعَمْتُهُ، أَوْ عَطْشَانًا سَقَيْتُهُ، أَوْ ضَالا هَدَيْتُهُ، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ذراع، فبعد حتى غاب عن عيني، فقلت: هذا شيطان. فإذا به يناديني: لا، بَلْ سَكْرَانُ. فَنَادَيْتُهُ بِالَّذِي بَعَثَ مُحَمْدًا ﷺ نَبِيًّا أَلا وَقَفْتَ، فَقَالَ: يَا فَتَى! أَتْعَبْتَنِي وتَعِبْتَ. فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيَتُكَ وَحْدَكَ، فَأَرَدْتُ خِدْمَتَكَ، فَقَالَ: مَنْ يَكُنِ الله معه هو وحده. فقلت: ما أرى معك زاد! فَقَالَ: إِذَا جُعْتُ فَذِكْرُهُ زَادِي، وَإِذَا عَطِشْتُ فمشاهدته سؤلي ومرادي. فقلت: أنا جائع فأطعمني. فقال: أولم تُؤْمِنْ؟ قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. فَضَرَبَ بِيَدِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ وَكَانَتِ الأَرْضُ رَمْلَةً فَقَبَضَ قبضة وقال: كل يا مخدوع، وإذا به سويق محمص أَلَذُّ مَا يَكُونُ. فَقُلْتُ: مَا أَلَذَّهُ. فَقَالَ: فِي الْبَادِيَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ لَوْ عَقِلْتَ. فَقُلْتُ لَهُ: حَلِنِي. فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ وَإِذَا قَدْ نبعت من تحت قدمه عَيْنٌ مِنْ عَسَلٍ، فَجَلَسْتُ لآكُلَ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَمَا رَأَيْتُهُ، فَأَنَا أَخْدِمُ الْفُقَرَاءَ لَعَلِّي أَرَى مِثْلَ ذَلِكَ الْفَتَى.

стр. 525

٣٨٣- أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، قال: ثنا أبو عبد الله الصوري، قال: حدثني إبراهيم بن أحمد الرحبي، قال: ثنا أحمد بن عطاء، قال: قال ذو النون: خَرَجْتُ إِلَى الْحِجَازِ عَلَى الْوَحْدَةِ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ رَأَيْتُ سَوَادًا فَقَصَدْتُ نَحْوَهُ، فَإِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ سَوْدَاءَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا وَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: مِنْ وَطَنِي. فَقُلْتُ لَهَا: وإلى أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: إِلَى سَكَنِي. فَقُلْتُ لَهَا: بِلا زادٍ؟ فقالت: لما استزارنا إليه زودنا صدق التوكل عليه. قلت: ولا مَاءٍ؟ قَالَتْ: إِنَّمَا يَحْمِلُ الْمَاءَ مَنْ يَخَافُ الظمأ. ٣٨٤- أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسعدة، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد الفارسي، قال: أنبأنا عبد الله بن عدي، قال: ثنا عمر بن الحسن بن نصر الحلبي، قال: ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بن داود الواسطي يقول: بينا أَنَا وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ، وَهِيَ تَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يضلل فلا هادي له. فقلت: امرأة ضالة فنزلت عَنْ بَعِيرِي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَذِهِ! مَا قصتك؟

стр. 526

فَقَرَأَتْ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كان عنه مسؤولاً﴾ . فقلت في نفسي: حورية لا ترى كلامنا، فقلت لها: فمن أين أنت؟ فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ . فَأَرْكَبْتُهَا بَعِيرِي وَقُدْتُ بِهَا أُرِيدُ رِحَالَ الْمَقْدِسِيِّينَ، فَلَمَّا تَوَسَطْتُ الرِّحَالَ، قُلْتُ: يَا هَذِهِ! بِمَنْ أُصَوِّتُ؟ فَقَرَأَتْ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الأرض﴾ ، ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلامٍ﴾ ، ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ . فناديت: يا زكريا! يا يحيى! يا داود! فخرج إلي ثلاثة فتيان من بين الرجالات، فقالوا: هذه أُمُّنَا وَرَبُّ الْكَعْبَةِ. ضَلَّتْ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَأَنْزَلُوهَا، فَقَرَأَتْ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ، فغدوا فاشتروا تمراً وقصباً وجوزاً، وسألوني قبوله، فقبلته وقلت لهم: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: هَذِهِ أُمُّنَا لَمْ تَتَكَلَّمْ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً إِلا بِالْقُرْآنِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ. ٣٨٥- أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الصوفي، قال: أنبأنا أبو سعد الحيري، قال:

стр. 527

ثنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: ثنا جعفر بن علي الواسطي، قال: ثنا جعفر الخلدي، قال: ثنا غلام الخليل، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً تَمْشِي مَشْدُودَةَ الْوَسَطِ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قالت: إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. قُلْتُ: وَهَلْ مَعَكَ زاد؟ قالت: من أنت؟ قلت: أنا غُلامُ الْخَلِيلِ. فَأَخَذَتْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ مِنْ تحت رجلها فدفعتها إلي وقالت: ذُقْ مِنْ زَادِي. فَذُقْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَوِيقٌ وَسُكَّرٌ، ثُمّ قَالَتْ: لَوْ كُنْتَ طَائِرًا لَمَا طِرْتَ بِبَلْدَةٍ أَنْتَ زَاهِدُهَا، أُفٍّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ. ٣٨٦- قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أحمد الفقيه، قال: أنبأنا عثمان بن أحمد، قال: ثنا العباس بن يوسف، قال: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الشَّوَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِلالٍ الأَسْوَدُ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا، فَلَمَّا صِرْتُ في بعض الطَّرِيقِ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا زَادٌ وَلا إِدَاوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟ قالت: مِنْ بَلْخَ. فَقُلْتُ لَهَا: مَا أَرَى مَعَكَ زاد ولا ما تحملين فيه الزاد.

стр. 528

فقالت لي: خرج معي من بلخ عشرة دراهم، وقد بقي معي بعضها. قلت: فإذا نفذت، ما تصنعين؟ قالت: على هذه الجبة أبيعها وآخذ دونها وَأُنْفِقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِذَا فَنِيَ مَا تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: أَبِيعُ هَذَا الْحِمَارَ وَآخُذُ دُونَهُ وَأُنْفِقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِذَا فَنِيَ؟ قَالَتْ: أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي. قُلْتُ: أَلا سَأَلْتِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، إِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَعِي فَضْلٌ مَنْ عرضها. فقلت: اعتقبي على هذا الحمار عقبة. قالت: دعه. فتركته مَعَهَا وَتَخَلَّفَتْ لِحَاجَةٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ حَاجَتِي أَسْرَعْتَ في أثرها وإذا الحمار واقف والخرج مملوء معه، فَرَآنِي حَوَارِيٌّ لَمْ أَرَ بِحُسْنِهِ، فَطَلَبْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ أَرَهَا. -وَقَالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: خَرَجْتُ إِلَى الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَى أَيْنَ يَا جَارِيَةُ؟ فقالت: الحج إن شاء الله. فقلت: إن الطرَّيِقُ بَعِيدٌ. فَقَالَتْ: بَعِيدٌ عَلَى كَسَلانَ أَوْ ذِي ملالةٍ، فَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ، فَهُوَ قَرِيبُ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا سَرِيُّ! ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. ونراه

стр. 529

قريباً﴾ . فَلَمَّا وَصَلَتُ إِلَى الْبَيْتِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ، فَنَظَرَتْ إِلَيَّ وَقَالَتْ: يَا سَرِيُّ! لا تَعْجَبُ، أَنَا تلك العبدة، لَمَّا جِئْتُهُ بِضَعْفِي، حَمَلَنِي بِقُوَّتِهِ. -وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: كنت يوماً في البادية وإذا أنا بِجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ بَيْنَ عَيْنَيْهَا شَرْطَةٌ وَمَا مَعَهَا زَادٌ وَلا رَكْوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ؟ قالت: مِنْ عِنْدِ الْحَبِيبِ. فَقُلْتُ لَهَا: وَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: إِلَى الْحَبِيبِ. فَقُلْتُ: أَيْش تَطْلُبِينَ مِنَ الحبيب؟ فقالت: الحبيب. فقلت: كم ذكر الحبيب؟ قَالَتْ: مَا يَسْكُنُ لِسَانِي عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى ألقاه.

стр. 530

بَابٌ ذِكْرُ مَنْ طَالَ عَلَيْهُ سَفَرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى وَطَنِهِ اسْتَأْذَنَ أَشْجَعُ السُّلَمِيُّ الرَّشِيدَ فِي الحج، فأذن له، فلما حج ورجع وصار عند بئر ميمون، قال: ألا ليت حياً في العراق عهدتهم ... ذوي غبطة في عيشهم ولباني يرون دموعي حين يشتمل الدجى ... عَلَيَّ وَمَا أَلْقَى مِنَ الْحَدَثَانِ أَمِنْ بِئْرِ مَيْمُونٍ تَحِنَّ صَبَابَةً ... إِلَى أَهْلِ بَغْدَادَ وَتِلْكَ أماني بعدت وبيت الله عمن تُحِبُّهُ ... هَوَاكَ عِرَاقِيُّ وَأَنْتَ يَمَانِي إِذَا ذُكِرَتْ بَغْدَادُ لِي فَكَأَنَّمَا ... تَحَرَّكُ فِي صَدْرِي شِبَاهُ سناني حج مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَجَعَ فَصَارَ بِالثَّعْلَبِيَّةِ، اشْتَدَّ شَوْقُهُ فَقَالَ: لَمَّا وَرَدْتُ الثَّعْلَبِيَّةَ ... عند مجتمع الرفاق وشممت من يرد الْحِجَازِ ... نَسِيمَ أَرْوَاحِ الْعِرَاقِ أَيْقَنْتُ لِي وَلِمَنْ هَوَيْتُ ... بِأُلْفَةٍ بَعْدَ افْتِرَاقِ مَا بَيْنَنَا إِلا تَصُرَّمُ ... هَذِهِ السَّبْعِ الْبَوَاقِي حَتَّى يَطُولَ حَدِيثُنَا ... بِصُنُوفِ مَا كُنَّا نُلاقِي
следующие страницы →