Полный текст (683 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فَقَرَأَتْ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كان عنه مسؤولاً﴾ . فقلت في نفسي: حورية لا ترى كلامنا، فقلت لها: فمن أين أنت؟ فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ . فَأَرْكَبْتُهَا بَعِيرِي وَقُدْتُ بِهَا أُرِيدُ رِحَالَ الْمَقْدِسِيِّينَ، فَلَمَّا تَوَسَطْتُ الرِّحَالَ، قُلْتُ: يَا هَذِهِ! بِمَنْ أُصَوِّتُ؟ فَقَرَأَتْ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الأرض﴾ ، ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلامٍ﴾ ، ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ .
فناديت: يا زكريا! يا يحيى! يا داود! فخرج إلي ثلاثة فتيان من بين الرجالات، فقالوا: هذه أُمُّنَا وَرَبُّ الْكَعْبَةِ. ضَلَّتْ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَأَنْزَلُوهَا، فَقَرَأَتْ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ، فغدوا فاشتروا تمراً وقصباً وجوزاً، وسألوني قبوله، فقبلته وقلت لهم: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: هَذِهِ أُمُّنَا لَمْ تَتَكَلَّمْ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً إِلا بِالْقُرْآنِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ.
٣٨٥- أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الصوفي، قال: أنبأنا أبو سعد الحيري، قال:
стр. 527
ثنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: ثنا جعفر بن علي الواسطي، قال: ثنا جعفر الخلدي، قال: ثنا غلام الخليل، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً تَمْشِي مَشْدُودَةَ الْوَسَطِ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قالت: إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
قُلْتُ: وَهَلْ مَعَكَ زاد؟ قالت: من أنت؟ قلت: أنا غُلامُ الْخَلِيلِ. فَأَخَذَتْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ مِنْ تحت رجلها فدفعتها إلي وقالت: ذُقْ مِنْ زَادِي. فَذُقْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَوِيقٌ وَسُكَّرٌ، ثُمّ قَالَتْ: لَوْ كُنْتَ طَائِرًا لَمَا طِرْتَ بِبَلْدَةٍ أَنْتَ زَاهِدُهَا، أُفٍّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ.
٣٨٦- قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أحمد الفقيه، قال: أنبأنا عثمان بن أحمد، قال: ثنا العباس بن يوسف، قال: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الشَّوَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِلالٍ الأَسْوَدُ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا، فَلَمَّا صِرْتُ في بعض الطَّرِيقِ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا زَادٌ وَلا إِدَاوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟
قالت: مِنْ بَلْخَ. فَقُلْتُ لَهَا: مَا أَرَى مَعَكَ زاد ولا ما تحملين فيه الزاد.
стр. 528
فقالت لي: خرج معي من بلخ عشرة دراهم، وقد بقي معي بعضها. قلت: فإذا نفذت، ما تصنعين؟ قالت: على هذه الجبة أبيعها وآخذ دونها وَأُنْفِقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِذَا فَنِيَ مَا تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: أَبِيعُ هَذَا الْحِمَارَ وَآخُذُ دُونَهُ وَأُنْفِقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِذَا فَنِيَ؟ قَالَتْ: أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي.
قُلْتُ: أَلا سَأَلْتِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، إِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَعِي فَضْلٌ مَنْ عرضها. فقلت: اعتقبي على هذا الحمار عقبة. قالت: دعه. فتركته مَعَهَا وَتَخَلَّفَتْ لِحَاجَةٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ حَاجَتِي أَسْرَعْتَ في أثرها وإذا الحمار واقف والخرج مملوء معه، فَرَآنِي حَوَارِيٌّ لَمْ أَرَ بِحُسْنِهِ، فَطَلَبْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ أَرَهَا.
-وَقَالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: خَرَجْتُ إِلَى الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَى أَيْنَ يَا جَارِيَةُ؟ فقالت: الحج إن شاء الله. فقلت: إن الطرَّيِقُ بَعِيدٌ. فَقَالَتْ: بَعِيدٌ عَلَى كَسَلانَ أَوْ ذِي ملالةٍ، فَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ، فَهُوَ قَرِيبُ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا سَرِيُّ! ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. ونراه
стр. 529
قريباً﴾ .
فَلَمَّا وَصَلَتُ إِلَى الْبَيْتِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ، فَنَظَرَتْ إِلَيَّ وَقَالَتْ: يَا سَرِيُّ! لا تَعْجَبُ، أَنَا تلك العبدة، لَمَّا جِئْتُهُ بِضَعْفِي، حَمَلَنِي بِقُوَّتِهِ.
-وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: كنت يوماً في البادية وإذا أنا بِجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ بَيْنَ عَيْنَيْهَا شَرْطَةٌ وَمَا مَعَهَا زَادٌ وَلا رَكْوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ؟ قالت: مِنْ عِنْدِ الْحَبِيبِ. فَقُلْتُ لَهَا: وَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: إِلَى الْحَبِيبِ. فَقُلْتُ: أَيْش تَطْلُبِينَ مِنَ الحبيب؟ فقالت: الحبيب. فقلت: كم ذكر الحبيب؟ قَالَتْ: مَا يَسْكُنُ لِسَانِي عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى ألقاه.
стр. 530
بَابٌ ذِكْرُ مَنْ طَالَ عَلَيْهُ سَفَرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى وَطَنِهِ
اسْتَأْذَنَ أَشْجَعُ السُّلَمِيُّ الرَّشِيدَ فِي الحج، فأذن له، فلما حج ورجع وصار عند بئر ميمون، قال:
ألا ليت حياً في العراق عهدتهم ... ذوي غبطة في عيشهم ولباني
يرون دموعي حين يشتمل الدجى ... عَلَيَّ وَمَا أَلْقَى مِنَ الْحَدَثَانِ
أَمِنْ بِئْرِ مَيْمُونٍ تَحِنَّ صَبَابَةً ... إِلَى أَهْلِ بَغْدَادَ وَتِلْكَ أماني
بعدت وبيت الله عمن تُحِبُّهُ ... هَوَاكَ عِرَاقِيُّ وَأَنْتَ يَمَانِي
إِذَا ذُكِرَتْ بَغْدَادُ لِي فَكَأَنَّمَا ... تَحَرَّكُ فِي صَدْرِي شِبَاهُ سناني
حج مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَجَعَ فَصَارَ بِالثَّعْلَبِيَّةِ، اشْتَدَّ شَوْقُهُ فَقَالَ:
لَمَّا وَرَدْتُ الثَّعْلَبِيَّةَ ... عند مجتمع الرفاق
وشممت من يرد الْحِجَازِ ... نَسِيمَ أَرْوَاحِ الْعِرَاقِ
أَيْقَنْتُ لِي وَلِمَنْ هَوَيْتُ ... بِأُلْفَةٍ بَعْدَ افْتِرَاقِ
مَا بَيْنَنَا إِلا تَصُرَّمُ ... هَذِهِ السَّبْعِ الْبَوَاقِي
حَتَّى يَطُولَ حَدِيثُنَا ... بِصُنُوفِ مَا كُنَّا نُلاقِي
стр. 531
وَقَالَ الرَّضِيُّ:
تَرَى النَّازِلِينَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ ... قَدْ عَلِمُوا أَنَّ وَجْدِي كَذَا
دَنَا طَرَبٌ وَالْهَوَى نازح ... فيا بعد ذلك وَيَا قُرْبَ ذَا
стр. 532
بَابٌ فِي تَوْدِيعِ الرِّفَاقِ
قَالَ جَرِيرٌ فِي هذا المعنى:
أتبعتم مقلة إنسان غرق ... هل ما تُرَى تَارِكٌ لِلْعَيْنِ إِنْسَانًا
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ ... وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
وَحَبَّذَا نَفَحَاتٌ مِنْ يَمَانِيَّةٍ ... تَأْتِيكَ مِنْ قبل الريان أحيانا
هل يرجعن وليس الدهر مرتجعاً ... عيش لَنَا طَالَ مَا احْلَوْلَى وَمَا لانَا
وَقَالَ الرَّضِيُّ:
أَمَا عَلِمَ الْغَادُونَ وَالْقَلْبُ خَلَفْهُمْ ... يَضُمُّ زَفِيرًا يَصْدَعُ الْقَلْبَ ضَمُّهُ
بِأَنَّ وَمِيضَ الْبَرْقِ مَا لا أُشِيمُهُ ... وَأَنَّ نَسِيمَ الرَّوْضِ مَا لا أَشُمُّهُ
وَلَهُ:
وَلَمَّا أَبَى الأَظْعَانُ إِلا فِرَاقَنَا ... وَلِلْبَيْنِ وَعْدٌ لَيْسَ فِيهِ كَذَّابُ
رَجَعْتُ وَدَمْعِيَ جَازِعٌ مِنْ تَجَلُّدِي ... يَرُومُ نُزُولا لِلْجَوَى فَيَهَابُ
وَأَثْقَلُ مَحْمُولٍ عَلَى الْعَيْنِ مَاؤُهَا ... إِذَا بان أحباب وعز إياب
وله:
стр. 533
أراك استحدثت للقلب وجداً ... إذا ما الركائب ودعن نجدا
بواكر يطلعن نقب الغوير ... شؤون لنواظر نأياً وبعدا
تبعتهم نظرات الصقور ... آنس هَفْهَفَةَ الطَّيْرِ جَدَّا
كَأَنَّا بِنَجْدٍ غَدَاةَ الْوَدَاعِ ... فصادي عُيُونًا مِنَ الدَّمْعِ رُمْدَا
وَأَيْسَرُ مَا نَالَ منها الغليل أن ... لا نحسن من الماء بردا
أناروا زفيراً يلف الضلوع ... لف الرماح أنابيب ملدا
فكل جرارة أنفاسه تدل على ... أن في القلب منه وَقْدَا
وَإِنِّي لِلشَّوْقِ مِنْ بَعْدِهِمْ أُرَاعِي ... الْجَنُوبَ مراحاً ومغدا
وأفرح من نحو أوطانهم بغيث ... تجلجل بَرْقًا وَرَعْدَا
إِذَا طَلَعَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُمْ ... أُحَيِّيَ الوجوه كهولاً وَمُرْدَا
وَأَسْأَلُهُمْ عَنْ عقيق الحمى ... وَعَنْ أَرْضِ نجد ومن حل نجدا
أنشدتكم الله فلتخبرن من ... كان أقرب بالرمل عهدا
هل الدار بالجزع ما هوله ... أنار الربيع عليها وأسدا
وهل حلب الغيث أخلافه ... على محض مِنْ زُرُودٍ وَمَبْدَا
وَهَلْ أَهْلُهُ عَنْ تَنَائِي الدِّيَارِ ... يُرَاعُونَ عَهْدًا وَيَرْعَوْنَ وُدًّا
وَلَهُ:
أَشْكُو إِلَيْكَ مَدَامِعًا تَكِفُّ ... بَعْدَ النَّوَى وَجَوَانِحًا تَجِفُ
لا يبعد الله الذي نأوا ... وقف الْغَرَامَ بِنَا وَمَا وَقَفُوا
стр. 534
أي القوى قطعوا وأي دم ... سفكوا وأية جِرَاحَةٍ قَرَفُوا
لَمْ أَنْسَ مَوْقِفَنَا وَمَوْقِفَهُمْ ... يَوْمَ النَّوَى وَدُمُوعُنَا تَكِفُ
مَا كَانَ أَسْرَعَ مَا بِنَا زَمَنٌ ... وَتَكَدَّرَتْ مِنْ وُدِّنَا نُطَفُ
حَبْلٌ غدا بأكفنا طرف ... ومنه في أَيْدِي النَّوَى طَرَفُ
هَلْ حَسَنٌ ذَاكَ الدَّهْرُ مَرْتَجَعٌ ... أَمْ طَيِّبٌ ذَاكَ الْعَيْشُ مُؤْتَنَفُ
أَمْ هَلْ يُبَاحُ الْوَرْدُ ثَانِيَةً ... وَيَلَذُّ بَرْدُ الْمَاءِ مُرْتَشَفُ
لَهَفِي عَلَى ذَاكَ الزَّمَانِ وَهَلْ ... يُثْنِي زَمَانًا مَاضِيًا لَهَفُ
أَنْبَتَ بَعْدَكَ حَبْلُنَا وَحَدَتْ ... كُلا لِطَيَّتِهِ نَوَى قَذَفُ
وَلَهُ:
وَإِنِّي إِذَا اصطكت ركاب مطيكم ... وَثَوْرٌ حَادٍ بِالرِّفَاقِ عَجُولُ
أُخَالِفُ بَيْنَ الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْحَشَا ... وَأَنْظُرُ أَنَّى مِلْتُمُ فَأَمِيلُ
وَلَهُ:
يَا طِيبَ نَجْدٍ وَحُسْنَ سَاكِنِهِ ... لَوْ أَنَّهُمْ أَنْجَزُوا الَّذِي وَعَدُوا
قَالُوا وَقَدْ قَرُبَتْ رَكَائِبُنَا ... والقلب يظمأ بهم ولا يرد
أتارك أرضنا فقلت له ... أَنْجَدَ قَلْبِي وَأَعْرَقَ الْجَسَدُ
وَلِمِهْيَارٍ:
стр. 535
لو كنت تتلو غَدَاةَ السَّفْحِ أَخْبَارِي ... عَلِمْتَ أَنْ لَيْسَ مَا عَيَّرْتَ بِالْعَارِ
شَوْقٌ إِلَى الْوَطِنِ الْمَحْبُوبِ جَاذِبٌ ... أَضْلاعِي وَدَمْعٌ جَرَى مِنْ فُرْقَةِ الْجَارِ
وَوَقْفَةٌ لَمْ أَكُنْ فِيهَا بِأَوَّلَ مَنْ ... بَانَ الْخَلِيطُ فَدَاوَى الْوَجْدَ بِالدَّارِ
وَلُمْتُ فِي الْبَرْقِ زَفْرَاتِي ولو ... عَلِمَتْ عَيْنَاكَ مِنْ أَيْنَ ذَاكَ الْبَارِقُ السَّارِي
طَارَتْ شَرَارَتُهُ مِنْ جَوِّ كَاظِمَةٍ ... تَحْتَ الدُّجَى بِلَبَانَاتِي وَأَوْطَارِي
هَلْ بِالدِّيَارِ عَلَى لَوْمِي وَمَعْذِرَتِي ... عدوي يقام على وجدي وتذكاري
أم أنت تعدل فيما لا تزيد به ... إلا مداوة حر النار بالنار
وله: وهي مؤخرة في الأصل على التي بعدها:
يقولون قبل البين عينيك تَدْمَعُ ... دَعُوا مُقْلَةً تَدْرِي غَدًا مَنْ تُوَدِّعُ
ترى بالنوى الأمر الذي لا ترونه ... هوى فيقولون الذي ليس تسمع
وَدُونَ انْصِدَاعِ الشَّمْلِ لَوْ تَسْمَعُونَهُ ... أَنِينُ حَصَاةٍ الْقَلْبُ مِنْهُ تَصَدَّعُ
أَعِدْ ذِكْرَ نَعْمَانَ أَعِدْ إِنَّ ذِكْرَهُ ... مِنَ الطِّيبِ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
فَإِنْ قَرَّ قَلْبِي فَاتَّهِمْهُ وَقُلْ لَهُ ... بِمَنْ أنت بعد العامرية مولع
وله: وهي مقدمة على التي تليها في الأصل:
سَلْ بِالْغُوَيْرِ السَّائِقَ الْمُغِلِّسَا ... هَلْ يَسْتَطِيعُ سَاعَةً أَنْ يَحْبِسَا
فَإِنَّ فِي الدَّارِ رَزَايَا لَوْعَةٍ ... سوقاً ضِعَافًا وَعُيُونًا نُعَّسَا
وَثَمُلَيْنِ مَا أَدَارُوا بَيْنَهُمْ إِلا ... السُّهَادَ وَالدُّمُوعَ أَكْؤُسَا
стр. 536
مَا عَلِمَتْ نُفُوسُهُمْ أَنَّ الرَّدَى ... مِيقَاتُهُ الصُّبْحُ إِذَا تَنَفَّسَا
تَرَكْتَ مِنْ خَلْفِكَ أَجْسَامَهُمْ ... وَسَقَتْ ما بين يديك الأنفسا
أن تريد عن رياض حاجر ... أن تستخير الخصم والتسلسلا
وهل على ماء النخيل مظعن ... إذا وردت مثلثاً أو مخمسا
وله:
من بمنى وأين سكان منى ... كانت ثلاثاً لا تَكُونُ أَرْبَعَا
سَلَبْتُمُونِي كَبِدًا صَحِيحَةً ... أَمْسِ فَرَدُّوهَا عَلَيَّ قِطَعَا
عَدِمْتُ صَبْرِي فَجَزِعْتُ بَعْدَكُمُ ... ثُمَّ ذُهِلْتُ فَعَدِمْتُ الْجَزَعَا
فَارْتَجِعَا لِي لَيْلَةً بحاجر ... إن تم في الغائب أَنْ يُرْتَجَعَا
وَغَفْلَةٍ سَرَقْتُهَا مِنْ زَمَنِي ... بِلَعْلَعٍ سَقَى الْغَمَامُ لَعْلَعَا
وَلَهُ:
نَشَدْتُكِ يَا بَانَةَ الأجرع ... متى رحل الحي عن لعلع
стр. 537
وهل مر قلبي في التابعين ... أم حار ضعفاً فلم يتبع
قد كان يطعمني فِي الْمُقَامِ ... وَنِيَّتُهُ نِيَّةُ الْمُزْمِعْ
وَسِرْنَا جَمِيعًا وراء الحمول ... ولكن رجعت ولم يرجع
وأنته لك بين القلوب ... إذا اشْتَبَهْتُ أَنَّهُ الْمُوجَعْ
وَشَكْوَى تَدُلُّ عَلَى سُقْمِهِ ... فَإِنْ أَنْتِ لَمْ تُبْصِرِي فَاسْمَعِي
وَأَبْرَحُ مِنْ فَقْدِهِ أَنَّنِي ... أَظُنُّ الأَرَاكَةَ عَنِّي تَعِي
وَلَهُ:
لو كان يرفق ظاعن بِمُشَيِّعٍ ... رُدُّوا فُؤَادِي يَوْمَ كَاظِمَةٍ مَعِي
قَالُوا النَّوَى وَخَرَجْتُ وَهُوَ مُصَاحِبِي ... وَرَجَعْتُ وَهُوَ مَعَ الخليط مودعي
فلائماً من مُهْجَتِي تَأَسُّفِي ... وَبِأَيِّ قَلْبَيَّ الْغَدَاةَ تَفَجُّعِي
أَطَأُ الثَّرَى مُتَمَلْمِلا وَكَأَنَّنِي ... لَهَبًا وَقَفْتُ عَلَى حَرَارَةِ أَضْلُعِي
هَلْ يَمْلِكُ الْحَادِي تَلَوُّمَ سَاعَةٍ ... إِنَّ الْبَطِيءَ مُعَذَّبٌ بِالْمُسْرِعِ
أَمْ هَلْ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ مَسْمُوعَةٌ ... عَنِّي فَيُنْصِتَ لِلْبَلِيغِ الْمُسْمِعِ
رَوِّحْ بِذَي سلم على متأخر ... يبغي اللحاق وإن أبيت فجعجع
فت العيون بها فهل في ردها ... طمع وكيف لنا بآية يوشع
إن شاء بعدهم الحياء فلينسكب ... أو شاء ظل غمامة فليقلع
فمقبل جسمي في ذيول رُبُوعِهِمْ ... كَافٍ وَشُرْبِي مِنْ فَوَاضِلِ أَدْمُعِي
стр. 538
وله:
لعلهم إذ وقفوا ... أبل ذاك الْمُدْنَفُ
قَالُوا غَدًا وَعْدُ النَّوَى ... يَا بَرْدَهَا لَوْ لَمْ يَفُوا
هَلْ أَنْتَ يَا قَلْبُ مَعِي ... أَوْ مَعَهُمْ مُنْصَرِفُ
وله:
طَوَوْا عَرْضَ البلاد وغادروني ... بصبر ظاعن وجوى مُقِيمِ
وَوَلَّوْهَا الأَعِنَّةَ مُطْلَقَاتٌ ... وَبَقَّوْنِي أَعَضُّ عَلَى الشكيم
نطقت ولو أطقت لَطَالَ صَمْتِي ... عَلَى مَا اعْتَدْتُ مِنْ خُلُقِي وضيمي
وَلَهُ:
قَالُوا النَّوَى تُسَمِّيهِ ... وَالْمَوْتُ يَعْنِي مَنْ عنا
من اشتكى أشجانه ... فما أحس شجنا
لم يترك العاذلون لي ... قلباً يحن الحزنا
كان فؤادي وهم ... وظعنوا فَظَعَنَا
مَنْ سَائِلٌ لِي بِالْحِمَى ... ذَاكَ الْكَثِيبَ الأيمنا
من بال ركب منهم ... مر عليه الموهنا
стр. 539
وله:
ضحى الْقَلْبُ لَكِنْ صَبْوَةٌ وَحَنِينُ ... وَأَقْصَرَ إِلا أَنْ يَخِفَّ قَطِينُ
إِذَا بَاشَرَتْهُ فَضْلَةٌ مِنْ جَلادَةٍ ... عَلَى هَاجِرِ عَزَّتْهُ يَوْمَ تَبِينُ
وَقَالُوا يَكُونُ البين والمرء رابط ... حشاه بفضل الحزم قلت يَكُونُ
وَقَدْ يَضْمَنُ الْقَلْبُ الصَّرَامَةَ لَوْ ... وَفَى ويصدق وعد الصدق ثم يمين
دعوني فلي إن زمت العيس وَقْفَةٌ ... أُعَلِّمُ فِيهَا الصَّخْرَ كَيْفَ يَلِينُ
وَخَلُّوا دُمُوعِي أَوْ يُقَالُ نَعَمْ بَكَا ... وَزَفْرَةُ صَدْرِي أَوْ يُقَالُ حَزِينُ
فَلَوْلا غَلِيلُ الشَّوْقِ أَوْ دمعة الأسى ... لَمَا خُلِقَتْ لِي أَعْيُنٌ وَجُفُونُ
وُجُوهٌ عَلَى وادي الغضا ما عَدِمْتُهَا ... فَكُلُّ عَزِيزٍ بِالْجَمَالِ يَهُونُ
تَشَبَّثْتُ بِالأَقْمَارِ عنها علالة ... وبانات سلع والفروق تبين
وعودني عراق نَجْدٍ بِذِكْرِهَا ... فَأَعْلَمَنِي أَنَّ الْغَرَامَ جُنُونُ
تَعُودُ دَاءً ظَاهِرًا أَنْ يُطِبَّهُ ... فَكَيْفَ لَهُ بِالدَّاءِ وَهُوَ دَفِينُ
وَلِشَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعِ:
لَمْ يَقْضِ مِنْ سَفَرِ الصُّدُودِ قُدُومُهُمُ ... حَتَّى تنادوا للنوى بتجمل
دع شأن عينيك يا مشوق وشأنه ... وضع الْيَدَيْنِ عَلَى الْحَشَا وَتَمَلْمَلُ
الْيَوْمَ آخِرُ عَهْدِهِمْ ولقل ما ... يُغْنِي وُقُوفُكَ سَاعَةً فِي الْمَنْزِلِ
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَارِجَةَ إِذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ، رَكِبَ ناقته ورفع عقيرته،
стр. 540
ويقول:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارى رحالنا ... لا يُنْظَرُ الْغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأحاديث بيننا ... وسالت بأعنان المطي الأباطح
ولبعض المدنيين:
ألا رب مشغوف بما لا يناله ... غداة تساق المشعرات إلى النحر
فيا رب باكٍ شجوه ومعول ... إذا ما رأى الأَطْنَابِ تُنْزَعُ لِلنَّفْرِ
стр. 541
باب ذكر من حج أو اعتمر فَزَارَ قَبْرَ قَرَابَتِهِ فِي طَرِيقِهِ
٣٨٧- رَوَى بُرَيْدَةُ أن النبي ﷺ لما أتى مكة، أتى جزم قَبْرٍ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ يتكلم كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكي، فاستقبله عمر وكان جريئاً عليه، فقال:
بأبي وَأُمِّي مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ قَالَ:
((هَذَا قَبْرُ أُمِّي، سَأَلْتُ رَبِّي زِيَارَتَهُ فَأَذِنَ لِي، وَسَأَلْتُهُ الاسْتِغْفَارَ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَذَكَرْتُهَا فَبَكَيْتُ)) .
فَلَمْ يُرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
٣٨٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي منصور، قال: أنبأنا العلاف، قال: أنبأنا أبو الحسن الحمامي، قال: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرِيرِيُّ، قال: ثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، قال: ثنا أبو إبراهيم الترجماني، قال: ثنا المشمعل بْنُ مِلْحَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابن بريدة، عن أبيه [﵁] ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ وَقَفَ عَلَى عُسْفَانَ، فَنَظَرَ يَمِينًا
стр. 542
وشمالاً، فأبصر قبر أمه آمنة، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَفْجَأْنَا إِلا بِبُكَائِهِ، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَقَالَ:
((مَا الَّذِي أَبْكَاكُمْ؟)) .
قَالُوا: بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا. قَالَ:
((وَمَا ظننتم؟)) .
قالوا: ظَنَنَّا أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ عَلَيْنَا. قَالَ:
((لَمْ يكن من ذاك شيء، ولكني مررت بقبر أمي، فصليت ركعتين، ثم إني اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثم عدت فصليت ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجراً، فَعَلا بُكَائِي)) .
ثُمَّ دَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَمَا سار إلا هنيهة حتى قامت النَّاقَةُ بِثِقَلِ الْوَحْيِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ... ﴾ إلى قول: ﴿تبرأ منه﴾ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
((أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ آمِنَةَ كَمَا تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ من أبيه)) .
стр. 543
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ.
٣٨٩- أنبأنا الحريري، قال: أخبرنا أبو بكر الخياط، قال: أنبأنا ابن دوست، قال: أنبأنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أبي هريرة، قال: زار رسول الله ﷺ قَبْرَ أُمَّهُ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ:
((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَزُورَ قبرها، فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها، فلم يأذن لِي)) .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
стр. 544
بَابُ ذِكْرِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَكْرَهْهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ العلماء، بل استحبوها.
فمن كررها، فَلأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: خَوْفُ الْمَلَلِ.
وَالثَّانِي: قِلَّةُ الاحترام لمداومة الأنس بالمكان.
والثالث: تهيج الشوق بالمفارقة، فتنشأ دَاعِيَةُ الْعَوْدِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْكَعْبَةِ وَالإِنْسَانُ في بيته خير له مِنْ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْبَيْتِ وَالإِنْسَانُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ.
وَالرَّابِعُ: خَوْفُ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ هُنَاكَ، فَإِنَّ الْخَطَأَ ثَمَّ لَيْسَ كَالْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ، لأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَتَضَاعَفُ عُقُوبَتُهَا، إِمَّا لِكَثْرَةِ عِلْمِ فَاعِلِهَا فَلَيْسَ عِقَابُ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لا يَعْلَمُ، أَوْ لِشَرَفِ الزَّمَانِ كَالْمَعْصِيَةِ فِي رَمَضَانَ وَالطَّاعَةِ فِيهِ، وقد قال ﵇:
((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ، كِحَجَّةٍ مَعِي)) .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ، أَوْ لِشَرَفِ الْمَكَانِ كَالْحَرَمِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ضُوعِفَ أَجْرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخَيْرِ، وَتُوُعِدْنَ بِمُضَاعَفَةِ العذاب عَلَى الشَّرِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
стр. 545
ضعفين﴾ .
وقوله تعالى: ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ .
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِضِعْفِ الْخَلْقِ وَقُصُورِهِمْ بحق المكان.
قال أبو عمر الزجاجي: من جاور بالحرم وقلبه متعلق بِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ أَظْهَرَ خَسَارَتَهُ.
وأما لم يكره المجاورة بها وَرَآهَا فَضِيلَةً، فَلِفَضِيلَةِ الْمَكَانِ وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَكَمَا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى مَنْ أَذْنَبَ هُنَاكَ أَنْ يُضَاعَفَ عِقَابُهُ، يُرْجَى لِمَنْ أحسن ثم أَنْ يُضَاعَفَ ثَوَابُهُ، وَقَدْ جَاوَرَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَسَكَنَهَا مِنَ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ بَشَرٌ عَظِيمٌ.
стр. 546
باب ذكر أعيان من نزل بمكة
قَالَ ابْنُ سَابِطٍ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلا لَحِقَ نَبِيُّهَا بِمَكَّةَ، فَتَعَبَّدَ فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ.
وَهَذَا ذِكْرُ مَنِ اسْتَوْطَنَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ:
الأَسْوَدُ بْنُ خَلَفٍ، إِيَاسُ بن عبدٍ، بديل بن ورقاء، بشر بن سفيان، تميم بن أسد، الحارث بن هشام، حجر بْنُ أَبِي إِهَابٍ، الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، حويطب بن خَالِدُ بْنُ أُسَيْدٍ، خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ، خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، خُوَيْلِدُ بْنُ صَخْرٍ، سُمْرَةُ بْنُ الْمُؤَذِّنِ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، صفوان بن أمية، صفوان بْنُ الْخَطَّابِ، عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبَشِيٍّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن صفوان، عبد الرحمن بن أبزى، عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، عُتْبَةُ بْنُ أَبَيِ لَهَبٍ، عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، أَبُو قُحَافَةَ، عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جهل، علقمة بن القعواء، عمرو بن بعكل، عَمْرُو بْنُ أَبِي عَقْرَبٍ، عُمَيْرُ بْنُ قَتَادَةَ، عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، قَيْسُ بْنُ السَّائِبِ، كرز بن علقمة، كلدة بن الحنبل، كيسان، لقيط، محرس، مسلم، قطيع، المطلب،
стр. 547
معتب [﵃] .
المهاجرة: نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، يعلى بن أمية.
ممن عُرِفَ بِكُنْيَتِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ
أَبُو جُمُعَةَ، أَبُو سَبْرَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ.
فهؤلاء أربعة وخمسون مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَطَّنُوهَا، وَقَدْ جَاوَرَ بِهَا: جَابِرُ بْنُ عبد الله، وكان ابن عمر [﵁] يقيم بها.
فصل
وقد نزلها من كبراء التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ:
عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، مُجَاهِدٌ، عَطَاءٌ، يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، مِقْسَمٌ، الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، الْفُضَيْلُ بْنُ عياض، الحميدي.
وقد كان بعض الصالحين من الْمُجَاوِرِينَ لا يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْحَرَمِ، بَلْ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ، وَبَقِيَ عَلَى هَذَا أَبُو عَمْرٍو الزَّجَّاجِيُّ الصُّوفِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَجَاوَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ بِمَكَّةَ سَنَةً، فَلَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى حائط، ولم ينم،
стр. 548
فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ، فَقَالَ: يَا أبا محمد! بم قَدَرْتَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: عَلِمَ صِدْقَ بَاطِنِي، فأعانني على ظاهري.
٣٩٠- أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزاز، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَكَى لَنَا أَبُو سَهْلٍ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الْعُكْبَرِيُّ، قَالَ: لَمَّا وَصَلَ أبو بكر الآجري إلى مكة، استحسنها واستبطأ بها، وهجس في نفسه أن قال: اللهم أحييني فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَلَوْ سَنَةً. فَسَمِعَ هَاتِفًا يقول: يَا أَبَا بَكْرٍ! لِمَ سِنَةً؟ ثَلاثِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ الثَّلاثِينَ، سَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! قَدْ وَفَيْنَا بِالْوَعْدِ. فَمَاتَ في تلك السنة.
стр. 549
باب فضل صيام رَمَضَانَ بِمَكَّةَ
٣٩١- أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، قَالَ: أنبأنا أبو بكر الهاشمي، قال: أنبأنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا أبو الوليد الأزرقي، قال: حدثني ابن أبي عمر، قال: ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((من أدركه شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ كُلَّهُ، وَقَامَ مِنْهُ ما تيسر، كتب الله له مئة أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ حَسَنَةً، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حَسَنَةً، وَكُلِّ يوم عتق رقبة، وكل ليلة عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حُمْلانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حُمْلانَ فرس في سبيل الله)) .
стр. 550
باب ذكر أعيان المدفونين بالحرم
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَابِطٍ: مَاتَ نُوحٌ، وَهُودٌ، وصالح، وشعيب بِمَكَّةَ، فَقُبُورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحِجْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ [﵊] إِذَا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ، فَتَعَبَّدَ فِيهَا وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتَ.
٣٩٢- أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسعدة، قال: أنبأنا أبو إبراهيم النصراباذي، قال: أنبأنا المغيرة بن عمرو بن الوليد، قال: أنبأنا المفضل بن محمد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، أنه قال: بين المقام والركن وَزَمْزَمَ قُبُرُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا، وَإِنَّ قَبْرَ هُودٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَإِسْمَاعِيلَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ.
стр. 551
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ إِلَى الْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ إِلَى الْحِجْرِ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خطب صالح الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ دَارٌ قد سخط الله عليها وعلى أهلها، فاظعنوا. قَالُوا: مُرْنَا نَفْعَلْ. قَالَ: تَلْحَقُونَ بِحَرَمِ اللَّهِ. فَأَهَلُّوا مِنْ سَاعَتِهِمْ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَحْرَمُوا فِي الْعَبَاءِ، فَوَرَدُوا مَكَّةَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا، فَتِلْكَ قُبُورُهُمْ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَدَارِ بني هاشم، وكذلك فعل هود ومن آمن معه، وشعيب ومن آمن معه.
وقال ابن جريج: ودفنت أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فِي الْحِجْرِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لما توفي إسماعيل، دُفِنَ فِي الْحِجْرِ مَعَ أُمِّهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهَا فيه دفنت.
وقال عمر بن عبد العزيز: شكى إسماعيل إِلَى رَبِّهِ حَرَّ مَكَّةَ،
стр. 552
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي أَفْتَحُ لَكَ بَابًا من الجنة في الحجر، تجري عليك منه الرَّوْحِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تُوُفِّيَ.
قَالَ خَالِدٌ الْمَخْزُومِيُّ: فَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَا بَيْنَ الْمِيزَابِ إِلَى بَابِ الْحِجْرِ الغربي قَبْرُهُ.
وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ: حفر ابن الزبير فوجد فيها سفطاً من حجارة أخضر، فسأل قريشاً عنه فلم يجد عند أحدهم فِيهِ عِلْمًا، فَأَرْسَلَ إِلَى أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ ﵇، فَلا تُحَرِّكْهُ. فتركه.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا الْمُحْدَوْدِبُ يُشِيرُ إِلَى مَا يَلِي الرُّكْنَ الشَّامِيَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قبور عذارى بنات إسماعيل [﵇] ، قَالَ: وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ يُسَوَّى مَعَ الْمَسْجِدِ، فَلا ينشب أن يعود محدودب كَمَا كَانَ.
٣٩٣- وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لِمَقْبُرَةِ مَكَّةَ:
((نِعْمَ الْمَقْبُرَةُ هَذِهِ)) .
стр. 553
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ: مَنْ قُبِرَ فِي هَذِهِ الْمَقْبُرَةِ (يَعْنِي: مَقْبُرَةَ مَكَّةَ) ، بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
٣٩٤- وأنبأنا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قال: أنبأنا أبو إبراهيم النصراباذي، قال: أنبأنا المغيرة بن عمرو، قال: ثنا المفضل بن محمد، قال: ثنا ابن أبي بزة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ قُبِرَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا، بُعِثَ آمِنًا يوم القيامة.
стр. 554
باب ذكر من كان يكثر الحج
قد ذكرنا عن ابن عباس، أَنَّهُ قَالَ: حَجَّ آدَمُ [﵇] عَلَى رجليه أربعين حجة.
٣٩٥- وقد روى عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: حَجَّ آدَمُ [﵇] عَلَى رِجْلَيْهِ سَبْعِينَ حَجَّةً مَاشِيًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أنه حج خمسة عشر حَجَّةً.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: كَانَ عَطَاءُ بن أبي رباح عالماً بالحج، وقد كان حَجَّ زِيَادَةً عَلَى سَبْعِينَ حَجَّةً.
وَرَوَى سَمْنُونُ عن علي بن شعيب السقا: أَنَّهُ حَجَّ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً مِنْ نَيْسَابُورَ.
٣٩٦- أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنِ الْجَوْهَرِيِّ، عن ابن حيويه، قال: أنبأنا ابن معروف، قال: أنبأنا ابن الفهم، قال: أنبأنا ابن سعد،
стр. 555
قال: أخبرني الحسن بن عمر، أن ابن عيينة بن أخي سفيان، قال: حججت مع عمي سفيان آخر حجة حجها سنة سبع وتسعين ومئة، فَلَمَّا كُنَّا بِجَمْعٍ وَصَلَّى، اسْتَلْقَى عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ وَافَيْتُ هَذَا الْمَوْضِعَ سَبْعِينَ عَامًا، أَقُولُ فِي كُلِّ سَنَةٍ: اللَّهُمَّ لا تجعله آخر العهد، وإني قد استحييت الله من كثرة ما أسأله ذلك. فَرَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ.
٣٩٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي منصور، عن الحسن بن محمد الفقيه، قال: أنبأنا علي بن محمد المعدل، قال: أنبأنا ابن صفوان، قال: ثنا عبد الله بن محمد، قال: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أكثر من خمسين سفراً، حافياً، صَائِمًا، لا يَتْرُكُ صَلاةَ السَّحَرِ فِي سَفَرِهِ، إذا كان السَّحَرِ نَزَلَ، فَصَلَّى، وَيَمْضِي أَصْحَابُهُ، فَإِذَا صَلَّى الصبح، لحق متى ما لحق.
٣٩٨- أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب، قال: أنبأنا مكي بن علي، قال: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: قَالَ علي بن الموفق لما تم ستون حجة: نمت بحذاء الميزاب،
стр. 556
فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إلا من تحبه؟
٣٩٩- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أنبأنا أبو سعد الحيري، قال: أنبأنا ابن باكويه، قال: حدثني علي بن أحمد الأصفهاني، قال: ثنا عمر بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن أحمد، قال: سمعت جرار بن بكر الدئلي، قَالَ: أَحْرَمْتُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ودخلت بادية تبوك إلى أن وصلت مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِذَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلاءِ جَالِسٌ فِي شِقِّ الطَّوَافِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لِي: يَا بني! من أين أحرمت؟ فقلت له: مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ: مِنْ أي طريق جئت؟ فقلت: على طريق تبوك. فقال لي: على شرط التوكل؟ فقلت: نعم.
فقال: يا بني! أَعْرِفُ رَجُلا حَجَّ اثْنَيْنَ وَخَمْسِينَ حَجَّةً عَلَى التَّوَكُّلِ، وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمِّ! بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
٤٠٠- أَخْبَرَنَا ابْنُ حبيب، قال: أنبأنا ابن أبي صادق، قال: ثنا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الله، قال: سمعت الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيُّ يَقُولُ: حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِيَّ عَلَى الْفَقْرِ.
стр. 557
٤٠١- قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ خلف، عن السلمي، قال: حج جَعْفَرٍ الْخَوَّاصُ قَرِيبًا مِنْ سِتِّينَ حَجَّةً.
стр. 558
باب في ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ الْحَجِّ
٤٠٢- رَوَى أنس عن النبي ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ:
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، استعمله)) .
قالوا: وكيف يستعمله؟ قال:
((يوفقه لعلم صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ)) .
٤٠٣- أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قال: أنبأنا الحسن بن علي، قال: أنبأنا ابن مالك، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا شريح بن النعمان، قال: ثنا بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو عنبة [﵁] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بعبدٍ خَيْرًا، عَسَّلَهُ)) .
قِيلَ: وَمَا عَسَّلَهُ؟ قَالَ:
((يفتح الله لَهُ عَمَلا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عليه)) .
стр. 559
أَمَّا أَبِو عِنَبَةَ: فَلَهُ صُحْبَةٌ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِنَبَةَ، وَجُمْلَةُ مَنْ فِي الصَّحَابَةِ اسمه عبد الله مئتان وعشرون وليس فيهم من يقال له: ابن عِنَبَةَ سِوَاهُ، وَلا مَنْ يُكَنَّى أَبَا عِنَبَةَ إلا هو، وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن عتبة بالتاء، فيشكل، فليخط هذا الضبط.
أما قوله: ((عسله)) ، فهو بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، فَذَكَرَهُ بِالْغَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ.
-وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ رَمَضَانَ أَوْ عُقَيْبَ غَزْوٍ، أَوْ حَجٍّ، مَاتَ شَهِيدًا.
стр. 560
باب في التشوق إِلَى الْحَجِّ وَأَمَاكِنِهِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي ربيعة:
أبها الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ ابْتِكَارَا ... قَدْ قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الأَوْطَارَا
إِنْ يَكُنْ قَلْبُكَ الْغَدَاةَ خَلِيًّا ... فَفُؤَادِي بالخيف أمسى معارا
ليت ذَا الدَّهْرُ كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا ... كُلَّ يَوْمَيْنِ حجة واعتمارا
٤٠٤- نقلت مِنْ خَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ النَّحْوِيُّ بِالْمَغْرِبِ لِبَعْضِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلادِ فِي التشوق إِلَى مَكَّةَ:
يَحِنُّ إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ فُؤَادِي ... وَيَحْدُو اشْتِيَاقِي نَحْوَ مَكَّةَ حَادِي
وَلِي أَمَلٌ ما زال ينمو بِهِمَّتِي ... إِلَى الْبَلْدَةِ الْغَرَّاءِ خَيْرِ بِلادِ
بِهَا كَعْبَةُ اللَّهِ الَّتِي طَافَ حَوْلَهَا ... عِبَادٌ هُمْ لِلَّهِ خَيْرُ عِبَادِ
لأَقْضِيَ فَرْضَ اللَّهِ فِي حَجِّ بَيْتِهِ ... بَأَصْدَقِ إِيمَانٍ وَأَطْيَبِ زَادِ
أَطُوفُ كَمَا طَافَ النَّبِيُّونَ حَوْلَهُ ... طَوَافَ قِيَادٍ لا طَوَافَ عِنَادِ
وَأَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ تَابِعًا ... لِسُنَّةِ مهدي وطاعة هاد
وتركع تِلْقَاءَ الْمَقَامِ مُصَلِّيًا ... صَلاةً أُرَجِّيهَا لِيَوْمِ مَعَادِ
стр. 561
وأسعى سبوعاً بين مروة والصفا ... أهلل ربي تَارَةً وَأُنَادِي
وَآتِي مِنًى أَقْضِي بِهَا التَّفَثَ الَّذِي ... يَتِمُّ بِهِ حَجِّي وَهَدْيُ رَشَادِي
فَيَا لَيْتَنِي شَارَفْتُ أَجْبُلَ مَكَّةَ ... فَبِتُّ بِوَادٍ عِنْدَ أَكْرَمِ وَادِي
وَيَا لَيْتَنِي رُوِّيتُ مِنْ مَاءِ زمزم ... صدى خلد بَيْنَ الْجَوَانِحِ صَادِي
وَيَا لَيْتَنِي قَدْ زُرْتُ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ... فَأَشْفِي بِتَسْلِيمٍ عَلَيْهِ فُؤَادِي
وَلِمِهْيَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
أَيَا لَيْلَ جَوٍّ مَنْ بَشَيِرُكَ بِالصُّبْحِ ... وَهَلْ مِنْ مَقِيلٍ بَعْدَ ظِلِّكَ في الطلح
شربت على سوق النخيلة نهلة ... بها لم أكن أدري أسكر أَمْ تُصْحِي
فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ لَفْتَةِ ذاكر ... إذا قلت بلت أو قدت لوعة البرح
أيا صاح والماشي بِخَيْرِ مُوَفَّقٍ ... تَرَنَّمْ بِلَيْلِي إِنْ مَرَرْتَ عَلَى السفح
وقام بِعَيْنِي فِي الْخَلِيطِ مُخَاطِرًا ... عَسَتْ نَظْرَةٌ مِنْهَا يفوز بها قدحي
وله:
يا نسيم الريح مِنْ كَاظِمَةٍ ... شَدَّ مَا هِجْتَ الأَسَى وَالْبُرَحَا
الصِّبَا إِنْ كَانَ لا بُدَّ الصِّبَا ... إِنَّهَا كَانَتْ لِقَلْبِي أَرْوَحَا
يَا نَدَامَايَ بِسَلْعٍ هَلْ أَرَى ... ذَلِكَ الْمُغْبِقَ وَالْمُصْطَبِحَا
أَذْكِرُونَا ذِكَرْنَا عَهْدَكُمُ ... رب ذكرى قربت من نزحا
стр. 562
اذكروا صَبًّا إِذَا غَنَّى بِكْمُ ... شَرِبَ الدَّمْعَ وَعَافَ الْقَدَحَا
قَدْ شَرِبْتُ الصَّبْرَ عَنْكُمْ مُكْرَهًا ... وَتَبِعْتُ السُّقْمَ فِيكُمْ مُسْمِحَا
وَعَرَفْتُ الْهَمَّ مِنْ بَعْدِكُمْ ... فكأني مَا عَرَفْتُ الْفَرَحَا
وَلَهُ:
أَبَا الْغَوْرِ تَشْتَاقُ تِلْكَ النُّجُودَا ... رَمَيْتَ بِقَلْبِكَ مَرْمًى بَعِيدًا
فُؤَادٌ أسير ولا يفتدى وجفن ... قتيل البكا ليس يودا
سَهِرْنَا بِبَابِلَ لِلنَّائِمِينَ عَمَّا ... نُقَاسِي بِنَجْدٍ رُقُودَا
وله:
من المبلغ والصدق قصد حديثه ... وفي القول غاوٍ نَقْلُهُ وَرَشِيدُ
عَنِ الرَّمْلِ بِالْبَيْضَاءِ هَلْ هِيلَ بعدنا ... وبان الفضا هل يستوي ويميد
وهل ظبيان بَيْنَ جَوٍّ وَلَعْلَعٍ ... تَمُرُّ عَلَى وَادِي الْغَضَا وَتَعُودُ
حَمَلْنَ الْهَوَى مِنِّي عَلَى ضُعْفِ كَاهِلٍ ... وهى وثقول الحاملات جليد
وله:
قسماً ولم أُقْسِمُ لِسُكَّانِ الْحِمَى ... عَنْ رَيْبَةٍ لَكِنَّهُ تَأْكِيدُ
لَهُمُ وَإِنْ مَنَعُوا مَكَانَ مَطَالِبِي ... وَهُمُ وَإِنْ كَرِهُوا الَّذِين أُرِيدُ
أَتَنَسَّمُ الأَرْوَاحَ وَهِيَ رَوَاكِدٌ ... منهم وتجذب أرضهم فأرود
стр. 563
ولقد أحن إلى زرود وطينتي ... من غير ماء فُطِرَتْ عَلَيْهِ زَرُودُ
وَيَشُوقُنِي عَجَفُ الْحِجَازِ وَقَدْ ... ضَفَا رِيفُ الْعِرَاقِ وَظِلُّهُ الْمَمْدُودُ
وَيُطْرِبُ الشَّادِي فَلا يَهْتَزُّنِي ... وَيَنَالُ مِنِّي السَّائِقُ الْغِرِّيدُ
وَلَهُ:
حيها أوجه عَلَى السَّفْحِ غُرًّا ... وَقِبَابًا بِيضًا وَنُوقًا حُمْرًا
آهٍ وَالشَّوْقُ مَا تَأَوَّهَتُ مِنْهُ ... لِلَيَالٍ بِالسَّفْحِ لَوْ عُدْنَ أُخْرَى
يَا مَغَانِيَ الْحِمَى سُقِيتِ وما ... ينفعني الغيث أن يجول قفرا
قلبوا ذلك الرمال تُصِيبُوا فِيهِ ... قَلْبِي إِنْ لَمْ تُصِيبُوا الْجَمْرَا
وَلَهُ:
خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ وَقْفَةٍ وَالْتِفَاتَةٍ ... إِلَى الْقُبَّةِ السَّوْدَاءِ مِنْ جَانِبِ الْحِجْرِ
وَهَلْ مَنْ أرانا الحج بالخيف عائداً ... إلى مثلها أم عدها حجة العمر
فلله مَا أَوْفَى الثَّلاثَ عَلَى مِنًى ... لأَهْلِ الْهَوَى لو لم تخن لَيْلَةُ النَّفْرِ
لَقَدْ كُنْتُ لا أُوتَى مِنَ الصبر قبلها ... فهل تعلمان اليوم أين مضى صبري
أَيَشْرُدُ قَلْبِي يَا غَزَالَةُ حَاجِرٍ ... وَأَنْتِ بِذَاتِ الْبَانِ مَجْمُوعَةُ الأَمْرِ
стр. 564
خُذِي لَحْظَ عَيْنِي فِي الْغَصُوبِ إِضَافَةً ... إِلَى الْقَلْبِ أَوْ رُدِّي فُؤَادِي إِلَى صَدْرِي
وَلَهُ:
كم النوى قد جزع الصَّابِرُ ... وَقَنَطَ الْمَهْجُورُ يَا هَاجِرُ
أَأُحْمِدُ الْبَادُونَ في عيشهم ... ما دام من بعدهم الحاضر
أم كَانَ يَوْمُ الْبَيْنِ حَاشَاكُمْ ... أَوَّلُ شَيْءٍ مَا لَهُ آخِرُ
وَلَهُ:
أَجِيرَانَنَا أَيَّامَ جَمْعٍ تَعِلَّةً ... سلوا النفر هل ماض به النَّفْرِ رَاجِعُ
وَهَلْ لِثَلاثٍ صَالِحَاتٍ عَلَى مِنًى ... ولو أن من أثمانه النفس بايع
أَجِنُّ بِنَجْدٍ حَاجَةً لَوْ بَلَغْتُهَا ... وَنَجْدٌ عَلَى مرمى العراقي شاسع
جرى بهم الوادي ولو شئت مسيلاً ... جفوني لقد سالت بهن المدامع
عفى الخيف إلا أن يعرج سائل ... بعلة سوق أو يغرد سَاجِعُ
وَلَهُ:
هِلْ مَعِي مَا عَلَيْكَ ضَرِّي وَنَفْعِي ... نَسْأَلُ الْجَزْعَ عَنْ ظِبَاءِ الْجَزْع
قُلْتُ لا تَنْطِقُ الدِّيَارُ وَلا يَمْلِكُ ... بَالِي الطُّلُولِ سَمْعًا فَيُرْعِي
وَعَلَيَّ السُّؤَالُ لَيْسَ عَلَى الْعَارِ ... إن ضنت المغاني برجع
стр. 565
لم أكن أول الرجال التوى ... صغوي لِدَارِ الأَحْبَابِ أَوْ مَالَ ضِلْعِي
هَلْ مُجَابٌ يدعو مبرداً أو ... طاري بجمع برد أَيَّامَ جَمْعِ
أَوْ أَمِينُ الْقُوَى أُحَمِّلُهُ هَمًّا ... ثَقِيلا يَحُطُّهُ دُونَ سَلْعِ
فَافْرُجَا لِي عَنْ نَفْحَةٍ مِنْ صِبَاهُ ... طَالَ مَدِّي لَهَا الصَّلِيفَ ودفعي
أن ذاك النسيم يجدي على أرض ... ثراها في الريح رقية لسعي
كَمْ بِنْجَدٍ لَوْ وَفَى أَهْلُ نَجْدٍ ... لِفُؤَادِي مِنْ شُعْبَةٍ أَوْ صَدْعِ
وَزَفِيرٍ عَلِمَتْ مِنْهُ حَمَامُ الدَّوْحِ ... مَا كَانَ مِنْ حَنِينٍ وَسَجْعِ
وَلَهُ:
سَقَى الْحَيَا عَهْدَ الْحِمَى أَعْذَبَ مَا ... يسقي به السَّمَاوَاتُ بِهِ الأَرْضِينَا
وَخَصَّ بَانَاتٍ عَلَى كَاظِمَةٍ ... فَزَادَهَا نَضَارَةً وَلِينَا
وَوَاصَلَتْ مَا بَيْنَهَا رِيحُ الصِّبَا ... فَعَانَقَتْ غُصُونُهَا الْغُصُونَا
وَرَدَّ أَوْطَارًا بِهَا ماضيه ... علي أو أحبةً باقينا
عيش نصلت من جلاء ... والفتى يلبس حيناً ويبز حينا
следующие страницы →