Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٨٩- مجلس أبي توبة بن دراج مع الفراء
أبو توبة بن دراج: سألت الفراء عن الطلة فقال: مرأة الرجل طلته، وحنته، وربضه، وبيته، وطلبه، وخلبه. قال: ويقال للرجل هو طلب نساءٍ، وشيع نساء، وزير نساء. وأنشد:
وجمة تسألني أعطيت ... ولم تصرني حنةٌ وبيت
قال: الحنة: المرأة والبيت. لم تصرني، أي لم تملني لم تعطفني، ومنه ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ يقول: أملهن إليك. ومن قرأ ﴿فصرهن﴾ يقول: اقطعهن. والجمة: الجماعة التي تسأل في الدية، يقال لهم جمة.
قلت: زدني من هذا. قال: كل ما عطفك على شيءٍ فهو إصرٌ من عهدٍ أو رحم، فقد أصرك. ويقال: ما يأصرني عليه حق، أي يعطفني عليه. وقال النابغة:
أيا ابن الحواصن والحاصنات ... أتنقض إصرك حالا فحالا
يقول: أتنقض عهدك. ويقال: قطع الله إصرة ما بيننا. والصور أيضا: الميل يميل الرجل عنقه إلى الشيء. والنعت أصور. قال:
فقلت لها غضي فإني إلى التي ... تريدين أن أحبو بها غير أصورا
стр. 142
٩٠- مجلس الأصمعي مع شعبة بن الحجاج
حدثنا عمر بن شبة قال: قال الأصمعي: أنشدت شعبة بن الحجاج لفروة بن مسيك المرادي:
فما جبنوا أني أشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحس وتسفع
فقال شعبة: ما هكذا أنشدني سماك بن حرب، قال:
فما جبنوا أني أشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحش وتسفع
قال عمر: تحس: تقتل، من قوله جل وعز: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ ، وتحش: توقد. قال الأصمعي: قال لي شعبة: لو فرغت للزمتك.
وأنشدني سماك:
للمست بالوجعاء طعنة مرهب ... حران أو لثويت غير محسب
قال شعبة: ثم قال لي سماك: يا شعبة، تدري: ما غير محسب؟ قال: قلت: لا. قال: أي غير مكرم؛ يقال لم يحسبوا ضيفهم، أي لم يكرموه.
стр. 143
٩١- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع رجل من أهل المدينة
حدثنا أبو هفان قال: قال مصعب الزبيري: أنشد رجلٌ من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:
إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
فانتهره أبو عمرو وقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو، إن هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرخته. فقال المدني: قاتلك الله، ما أجهلك بكلام العرب! قال الله جل وعز في كتابه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ، و ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أدر ما حسابيه﴾ وتعيبه. فانكسر أبو عمرو انكسارا شديدا.
قال أبو هفان: وأنشد هذا الشعر عبد الملك بن مروان فقال: أحسنت يا بن قيس لولا أنك خنثت قوافيه! فقال: يا أمير المؤمنين، ما عدوت قول الله تعالى في كتابه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عني سلطانيه﴾ . فقال له عبد الملك: أنت في هذا أشعر منك في شعرك.
стр. 144
٩٢- مجلس أبي مسلم صاحب الدولة مع معاذ بن مسلم
حدثنا الحسن بن الحسن بن محمد الشيباني، عن محمد بن أنس قال:
دخل أبو مسلم عبد الرحمن صاحب الدولة، قبل أن يرتفع حاله، إلى معاذ بن مسلم الهراء النحوي، فسمع معاذا يناظر رجلا في النحو فقال لمعاذ: كيف تقول من ﴿تؤزهم أزاً﴾ يا فاعل افعل، وصلها بيا فاعل [افعل] من إذا الموءودة سئلت: فأجابه الرجل فسمع كلاما لم يعرفه، فقام من عندهم، وأنشأ يقول:
قد كان أخذهم في النحو يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروم
لما سمعت كلاما لست أعرفه ... كأنه زجل الغربان والبوم
تركت نحوهم والله يعصمني ... من التقحم في تلك الجراثيم
стр. 145
فأنشدوه الشعر فقال معاذ:
عالجتها أمرد حتى إذا ... شبت ولم تحكم أباجادها
سميت من يبصرها جاهلا ... يصدرها من بعد إيرادها
سهل منها كل مستصعبٍ ... طودٍ علا أقران أطوادها
стр. 146
٩٣- مجلس أبي عبيدة الأحمر عند الفضل بن الربيع
حدثني أحمد بن الحارث الخزاز قال: حدثني من حضر الفضل بن الربيع وعنده أبو عبيدة والأحمر، فسأله عن قول عمر: ((كدت أن ينشق مريطاؤك)) . فمد أبو عبيدة وهمزها، وقصرها الأحمر ولم يهمزها، فدخل الأصمعي فسئل فقال بقول أبي عبيدة، ورد عليه الأحمر، ولم يزل الأصمعي يحاجه حتى قهره.
стр. 147
٩٤- مجلس أبي حاتم مع عمارة بن عقيل
قال أبو حاتم: حدثني أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري قال: العوا مقصور مؤنث: اسم كوكب، لا يمد. فأنشدني عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير شعرا له فمد العوا، فرددته عليه ولم أقبله منه ولم أثق بعلمه في ذلك، وذاك أنه أنشدني شعرا فيه الأرياح، فقلت إنما هي الأرواح. فقال: أما ترى أن في المصحف: ﴿وتصريف الرياح﴾ فأخذ طريق القياس فأخطأ، فقلت: الشعراء كلهم يقولون الأرواح، وجدك منهم، وأنشدته:
إذا هب أرواح الشتاء الزعازع ...
وقلت له في الرياح: إنما قلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها في الراء، والأصل الرواح. فلم يفهم وقال: إنما الأرواح جمع الروح. فعلمت أنه ليس ممن يعتمد عليه في اللغة: وأنشدته قول الراعي:
ولم يسكنوها الجر حتى أظلها ... سحابٌ من العوا تثوب غيومها
ولم يقل: ((من العواء ثابت)) . وقال الحطيئة:
стр. 148
ولو بلغت عوا السماك قبيلةٌ ... لزادت عليها نهشلٌ وتعلت
وقال الفرزدق:
مناياهم حتى أعان عليهم ... من الدلو أو عوا السماك سجالها
وقال الراجز:
سقى الإله دارها فروى ... نجم الثريا بعد نجم العوا
стр. 149
٩٥- مجلس أبي حاتم مع الأصمعي
أخبرنا أبو بكر قال: حدثني أبو حاتم، قلت للأصمعي: يقال للرجل زوجٌ، وللمرأة زوجٌ، ومن أهل الحجاز من يقول زوجةٌ وفلانة زوجة فلان. ورأيت الأصمعي كأنه أنكره، فأنشدته قول ذي الرمة، وقد كان قرئ عليه شعر ذي الرمة فلم ينكره:
أذو زوجةٍ في المصر أم لخصومةٍ ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: ذو الرمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين، وقد قرأنا عليه قبل هذا لأفصح الناس فلم ينكره:
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والطامعون إلي ثم تصدعوا
وقال آخر:
من منزلي قد أخرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة
وإنما لج الأصمعي لأنه كان مولعا بأجود اللغات، ويرد ما ليس بالقوي. وذلك الوجه أجود الوجهين.
قلت: ومما حذفوا الهاء بغير قياس قولهم: ملحفةٌ جديد
стр. 150
وملحفةٌ خلق، وشاة سديس وسدسٍ من السن، وكتيبة خصيف وريحٌ خريق. ولا يقال في شيء جديدةٌ بثبتٍ ولا خلقةٌ، وإنما هي جديدٌ وخلق بغير هاء للمذكر والمؤنث، إلا أني سمعت في شعر لمزاحم العقيلي جديدة، ومزاحمٌ فصيح، قال:
تراها على طول القواء جديدةٌ ... وعهد المغاني بالحلول قديم
فقال الأصمعي: لا يكون جديدة، وإنما هو جديد، أو هو بيتٌ مزاحف كما قال الآخر:
لقد ساءني سعدٌ وصاحب سعدٍ ... وما طلباني بعدها بغرامه
نصفه فعولن.
стр. 151
٩٦- مجلس النضر بن شميل مع المأمون
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ:
دَخَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ وَعَلَيَّ إزارٌ مَرْقُوعٌ، فَقَالَ لِي: يَا نَضْرُ، مَا هَذَا التَّقَشُّفُ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَرُّ مَرْوَ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَأَنَا شيخٌ وَأُحِبُّ التَّرَوُّحَ بِهَذِهِ الْخُلْقَانِ. قَالَ: فَأَخَذَ بِنَا فِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: حَدَّثَنِي هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ ذَلِكَ سَدَادًا مِنْ عَوَزٍ)) . قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صَدَقَ هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ ذَلِكَ سِدَادًا مِنْ عَوَزٍ)) . قَالَ: فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: يَا نَضْرُ، كَيْفَ قُلْتَ سِدَادًا بِالْكَسْرِ وَلَمْ تَقُلْ سَدَادًا، مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، السَّدَادُ: الْقَصْدُ فِي الدِّينِ وَالسَّبِيلِ وَالطَّرِيقِ. وَالسِّدَادُ لِلثَّلْمَةِ. وَكُلُّ مَا سَدَّدْتَ فَهُوَ سِدَادٌ بِالْكَسْرِ.
قال: وفي العرب من يقول ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
стр. 152
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال: قبح الله اللحن. قلت: يا أمير المؤمنين، إنما لحن هشيم، وكان هشيم لحانا، فاتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ العلماء.
ثم قال لي: يا نضر، هل تروي من الشعر شيئا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فأنشدني أخلب بيتٍ قالته العرب. قلت: قول حمزة بن بيض في الحكم بن أبي العاص:
تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يوما فلم أقم
أي الوجوه انتجعت قلت لها ... وأي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحبا سرادقه ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أقسمت فيك مقتبلا ... فهات وادخل وأعطني سلمي
فقال: أحسن والله ما شاء! فأنشدني أقنع بيتٍ قالته العرب. قال: قلت: قول عروة حيث يقول:
أطلب ما يطلب الكريم من الرزق ... بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الدرة الصفي ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا
стр. 153
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنسٍ رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ... ومن لا يزال مغتربا
فقال: أحسن والله ما شاء! فأنشدني أنصف بيتٍ قالته العرب. قال: قلت: قول الراعي حيث يقول:
إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمزاحمٌ من خلفه وورائه
ومعده نصري وإن كان امرأ ... متباعدا في أرضه وسمائه
وأكون والي سره فأصونه ... حتى يكون علي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قربت مجحفها إلى جربائه
стр. 154
وإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعبا ركبت له على سيسائه
وإذا رأيت عليه بردا ناضرا ... لم تلفني متوسما لردائه
فقال: أحسن والله ما شاء! ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: ضيعةٌ بمرو الرود أتعيش منها وأتمززها.
قال: أفلا نفيدك مالا إلى مالك؟ قلت: إني إلى ذلك محتاج. فتناول الدواة والقرطاس ثم كتب شيئا لم أدر ما هو، وقال: يا نضر، كيف تقول من التراب إذا أمرت أن تترب كتابا؟ قلت: أتربه. قال: هو ماذا؟ قلت مترب. قال: فمن الطين؟ قلت: طنه. قال: هو ماذا؟ قلت: مطين. قال: فمن السحاة؟ قلت: اسحه. قال: وهو ماذا؟ قلت: مسحى ومسحو. قال: يا غلام، أترب واسح وطن. ثم قام فصلى العشاء الآخرة ثم قال لغلامٍ فوق رأسه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل بهذا الكتاب. فلما دخلنا عليه قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما قصتك؟ فحدثته الحديث ولم أكتمه شيئا، فقال: لحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا، كلا، إنما لحن هشيم، فأدى أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ العلماء.
فأمر لي من عنده بثلاثين ألف درهم، فخرجت بثمانين ألف درهم بكلمات استفادها.
стр. 155
٩٧- مجلس الأصمعي مع أبي عمرو الشيباني
قال أبو عبد الله اليزيدي: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثني سلمة قال:
حضر الأصمعي وأبو عمرو الشيباني عند أبي السمراء، فأنشد الأصمعي لمالك بن زغبة:
بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإبزاغ المخاض تبورها
ثم ضرب بيده إلى فروٍ كان بقربه، يوهم أن الشاعر أراد فروا، فقال أبو عمرو: أراد الفرو. فقال الأصمعي: ((هذه روايتكم)) ، يهزأ.
ومعنى البيت أن الضرب يصير لحومهم معلقة، أي يقطعه قطعا. فشبه اللحم بآذان الحمير.
ومثله ما أنشد الفراء عن المفضل:
بضربٍ يدير الهام عن سكناته ... وطعنٍ كتشهاق العفا هم بالنهق
والعفا في لغة طيء: ولد الحمار. وأنشد ابن الأعرابي عن المفضل ((العفا)) بالكسر. ومثله:
ضربا خراديل وطعنا وخزا ...
ومثله كثير.
стр. 156
٩٨- مجلس بشار بن برد مع خلاد بن المبارك
حدثنا أبو عبد الله حدثني أحمد بن يحيى قال: حدثت عن أحمد بن خلاد بن المبارك الباهلي قال: حدثني أبي قال: قلت لبشار: إني أراك في شعرك تهجر، فتأتي مرة بفن ومرة بفن. قال: مثل ماذا؟ قلت: مثل قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
ثم تقول:
ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجاتٍ ... وديكٌ حسن الصوت
فقال: يا أبا مخلد، الحال بيني وبينك قديمة، وأراك ليس تعرف مذهبي في هذا، هذه امرأة كانت لها عشر دجاجات وديك، وكنت لا آكل [بيض السوق، وإنما آكل] البيض المحصن، فأردت أن أمدحها بما تفهم، ولو أني مدحتها بمثل:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ...
стр. 157
وأخواتها لم تفهم ما أقول؛ ولم يقع منها موقعه، وإنما أنا كالبجر الزاخر يقذف بالعنبرة وبالدرة النفيسة، وربما قذف بالسمك الطافي، ولكن لا أضع كل شيء إلا في موضعه. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قولي:
أنفس الشوق ولا ينفسني ... وإذا قارعني الهم رجع
أصرع القرن إذا نازلته ... وإذا صارعني الحب صرع
أنا كالسيف إذا روعته ... لم يروعك وإن هز قطع
سيفي الحلم وفي منطقتي ... أسد الموت إذا الموت نقع
قال أحمد: فسمعت الأصمعي يقول: العجب له، أنه لا عشيرة له، ولا [له] مال بارع، وأعمى، ويقول مثل هذا.
стр. 158
٩٩- مجلس الشعبي مع عبد الملك بن مروان
حدثني أبو عبد الله بن عيسى بن شيخ ﵀ قال:
حدثني علي بن يحيى بإسناد قال: قال الشعبي:
دخلت على عبد الملك بن مروان فصادفته في سرار مع بعض من يقرب منه، فوقفت ساعة لا يرفع إلي طرفه، فقلت: يا أمير المؤمنين، عامر الشعبي. فقال: لم نأذن لك حتى عرفنا اسمك. فقلت: نقدةٌ والله من أمير المؤمنين.
فلما فرغ مما كان فيه وأقبل على الناس رأيت في المجلس رجلا ذا رواء وهيئة لم أعرفه، فقلت من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: الخلفاء تسأل ولا تسأل، هذا الأخطل الشاعر. قلت في نفسي: هذه أخرى.
قال: وخضنا في الحديث فمر له شيءٌ لم أعرفه فقلت: أكتبنيه يا أمير المؤمنين. فقال: الخلفاء تستكتب ولا تستكتب. فقلت: هذه ثالثة. وذهبت لأقوم، فأشار إلي بالقعود، فقعدت حتى خف من كان عنده، ثم دعا بالطعام فقدمت إليه المائدة، فرأيت عليها صحفة فيها مخ، وكذا كانت عادته أن يقدم إليه المخ قبل كل شيء. فقلت: هذا يا أمير المؤمنين كما قال الله جل وعز: ﴿وجفانٍ كَالْجَوَابِ وقدورٍ راسيات﴾ .
فقال: يا شعبي، مازحت من لم يمازحك. فقلت: هذه والله رابعة.
стр. 159
فلما فرغ من الطعام وقعد في مجلسه واندفعنا في الحديث وذهبت لأتكلم، فما ابتدأت بشيء من الحديث إلا استلبه مني فحدث الناس به، وربما زاد فيه على ما عندي؛ ولا أنشدته شعرا إلا فعل مثل ذلك. فغمني ذلك وانكسر بالي له، فما زلنا على ذلك بقية نهارنا.
فلما كان آخر وقتنا التفت إلي فقال: يا شعبي، قد والله تبينت الكراهة في وجهك لما فعلت، وتدري أي شيءٍ حملني على ذلك؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: لئلا تقول: لئن فازوا بالملك أولا لقد فزنا نحن بالعلم، فأردت أن أعرفك أنا فزنا بالملك وشاركناك فيما أنت فيه. ثم أمر لي بمال، فقمت من عنده وقد زللت أربع زلات.
стр. 160
١٠٠- مجلس الفضل بن يحيى بن خالد مع أبي يوسف والواقدي
عمر بن شبة قال: حدثنا العباس بن خالد البرمكي عن أبيه قال:
دخل الفضل بن يحيى على يحيى وعنده أبو يوسف، ومحمد بن عمر الواقدي، فسلم وهو قائم فلم يرد عليه يحيى السلام، فقال أبو يوسف: أصلح الله الوزير، الأمير الفضل واقفٌ. فقال: يا أبا يوسف، بقى حكيمٌ في طرسه: ((الكبر مغط على الجود والحلم، والتواضع مغط على الجهل والبخل)) ، فيا لها سيئة غطت على حسنتين، ويا لها حسنة غطت على سيئتين!
فالتفت أبو يوسف إلى الواقدي وقال: هكذا ينبغي أن يكون الوزراء!
стр. 161
١٠١- مجلس الفراء مع الكسائي
حدث أبو توبة بن دراج قال: سمعت الفراء يقول:
كنا بالرقة، وكان الناس قد كثروا على الكسائي فشغلوه عنا، فعملت له مسائل فيها محالٌ وفيها صواب، فأقبل يقول فيصيب ويغلط، لما شغله من الناس، فلما صار إلى منزله كتب إلى رقعة فأعاد إلي فيها ما سألته عنه، فقال فيها بالصواب كلها. وقال: كنت مشغولا بمن كان عندي؛ وقد ظننت أنك أردت ببعض مسائلك أن تتغفلني، وقد قيل:
ولا تبغ التغفل إن فيه ... تفرق ذات بين الأصفياء
ولا ينبغي لمثلك أن يفعل معي ذلك.
وفي الكتاب:
وسوف تلوم نفسك إن بقينا ... وتبلو الناس والإخوان بعدي
قال الفراء: فبلغ مني هذا القول كل مبلغ، وكأني فجرت به منه بحرا.
قال: قال الفراء: لم نر مثل الكسائي ولا نرى مثله أبدا. كنا نظن إذا سألناه عن التفسير أنه لا يجيب فيه الجواب الثاقب، فإذا سألنه عنه أقبل يرمينا بالشهبان.
стр. 162
قال أبو توبة: وأخبروني سعدون قال: قلت للكسائي: أي الرجلين أعلم بالنحو: الفراء أو الأحمر؟ فقال: الأحمر أحفظ، وهذا أعلم بما يخرج من رأسه.
стр. 163
١٠٢- مجلس عبد الله بن محمد [ابن] البواب مع الأسود
حدث أبو هفان قال: قال عبد الله بن محمد، ابن البواب:
كنت خليفة الفضل بن الربيع في حجبة الهادي، فأنا في داره ذات يومٍ إذ سمعته يقول لبعض خدمه: ينبغي أن تحفظ عني ما تؤديه إلى غيري، وتحفظ عن غيري ما تؤديه إلي، فرب رسولٍ لملكٍ قد غمه وشانه، وأوصل إليه الهموم بتحريف الرسالة وما لم يكن يحتسبه.
قال عبد الله بن محمد: فوالله ما أمسى الهادي من ذلك اليوم حتى وقع له ذلك بعينه، عزم في ذلك اليوم على الصبوح، فدخل على أمه الخيزران، فسألته أن يولي خاله الغطريف اليمن، فقال: أذكريني به قبل أن أشرب. فلما عزم على الشرب وجهت إليه منيرة تذكره، فقال لها: ارجعي فقولي لها: اختاري [له] : طلاق بنته عبيدة، أم ولاية اليمن. فلم تفهم إلا قوله: ((اختاري له)) . فمرت وعادت فقالت: قد اخترت اليمن. فطلق عبيدة بنته، فسمع الصياح، فقال: ما لكم؟ فأعلمته أمه الخيزران الخبر. قال: أنت اخترت له. فقال: ما هكذا أدت إلى الرسالة! فقال:
стр. 164
وإنا إليه راجعون، إني والله تقدمت اليوم في هذا الأمر خائفا منه أن يقع على مثل ما وقع، يأبى قضاء الله إلا أن يمضي ما قدره. ثم أمر صالحا صاحب المصلي أن يقف بالسيف على رءوس الندماء فيطلقوا نساءهم. فخرج إلى الخدم بذلك كي لا آذن لأحد، وعلى الباب رجلٌ واقف متلفعٌ بطيلسانه، يراوح بين رجليه على معرفة دابته، فعن لي بيت فأنشدته:
خليلي من سعدٍ ألما فسلما ... على مريم لا يبعد الله مريما
وقولا لها: هذا الفراق عزمته ... فهل موعدٌ قبل الفراق فيعلما
فقال الرجل المتلفع بطيلسانه: ((فنعلما)) أبقاك الله، فقلت له: ما الفرق بين فيعلما وفنعلما؟ فقال: إن الشعر يصلحه معناه، ويفسده معناه، ما حاجتنا إلى أن يعلم الناس أسرارنا؟ فقلت: أنا أعلم بالشعر منك. قال: فلمن الشعر؟ قلت للأسود بن عمارة النوفلي. قال: فأنا هو فدنوت منه وأخبرته خبر الهادي، واعتذرت من مراجعتي إياه. فضرب دابته وقال: هذا أحق منزلٍ بترك!
стр. 165
١٠٣- مجلس الكميت مع حماد والطرماح وغيرهما
قال ابن أنس: أخبرني شيخ من الحي من بني نصر بن قعين قال:
شهد الكميت الجمعة بمسجد الجامع، فأحاط به علماء أهل الكوفة ورواتهم، فيهم حماد والطرماح، فجعلوا يسألون، فكان لا يسأل عن حرف إلا كان كأنه ممثل بين عينيه، فقال: ألا ألقى عليكم بيتا؟ فقالوا: افعل يا أبا المستهل فألقى عليهم هذا البيت:
قذفوا صاحبهم في ورطةٍ ... قذفك المقلة وسط المعترك
فجعلوا ينظرون فيه، ونودي بالعصر ولم يصنعوا شيئا، فسألوه عنه فقال: إن المقلة الحصاة التي يقسم بها القوم ماءهم. قال: والمعنى قذفوا صاحبهم في ورطة شطر المعترك، قذفك المقلة.
قال ابن أنس: وقد ذكر هذه الحصاة الفرزدق في قوله:
وجاء بجلمودٍ له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على ساعةٍ لو أن في القوم حاتمٌ ... على جوده ضنت به نفس حاتم
стр. 166
١٠٤- مجلس أبي الحسن بن كيسان مع أبي العباس المبرد
حدثني أبو علي قال: حدثني أبو الحسن قال: كان أبو العباس محمد بن يزيد يذهب إلى أن أواخر الأسماء في البناء كأوائلها وأوساطها، وكان يقول: لما كان في أوائلها مثل برد وجذع وكعب، وكان في أواسطها مثل ما في أوائلها مثل كتف وحجر ورجل وفلس - كانت أواخرها كذلك، منها الساكن ومنها المتحرك، وإنما الإعراب عارضٌ فيها وداخلٌ في أبنيتها.
قال أبو الحسن: فسألته عن المبنيات: لم اختلفت أواخرها وهذا حكمها عندك؟ فقال: أما ما كان منها قبل آخره حركه فلا حاجة بنا إلى حركته، فوصله مثل الوقف عليه، لأن ذلك يمكن فيه نحو من وكم. وأما ما كان قبل آخره ساكن فإنه يحرك في الوصل لالتقاء الساكنين، فكان أولى الحركات به الفتح لخفته، إلا أنهم وجدوا الفتح والضم يكونان إعرابا بتنوين وبغير تنوين، ولم يجدوا الكسر إعرابا إلا بتنوين، فألزموا الكسر ما احتاجوا إلى حركته لالتقاء الساكنين، لهذه العلة التي لم تخرج فيها إلى شبه المعرب، فكان الكسر فيما منعت الضرورة من إقراره على السكون كالوقف في المبنيات، وذلك نحو قولك: هؤلاء، وأمس يا فتى. فإن جاءك شيءٌ مفتوحٌ مما يجب فيه الكسر فهناك علة نقل معها الكسر، وكان في الحكم أن يكون هو المستعمل فيما احتيج إلى حركته، وذلك نحو: أين، وثم، ومن الرجل، كرهوا الكسر مع الياء والضم والكسرة، فعدلوا إلى الفتح في هذه الحروف.
وما جاء محركا على غير هذين الوجهين فإنما الحركة فيه معارضةٌ للإعراب وليست من باب ما ابتدئ على البناء وذلك أن يكون الشيء
стр. 167
يضارع المبنى من حال والمعرب من أخرى، فيحرك حركة لازمة فيصير كالمبني للزوم الحركة إياه، ويصير كالمعرب لأن الحركة داخلته وليست بمضطرٍ إليها، وذلك نحو قولك ضرب، وكل فعل ماض، ومع يا فتى؛ لأنك تقول جاءا معا يا فتى، ويا حكم ابدأ بهذا أول ومن عل. فما حكم هذا أن يكون ساكنا، بل يجب أن يكون بحركةٍ للدرج.
قال أبو الحسن: أيكون بأي حركةٍ شئت أو يكون بحركة معلومة؟ فقال: بابه أن يكون بالفتح لخفة الفتح، ولا يكسر لئلا يشبه ما حرك للضرورة، وبابه أن يكون مفتوحا حتى تقع علة تزيله عن الفتح. فمما فتح: مع، وفعل، وخمسة عشر. وما أزيل عن الفتح فبابه أن يزال إلى الضم كما أزيل الكسر إلى الفتح، وذلك: من قبل، وابدأ بهذا أول، ويا حكم. وذلك أن قولك من قبل ومن بعد ومن عل، وجئتك من قبل ومن بعد ومن عل، وجئتك قبل وبعد، وجئتك أول، إنما هو في موضع نصب أو خفض، فكرهوا أن يبنوها على الفتح فيشبه حركة ما عدلوها عنه، لأن الفتح بغير تنوين يكون جامعة للخفض والنصب، فبنوها على الضم لعدلها عن هذين الوجهين، ليخرجوها عن حد إعرابها البتة. وكذلك يا حكم في موضع أطلب حكما. فهذا كان مذهب أبي العباس، وهو مشاكل لمذهب سيبويه، وهم واضحٌ بين.
ثم سألته عن العلة التي توجب البناء فقال: الأسماء هي المتمكنة الأول، والأفعال وحروف المعاني لها تبع، وإنما وقع لها النقص في الإعراب –يعني ما لا ينصرف- والبناء، لمضارعتها في حال الأفعال وفي حال حروف المعاني. فكل اسم خرج من جملة الأسماء، التي وضعت للتمكن في التسمية والتمكن في الإعراب، إلى مضارعة الفعل، وجب أن تحمل تلك المضارعة على الفعل في نقص الإعراب عن جملة
стр. 168
الأسماء. وكل ما ضارع حروف المعاني من الأسماء أخرج من جملتها في باب استحقاق الإعراب إلى البناء. فأصل كل شيء مبني أن يضارع حروف المعاني.
وسألته: ما بال من وكم وما أشبه ذلك من حروف الاستفهام؟ فقال: لما وضعت للاستفهام ضمنت معنى الألف وهل، فاستحقت البناء بهذه المضارعة، وكذلك هي في الجزاء مضارعة لإن. ألا ترى أنك إذا قلت من لقيك أزيد أم عمرو، فقد تضمنت من معنى الاسمين والألف وأم.
فكنا نقول له في هذا: فأنت تقول: أيهما أتاك، بهذا المعنى، فتعرب أيا. فقال: إنما أعربت أي لمضارعتها لبعض، وأنها على معناها.
قلنا: قد تضمنت معنى الألف وأم، والذي فيها من الخصوص كالذي في من من العموم. فكان يذهب إلى أن الإضافة بمنزلة التنوين، وأن التنوين يوجب الإعراب.
فقلنا له: فما بال ((من)) لم تعرب في الخبر؟ فقال: لأنها لم تكمل اسما إلا بصلة. قلنا: فما فيها من المضارعة لحرف المعنى. قال: لما لم تخص قليلا من كثير ولا كثيرا من قليل، ولا واحدا من تثنية، ولا مذكرا من مؤنث، كانت كحرف المعنى الذي هو معلق بغيره.
قلنا: فأحدٌ، إذا قلت ما جاءني أحدٌ، كمن في الإبهام، وأنه يقع للواحد والاثنين، والقليل والكثير من الجمع، والمؤنث والمذكر. قال: ليس هو محتاجا إلى الصلة، وإنما وقع العموم فيه من غيره؛ وذلك لأن الجحد يجوز فيه العموم ولا يجوز في الخبر على الخصوص.
стр. 169
قلنا: فلم لم يضارع حروف المعاني؟ قال: لأنه لم يكتف به منها، ألا ترى أن حرف الجحد لازم له، وكذلك الحروف التي هي موجبة، كقولك: ما أتاني أحدٌ، وإن أتاك أحد فأكرمه، وهل من أحد؟ فجرى مجرى هل من رجل. وإن كان لا يقع إلا مع هذه الحروف فإنه كسائر الأسماء المتمكنة التي تقع موقعه في النفي وغير الإيجاب.
فهذا من مذهبه حسن.
وسألته عن هذا وهؤلاء، فزعم أنه موضوع موضع تنبه وانظر، فقال: هو مضارع لهذا الفعل المبني الذي ليس بمعرب، وذلك الفعل عنده إنما بني لأنه مضارع للزجر الذي هو حرف معنى كصه ومه.
وسألته عن حذام فقال: كان المؤنث جملة لا ينصرف في المعرفة، وحذام معدول في باب المعرفة، كعمر عن عامر في باب المعرفة، فلما عدل عمر عن اسم مصروف لم يصرف، ولما عدلت حذام عن اسم لا ينصرف لم يكن بعده إلا البناء. قال: فقلت له: هذا ترك ما شرطته في باب البناء أنه مضارع لحروف المعاني دون غيرها، فأي شيء يضارع به حذام حروف المعاني؟ فتغلغل في هذا إلى أن قال: فعال تعدل في أربعة أوجه: في باب الأمر والنهي، وفي النداء، والمصدر، وفي الاسم العلم، وهي في ذلك كله اسم معرفة مؤنث وبعضه مضارع لبعض. فالذي في باب الأمر مضارعٌ لمه وصه، وما ضارع المضارع جرى مجراه. يريد أن دراك بمعنى أدرك، كأنه مصروف عن الإدراك، موضوعٌ موضع الفعل المبني، وهي في باب النداء وباب المصدر وباب التسمية مضارعةٌ لهذا الباب، لأنها في هذا الموضع عدلٌ كما أن ذاك عدل، فقد ضارعت حروف المعاني لمضارعتها ما ضارعه.
стр. 170
وسألته عن خمسة عشر قال: إنما وجب فيه البناء لأن معناه خمسة وعشرة، فلما ضما وأسقطت الواو تضمن جمعهما معنى الحرف، يعني الواو، فضارعا حروف المعاني بما تضمنا من معنى الواو. ويلحق بهذا ما كان مثله فيجعله إذا أمكنه فيه، هذا على هذا محمول، وإذا لم يمكنه جعله مضارعا لهذا الذي يتضمن معنى الحرف، يعني الواو. وأما قبل وبعد وما أشبه ذلك فقد احتج له بمثل قول سيبويه: أجروه مجرى الزجر كحوب. وهذا قد ذكره سيبويه. ويحمل قبل وبعد لأنها ليست بمستمكنة على مثل من وإلى، لأن كل واحدة مقتضيةٌ لصاحبتها؛ فكأن قبل ابتداء غاية لبعد، وبعد انتهاء غاية لقبل، ففيها ما في من وإلى من الابتداء والانقطاع. فإذا أردنا من باب تمكنهما في الإضافة التي وضعتا عليه خرجتا إلى شبه حروف المعاني، كخروج الأسماء في باب النداء إلى مضارعة الأصوات. والأصوات عندهم كغاق وطق مضارعةٌ للحروف، لأنها حكيت حكاية جرت فيها كالزجر، لأن الزجر إنما وضعتها حروف معان ليعلم ما تريد بها، ومخرجها مخرج صوت، وحكاية الصوت كإخراج الزجر منك للمزجور، وإنما هو صوت ونداء، وهي مضارعة لحروف المعاني من هذه الجهة. وكذلك حروف الهجاء إذا قطعت، والعدد إذا تكلم به من غير عطفٍ حكمة حكم الصوت المكرر.
وقد كان ربما قال: البناء بغير هذا المعنى. وهذا الذي كان يعتمد عليه.
وأما مذهب سيبويه فإنه لم يخص بالبناء شيئا من شيء. وقال: هو
стр. 171
للأسماء التي ليست بمتمكنة وللأفعال غير المضارعة، وللحروف التي لم تجيء إلا لمعنى ليس [غير] . ولم يجعل شيئا من هذه أصلا لغيره.
قال أبو الحسن: والذي أذهب إليه أن البناء إنما هو الأصل الذي يعم المعرب وغيره، وأن المعرب مخرج منه، فخرج عنه إلى الإعراب الأسماء المتمكنة، لحاجتهم إلى إعرابها للمعاني التي صرفوها فيها. وضارعتها الأفعال فأدنيت منها ولم تلحق بها، وقصرت عنها. وتباعدت الحروف التي للمعاني فلزمت الأصل الذي بنيت عليه.
стр. 172
١٠٥- مجلس أبي يوسف يعقوب بن الدقاق مع أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي
حدثني عن أبي يوسف يعقوب بن الدقاق قال: أرسلني أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي إلى أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي أسأله عن هذين البيتين:
عجبت لهذه بعثت بعيري ... وأقبل كلبنا فرحا يجول
يحاذر شرها جملي، وكلبي ... يرجى نفعها ماذا تقول
فسألته فقال: هذه أمةٌ صوتت بالكلب على تصويت السنانير فجاء الكلب فرحا يظن أنها ستطعمه شيئا، وثار البعير يظن أن الصوت به ليحمل عليه.
ثم قال لي: قل له ما تقول في هذا البيت:
لقد أهدت حبابة بنت جل ... لأهل جلاجل حبلا طويلا
فقلت له: فسره لي يأبا عبد الله. فقال لي: سله قبلا ثم ارجع إلي. قال: فرجعت إليه فأعلمته ما كان منه من الجواب فقال: صدق أبو
стр. 173
عبد الله، وسألته عن البيت فلم يعرفه، فرجعت إلى أبي عبد الله فأعلمته ذلك، وفسره لي فقال:
هذه امرأة كانت عظيمة العجيزة، فكانت تقف في نساء الحي وتأخذ حبلا فتديره على عجيزتها، فإذا التقى طرفاه رمت به إليهن وقالت: أيتكن تفعل مثل هذا؟
стр. 174
١٠٦- مجلس أبي حاتم مع رجل من أهل العلم بحضرة الأصمعي
حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال:
كنت في حلقة الأصمعي، فجاءه رجلٌ كالمتعنت، فقال له: ما معنى قول هدبة:
وعند سعيدٍ غير أن لم أبح به ... ذكرتك إن الأمر يعرض للأمر
قال: فرأيت الأصمعي كالمتوقف، وخفت ألا يجيب، وكان الأصمعي يفسر لنا شيئا من الغريب، فاعترضت فقلت: يا هذا شغلت شيخنا عن جوابنا بما لا يجدي علينا. قال: فاكفه أنت الجواب. فاغتنمتها فقلت: نعم، كان سعيدٌ حسن الثغر، فلما دخل عليه وحاوره رأى ثغره فذكرها، فلم يبح بالسبب الذي ذكرها من أجله.
فانصرف الرجل وسكت الأصمعي. فكان بعد ذلك يصغي إلي ويرتضي جوابي، ويسمع ما أقوله في المجلس وغيره.
стр. 175
١٠٧- مجلس يحيى بن الحارث الذماري مع يزيد بن أبي مالك
حدثني قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان قال: حدثنا محمد بن المصفى قال: حدثنا ابن شابور عن يحيى بن الحارث الذماري قال: اختلفت أنا ويزيد بن أبي مالك في ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطئاً كبيراً﴾ . فقلت أنا: خطأ، وقال هو: خطئا، فقمنا إلى عبد الله بن عامر اليحصبي، وكان إماما في القراءة، وكان على المسجد، وكان لا يرى فيه بدعة إلا غيرها، فسألناه فقال: خطأ كبيرا.
قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا شابور قال: حدثنا يحيى بن الحارث الذماري قال: اختلفت أنا ويزيد بن أبي مالك في: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطئاً كبيراً، فقلت أنا: خطأ وقال يزيد بن أبي مالك: خطئا، فقمنا إلى عبد الله بن عامر –قال محمد: وكان إماما في القراءة- فسألناه عن ذلك فقال: خطأ كبيرا.
أما الرواية عن عمرو بن عثمان عن شابور فهو خطأ، وإنما هو محمد بن شابور وقد جاء في حديثه: قال محمد –وهو محمد بن شابور-
стр. 176
وقد جاء في ذلك رواية محمد بن المصفى الأولى قال: حدثنا ابن شابور وهو محمد، وإنما سقط من رواية عمرو بن عثمان الابن، لأن شابور هو محمد بن شابور. فاعلم ذلك.
وأما الرواية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطْأً﴾ بفتح الخاء والطاء مع الهمز بغير مد، فكذلك رواها عبد الله بن ذكوان والوليد بن عتبة جميعا عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر.
стр. 177
١٠٨- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع رجل من مضر
حدثنا الغلابي قال: حدثنا إبراهيم بن عمر قال: حدثنا أبو عبيدة قال:
فاخر مضري يمانيا فعلاه اليماني، فقال أبو عمرو للمضري: قل له: لنا النبوة والخلافة، والكعبة، والسدانة والسقاية، واللواء، والرفادة، والندوة والشورى، والهجرة وفتوح الآفاق؛ وبنا سميت الأنصار أنصارا، ومنا أول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الحوض، وأول شافع ومشفع، وأول من يدخل الجنة، وسيد ولد آدم، وأكرم الناس أما وأبا، وأخا وأختا، وجدة وجدا، وعما وعمة، وخالة وخالا. ومنا الأسباط، ولنا الملوك وفينا الأنبياء. فمن عز منكم فنحن أعززناه، ومن ذل منكم فنحن أذللناه.
قال: فعجب الناس من كلامه حتى كأنه يقرؤه من كتاب.
стр. 178
١٠٩- مجلس سليمان بن علي مع أبي عمرو بن العلاء
حدثنا القاسم بن إسماعيل قال: حدثني المازني، والتوجي والزيادي، عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: دخلت على سليمان بن على فسألني عن شيء فصدقته فلم يعجبه، فخرجت متعجبا من كساد الصدق عندهم ونفاق الكذب عليهم. قال: وكان أبو عمرو ينشد بعقب هذا الحديث:
أنفت من الذل عند الملوك ... وإن كرموني وإن قربوا
إذا ما صدقهم خفتهم ... ويرضون مني بأن يكذبوا
قال: وكنا نرى أن الشعر من قول أبي عمرو، وكان أبو عمرو من الورع بمكان.
حدثني المغيرة بن محمد، والقاسم بن إسماعيل، قالا: حدثنا التوجي عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عمرو يقول في علته التي مات
стр. 179
فيها: والله ما كذبت فيما رويته حرفا قط ولا زدت فيه شيئا إلا بيتا في شعر الأعشى، فإني زدته فقلت:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فحدثني القاسم بن إسماعيل بن محمد، عن التوجي عن أبي عبيدة قال: فاعتقدت أن بشارا أعلم الناس بالشعر وألفاظ العرب، قال لي وقد أنشدت أول هذه القصيدة للأعشى فمر هذا البيت: ((وأنكرتني)) فقال لي: كأن هذا ليس من لفظ الأعشى.
وكان قوله هذا قبل أن أسمع هذا من قول أبي عمرو بعشرين سنة. وقوله:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ...
يقال أنكرت الرجل، إذا كنت من معرفته في شك. ونكرته، إذا لم تعرفه. قال الله جل وعز: ﴿نكرهم وأوجس منهم خيفةً﴾ .
قال معمر: نكرته وأنكرته بمعنى. قال أبو قيس:
أنكرته حين توسمته ... والحرب غولٌ ذات أوجاع
стр. 180
١١٠- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع أبي حنيفة
حدثنا عبد الله بن سليمان عن عمر بن شبة، عن يزيد بن خلادٍ الأرقط، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه سمع أبا حنيفة يبطل القود إلا ما كان قتلا بحديد، فقال له أبو عمرو: أرأيت إن ضربه بكذا، أرأيت إن ضربه بكذا؟ قال: لو ضربه بأبو قبيس لم يكن عليه قود. فقال أبو عمرو: هذا كلامٌ شنع. قال: وما الشنع؟ قال: ولا تعرف الشنع أيضا؟!
وحدثنا عمر بن عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا المازني قال: لما سمع أبو عمرو أبا حنيفة يتكلم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه فقال: إنه لخطابٌ لو ساعده صواب! ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى لسانك من جميع الناس.
وحدثني أحمد بن سنان قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: قول أبي حنيفة مثل خيط السحارة، يجيء أخضر، ثم تمده فيجيء أصفر، ثم تمده فيجيء أحمر.
следующие страницы →