Полный текст (265 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقد جاء في ذلك رواية محمد بن المصفى الأولى قال: حدثنا ابن شابور وهو محمد، وإنما سقط من رواية عمرو بن عثمان الابن، لأن شابور هو محمد بن شابور. فاعلم ذلك.
وأما الرواية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطْأً﴾ بفتح الخاء والطاء مع الهمز بغير مد، فكذلك رواها عبد الله بن ذكوان والوليد بن عتبة جميعا عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر.
стр. 177
١٠٨- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع رجل من مضر
حدثنا الغلابي قال: حدثنا إبراهيم بن عمر قال: حدثنا أبو عبيدة قال:
فاخر مضري يمانيا فعلاه اليماني، فقال أبو عمرو للمضري: قل له: لنا النبوة والخلافة، والكعبة، والسدانة والسقاية، واللواء، والرفادة، والندوة والشورى، والهجرة وفتوح الآفاق؛ وبنا سميت الأنصار أنصارا، ومنا أول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الحوض، وأول شافع ومشفع، وأول من يدخل الجنة، وسيد ولد آدم، وأكرم الناس أما وأبا، وأخا وأختا، وجدة وجدا، وعما وعمة، وخالة وخالا. ومنا الأسباط، ولنا الملوك وفينا الأنبياء. فمن عز منكم فنحن أعززناه، ومن ذل منكم فنحن أذللناه.
قال: فعجب الناس من كلامه حتى كأنه يقرؤه من كتاب.
стр. 178
١٠٩- مجلس سليمان بن علي مع أبي عمرو بن العلاء
حدثنا القاسم بن إسماعيل قال: حدثني المازني، والتوجي والزيادي، عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: دخلت على سليمان بن على فسألني عن شيء فصدقته فلم يعجبه، فخرجت متعجبا من كساد الصدق عندهم ونفاق الكذب عليهم. قال: وكان أبو عمرو ينشد بعقب هذا الحديث:
أنفت من الذل عند الملوك ... وإن كرموني وإن قربوا
إذا ما صدقهم خفتهم ... ويرضون مني بأن يكذبوا
قال: وكنا نرى أن الشعر من قول أبي عمرو، وكان أبو عمرو من الورع بمكان.
حدثني المغيرة بن محمد، والقاسم بن إسماعيل، قالا: حدثنا التوجي عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عمرو يقول في علته التي مات
стр. 179
فيها: والله ما كذبت فيما رويته حرفا قط ولا زدت فيه شيئا إلا بيتا في شعر الأعشى، فإني زدته فقلت:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فحدثني القاسم بن إسماعيل بن محمد، عن التوجي عن أبي عبيدة قال: فاعتقدت أن بشارا أعلم الناس بالشعر وألفاظ العرب، قال لي وقد أنشدت أول هذه القصيدة للأعشى فمر هذا البيت: ((وأنكرتني)) فقال لي: كأن هذا ليس من لفظ الأعشى.
وكان قوله هذا قبل أن أسمع هذا من قول أبي عمرو بعشرين سنة. وقوله:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ...
يقال أنكرت الرجل، إذا كنت من معرفته في شك. ونكرته، إذا لم تعرفه. قال الله جل وعز: ﴿نكرهم وأوجس منهم خيفةً﴾ .
قال معمر: نكرته وأنكرته بمعنى. قال أبو قيس:
أنكرته حين توسمته ... والحرب غولٌ ذات أوجاع
стр. 180
١١٠- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع أبي حنيفة
حدثنا عبد الله بن سليمان عن عمر بن شبة، عن يزيد بن خلادٍ الأرقط، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه سمع أبا حنيفة يبطل القود إلا ما كان قتلا بحديد، فقال له أبو عمرو: أرأيت إن ضربه بكذا، أرأيت إن ضربه بكذا؟ قال: لو ضربه بأبو قبيس لم يكن عليه قود. فقال أبو عمرو: هذا كلامٌ شنع. قال: وما الشنع؟ قال: ولا تعرف الشنع أيضا؟!
وحدثنا عمر بن عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا المازني قال: لما سمع أبو عمرو أبا حنيفة يتكلم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه فقال: إنه لخطابٌ لو ساعده صواب! ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى لسانك من جميع الناس.
وحدثني أحمد بن سنان قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: قول أبي حنيفة مثل خيط السحارة، يجيء أخضر، ثم تمده فيجيء أصفر، ثم تمده فيجيء أحمر.
стр. 181
١١١- مجلس أبي عمرو مع الأعمش
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ الأَعْمَشِ وَعِنْدَهُ أَبُو عَمْرٍو، فَحَدَّثَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ)) ، ثُمَّ قَالَ الأَعْمَشُ: أَيْ يَتَعَاهَدُنَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو: إِنْ يَتَعَاهَدُنَا فَيَتَخَوَّنُنَا إِذًا، فَأَمَّا يَتَخَوَّلُنَا فَيَسْتَصْلِحُنَا. فَقَالَ لَهُ الأَعْمَشُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو: لَئِنْ شِئْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لأُعَلِّمَنَّكَ السَّاعَةَ أَنَّ اللَّهَ مَا عَلَّمَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا تَدَّعِيهِ شَيْئًا إِلا حَدِيثَكَ فَعَلْتَ.
стр. 182
١١٢- مجلس الأعرابي والأعجمي بحضرة أبي عبد الله
اختصم رجلان أعجمي وأعرابي على باب أبي عبد الله، فقال العجمي للعربي: أنا أفضل منك، وفضلي عليك بينٌ في كتاب الله جل وعز. فقال العربي: أين هذا؟ فقال العجمي: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ. فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مؤمنين﴾ ، وقد نزل عليكم فآمنا به نحن. فسكت العربي ودخل العجمي إلى أبي عبد الله فقال له: يا فلان، فيم كنتم؟ قال: كنا في كذا وكذا. قال: خصمته. ثم قال أفلا أزيدك؟ قال: بلى، جعلت فداك. قال: إن الله يقول: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء﴾ يعني العرب، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بها بكافرين﴾ ، يعني العجم. ثم سكت ساعة وقال: ألا أزيدك؟ قلت: بلى جعلت فداك. قال: فإن الله يقول: ﴿وإن تتولوا﴾ يا معشر العرب ﴿يستبدل قوماً غيركم﴾ يعني العجم ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ .
ثم قال أبو عبد الله: لا يزال الدين ذليلا ما عزت العرب.
стр. 183
١١٣- مجلس بلال بن أبي بردة مع عبد الله بن أبي إسحاق بحضرة أبو عمرو
حدثنا محمد بن الرياشي قال: حدثنا أبي عن الأصمعي قال: لاقى بلال بن أبي بردة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي في حرف من القرآن، قال بلال: ﴿بملكنا﴾ ، وقال ابن أبي إسحاق: (بملكنا) ، فتراضيا بأبي عمرو، فوجه بلالٌ إليه فسأل أبو عمرو عما أراده له فعرف، فدخل وقد عرف قول بلال، فسأله بلالٌ فأجازهما وفضل قول بلال، فقال له ابن أبي إسحاق: أما قرأنا على مجاهد: ((بملكنا)) ؟ فقال له أبو عمرو: أخبرت بما عندي. فوصله بلال، فلما خرج قال لعبد الله بن أبي إسحاق: والله لو أخطأ الملوك لصوبنا خطأهم فكيف إذا أصابوا! إن منازعة الملوك تضغنهم. وكان أبو عمرو رجل زمانه علما ونبلا وصدق لهجة، غير معتدٍ به ولا متبجح عليه.
حدثنا أحمد بن محمد الأسدي وابن الرياشي عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يحسن علوماً إذا أحسن إنسانٌ فنا منها قال: من مثلي! ولا يعتد أبو عمرو بذلك، وما سمعته يتمدح قط، إلا أن إنسانا لاحاه مرة فقال له: والله يا هذا ما رأيت أحدا قط أعلم بأشعار العرب ولغاتها مني، فإن رضيت ما قلت لك وإلا فأوجدني عمن تروي.
стр. 184
قال الأصمعي: ولو قلت: في الشعر واللغة هذا ما خفت إثما.
حدثنا الأسدي عن الرياشي عن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو عن ثمانية آلاف مسألة مما أحصيت عددها من أشعار العرب ولغاتها غير ما لم أحص، فكأنه قي قلوب العرب.
وحدثنا محمد بن يزيد قال:
كان عيسى بن عمر، ويونس، يرويان عن أبي عمرو بن العلاء. وقال أبو عمرو: ما ناظرني أحدٌ إلا غلبته وقطعته، إلا ابن أبي إسحاق، فإنه ناظرني في مجلس بلال بن أبي بردة في الهمز فقطعني، فجعلت إقبالي على الهمز حتى ما كنت دونه.
стр. 185
١١٤- مجلس مروان بن سعيد مع الكسائي بحضرة يونس
قال أبو العباس: أخبرني المازني أن مروان بن سعيد بن عباد بن عباد بن [حبيب بن] المهلب بن أبي صفرة سأل الكسائي بحضرة يونس: أي شيءٍ تشبه أي من الكلام؟ فقال: ما، ومن. فقال: كيف تقول: لأضربن من في الدار؟ قال: [لأضربن من في الدار قال: فكيف تقول: لأركبن ما تركب. قال: لأركبن ما تركب. قال: فكيف تقول] : ضربت من في الدار؟ [قال: ضربت من في الدار] قال: فكيف تقول: ركبت ما ركبت؟ قال: ركبت ما ركبت. قال: فكيف تقول: لأضربن أيهم في الدار؟ قال: لأضربن أيهم في الدار.
قال: فكيف تقول: ضربت أيهم في الدار؟ قال: لا يجوز.
قال: لم؟ قال: أي هكذا خلقت!
قال: فغضب يونس وقال: تؤذون جليسنا، ومؤدب ولد أمير المؤمنين!
стр. 186
١١٥- مجلس أبي حاتم مع رجل معتوه
حدثني بعض إخواني قال: حدثني أحمد بن محمد بن رستم الطبري قال:
جاء رجلٌ معتوه إلى مجلس أبي حاتم فوقف يسمع كلام أبي حاتم، فقال له رجل: يا أبا حاتم لم نصبوا مالا ينصرف من الأسماء في موضع الجر؟ فقال: شبهوه بالفعل، والفعل لا يدخله الجر. فقال المعتوه: يا أبا حاتم، القياس على ما يرى أسهل أم على ما يسمع؟ فقال أبو حاتم: على ما يرى أسهل. قال المعتوه: ما يشبه هذا؟ وأخرج يده وقد ضم بين أنامله، فقال أبو حاتم: لا أدري. قال: فأنت لا تحسن أن تشبه هذا الذي تراه بشيءٍ فكيف تشبه ما لا ترى بما لا ترى؟ وأخرج يده الأخرى مضمومة الأنامل كما فعله بالأخرى وقال: يا غليظ الفطنة بعيد الذهن، هذا يشبه هذا. فخجل أبو حاتم وبقى أصحابه متعجبين. فقال أبو حاتم: لا تعجبون من هذا، أخبرني الأصمعي أن معتوها جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو، لم سميت الخيل خيلا؟ فبقى أبو عمرو ليس عنده فيه جواب. فقال: لا أدري. فقال: لكني أدري. فقال: علمنا نعلم. قال: لاختيالها في المشي. فقال أبو عمرو لأصحابه بعد ما ولى المجنون: اكتبوا الحكمة وارووها ولو عن معتوه.
стр. 187
١١٦- مجلس يونس مع عبد الله بن أبي إسحاق
حدثنا محمد بن الحسن البلعي قال حدثنا أبو حاتم سهل بن محمد قال: حدثنا أبو عبيدة عن يونس قال:
مضيت إلى عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي فقلت له: كيف تقرأ: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ؟ فقال: فإذا برق البصر، وفتح الراء. فقمت من عنده إلى أبي عمرو فقال: من أين بك؟ قلت: من عند عبد الله بن [أبي] إسحاق الحضرمي، سألته كيف تقرأ: فإذا برق البصر فقال: فإذا برق البصر بفتح الراء. فقال أبو عمرو: وأين يراد به، يقال برقت السماء وبرق النبت وبرقت الأرض فأما البصر فبرق، كذا سمعنا.
ومثله ما حدثنا محمد بن أبي سعيد عن ابن الرومي قال: بلغني عن الخليل بن أحمد وهارون أنهما اجتمعا فقال أحدهما: برق البصر وقال الآخر: برق، فطلع عليهما أعرابي من بني فزارة فسألاه فقال: لا أقول شيئا مما قلتما ولكني أقول: بلق البصر. وقد سمعتها باليمن من غير واحد، يعني فتح البصر. يقولون: بلق الباب، إذا فتح، وقرأ أبو السمال العدوي: فإذا بلق البصر باللام بدلا من الراء. وروي عن يعقوب أن
стр. 188
بعضهم قرأ: ﴿فانفلق فكان كل فلقٍ﴾ باللام إتباعا لقوله: فانفلق.
وقد تبدل العرب اللام من الراء في كثير من كلامهم فيقولون: متاعٌ رثيد ولثيد، وقد رثدتت ولثدته، أي نضدته. ويقال ردم ثوبه ولدمه، أي رقعه. واعرنكس الشيء واعلنكس، إذا تراكب وكثر. وهدل الحمام وهدر هديلا وهديرا. ويقال للظلمة طرمساء وطلمساء. ويقال للدرع نثره ونثلة ويقال جلمه وجرمه، إذا قطعه، ويقال سهم أملط وأمرط، إذا لم يكن عليه ريش. وقد تملط وتمرط، وكذلك كل ذي شعر أو صوف من الدواب، وكذلك أشباهه في كلامهم.
стр. 189
١١٧- مجلس الخليل بن أحمد مع الليث بن المظفر
قال الليث بن المظفر: سألت الخليل عن العشرة فقلت: إذا قلنا خمسة قلنا خمسين، وإذا قلنا سبعة قلنا سبعين، وإذا قلنا عشرة قلنا عشرين، لم كسرت العين من عشرين ولم تكسر السين من سبعين والخاء من خمسين؟ فقال: لأن العشرين مأخوذ من العشر لا من العشرة. قال: فقلت له: أليس العشر ظمء تسعةٍ وفي العاشر ترد الماء. فإن كان الأمر كما قلت فالعشر تسعة أيام والعشر الثاني تسعة أيام فذلك ثمانية عشر يوما وليس هذا بعشرتين. فقال: أخذت هذا من قول الله : ﴿الحج أشهرٌ معلوماتٌ﴾ .
ثم قال: كم أشهر الحج؟ فقلت: شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة. فقال: قد سمى الله جل وعز شهرين وعشرة أيام أشهرا. وقال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لامرأته: قد طلقتك تطليقتين وثلاثا طلقت ثلاثاً، من ها هنا قلت إن العشرين هي من عشر وعشر.
واختلف النحويون في ذلك، ونحن نبين الأقاويل فيه إن شاء الله.
قال لي أبو بكر محمد بن منصور: العشرون تثنية عشرة، وكسروا أولها كما كسروا أول اثنين، وجعلوه مجموعا بالواو والنون ليكون على منهاج ما بعده. وإنما صلحت عشرون ونحوها للمذكر والمؤنث لأنهم جعلوها اسما لعدد بعينه، ثم جئت بالمعدود بعد.
стр. 190
فإن قيل: فما بالهم قالوا ثلاثمائة وما أشبه ذلك، فميزوه بالواحد، وقالوا ثلاثة آلاف ونحوها فميزوه بالجمع؟ قيل: ثلاثمائة وما أشبه ذلك من جنسها مضارعةٌ لعشرين وثلاثين، لأنك تجيء بتعشيرها على غير لفظ ما تقدم، فتقول ألفٌ كما تقول في تعشير عشرين وثلاثين، فلما اشتبها جعل تمييزها بالواحد، ولم يكن هذا في ثلاثة آلاف، لأنك تقول في تعشيرها عشرة آلاف، كما تقول: عشرة أثواب. فهذا الفصل بينهما.
وقال غيره من النحويين: أهل الحجاز يقولون: إحدى عشرة، وتميم تسكن الشين فتقول إحدى عشرة، وقد قرئ بهما. فلما قالوا عشرين كسروا العين من عشرين لأنهم يقولون في المؤنث عشرة وعشرة، فجعلوا عشرين فيها علامة للشيئين: الكسرة للتأنيث، والواو والنون للتذكير، وهذا قياس وفطنة.
ومثل ذلك قيل للفراء لحسن نظره: ما تقول في رجلٍ سها في الصلاة ثم سجد سجدتي السهو فسها؟ فقال: لا يجب عليه شيء. قيل له: وكيف ذلك ومن أين قلت؟ قال: أخذته من كتاب التصغير؛ لأن الاسم إذا صغر لا يصغر مرة أخرى.
وكان صالح بن إسحاق الجرمي يدل بمعرفته في العربية، فقال أبو جعفر: [سمعت الجرمي يقول] : أنا مذ ثلاثون سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه. فحدث بهذا محمد بن يزيد، وكان المحدث له ابن شقير على سبيل التعجب والإنكار، فقال المبرد: أنا سمعت الجرمي يقول هذا. وذاك أن أبا عمر كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الدين والحديث، إذ كان ذلك يتعلم منه النظر والتفتيش.
стр. 191
وكان أبو عمر يوما في مجلسه وبحضرته جماعةٌ من الفقهاء، فقال لهم: سلوني عما شئتم من الفقه؛ فإني أجيبكم على قياس النحو. فقالوا له: ما تقول في رجل سها في الصلاة فسجد سجدتي السهو فسها؟ فقال: لا شيء عليه. قالوا له: من أين قلت ذلك؟ قال: أخذته من باب الترخيم، لأن المرخم لا يرخم.
стр. 192
١١٨- مجلس الخليل بن أحمد مع عبد الملك بن قريب الأصمعي
حدثني أبو جعفر محمد بن رستم الطبري قال: حدثني أبو حاتم السجستاني قال: سمعت الأخفش يقول: سمعت الأصمعي يقول: دخلت على الخليل لأستفيد منه شيئا، فقال لي: يا كيس ما الفرق بين الخفض والجر؟ ففكرت وأبطأت، فقال لي: ما صنعت؟ فقلت له: الخفض عندي الشيء دون الشيء، كاليد إذا جعلتها تحت الرجل. والجر أن تميل الشيء إلى الشيء وتقيم شيئا مقام شيء، كقولك: هذا غلام زيد، فزيد أقمته مقام التنوين.
وسئل الخليل عن الرفع لم جعل للفاعل؟ فقال: الرفع أول حركة، والفاعل أول متحرك، فجعلوا أول حركة لأول متحرك.
стр. 193
١١٩- مجلس الكسائي مع يونس وابن أبي عيينة
حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا أبي، وحدثنا محمد بن يزيد النحوي، عن التوجي قالا:
لما دخل الكسائي البصرة أول دخلةٍ جلس في حلقة يونس ينتظر خروجه، فسأله ابن أبي عيينة عن ((أولق)) ينصرف أو لا ينصرف. فقال: أولق أفعل لا ينصرف. قال ابن أبي عيينة: خطأ والله! وخرج يونس فسئل عن أولق، فقال: هو فوعل وليس بأفعل؛ لأن الهمزة فاء الفعل، لأنك تقول رجل مألوق فتثبت الهمزة. وكذلك أرنبٌ ينصرف لأنه فعللٌ، لأنك تقول أرض مؤرنبة فتثبت الهمزة. والمألوق: المجنون.
стр. 194
١٢٠- مجلس الكسائي مع أبي محمد اليزيدي بحضرة الرشيد
حدثنا أبو إسحاق الطلحي قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب عن أبيه قال:
سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد وقال: انظروا، في هذا الشعر عيب؟ وأنشده:
ما رأينا خربا نقر ... عنه البيض صقر
لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر
فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر. فقال اليزيدي انظر جيدا. فقال: أقوى؛ لا بد أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان.
قال: فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنما ابتدأ فقال: المهر مهر، فقال له يحيى بن خالد: أتتكنى بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك! والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحب إلينا من صوابك مع فعلك. فقال: لذة الغلب أنستني من هذا ما أحسن.
стр. 195
١٢١- مجلس الكسائي مع أبي يوسف
حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن آدم العبدي قال: حدثنا الأحمر النحوي قال:
دخل أبو يوسف الفقيه على الرشيد وعنده الكسائي يحدثه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد سعد بك هذا الكوفي وشغلك. فقال الرشيد: النحو يستفرغني، أستدل به على القرآن والشعر. فقال الكسائي: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمره بجوابي في مسالةٍ من الفقه. فضحك الرشيد فقال: أبلغت إلى هذا يا كسائي، يا أبا يوسف أجبه. فقال: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالقٌ إن دخلت الدار؟ فقال: فقال أبو يوسف: إن دخلت فقد طلقت. فقال الكسائي: خطأ، إذا فتحت أن فقد وجب الأمر، وإذا كسرت فإنه لم يقع بعد.
فنظر أبو يوسف بعد ذلك في النحو.
стр. 196
١٢٢- مجلس العباس بن محمد والخليل بن أحمد
حدثنا أحمد بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: قال الفراء: قلت لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي يوما: تعجبت مما ألطف الخليل فيه وكيف انتزعته قريحته على غير إمام متقدمٌ، وقد تذاكرنا العروض. فقال الكسائي: مات والله الفهم يوم مات الخليل، لو رأيته لم يعظم في عينك بشرٌ بعده. ثم قال: والله ما تمثلت في صدري جلالة أدبٍ من وجهٍ ولا علمٍ إلا وجدت ذلك فرعا من أصلٍ اغترسه، أو سببا من بابٍ افتتحه، وما رأيت أحدا اعترضه بابٌ من علم فأخال به ثقة يعتمد عليه، أو مثال حسن يستمد منه إلا والخليل صاحب قصته.
قال الفراء: فعلمت بما دار من حكايته أنه يشير على غير صناعة الشعر. فقلت: وما تذكر من حسنه؟ فقال: حضرت مجلسا والخليل فيه ويونس بن حبيب النحوي، فتذاكروا الشعر، فتكلم يونس في تقديم زهير وتقريظه حتى أغرق في وصفه، وذكر الخليل النابغة الذبياني، فقال العباس بن محمد وكان المجلس له وللخليل: وما تذكر من حسنه؟ قال: النابغة كان أعذب على أفواه الملوك وأوقع بقلوبهم، وأنظم لمعاني الكلم من زهير.
стр. 197
أخبرني شيخ من باهلة كنت أثق بعلمه قال: قدم نابعة بني ذبيان على النعمان بن المنذر، فاستأذن الحاجب فقال له: الملك على شرابه. فقال النابغة: لله أبوك، [هذا حين مرادي] وما كل وقت تتسع لي الفرصات، ولي حاجةٌ قضاؤها معقودٌ بشكرك. فقال له الحاجب: إن في شكرك أبا أمامة لرغبة، وإن في دون ما سألت ما لرهبة التعدي، فهل من سبب أو حيلة. قال: من عنده؟ قال: خالد بن جعفر بن كلاب. قال: فأين أنت عن خالد بما أقول لك؟ قال: وما هو؟ قال: ترتصد لي خالدا، فإذا هو نهض فأقره مني السلام، وقل له: إن من قدرك وفاء الدرك بك، وناحيتي من الشكر ما قد علمت، وحاجتي ملاطفة الأسباب عند الملك حتى تحرك به ذكرا يسهل معه الاستئذان. فقال له: أفعل. ثم دخل فلم يزل ينتهز الفرصة في خالدٍ حتى إذا نهض عارضه، فقال له: ليهنك أبا البسام حادث نعمة. قال له خالد: هنأك الله عيشك، كل ما نحن فيه فبالملك تجديده! فأبلغه مقالة النابغة فقال: ائذنه بالطاعة، وقل له ينتظر المراجعة. ثم عاد إلى مجلسه فقال:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
ثم قال: أيها الملك، كأني أرى أملاك ذي رعين وفائش قد مدت لهم قصبات المجد في حلبةٍ أنت –أبيت اللعن- قلادتها، فجئت سابقا متمهلا، وجاءوا محسرين ولم يحمد لهم سعى. فقال له النعمان: أنت في وصفك أبلغ من النابغة في نظمه. فقال له خالد: ما يبلغ
стр. 198
النابغة من وصفك دركا إلا فاته قدرك شرفا، ولوددت أن النابغة حاضرٌ حتى يقول ونقول. فرفع النعمان رأسه إلى الحاجب وقال: علي بالنابغة حيث كان. فخرج الحاجب فقال: ادخل يا أبا أمامة فقد رفع الحجاب. فدخل وسلم عليه وحياه بتحية الملوك وجلس وهو يقول: ((أيها الملك، أيفاخرك صاحب غسان فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولشمالك أجود من يمينه، ولأمك خيرٌ من أبيه، ولغدك أسعد من يومه)) . فضحك النعمان ثم قال لخالد: من يلومني على حب النابغة، ألك حاجة؟ قال: نعم. فقضى حوائجه بأسرها وأحسن جائزته، وانصرف داعيا له.
стр. 199
١٢٣- مجلس أبي عمرو مع الأعرابي
حدثني أحمد بن عمرو بن محمد بن جعفر بن سعيد الحنفي قال: حدثني أبي عمرو بن محمد قال: حدثنا الأصمعي قال: سأل أعرابي أبا عمرو بن العلاء فقال: ما هذا؟ وأومأ بكفه ففرج ما بين أصابعه. فقال: أبو عمرو: صفرة، الفاء ساكنة. ثم ضم أصابعه بعض الضم فقال له: ما هذه؟ فقال: لقمة. ثم زاد ضمها حتى كاد يلصقها فقال: ما هذه؟ فقال: قطره. ثم أشار إلى راحته وأصابعه فقال: ما هذه؟ قال سفةٌ. فقال الأعرابي [للقوم] : خذوا عنه فإنه دابة منكرة.
وحدثني غيره قال: يقال لما بين الإبهام والسبابة: الفتر، ولما بين السبابة والوسطى: العتب، ولما بين الوسطى والبنصر: الرتب، ولما بين الخنصر والبنصر: البصم.
стр. 200
١٢٤- مجلس الكسائي مع عيسى بن عمر الثقفي
حدثني عمر بن علي بن الهيثم بن عثمان النوري المقرئ بطرسوس قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن جبير صاحب الكسائي قال:
انحدر الكسائي البصرة فسأل عن عيسى بن عمر الثقفي، فقيل: هو عليل. فاستأذن فدخل، فألقى تحته وسادة وقال: أنت الكسائي؟ فقال له: نعم. فقال له: كيف تقرأ هذا الحرف: ﴿أرسله معنا غداً﴾ ماذا؟ قال: ﴿يرتع ويلعب﴾ ؟ فقال له عيسى بن عمر: لم لم تقرأها يرتعي ويلعب، فتثبت الياء أو تشير إليها؟ فقال له الكسائي: إنما هي من رتعت لا من رعيت. فقال له عيسى بن عمر: صدقت يا أبا الحسن.
стр. 201
١٢٥- مجلس الكسائي مع أبي الدينار الأعرابي
وحدثني قال: حدثني أحمد قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي بن حماد الرازي قال: سمعت محمد بن إدريس الدنداني يقول: سمعت نصيرا يقول:
أصبح الكسائي يوما محزونا كئيباً فقلنا له: ما قصتك؟ قال: أصحبت وقيذاَ ساهراً بآية قرأنها. قلنا: ما هي؟ قال: إن قرأت: ((والليل إذا يسري)) ، خالفت أصحاب محمد؛ لأن عثمان ﵁ جمع أصحاب رسول الله ﷺ على ما في هذا المصحف. وإن أنا قرأت ((يسر)) بلا ياء فقد نقصت، فما أدري ما أصنع. قال: فأتاه أعرابي يكنى أبا الدينار، وكانت له عنده وظيفة، فقال له الكسائي: يا أبا الدينار، أتقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ بعلم. قال له: اقرأ: والفجر، فابتدأ يقرأ: ﴿وَالْفَجْرِ، وليالٍ عشرٍ. والليل إذا يسر﴾ قال: فسري عن الكسائي ما كان فيه من الغم.
فقال الفراء وقد عجب مما رأى به: وما ترجو بسماعك منه؟ فقال له الكسائي: أنت لا تدري، هؤلاء ينونون في قول الشعر، فإن كانت نصبا نونوها منصوبا، وإن كانت رفعا نونوها رفعا، وإن كانت خفضا نونوها. فلما كانت والفجر آية نونوها، وليال عشر نونوها، والليل إذا يسر نونوها أيضا.
قال: فقال له الكسائي: يا أبا الدينار، لك عندي وظيفتك ومثلها معها.
стр. 202
١٢٦- مجلس الكسائي مع حمزة الزيات
حدثني أحمد بن جعفر قال: حدثني محمد بن فرج الغساني قال:
سمعت أبا عمر يقول: سمعت الكسائي يقول: حداني على النظر في النحو أني كنت أقرأ على حمزة الزيات، فتمر بي الحجة ولا أتجه لها، ولا أدري ما الجواب فيها، فأرجع إلى المختصر الذي عمله أهل الكوفة، وكان يسمى هذا المختصر ((الفصل)) فلا أتبين فيه حجة. وكانت قبائل العرب متصلة بالكوفة، فخرجت وأهلي لا يعلمون بخروجي، وذاك أني خفت أن أستأمر أبي فلا يأذن لي في الخروج، لما كان يغلظ علي في لزوم الدكان، فلما صرت إلى ظاهر الكوفة ولقيت القبائل جعلت أسألهم فيخبروني مشافهة وينشدوني الأشعار، فأنظر إلى ما في يدي وإلى ما أسمعه منهم فأجد الحجة تلزم ما عندي، فما زلت أكتب عنهم حتى نفدت نفقتي وشحب وجهي وجلدي، فصرت كأني رجلٌ منهم، فاشتريت شملتين، فاتزرت بواحدة وارتديت بأخرى، ولبثت كذلك ما شاء الله ثم رجعت إلى الكوفة، فلما دخلتها لم تطب نفسي أن آتي منزلنا حتى أمر بمسجد حمزة الزيات، فمررت بهم وهم يقرءون القرآن، فلما دخلت المسجد
стр. 203
لم يعرفني أحدٌ منهم البتة، لسوادي وخلوقة ثيابي، فسلمت وجلست في ناحيةٍ من المسجد، فسمعت بعضهم يقول [لبعض: هذا حائك. فقال بعضهم] : إن كان حائكاً فسوف يقرأ سورة يوسف. فما زلت ساكتا لا أكلمهم ولا أنضم إليهم، ثم قمت فأتيت القارئ الذي يعرض على حمزة فجلست عنده قريبا منه، فلما فرغ من قراءته جلست باركا بين يدي حمزة، ثم ابتدأت فقرأت سورة يوسف، فلما بلغت الذيب قال لي حمزة: ((الذئب)) بالهمز، فقلت له: إنه يهمز ولا يهمز أيضا. فلم يقل لي شيئا، فلما فرغت من السورة قال لي حمزة: بارك الله عليك، إني أشتبه قراءتك بقراءة فتى كان يأتينا يقال له علي بن حمزة. قال: فقمت عند ذلك وسلمت عليه وصافحته، فقال لي: يا علي، إنه تغيرت حليتك في عيني حتى لم أثبتك، فما كان حالك ويحك؟ إن أهلك لما فقدوك أقاموا عليك النوائح، أين كنت؟
قلت: خرجت إلى البادية في أشياء استفدتها من العرب.
قال: ثم قمت من عنده إلى منزلنا.
стр. 204
١٢٧- مجلس الكسائي مع يحيى بن زياد الفراء
حدثني أحمد بن جعفر قال: حدثني أبو جعفر الغساني قال: سمعت سلمة بن عاصم قال: سمعت يحيى بن زياد الفراء يقول:
كان للكوفيين كتاب يقال له: ((الفيصل)) بمنزلة مختصر الكسائي، وكنت أحفظ له من الكسائي، فدخلت إلى مدينة السلام فسألت عنه وذلك في خلافة المهدي، وكان الكسائي معه في حالٍ رفيعة، فقيل لي: إنه يقعد في كل ثلاثاء، فأتيته في مسجده الذي يقعد فيه للناس، فرأيت عنده غلاما أشقر أول ما بقل وجهه، يسأله ويكتب ما يمله عليه في ألواحٍ معه، وجئت معي بشاهدين يشهدان على خطائه، فسألته عن مسألة فأجابني بخلاف ما معي، فأوميت إلى اللذين معي: أن اشهدا. ثم سألته عن أخرى فأجابني بخلاف ما معي، ففطن فقال لي: سألتني عن كيت وكيت، والجواب فيه ما أخبرتك به، أفتريد أن أجيبك بما يقول أهل الكوفة فيه وهو خطأ؟ فقلت له: من أين قلت إنه خطأ؟ قال: لأن الله جل وعز قال كذا وكذا في كتابه، وهو خلافه، وقال كذا وكذا.
قال الفراء: فرميت بما كان معي واستأنفت عنه التعليم. فهو أنبت على رءوسنا الشعر.
وحدثني موسى بن عبيد الله عن ابن أبي سعد قال:
стр. 205
حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال: سمعت والله الفراء يحيى يقول: مدحني رجلٌ من النحويين فقال لي: ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في العلم. قال: فأعجبتني نفسي. قال: فناظرته وسايلته، فكأني كنت طائرا يغرف من بحر.
стр. 206
١٢٨- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع هارون
حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن عمر عن أبي نصر علي بن نصر قال:
قدم أبو عمرو من الشام فأتاه الناس يسألونه، فكان فيمن سأله يومئذ هارون، فقال له: يا أبا عمرو: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لحومها ولا دماءها﴾ ولكن ماذا؟ قال: ﴿ولكن يناله التقوى﴾ . قال: يقول هارون: فإن ابن يعمر كان يقرأ ((تناله)) . فقال: ألا تراه يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ﴾ .
قال علي: فقلت: هذا يرد على هارون وعلي ابن يعمر، متى أصل أنا إليه؟ فاتبعته فمرت دابةٌ تروث، فقال أبو عمرو: كل دابةٍ تحبق.
стр. 207
١٢٩- مجلس الوليد بن عبد الملك وسليمان أخيه
حدثني محمد بن يزيد قال: حدثني أحد العلماء بالشعر والمتقدمين فيه أن ابني عبد الملك: الوليد وسليمان اختلفا في امرئ القيس والنابغة، فقدم الوليد النابغة، وقدم سليمان امرأ القيس، فذكر ذلك لعبد الملك فبعث إلى أعرابي فصيح فذكر ذلك له فقال: إني لا أقدم الرجال على أسمائها، ولكن أنشدوني لهما وقاربوا بين المعنيين. فقال الوليد: صاحبي الذي يقول:
وصدرٍ أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
فقال: ما ينبغي أن يكون في الدنيا أشعر من صاحبك! فقال سليمان: لا تعجل حتى تسمع، صاحبي الذي يقول:
وليلٍ كموج البحر مرخٍ سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
قال: حسبك، صاحبك أشعر منك. قال: فاسمع ما بعده. فقال: لا أحتاج.
стр. 208
تمت المجالس بحمد الله ومنه، والصلاة على نبيه محمد وآله وصبحه وسلم إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم وقفت من هذا الكتاب على نسخة وعارضت مجالسها بمجالس نسخة أبي مسلم، فوجدت في نسخة أبي مسلم مجالس كثيرة لم تكن في هذه النسخة، وكان في هذه النسخة عدة مجالس لم تتضمنها نسخة أبي مسلم فألحقتها بها في هذا الموضع، وهي هذه:
стр. 209
١٣٠- مجلس أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي مع الأصمعي
كتبت من خط محمد بن داود الجراح، حدثني أبو الليث الحارث بن علي قال:
سمعت ابن الأعرابي يقول: لو كان عند الأصمعي شيءٌ مما أحتاج إليه ما تركته وأنا أكتب مما هو دونه. لقد حضرته يوما في منزل سعيد بن سلم، وهو ينشد قول العجاج:
من إن تبدلت بآدٍ آدا ... لم يكن يناد فأمسى انآدا
فقد أراني أصل القعادا ...
فسئل عن القعاد فقال: النساء. فقلت: القعاد: جماعٌ للنساء، وجماعٌ للرجال؟! قواعد إذا. فانقطع. ولو احتج بقول القطامي لكان مثبتا لقوله، ولكنه لم يفهم. قال:
أبصارهن إلى الشبان مائلةٌ ... وقد أراهن عنى غير صداد
стр. 210
١٣١- مجلس أبي العباس أحمد بن يحيى مع محمد بن أحمد بن كيسان
حدثني غير واحدٍ أن محمد بن كيسان سأل أبا العباس عن قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده﴾ وقوله: ﴿أو لم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رتقاً ففتقناهما﴾ قال أبو العباس: بدءوا الجمع باثنين ثم أشركوا بينه وبين واحد من بعده؛ فإنهم يدعون الجميع الأول ولا يلتفتون إليه، وذلك أن الواحد يلي الفعل فيجعلون لفظ فعل شريكه لفظ فعل الواحد، فيجعلون تقدير لفظ عدد الفعل على تقدير لفظ عدد الفردين المشترك بينهما احتياجا وغير احتياج، كقوله في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أحدٍ من بعده﴾ ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ والأرض كانتا رقتاً ففتقناهما﴾ . وقال رؤبة:
فيها خطوطٌ من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
стр. 211
فقلت له: ألا تقول: ((كأنها)) فتحمله على الخطوط، أو ((كأنهما)) فتحمله على السواد والبلق. فغضب وقال: كأن ذاك بها توليع البهق، فذهب إلى المعنى والموضع. فكذلك ذهبوا بذلك إلى السماء. فأما قوله: ((كأنه)) فإن السواد والبلق هو التوليع، فكأنه قال: كأن هذا التوليع توليع البهق، وأما السماء والأرض فالعرب تكتفي بالواحد من الجميع. فإن شئت رددته على المعنى، وإن شئت على اللفظ. وأما قوله: ((كأن ذاك)) فإن ذاك لا يكنى به إلا عن جملة. وكان هشام وأصحاب الكسائي إذا اتفق الفعل والاسم كنيا بذاك، وإذا لم يتفق الاسم والفعل لم يفعلوا، فيقولون: ظننت ذاك، ولا يقولون: كأن ذاك ولا إن ذاك، والفراء يجيزه كله، لأنه كناية عن الاسم والفعل، فيقولون: إن ذاك وكأن ذاك. وقال: مثل ذلك قوله:
لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا
فشرك بين عصم وعمايتين ويذبل.
ومما مثل ذلك مما أشركوا الاثنين بواحد وجعلوا لفظ عدد تقدير الفعل على تقدير لفظ فعل الفردين المشرك بينهما قوله في قول من يجعل اللفظ للمضاف إليه: لو أن عصم عمايتين ويذبل، وعمايتان اثنان ويذبل الثالث، فجعل تقدير لفظ فعلهم المشرك بينهما، أما هذا فإن عمايتين
стр. 212
موضع، ويذبل موضع، فخبر عنهما كأنه قال: فإنك عصم هذين الموضعين لو سمعا حديثك أنزلا الأوعال منها. وقوله:
تذكرت بشرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره
فجعل السماكين واحدا.
وفيه تفسيران آخران: إن شئت قلت: بل حمله على الموضع والمعنى، فردوه إلى واحده وإلى موضعه ومعناه، فردوا السموات إلى السماء، وعمايتين إلى عماية.
قال أبو العباس: ولو قال السماكين نجم فرده على معنى نجم كان أصلح. وقوله ((أيهما)) خفيف، يريد أيهما فخفف، يريد تذكرت السماكين وهذا الرجل أيهما أصابني الغيث من قبله. وأما قوله: رد عمايتين على عماية فهو على الموضع أجود، والسموات إلى السماء فهذا جائز؛ لأنه يقول السماء بمعنى السموات والأرض بمعنى الأرضين. وقال: هو كما رد قوله:
تبسم عن مختلفاتٍ ثعل ... أكس لا عذبٍ ولا برتل
عنى الأسنان ثم رده على الفم إلى موضعها، ولو قال الأسنان من الفم فرده على الفم لأنه بعضه، وقال مثل قوله:
[فماحت به غر الثنايا مفلجا ... وسما جلا عنه الطلال موشما
стр. 213
ذهب إلى الفم. وغر الثنايا، هو الفم غير ثناياه. فهو خلف، ليس أنه ترك الثنايا ورجع إلى الفم. وقوله] :
هم منعوني إذ زيادٌ كأنما ... يرى بي أخلاء بقاعٍ موضعا
ذهب به إلى الخلا وهو واحدها، والخلا يكفي من الأخلاء، ولا حاجة به أن يرجع إلى غيره.
وإن شئت في التفسير الثاني، كما يجعلون لفظ الواحد في موضع الجميع وفي معناه، كقوله في القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لكم﴾ فالذين في موضع واحد، والذين قالوا ذلك هم الناس، وإنما يجوز هذا في الجميع الذي واحده يكفي منه، ولفظه لفظ الواحد، فأخرجوا الفعل على لفظه، كقوله:
ألا إن جيراني العشية رائح ...
فرد رائح على الجيران وهم جمع، لأن مثل لفظه يكون واحدا. وقال، في القرآن: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لعبرةً نسقيكم مما في بطونه﴾ فرد إلى النعم؛ لأنه يكفى من الأنعام. وقال:
أمن آل وسنى آخر الليل زائر ... ووادي العوير دونها والسواجر
стр. 214
فجاءت بكافورٍ وعود ألوةٍ ... شآميةٍ شبت عليها المجامر
فقلت لها فيئي فإن صحابتي ... سلاحي وحدباء الذراعين ضامر
ترك زائرا ورجع إليها، وهذا لم يترك زائراً ويرجع إليها، وإنما ذكر الخيال ثم خاطب المرأة لأنه خيالها، فالخيال هو هي.
стр. 215
١٣٢- مجلس محمد بن زياد الأعرابي مع أحمد بن حاتم
وجدت بخط أبي نصر أحمد بن حاتم قال: اجتمعت أنا ومحمد بن زياد الأعرابي فسألته عن قول طفيل الغنوي:
تتابعن حتى لم يكن لي ريبةٌ ... ولم يك عما خبروا متعقب
فقلت له: ما معنى متعقب؟ فقال: تكذيب. فقلت له: أخطأت. وقولي له ((أخطأت)) بعدما سفه علي. ثم قلت له: إنما قوله ((متعقب)) : أن تسال عن الخبر ثانيةً بعد ما سألت عنه أول مرة. يقال تعقبت الخبر، إذا سألت عنه غير من كنت سألته عنه أول مرة. ومنه يقال: عقبت في الغزو، إذا غزوت ثم ثنيت من سنتك.
وقوله: ((تتابعن)) يعني الأخبار. وقال في مثله طفيل:
وأطنابه أرسان جردٍ كأنها ... صدور القنا من بادئٍ ومعقب
فأراد أن أطناب البيت أرسان الخيل. وجرد: قصار الشعر. وقوله ((كأنها صدور القنا)) : في طولها، وأراد كأنها القنا. والعرب تفعل هذا، كقولك: جاء فلان على صدر راحلته، وإنما يريد على راحلته. وقوله: ((من بادئٍ ومعقب)) ، يريد من فرس بادئٍ غزا أول مرة، ومعقب ثانية. ومنه يقال: صلى فلانٌ أول الليل ثم عقب، يريد صلى ثانية.
следующие страницы →