← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بالسند قبل استدلال المعلل فهو غصب، وقد قدمنا أن الغصب وظيفة غير مقبولة عند أهل هذا الفن، خلافًا لمن أجازه من أهل هذا الفن، كركن الدين أبي حامد محمد بن محمد العميدي السمرقندي الحنفي (١)، وهو أول من ميز هذا الفن عن غيره من العلوم، وجعله فنًا مستقلًا على الكيفية التي يتناقلها أهله (٢)، وهو يجيز الغصب المذكور، هو ومن تبعه، وأكثر أهل هذا الفن على أنه وظيفة غير مقبولة، وهو الصواب؛ لأن ارتكاب الغصب يصيّر السائل في منزلة المعلل، كعكسه، وهذا لا ينبغي في المناظرة. وقد يقول صاحب السنَد إنه ليس من الغصب؛ لأنه ليس بدليل مركب تام. ويجاب بأنه دليل على المنع، وإن حُذف بعض مقدماته، فلو قلتَ مثلًا: لا يجوز أن يكون كذا، فكأنك قلت: العقل يجوّز خلاف الدعوى، وكل دعوى يجوّز العقل خلافها فليست بصحيحة إلا احتمالًا، واحتمال الصحة لا يستلزم الصحة، فمنعها بطلب الدليل عليها واضح. أما إن أقام المعلل الدليل على إحدى مقدمتي دليله، أو عليهما، فمنَعهما منعًا مقرونًا بالسند الذي هو دليل المنع، فهو مقبول جائز. وإذا عرفت أن منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل قد يكون مجردًا عن السند كما مثلنا، وقد يكون مقرونًا بالسند جوازًا اتفاقًا مع

стр. 212

إقامة صاحبها الدليل عليها، وقد يكون بدون إقامته الدليل عند من يجيز ذلك، فاعلم أن السند في اصطلاح أهل هذا الفن هو ما يذكره السامع معتقدًا أنه يستلزم نقيض الدعوى التي يوجِّه إليها المنع. وإيضاح ذلك أنه هو المستند الذي يستند إليه المانع في إبطال الدعوى الممنوعة، ويسمى "المستنَد"، وربما قيل له: "الشاهد". واعلم أن السند المذكور قد تختلف تقسيماته باختلاف الاعتبارات، فينقسم بالنظر إلى صورته التي يورد عليها إلى ثلاثة أقسام: الأول: السند اللمي، ويسمى "الجوازي". والثاني: السند القطعي. والثالث: السند الحَلِّي، بالحاء المهملة المفتوحة ثم تشديد اللام بعدها ياء النسب. أما اللمي فهو منسوب إلى لفظ "لِمَ"، المركبةِ من لام الجر، و"ما" الاستفهامية المحذوف ألفها، على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك في الخلاصة: و(ما) في الاستفهام إن جُرّتْ حُذفْ ... أَلفُها وأَوْلِها الها إن تقفْ (١) وإنما نسب هذا النوع من السند إلى "لِمَ" لأنها تذكر فيه، وضابط

стр. 213

هذا النوع من السند أن المانع يمنع مقدمة من دليل المعلل مثلًا، ويستند في ذاك المنع إلى أن العقل يجيز أن يكون الأمر على خلاف ما ذكره المعلل، وإذا كان العقل يجيز خلافه فلا يتعيّن هو مع تجويز خلافه؛ لأن تطرق ذلك الاحتمال سند في عدم نهوض ذلك الاستدلال، ولهذا كان اللمي يسمى الجوازي لما ذكرنا. ومن أمثلته أن يقول المعلل صاحب التصديق: ذلك الشبح إنسان، ثم يقيم الدليل على هذا التصديق فيقول: لأنه ناطق، وكل ناطق إنسان، ينتج من الشكل الأول: هو -أي الشبح المذكور- إنسان، وهذا هو عين التصديق المدعى الذي أقيم عليه الدليل. فيمنع السائل صغرى هذا القياس الاقتراني التي هي: هو -أي الشبح المذكور- ناطق، ويقرن هذا المنع بالسند اللمي المقتضي جوازَ كون ذلك الشبح غيرَ ناطق فيقول: لا نسلم أن ذلك الشبح ناطق، وهذا هو معنى منعه صغرى الدليل، ثم يأتي بالسند اللمي فيقول مثلًا: لم لا يكون حجرًا، أو يقول: لم لا يجوز أن يكون غير ضاحك، أو: لم لا يجوز أن يكون غير ناطق، وتجويز كونه حجرًا سند لكونه غير ناطق، وكذلك تجويز كونه غير ضاحك سند لكونه غير ناطق، وكونه غيرَ ناطق واضح أنه سند لمنع كونه ناطقًا كما ترى. ومن أمثلته أن يقول المعلِّل صاحبُ التصديق: هذا الإنسان وارث لهذا الإنسان قطعًا، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه ابنُه، وكل ابن وارث لأبيه، ينتج من الشكل الأول: هذا الابن [وارث] (١)

стр. 214

لأبيه، وهو عين التصديق المدعَى الذي أقيم عليه الدليل، وهو كون هذا الإنسان الذي هو الابن وارثًا لهذا الإنسان الذي هو الأب. فيقول السائل أمنع كبرى دليلك هذا، وهي قولك: وكل ابن وارثٌ لأبيه، وهذا هو المنع، ويقرن هذا المنعَ بالسند اللمي المقتضي جواز كون ذلك الابن لا يرث ذلك الأب، فيقول مثلًا: لم لا يجوز أن يكون الابن كافرًا، أو: لم لا يجوز أن يكون عبدًا، أو: لما لا يجوز أن يكون الأب كافرًا، أو: لم لا يجوز أن يكون الأب عبدًا، وهكذا. وأما النوع الثاني وهو السند القطعي فضابطه أن يكون السند المقرونُ بالمنع فيه التصريحُ القاطع من صاحب المنع المقترنِ بالسند، بما ينافي دعوى المعلل التي أقام عليها الدليل، من غير تعرض منه إلى بيان منشأ الغلط في الدعوى الممنوعة، قائلًا: إن السند المذكور قد قطع العقل بصحته. ومثاله أن يقول المعلل صاحب التصديق: ذلك الشبح ليس بإنسان، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه حجر، ولا شيء من الحجر بإنسان، ينتج من الشكل الأول: ذلك الشبح ليس بإنسان، وهو عين التصديق الذي أقيم عليه الدليل. فيقول السائل: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه أي الشبح المذكور حجر، ويقرن هذا المنع بالسند القطعي فيقول: كيف يكون الشبح المذكور حجرًا وهو ناطق، فقطعه بأنه ناطق ينافي دعوى المعلل التي أقام عليها الدليل، وهي كون الشبح المذكور ليس بإنسان، وذلك يمنعه صغرى الدليل منعًا مقرونًا بالسند القطعي.

стр. 215

ومن أمثلته أن يقول المعلل الحنفي صاحب التصديق: صوم رمضان يصح بنية قبل الزوال، ثم يقيم الدليل على هذا التصديق فيقول: لأنه تكفي فيه النية قبل الزوال، وكل صوم تكفي فيه النية قبل الزوال فهو صحيح. فيقول السائل الشافعي أو المالكي أو الحنبلي: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك؛ لأنه تكفي فيه النية قبل الزوال، ثم يقرن منع هذه الصغرى بالسند القطعي فيقول: كيف تكفي فيه النية قبل الزوال وقد وقع الشروع فيه أولًا فاسدًا؛ لتجرده عن النية، و"الأعمال بالنيات" (١)، "ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (٢). واعلم أن قصدنا دائمًا بالأمثلة التي اختلف فيها الأئمة مطلقُ المثال لفهم القاعدة، وليس قصدُنا مناقشةَ أدلة أقوالهم، وترجيحَ الراجح منها بالدليل. والشأن لا يُعترض المثالُ ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال وأما النوع الثالث من أنواع السند الذي هو السند الحَلّي، وربما سموه الحل، فضابطه أن يكون مرادُ السائل المانع تبيينَ منشأ غلط المعللِ صاحب التصديق، وتعيينَ موضع غلطه، وإنَّما يورد هذا النوع

стр. 216

الذي هو السند الحَلي على مقدمة مبنية على الغلط، بسبب اشتباه شيء بآخر. ومثاله أن يقول المعلل صاحب التصديق: لا زكاة فيما لم يوجب الشارع الزكاة في عينه، وكل ما لم يوجب الشارع الزكاة في عينه فلا زكاة فيه كالعروض. فيقول السائل: أمنعُ كبرى دليلك هذا، وهي قولك: وكلما لم يوجب الشارع الزكاة في عينه فلا زكاة فيه كالعُروض، ثم يقرنه بالسند الحَلي فيقول: إنما يصح ما ذكرت فيما لو كانت العُروض لغير التجارة، أما عُروض التجارة فتجب فيها الزكاة، وهي في الحقيقة واجبة في قيمتها من النقد، فالمعلل قد اشتبهت عليه عُروض التجارة بعُروض القُنية، فنفَى الزكاةَ عن الجميع، والسائل بين بهذا السند الحَلّي منشأ غلطه، وأنه اشتباه هذا بهذا، وعيّن موضع الغلط، وأنه غلط في عُروض التجارة لاشتباهها عليه بعُروض القُنية، وظنِّه أنهما سواء، كما هو مذهب داود الظاهري (١) ومن تبعه. ومن أمثلته أن يقول المعلل: ذلك الشبح ليس بإنسان، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه -أي الشبح المذكور- فرس، ولا شيء من الفرس بإنسان، ينتج من الشكل الأول: ذلك الشبح ليس بإنسان. فيقول السائل: أمنعُ صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه فرس؛

стр. 217

لأن محل ذلك فيما لو كان غيرَ ناطق، والحال أنه ناطق. فقد اشتبه على المعلل شبح الإنسان بشبح الفرس، فظن أن الإنسان فرس، فأقام الدليل المذكور على ذلك، [فبين] (١) السائل منشأ غلطه، [وأنه] (٢) اشتباه شبح الفرس عليه بشبح الإنسان، وعيّن موضع غلطه وهو زعمه أن الإنسان فرس. وهذا النوع الذي هو السند الحَلي أكثر ما يقع بعد النقض الإجمالي، الآتي تعريفُه إن شاء الله -تعالى - (٣)، وليس بلازم أن يُذكر قبلَه النقضُ الإجمالي على كل حال. ومثال المنع المقترن بسند في التنبيه أن يقول صاحب التنبيه: ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار، وكل سبب مستلزم مسبَّبه، ينتج من الشكل الأول: ارتفاع ماء الأنهار مستلزم مسبَّبه، أي وهو ارتفاع ماء الآبار. فيقول السائل أمنعُ صغرى دليلك هذا، وهي قولك: ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار، ثم يقرن منعه بالسند المي مثلًا، فيقول: لم لا يجوز أن يكون ارتفاع ماء الآبار لسبب آخرَ غيرِ ارتفاع ماء الأنهار. وقد ذكرنا أنا نقلل الكلام على التنبيه لقلة الفائدة فيه، ونبسطه

стр. 218

على الاستدلال. ومثال المنع بالسند اللمي في الاستثنائي أن يقول المعلل صاحبُ التصديق: ذلك الشبح إنسان، ثم يقيم على دعواه دليلًا استثنائيا فيقول: لو كان ذلك الشبح حيوانًا لكان إنسانًا، لكنه حيوان، ينتج فهو إنسان. فيقول السائل: أمنعُ كبرى دليلك هذا، وهي الشرطية، أعني قولك: لو كان هذا حيوانًا لكان إنسانًا، ويقرن منعه إياها بالسند اللمي فيقول: لم لا يجوز أن يكون حيوانًا فرسًا، ولم لا يجوز أن يكون حيوانًا بغلًا، وهكذا. ومثال المنع بالسند القطعي في الاستثنائي أن يقول المعلل صاحب التصديق: ذلك الشبح ليس بإنسان، ثم يقيم على دعواه دليلًا استثنائيًا فيقول لو كان ذلك الشبح إنسانًا لكان حيوانًا، لكنه غيرُ حيوان، ينتج فهو غير إنسان. فيقول السائل: أمنعُ صُغرى دليلك هذا، وهي الاستثنائية، أعني قولك: لكنه غيرُ حيوان، كيف يكون غير حيوان والحال أنه ناطق. ومثال ذلك في السند الحلي أن يقول صاحب التصديق: العروض لا تجب فيها الزكاة، ثم يقيم على ذلك دليلًا استثنائيًا فيقول: لو كانت عروضًا ما وجبت فيها الزكاة، لكنها عروض، ينتج: لم تجب فيها الزكاة. فيجيب السائل: محل ذلك لو كانت لغير التجارة، إلى آخره.

стр. 219

تنبيهان: الأول: اعلم أن المراد باللمي في مبحث السند ليس هو المراد باللمي في مبحث البرهان، وإن كان كل واحد منهما منسوبًا إلى لفظة "لم"، كما أوضحناه في السند اللمي، وليس قسيم واحد منهما كقسيم الآخر، أما قسيم اللمي في السند فقد علمت أنه القطعي والحلي. وأما البرهان فمن تقسيماته عندهم أنه ينقسم باعتبار كون الحد الوسط علةً للنتيجة أو غير علة لها إلى قسمين: الأول البرهان اللمي، والثاني البرهان الإني، وإنما قيل للبرهان لمي لأنك إن سألت فيه عن النتيجة بلفظة "لم" كان الجواب بالحد الوسط، ولذا سمي لِمّيًا، وإذا كان الحد الوسط لا يمكن أن يكن جوابًا للنتيجة المسؤول عنها بلم فهو البرهان الإني، وإنما قيل له إنّي بالنسبة إلى "إنْ" بالهمزة المكسورة والنون الساكنة؛ لأنه يقال فيه: إن كان كذا فهو كذا. وإيضاحه بالمثال أنهم يقولون: إن تعفن الأخلاط سبب في حصول الحمى، فلو قلت: هذا متعفن الأخلاط، وكل متعفن الأخلاط فهو محموم، فهو ينتج من الشكل الأول: هذا محموم، فإذا سألت عن هذه النتيجة بلم فقلت: لم كان محمومًا؛ فالجواب بالحد الأوسط، وهو أن يقال: لأنه متعفن الأخلاط، والحد الوسط هنا الذي هو تعفن الأخلاط علة للنتيجة، التي هي إصابة الحمى. وأما إذا كان الحد الوسط لا يمكن أن يجاب به عن النتيجة المسؤول عنها بلم لأنه ليس علتها فهو البرهان الإني، كما لو قلت:

стр. 220

هذا محموم، وكل محموم متعفن الأخلاط، فإنه ينتج من الشكل الأول: هذا متعفن الأخلاط، ولو سألت عن هذه النتيجة بلم لم يصح الجواب بالحد الوسط، فلو قلت لم كان متعفن الاخلاط؟ فلا يصح أن تقول: لأنه محموم؛ لأن الحمى ليست علة لتعفن الأخلاط، بل العكس، وإنما قيل لنحو هذا برهان إني لأنك تقول وأنت صادق: إن كان محمومًا فهو متعفن الاخلاط، هكذا يقولون والعلم عند الله تعالى. التنبيه الثاني: اعلم أنه يجري على ألسنة أهل هذا الفن كثيرًا نحو هذه العبارات: كقولهم (هذا الشبح ليس بضاحك) ويقيمون الدليل على هذا التصديق السلبي بقولهم (لأنه ليس بإنسان، وكل ما ليس بإنسان ليس بضاحك، فالشبح ليس بضاحك)، وهذا الدليل وإن أنتج المقصود، الذي هو كون ذلك الشبح ليس بضاحك، فإنما أنتج ذلك لخصوص المادة، والدليل في حد ذاته باطل؛ لأنه قياس اقتراني من الشكل الأول، ومعلوم أنه يُشترط لإنتاجه أن تكون صغراه موجبة، وهذا الدليل المذكور صغراه سالبة، وهي قولهم: لأنه ليس بإنسان، ولا يجوز الاستدلال بالشكل الأول في حال كون صغراه سالبة لاختلال شرط الإنتاج كما تقدم إيضاحه، صمان أنتج المقصود في بعض الحالات لخصوص المادة، فتنبه لذلك، والخطب سهل؛ لأن المثال يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره كما تقدم. واعلم أن السند قد يقسم تقسيمًا آخر باعتبار آخر، فهو ينقسم باعتبار نسبته إلى نقيض الدعوى الممنوعة في نفس الأمر لا بالنظر إلى اعتقاد المانع إلى ستة أقسام، وسيأتي تفصيلها بأمثلتها.

стр. 221

واعلم أولا أن ثلاثة من هذه الأقسام الستة هي محل المناظرة المقصود؛ لأن السائل ينفعه الإتيان بها في إبطال دعوى المعلل، والمعلل ينفعه الاشتغال بالرد عليها؛ لأن إبطالها سبب لاستقامة دليله، وواحد منها لا ينفع السائل إتيانه، ولكن ينفع المعلل إبطاله، واثنان منها لا فائدة فيهما للمعلل ولا للسائل، فلا حاجة للإتيان بهما أصلًا، ولكنه قد يأتي بهما يظن فيهما فائدة والأمر بخلاف ما يظن. وإذا علمت ذلك فالأول من الأقسام الستة المذكورة هو ما يكون فيه السند نفس نقيض الدعوى الممنوعة. ومثاله أن يقول المعلل: هذا إنسان، ثم يستدل على هذا التصديق فيقول: لأنه ناطق، وكل ناطق إنسان، ينتج: هذا إنسان. فيقول السائل: أمنع صُغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه ناطق، ويجعل هذا المنع مقرونًا بالسند اللمي فيقول: لم لا يجوز أن يكون غير ناطق، فالصغرى الممنوعة: هو ناطق، والسند: جواز كونه غير ناطق، وغير الناطقِ هو عين نقيض الناطق. وهذا القسم من الأقسام الثلاثة التي ينفع السائلَ الإتيانُ بها، وينفع المعللَ إبطالُها؛ لما قدمنا من أن إثبات النقيض يلزمه نفي نقيضه، كعكسه، كما أوضحنا في القياس الشرطي المنفصل، المركب من [حقيقيةٍ] (١) مانعةِ جمع وخلو (٢).

стр. 222

القسم الثاني منها: هو ما يكون فيه السند مساويًا لنقيض الدعوى الممنوعة. ومثاله أن يقول المعلل: هذه الدنانير زوج، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنها منقسمة إلى قسمين متساويين، وكل منقسم إلى متساويين فهو زوج، ينتج من الشكل الأول: هي زوج. فيقول السائل: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك: إنها منقسمة إلى متساويين، والحال أنها فرد، فالصغرى الممنوعة هي كونها منقسمةً إلى متساويين، والسند الذي هو (هي فرد) مساوٍ لنقيض كونها منقسمةً إلى متساويين؛ لأن نقيضه (هي ليست منقسمة إلى متساويين) والفرد مساوٍ لهذا النقيض؛ لأن كل ما لم ينقسم إلى متساويين فهو فرد، كعكسه. وهذا القسم أيضًا ينفع السائلَ الإتيان به، وينفع المعلل إبطاله؛ لما أوضحناه في القياس الشرطي المنفصل المركب من الحقيقية المانعة للجمع والخلو معًا والاستثنائية؛ لأنا قدمنا أنها لا تتركب إلا من النقيضين، أو من قضية ومساوي نقيضها، ومساوي النقيض حكمه كحكم النقيض، فثبوت مساوي النقيض يدل على نفي نقيضه، كعكسه، كما تقدم إيضاحه في القياس الشرطي المنفصل (١). فإذا أثبت المانع مساوي نقيضِ الدعوى الممنوعةِ فقد أثبت بطلانها قطعًا؛ لأن إثبات مساوي النقيض يدل على انتفاء نقيضه

стр. 223

الآخر، وإبطالُ المعلل له ينفعه في عدم بطلان دليله كما هو واضح. القسم الثالث منها: هو ما يكون السند فيه أخص مطلقًا من نقيض الدعوى الممنوعة. ومثاله أن يقول: ذلك الشبح ضاحك، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه إنسان، وكل إنسان ضاحك، ينتج من الشكل الأول: هو -أي الشبح المذكور- ضاحك. فيقول السائل: أمنعُ صُغرى دليلك هذا، وهي قولك: إن ذلك الشبح إنسان، ثم يجعل هذا المنع مقرونًا بالسند اللمي فيقول: [لم] (١) لا يجوز أن يكون فرسًا، فالمقدمة الممنوعة كون ذلك الشبح إنسانًا، ونقيضها (ليس هو بإنسان)، والسند هنا هو جواز كونه فرسًا، وكونه فرسًا أخص من نقيض كونه إنسانًا؛ لأن نقيضه غير إنسان، وغير الإنسان صادق بالفرس وغيره، فنقيض الدعوى الممنوعة أعم مطلقًا، والسند أخص منه مطلقًا كما ترى. وهذا القسم الثالث أيضًا ينفع السائلَ الإتيانُ به؛ لأن إثبات ما هو أخص من نقيض الدعوى يستلزم إثبات نقيض الدعوى ضرورة؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، فإذا أثبت السائل ما هو أخص من نقيض الدعوى لزم ثبوت نقيض الدعوى، وإذا لزم ثبوت نقيضها تحقق انتفاؤها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين.

стр. 224

وقد أوضحنا أن ثبوت ما هو أخص من النقيض يستلزم ثبوت النقيض، وثبوت النقيض يستلزم انتفاء نقيضه الآخر، في الكلام على القياس المركب من مانعة الجمع المجوّزة للخلو؛ لأنها لا تتركب إلا من قضية وأخصَّ من نقيضها، وثبوت كل واحد من طرفيها يقتضي نفي الآخر؛ لما أوضحنا من أن ثبوت الأخص من النقيض يستلزم ثبوت النقيض، إلى آخره (١). القسم الرابع منها: هو ما يكون السند فيه أعم من نقيض الدعوى الممنوعة. ومثاله أن يقول المعلل: هذا الشبح حجر، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه غير ناطق، وكل غيرِ ناطق فهو حجر، ينتج من الشكل الأول: هو -أي ذلك الشبح- حجر. فيقول السائل: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه غير ناطق، ثم يجعل هذا المنع مقرونًا بالسند القطعي فيقول: كيف يكون غير ناطق والحال أنه حيوان؟ فالمقدمة الممنوعة هي (غير ناطق) ونقيضها (هو ناطق) والسند (هو حيوان)، والحيوان الذي هو السند أعم مطلقًا من الناطق الذي هو نقيض الدعوى الممنوعة. وهذا القسم الرابع لا ينتفع به السائل؛ لأن إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص، ولكن المعلل إذا نفى ذلك السندَ الذي هو أعم من نقيض الدعوى لزم انتفاءُ نقيض الدعوى؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي

стр. 225

الأخص، وانتفاءُ نقيض الدعوى يلزمه صحتها؛ لأن النقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان، وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح في مبحث الضربين المنتجين من القياس الشرطي المتصل (١). القسم الخامس منها: هو ما يكون فيه السند أَعمَّ من نقيض الدعوى من وجه وأخصَّ منه من وجه. ومثاله أن يقول المعلل: هذا الشبح متنفس، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه إنسان، وكل إنسان متنفس، ينتج: هو -أي ذلك الشبح- متنفس. فيقول السائل: أمنعُ صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه إنسان، ثم يجعل هذا المنع مقرونًا بالسند اللمي فيقول: لم لا يجوز أن يكن أبيض؟ فالمقدمة الممنوعة هي كونه إنسانًا، ونقيضها (ليس بإنسان) والسند: جواز كونه أبيض، و (الأبيض) و (غير الإنسان) بينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في الثلج والعاج، فكلاهما أبيض وكلاهما غير إنسان، وينفرد (غير الإنسان) عن الأبيض في الغراب والفحم، فكلاهما غير إنسان، وليس واحد منهما بأبيض، وينفرد الأبيض عن (غير الإنسان) في الإنسان الأبيض، فهو إنسان أبيض، وليس (غير إنسان). وهذا القسم لا فائدة في إثباته ولا نفيه للمعلل ولا للمستدل؛ لأن الأعمّين من وجه لا يقتضي وجودُ أحدهما نفيَ الآخر ولا عدمَه ولا

стр. 226

وجوده، فلا فائدة في الإتيان به في المناظرة أصلًا. القسم السادس منها: هو ما يكون فيه السند مباينًا لنقيض الدعوى الممنوعة. ومثاله أن يقول المعلل: هذا الشبح غير مفكر، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه غير إنسان، وكل غير إنسان فهو غير مفكر، ينتج من الشكل الأول: هو -أي ذلك الشبح- غير مفكر. فيقول السائل: أمنعُ صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه غير إنسان، ثم يجعل هذا المنع مقرونًا بالسند فيقول: محل كونه غير إنسان إذا كان حجرًا، فالمقدمة الممنوعة هي (غير إنسان)، ونقيضها (هو إنسان)، والسند هو (إذا كان حجرًا)، وكونه إنسانًا وكونه حجرًا [متباينان]؛ (١) لأن النسبة بين الإنسان والحجر التباين، كما تقدم إيضاحه. وهذا القسم السادس لا فائدة البتةَ في الإتيان به للمعلل ولا للمستدل كما لا يخفى. تنبيه: اعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الستة التي ذكرنا يجوز أن يؤتى به على الأوجه الثلاثة المتقدمة، التي هي اللمي والقطعي والحَلي، وقد أوردنا من الأمثلة ما فيه كفاية.

стр. 227

فصل في الأجوبة عن المنع اعلم أن للمعلل وظائفَ في جوابه عن المنع الذي منع به السائل إحدى مقدمات دليله أو دعواه المجردةِ عن الدليل: الأول من ذلك أن يقيم دليلًا ينتج نفس الدعوى التي منعها السائل، أو ينتج دعوى أخرى تساويها، أو ينتج دعوى أخرى أخصَّ منها مطلقًا، لأن إثبات مساوي الشيء إثباتٌ له، وإثباتُ الأخص يستلزم إثباتَ الأعم، كما تقدم إيضاحه. وهذا الجواب يصلح للرد على المنع المجرد والمصحوب بالسند جميعًا. ومثال إقامته الدليلَ على الدعوى المجردةِ التي منعها السائل أن يقول: العالم حادث، فيقول خصمه القائل بقدم العالم من الفلاسفة: أمنعُ دعواك هذه التي [هي] (١) العالم حادث. فيقيم المعلل الدليل عليها جوابًا لمنع السائل فيقول: العالم متغير بالانعدام ونحوه، وكل متغير كذلك فهو حادث، ينتج من الشكل الأول: العالم حادث، وهو عين الدعوى الممنوعة. ومثال إنتاج الدليل ما يساوي الدعوى الممنوعة أن يقول: كل ذرة من العالم فُرض أنها لم تُسبق بعدم فهي أزلية، ولا شيء من الأزلي الوجودي بمنعدم، ينتج من الشكل الأول: لا شيء من ذرات العالم

стр. 228

المفروض أنها لم تسبق بعدم بمنعدمة، وهذه النتيجة كاذبة؛ لأن جميع ذرات العالم تنعدم شيئًا فشيئًا كما هو مشاهد، وإنما كذبت النتيجة لكون الصغرى مستحيلة، و [هي] (١) قوله: (كل ذرة من العالم فُرض أنها لم تُسبق بعدم فهي أزلية)؛ لاستحالة وجود ذرة منه لم تُسبق بعدم حتى تكون أزلية، ومن المعلوم أن الأزلي الوجودي لا يُعقل انعدامه؛ إذ لو كان انعدامه جائزا لكان محتاجًا في وجوده الأول إلى مخصص يخصص وجوده، ويرجحه على عدمه المساويه عقلًا أزلًا، فيكون حادثًا لترجيح المخصص المذكور وجودَه على عدمه، والفرض أنه أزلي، واستحالة الصغرى التي هي (كل ذرة من العالم فُرض أنها لم تُسبق بعدم فهي أزلية) يلزمها صحة نقيضها، وهي (كل ذرة من ذرات العالم مسبوقة بعدم)؛ لتساوي ذراته لذاتها (٢)، فهذه النتيجة مثال لإنتاج الدليل مساوي الدعوى الممنوعة؛ لأنها مساوية لقولك: العالم حادث. ومثال إنتاج الدليل ما هو أخصُّ من الدعوى الممنوعة أن تكون مناقشة المتناظرَين في موجَّهة بالإمكان، فيمنع السائل جهتها التي هي الإمكان، فيقيم المعلل الدليل على صحة توجيهها بالإطلاق؛ لأن

стр. 229

الإطلاق أخصُّ من الإمكان، فثبوت الإطلاق يلزمه ضرورةً ثبوتُ الإمكان، كما قال العلامة الشيخ المختار بن بونا الشنقيطي (١): ونسبةٌ ممْكِنةٌ محقِّقَة ... ثبوتَ صدقٍ عند صدق المطلقة وإيضاح هذا الكلام لمن لا يعرف مبحث الجهات في فن المنطق (٢): أن الموجهة بالإمكان هي ما لا يستحيل عقلًا ثبوت موضوعها لمحمولها وإن كان غير ثابت له بالفعل، ولا نطيل هنا الكلام بالفرق بين الإمكان العام والإمكان الخاص، والموجهة بالإطلاق في الاصطلاح هي القضية التي اتصف موضوعها بمحمولها بالفعل إيجابًا أو سلبًا، فقولك: (أبو لهب مؤمن) بالإمكان الخاص صادق؛ لأن اتصافه بالإيمان ليس بمستحيل عقلًا، ولو كان مستحيلًا عقلًا لما كُلّف به، بخلاف ما لو قلت: (أبو لهب مؤمن) بالإطلاق، أي بالفعل، فهو كذب بل كفر؛ لتكذيبه نص القرآن العظيم. وإذا علمت ذلك علمت أن ثبوت الإطلاق يستلزم ثبوت الإمكان بلا عكس. وإذا علمت ذلك فاعلم أن المناظرة بين أهل السنة والجماعة القائلين برؤية الله -جل وعلا- بالأبصار يوم القيامة وبين المعتزلة المانعين لذلك إنما هي في جهة الإمكان، فالمعتزلة يقولون إنها مستحيلة ولا تدخل في الإمكان أصلًا، وأهل السنة يقولون هي ممكنة؛ وطلب موسى لها في قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ دليل على

стр. 230

إمكانها؛ لأن نبي الله موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- لا يجهل المستحيل في حق الله -تعالى-، ولا يلتبس عليه بالممكن حتى يسأله. وإذا علمتَ أن المناظرة في الإمكان علمتَ أن المعلل إذا أقام دليلًا ينتج الإطلاق، الذي هو الوقوع الفعلي، الذي هو أخص قطعًا من الإمكان، فكأنه أقام الدليل على الإمكان؛ لأن وجود الأخص يستلزم وجود الأعم. وإذا علمت ذلك فاعلم أن صورة استدلاله على ذلك أن يقول: الله أثبت في كتابه وقوع الرؤية بالفعل، في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] فصح بنظرها إلى ربها بالفعل يوم القيامة، وكل ما أثبته الله في كتابه فهو حق صحيح، ينتج من الشكل الأول: الرؤية حق صحيح، وهذه النتيجة أخص من الدعوى الممنوعة، التي هي الإمكان، فافهمه؛ لأنه لا يقع بالفعل إلا ما هو ممكن الوقوع، ومن المعلوم بالضرورة أن المستحيل وقوعُه عقلًا لا يقع بالفعل، كما لا يخفى. ومناقشة استدلال المعتزلة ببعض الآيات كقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ونحو ذلك قد بينا بطلانها في غير هذا الموضع، ومقصودنا هنا مطلق المثال. الوجه الثاني من وظائف المعلل في جوابه عن منع السائل إحدى مقدمات دليله أو دعواه المجردة هو أن يبطل السند الذي استند إليه

стр. 231

السائل في المنع المذكور، وهذا الجواب خاص بالمنع المقترن بالسند؛ لأن إبطاله السند يستلزم بطلان المنع؛ لأن المنع ماسوٍ السندَ في نظر المانع دائمًا، وإن كان في نفس الأمر قد يكون بخلاف ذلك، كما بيناه في الأقسام الستة المذكورة آنفًا، وإبطال أحد المتساويين إبطال لمساويه الآخر كما هو معلوم، وإذا ثبت بإبطال السند إبطال المنع فقد تحقق ثبوت نقيضه وهو الدعوى الممنوعة كما لا يخفى؛ لأن النقيضين لا يرتفعان. ومن أمثلة ذلك أن يقول المعلل صاحب التصديق: هذا الشبح إنسان، ثم يقيم دليله على ذلك فيقول: لأنه ناطق، وكل ناطق إنسان. فيمنع السائل صُغرى دليله بسند لِمّيٍ فيقول: لا أسلّم أنّ هذا الشبحَ ناطق، لمَ لا يجوز أن يكون حجرًا؟ ، أو لا يجوز أن يكون غير ضاحك؟ ، أو: لم لا يجوز أن يكون غير ناطق؟ ونحو ذلك. فيقول المعلل: السائل هذه التجويزات العقلية التي استندتَ إليها في منع صُغرى دليلي كلها باطلة، ولا يجوز شيء منها عقلًا؛ لأن ذلك الشبح كاتب قطعًا، وكل كاتب لا يجوز فيه شيء مما ذكرتَ عقلًا، ينتج من الشكل الأول: ذلك الشبحُ لا يجوز فيه شيء مما ذكرتَ عقلًا، وإذا بطل هذا السندُ الجوازي بطل المنع كما تقدم إيضاحه قريبًا. والوجه الثالث: من وظائف المعلل في جوابه عن المنع المذكور هو تحرير المراد من المدعَى -باسم المفعول- الممنوع، كأن يقول المعلل: لا تجب الزكاة في العُروض، فيقول السائل: لا أسلم دعواك

стр. 232

هذه، فيجيب عن هذا المنع بتحرير المراد من المدعَى فيقول: مرادي بالعُروض التي لا تجب فيها الزكاة عروضُ القُنية التي هي محل وفاق، ولا أقصد عروض التجارة التي يقول جماهير أهل العلم بوجوب زكاتها. فقد أجاب عن منع دعواه بتحريره مراده مما ادعاه. وكذلك الجواب عن المنع المذكور بتحرير المراد من المقدمة الممنوعة، [كأن] (١) يقول المعلل: هذا حيوان، وكل حيوان يحرك فكه الأسفلَ عند المضغ، ينتج من الشكل الأول: هذا يحرك فكه الأسفل عند المضغ. فيقول السائل: أمنع كبرى دليلك هذا، وهي قولك (وكل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ)؛ لأن التمساح حيوان لا يحرك فكه الأسفل عند المضغ، وإنما يحرك فكه الأعلى. فيجيب المعلل عن منع هذه المقدمة بتحرير المراد منها فيقول: مرادي بقولي (وكل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ) أفرادُ الحيوان الظاهرةُ المشهورة المتعارَفة عند العامة، ولا أقصد الفرد النادر الذي لا يكاد يخطر بالبال لقلة ملابسة أغلبية الناس له ملابسةً تؤدي إلى معرفة شيء عنه. فقد أجاب عن منع كبرى دليله بتحرير مراده منها. الوجه الرابع من وظائف المعلل في جوابه عن المنع المذكور هو تحرير المراد من المذهب العلمي الذي يَبني عليه الممنوع.

стр. 233

ومثاله أن يقول المعلل: تغريب الزاني البكر سنةً زيادةٌ على قوله -تعالى-: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وكل زيادة على النص فهي نسخ له، ينتج من الشكل الأول: تغريب الزاني البكر سنةً نسخ لقوله ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية، ومراده أن الآية متواترة، وأحاديث التغريب أخبار آحاد، والمتواتر عنده لا يُنسخ بالآحاد، فيُمنع عنده التغريب لذلك. فيقول السائل: أمنع كبرى دليلك هذا، وهي قولك: (وكل زيادة علي النص نسخ)؛ لأن محل ذلك فيما إذا نفت الزيادة شيئًا أثبته النص، أو أثبتت شيئًا نفاه، فإن كانت لم تنف ما أثبته النصُّ ولم تثبت ما نفاه فإنها ليست بنسخ؛ لأنها إنما رفعت البراءة الأصلية فقط، ورفعها ليس بنسخ. فيجيب المعلل عن منع كبرى دليله هذا بتحرير مراده من المذهب العلمي الذي بَنى عليه الممنوع فيقول: إني بنيت قولي (وكل زيادة على النص فهي نسخ) على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، ولم أبنه على رأي من خالفه. فقد أجاب عن منع كبرى دليله بتحرير المراد من المذهب العلمي الذي بناها عليه. فهذه هي أجوبة المعلل عن المنع المجرد عن السند والمقرون به. واعلم أنه لا ينفعه أن يمنع صحة ورود المنع، ولا أن يمنع السند القطعي، ولا أن يمنع صلاحية السند للاستناد إليه، ولا ينفعه الاشتغال

стр. 234

بالاعتراض على عبارة المنع بدعوى أنها مخالفة لقوانين العربية، فإن اشتغل بشيء من ذلك ولم يُجب بأحد الأجوبة التي بينا فقد أُفحم، ووجب انتقال الكلام إلى بحثَ آخر.

стр. 235

فصل في الغصب اعلم أن كل ما صح للسائل أن يمنعه فإن استدلاله عليه من الغصب. وإيضاحه أنا قد بينا فيما سبق (١) أن كلًّا من المدّعَى الذي لم يُقِم عليه المعلل دليلًا، ومقدمةِ الدليل التي لم يُقِم عليها دليلًا يجوز للسائل أن يمنعهما، ويطلبَ الدليلَ على صحتهما، فإن أقام السائل دليلًا على بطلان واحد منهما قبل أن يقيم المعلل عليه دليلًا فهو غاصب، والغصب وظيفة غير مقبولة عند جماهير أهل هذا الفن. والحاصل أن الغصب هو استدلال السائل على بطلان تصديق نظري لم يقم صاحبه عليه دليلًا، أو استدلاله على بطلان تصديق بديهي خفي لم يقم صاحبه عليه تنبيهًا.

стр. 236

فصل في المكابرة وهي في الاصطلاح المنازعة بين الخصمين لا لإظهار الصواب، بل لإظهار الفضل والغلبة. ومن أَمثلتها أن يقول المعلل صاحب التصديق: الكل أكبر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، والأربعة زوج. فيقول السائل: أمنعُ هذه الدعاوى أو واحدة منها، فإن قال ذلك فهو مكابر، والمكابرة وظيفة مردودة، لا تُسمع ولا تُقبل كما لا يخفى. ومن المكابرة منع التصديق النظري الذي أقام المعلل عليه دليلًا صحيحًا لا يمكن تطرق الخلل إليه بوجه من الوجوه. وقد بينا سابقًا (١) أن التصديق النظري المجرد عن الدليل والتصديقَ البديهي الخفي المجرد عن التنبيه لا يجوز الاعتراض على واحد منهما إلا بالمنع فقط، وأن التصديق النظري المصحوبَ بالدليل من المعلل، والتصديقَ البديهيَّ الخفيَّ المصحوبَ بالتنبيه يجوز الاعتراض على كل واحد منهما بثلاث طرق كلها يصح الاعتراض بها وهي: ١ - المناقضة، وتسمى بالنقض التفصيلي، والمنع الحقيقي، والممانعة، وهي منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل، وهذه الطريق هي التي قدمنا الكلام عليها مستوفىً وأوجهَ الجواب عن المنع فيها.

стр. 237

٢ - الطريق الثانية: النقض. ٣ - الطريق الثالثة: المعارضة، وسنوضح إن شاء الله تعالى الكلام على هاتين الطريقتين كما أوضحناه على الأولى التي هي المناقضة.

стр. 238

فصل في النقض وأقسامه ويسمى النقضَ الإجمالي اعلم أولًا أن النقض في اصطلاح أهل هذا الفن هو ادعاء السائل بطلانَ دليل المعلِّل مع إقامته الدليل على دعواه بطلانَه، وذلك إما بتخلف المدلول عن الدليل، بمعنى أن الدليل يكون موجودًا والمدلول ليس بموجود، فيكون الدليل جاريًا على مدّعىً آخرَ غيرِ المدّعَى الذي أقامه عليه المعلَّل، أو بسبب استلزامه المحال كالدور السبقي والتسلسل المحال ونحو ذلك، ولهم فيه تعاريفُ غيرُ هذا، وسيتضح لك ذلك في الكلام عليه في تطبيقه على القادح المسمى بالنقض عند أهل الأصول (١). واعلم أن النقض لا يُقبل إلا مقترنا بشاهد، والمراد بالشاهد المذكور هو الدليلُ على صحة النقض، فإن لم يذكر السائل مع [النقض] (٢) الشاهدَ المذكورَ لم يقبل منه، وقد عرفتَ من تعريفه أن الشاهد المذكور نوعان: الأول: تخلف المدلول عن الدليل. والثاني استلزامه المحال. فمثال تخلف المدلول عن الدليل أن يقول المعلِّل المعتقد مذهبَ الفلاسفة في قدم العالم: العالم قديم، ثم يقيم على ذلك الدليلَ في

стр. 239

زعمه فيقول: لأنه أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، ينتج من الشكل الأول: هو -أي العالم- قديم. فيقول السائل: هذا الدليل باطل، لأنه يوجد مع عدم وجود مدلوله، وقد يوجد مع مدعىً آخر مقطوع بأنه غير حق، كأن يقول: الحوادث اليومية المتجددة في الدنيا حينًا بعد حين أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، ينتج من الشكل الأول: الحوادث اليومية المتجددة في الدنيا حينًا بعد حين قديمة، مع أن حدوثها مشاهد مدرَك بالحواس، فهو يقيني، ومقدمة الدليل المذكور الصغرى -وهي كونها أثرَ القديم- صحيحة، فتعين أن قوله (وكل ما هو أثر القديم فهو قديم) باطل؛ لأنه منقوض بالحوادث اليومية المتجددة بمرأىً منا ومسمع (١). ولا يلزم في النقض تعيين المقدمة التي منها الفساد، وإنما عينّاها في هذا المثال لأجل الإيضاح. والحاصل أنه يقول له: دليلك الذي هو قولك (وكل ما هو أثر القديم فهو قديم) منقوض، لأن الحوادث اليومية أثرُ القديم، وليست بقديمة. وإيضاح الإبطال بهذا النوع من النقض أن المدلول لازم للدليل، وتخلفُ اللازم عن الملزوم لا يمكن، فلا يكون تخلف المدلول عن الدليل إلا لفساد فيه، وسيأتي (٢) إن شاء الله -تعالى- كثير من أمثلة هذا

стр. 240

النوع من النقض في تطبيقه على القادح المعروف في الأصول بالنقض. ومثال النوع الثاني من نوعي النقض وهو استلزام دليل المعلل المحال: فقد مثل له بعضهم بأن يقول المعلل: الحد له تعريف، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه تعريف، وكل تعريف له تعريف، ينتج من الشكل الأول: الحد له تعريف. فيقول السائل هذا الدليل منقوض؛ لاستلزامه المحال وهو التسلسل إلى غير نهاية؛ لأن قولك (وكل تعريف له تعريف) يقتضي أنه كلما أتى بتعريف لزمه تعريفه بتعريف آخر إلى غير نهاية، وهذا محال. ووجه [النقض] (١) باستلزامه المحال أن الأمور المتحققة في الواقع لا تستلزم المحال، فاستلزام الدليل للمحال لا يكون إلا لعدم صحته في الواقع. ووجه استحالة التسلسل فيما ذكر أن كل تعريف من حيث هو معرَّف -باسم المفعول- محتاج إلى تعريف، وهذا محتاج أيضًا إليه إلى ما لا نهاية، فلا تُعقل معرفة تعريف منها بحال. ومثّل بعضهم لاستحالته بالدور السبقي بأن يقول المعلل: الإنسان ابن بشر، وكل ابن بشر بشر، ينتج: الإنسان بشر. فيقول السائل: هذا منقوض باستلزامه المحال؛ لأن لفظة (بشر) في الصغرى يتوقف إدراكها على لفظة (بشر) في الكبرى، كعكسه،

стр. 241

فكل واحد [منهما] (١) يتوقف إدراكه على إدراك الآخر، فيستحيل فهم المعنى لو فرض أنه لا طريق له يُعرف بها إلا ما قاله المعلِّل في دليله، ولا يخفى ما في هذا المثال. وقد مثلنا للدور السبقي في المعرِّفات في المقدمة المنطقية (٢). وقد قدّمنا أن المثال لا يُعترض؛ لأنه يكفي فيه الفرض والاحتمال. واعلم أن النقض في اصطلاحهم ينقسم إلى قسمين: الأول النقض الحقيقي، والثاني النقض الشبيهي، والأول الذي هو النقض الحقيقي ينقسم إلى قسمين: أحدهما النقض المشهور، والثاني النقض المكسور، فتحصل أن أقسام النقض ثلاثة: الأول نقض مشهور، الثاني نقض مكسور، الثالث نقض شبيهي. أما النقض الحقيقي المشهور فهو ما عرّفناه آنفا ومثلنا له، وضابطه أن السائل إذا أَراد الاعتراض على دليل المعلل بالنقض جاء بدليل المعلل على نفس الهيئة التي أورده عليها صاحبه، ولم يحذف منه شيئًا؛ فإنْ حذف بعضَ الأوصاف وأجرى النقض على دليل المعلل في حال كونه حاذفًا بعض الأوصاف فهو النقض المكسور، وتارة يكون الوصف المحذوف له فائدةُ بحيث أنه لو لم يحذفْه لما صح له النقض،

стр. 242

وتارة يكون الوصف المحذوف لا فائدة فيه فوجوده كعدمه بالنسبة إلى صحة النقض وعدمها. ومثال النقض المكسور بحذف بعض الأوصاف التي لها فائدة في عدم توجه النقض أن يقول المعلل: هذا يجب قتله قصاصًا، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه قاتلٌ كفؤا عمدًا عدوانًا، وكل قاتل كفؤا عمدًا عدوانًا يجب قتله قصاصًا، ينتج من الشكل الأول: هذا يجب قتله قصاصًا. فيقول السائل: دليلك هذا منقوض؛ لأنه يوجد دون مدلوله؛ فإن ولي الدم إذا مكّنه السلطان من قاتل وليه فإنه يقتله عمدًا، وهذا القتل العمد لا قصاص فيه، فقد وجد دليلك وهو القتل العمد لكفؤ مع تخلف القصاص. وإنما كان هذا النوع من النقض المسكور لأنه حَذف في نقضه بعض أوصاف دليل المعلل التي لها فائدة في عدم توجه النقض، ولو لم يحذفها لما توجه نقضه، وذلك هو الوصف بكون القتل عدوانًا؛ لأن قتل ولي الدم للجاني قصاصًا ليس عدوانًا. وهذا النوع من النقض المكسور مردود غير مقبول، فلا يجوز ارتكابه في المناظرة، لكن السائل إذا ارتكبه أجاب عنه المعلل. أما إن كان الوصف المحذوف لا فائدة فيه فحذفه لا بأس به، ولا يؤثر في توجه النقض، ومثاله أن يقول المعلل المعتقدُ مذهبَ

стр. 243

الفلاسفة: العالم قديم، ثم يقيم دليله الباطلَ على ذلك فيقول: لأنه أثر القديم، ومستندٌ في وجوده إليه، وكل ما هو كذلك فهو قديم، ينتج من الشكل الأول: العالم قديم. فيقول السائل: دليلك هذا منقوض بالحوادث اليومية، كما تقدم إيضاحه، ويذكر دليله، ويحذف لفظ (ومستند في وجوده إليه)؛ لأن كونه مستندًا في وجوده إليه لا فائدة في ذكره، ولا ضرر في حذفه؛ لأن كونه أثر القديم يُغني عنه كما لا يخفى. وهذا النوع من النقض المكسور مقبول؛ لأن حذف مالا فائدة فيه وذكره سِيّان. ولا يخفى أن النقض الحقيقي الذي ذكرناه بأمثلته مَوْرِده دليلُ المعلل. وأما النقض الشبيهي فضابطه إبطال الدعوى بشهادة فساد مخصوص، ككونها مخالفة لإجماع العلماء، أو منافية لمذهب المعلل، وهذا موردُه الدعوى كما هو واضح. ومثال كونها مخالفةً لإجماع العلماء أن يقول المعلل: هذا العامل "يعمل في مقابلة أن يُعطَى مالًا لا يدري أيوجد ذلك المال أو لا يوجد أصلًا، وعلى تقدير وجوده فلا يدري أيكون قليلًا أو كثيرًا، وهذا عين المعاوضة بما فيه غرر، وكل عامل يعمل كذلك فمعاوضته فاسدة، ينتج من الشكل الأول: هذا العامل معاوضته فاسدة. فيقول السائل: هذا الدليل منقوض بإجماع العلماء على تخلف

стр. 244

مدلوله عنه في صورة شركة المضاربة المعروفة بالقراض، فقد أجمع جميع العلماء فيها على أن الرجل يجوز له أن يدفع للعامل مالًا يعمل فيه بالتجارة، على أن يكون للعامل نصفُ الربح أو ربعُه أو ثلثُه مثلًا، حسبما اتفقا عليه، مع بقاء رأس المال ملكًا لصاحبه، ولا شيء للعامل في مقابلة عمله إلا ما يحصل من الربح، مع أن الربح يجوز أن يحصل أو لا يحصل، وعلى تقدير حصوله يجوز أن يكون قليلًا أو كثيرًا، فقد أجمع العلماء على وجود ما استدل به المعلل على المنع، مع إجماعهم على تخلف الحكم الذي هو المنع عنه في هذه الصورة. فهذا نقض شبيهي؛ لأن إبطال الدعوى فيه كان بشهادة فساد مخصوص وهو مخالفتها لإجماع العلماء، في صورة النقض، وإن أمكن صدقُها في غيرها. واعلم أن الاعتراض بالنقض في قوة دليل مركب بحذف بعض مقدماته، وصورته أن يقول مثلًا: هذا الدليل تخلف عنه مدلوله، وكل دليل كان كذلك فهو فاسد، فهذا الدليل فاسد. أو يقول: هذا الدليل مستلزم للمحال، وكل دليل كان كذلك فهو فاسد، فهذا الدليل فاسد. ومثال كونها منافية لمذهب المعلل قول. الشافعي ومالك وغيرهما: إن الزانية لا يحرم نكاحها، واستدلوا على ذلك بأن قوله تعالى ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣] الآية منسوخ بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ومعلوم أن هذا الناسخ المزعوم الذي هو آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أعمُّ من المنسوخ في محل النزاع، وهو آية ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] لأن لفظ الأيامى صادق

стр. 245

بالعفائف والزواني، والذكور والإناث، ومعلوم أن مذهب الشافعي ومالك أن الخاص لا يُنسخ بالعام؛ لأن الخاص عندهما يقضي على العام فيخصص عمومه، سواء تأخر نزولُه عنه أو تقدم، كما هو مقرر في أُصولهما. فيقول المعلل كالشافعي مثلًا: دليل تحريم نكاح الزانية الذي هو خاص منسوخ بدليل إباحته الذي هو عام، وكل دليلين نسخ أحدهما الآخر فالحكم للناسخ منهما، ينتج من الشكل الأول: الحكم هنا لدليل الإباحة العام؛ لأنه هو الناسخ. فيقول السائل: هذا الدليل منقوض؛ لأن الناسخ فيه أعم من المنسوخ، وذلك ينافي مذهبك؛ لأنه لا يجوز فيه نسخ خاص بعام. فقد نقض عليه دليله بتخلف الحكم عنه بمقتضى مذهب المعلل؛ لأن ثبوت حكمه معه مناف لمذهب المعلل.

стр. 246

فصل في الأجوبة عن النقض اعلم أنه لا يخفى على من فهم حقيقة النقض أن الجواب عنه في هذا الفن إما: ١ - بمنع وجود تمام دليل الدعوى، فيقول: دليلها غير موجود على التمام، ولو كان موجودًا كذلك لما تخلف مدلوله عنه. ٢ - الثاني أن يمنع تخلف المدلول فيقول: المدلول موجود غير متخلف. ٣ - وإما [بمنع استلزامه] (١) المحال. ٤ - أو [بمنع] (٢) كونه محالًا. أما الجوابان الأولان فسيأتي إيضاحهما بأمثلتهما إن شاء الله -تعالى- إيضاحًا شافيًا في الكلام على تطبيق النقض في القادح الأصولي المعروف بالنقض (٣). وأما الجواب عن النقض باستلزام الدليل المحال، الذي هو منع استلزامه المحال، فمن أمثلته أن يقول المعلل مثلًا: هذا الأمر الذي شرعتَ فيه ينبغي ابتداؤه بالبسملة، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه أمر ذو بال، وكل أمر ذي بال ينبغي ابتداؤه بالبسملة، ينتج من الشكل الأول: هذا الأمر ينبغي ابتداؤه بالبسملة.

стр. 247

فيقول السائل: هذا الدليل منقوض باستلزامه المحال وهو التسلل؛ لأن نفس البسملة أمر ذو بال ينبغي أن يصدّر بالبسملة، وهذه البسملة أيضًا أمر ذو بال ينبغي تصديره بالبسملة، وهكذا إلى غير نهاية، وهو تسلسل ممنوع، واستلزام الدليل له. فيجب نقض له فيجب المعلل عن هذا النقض بمنع استلزام الدليل للمحال، ويستند في ذلك المنع إلى أن البسملة نفسَها مستثناةٌ من حكم الدليل، فيقول: أمنع استلزام هذا الدليل المحال؛ لأن محل ذلك فيما لو كانت البسملة نفسُها مع كونها من الأمور ذواتِ البال داخلةً في عموم (كل أمر ذي بال)، لكنها غيرُ داخلة فيه، بل مستثناة منه. ومثال منع كونه محالًا أن يقول المعلل: هذان الأمران يتوقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر، وكل شيئين توقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر استحال إدراك أي واحد منهما؛ لاستلزام ذلك للدور المحال. فيقول السائل: دليلك هذا منقوض بالجوهر والعرض؛ فإنهما أمران يتوقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر، مع إمكان إدراكهما معًا كما هو مشاهد، والدور الذي استلزمه دليلك ليس محالًا؛ لأنه دور مَعِيٌّ، والمحال إنما هو الدور السبقي. وللمعلل بعد ورود النقض على دليله أن يثبت مُدّعاه بدليل آخر، فيكون ذلك إفحامًا من وجه، وإظهارًا للصواب من وجه.

стр. 248

فصل في المعارضة وهي الطريق الثالثة من الطرق الثلاث التي تقدم الكلام عليها (١). اعلم أولًا أن جميع طرق الاعتراض راجعة إلى شيئين: وهما المنع والمعارضة، وبعضهم ردها كلها إلى شيء واحد وهو المنع، كما قال صاحب مراقي السعود (٢): وللمعارضة والمنع معا ... أو الأخيرِ الاعتراضُ رجعَ واعلم أن المعارضة في الاصطلاح هي إقامة الخصم الدليلَ المنتجَ نقيضَ الدعوى التي استدل عليها خصمُه وأثبتها بدليله، أو المنتجَ ما يساوي نقيضها أو ما هو أخصُّ من نقيضها؛ لأن إقامته الدليلَ المنتجَ أحدَ الأمور الثلاثة يلزمه إبطال دعوى خصمه؛ لأنه إن ثبت نقيضها أو مساوي نقيضها أو أخصُّ من نقيضها بدليل المعارض فقد تحقق بطلانها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، واستحالة اجتماع الشيء ومساوي نقيضه، واستحالة اجتماع الشيء والأخص من نقيضه كما تقدم إيضاحه (٣). ومثال المعارضة بإثبات النقيض أن يقول المعلل المعتقد مذهبَ الفلاسفة الباطلَ في قدم العالم: العالم قديم، ثم يقيم الدليل في زعمه

стр. 249

الباطلِ على دعواه فيقول: لأنه أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، فهذا دليل على الدعوى نصبه المعلل لإثبات دعواه، ينتج في زعمه: العالم قديم. فيقول السائل: العالم غير قديم، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه متغير بالانعدام ونحوه من أنواع التغير، وكل ما هو كذلك فليس بقديم، ينتج: هو -أي العالم- ليس بقديم، وهذه النتيجة عين نقيض دعوى المستدل التي نصب عليها دليله وهي قوله: (العالم قديم)؛ لأن نقيض القديم (ليس بقديم). ومثال إنتاجه مساوي نقيض الدعوى التي استدل عليها المعلل أن يقال في هذا المثال الأخير: العالم متغير بالانعدام ونحوه من أنواع التغير، وكل ما هو كذلك فهو حادث، ينتج: العالم حادث. والحادث مساوٍ لنقيض القديم؛ لأن نقيض القديم (ليس بقديم)، والحادث مساو لـ (ليس بقديم) كما لا يخفى. ومثال إنتاجه ما هو أخص من نقيض الدعوى التي استدل عليها المعلل أن يقول المعلل المعتزلي المعتقد استحالةَ رؤية الله بالأبصار يوم القيامة: رؤية الله بالأبصار يلزمها كثير من أنواع مشابهة الخلق، وكل ما هو كذلك فهو مستحيل في حقه -تعالى-، فينتج له دليله هذا الباطلُ باطلًا، وهو قوله: رؤية الله -تعالى- بالأبصار مستحيلة، يعني لا تمكن عقلًا. فيقول السائل المعارض: رؤية الله -تعالى- بالأبصار يوم القيامة أخبر الله في كتابه، ورسولُه في الأحاديث الصحيحة بأنها واقعة

стр. 250

بالفعل، وكل ما هو كذلك فهو حق صحيح. وهذه النتيجة التي هي وقوع الرؤية بالفعل أخصُّ من إمكانها، الذي هو نقيض دعوى الخصم التي هي استحالتها كما قدمنا إيضاحَه. واعلم أن المعارضة عند أهل هذا الفن تختلف تقسيماتها باختلاف الاعتبارات، فتنقسم باعتبار ما تُوجه إليه إلى قسمين: الأول يسمى المعارضة في الدليل، والثاني يسمى المعارضة في العلة. وتنقسم باعتبار مقارنة دليل المعارضِ بدليل المعلل إلى ثلاثة أقسام: الأول المعارضة على سبيل القلب، والثاني المعارضة بالمثل، والثالث المعارضة بالغير، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة يكون معارضة في الدليل، ويكون معارضة في العلة، فالأقسام ستة من ضرب اثنين في ثلاثة. واعلم أن أنواع المعارضةِ في العلة والمعارضة في الدليل سنوضحها إن شاء الله إيضاحًا تامًّا في التطبيق على القادح المسمى في الأصول بالمعارضة (١)، ولذلك سنختصر القول فيهما هنا، وبالمثال يتضح معنى ما ذكرناه. اعلم أنه لو قال المعلل مثلًا: العالم حادث، فهذا التصديق دعوى؛ فإن أقام الدليل على هذه الدعوى فقال: لأنه متغير، وكل متغير حادث. ينتج: العالم حادث، فهذا دليل على هذه الدعوى، ومشتمل على مقدمتين كل واحدة منهما في ذاتها دعوى.
следующие страницы →