← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فصل في الأجوبة عن النقض اعلم أنه لا يخفى على من فهم حقيقة النقض أن الجواب عنه في هذا الفن إما: ١ - بمنع وجود تمام دليل الدعوى، فيقول: دليلها غير موجود على التمام، ولو كان موجودًا كذلك لما تخلف مدلوله عنه. ٢ - الثاني أن يمنع تخلف المدلول فيقول: المدلول موجود غير متخلف. ٣ - وإما [بمنع استلزامه] (١) المحال. ٤ - أو [بمنع] (٢) كونه محالًا. أما الجوابان الأولان فسيأتي إيضاحهما بأمثلتهما إن شاء الله -تعالى- إيضاحًا شافيًا في الكلام على تطبيق النقض في القادح الأصولي المعروف بالنقض (٣). وأما الجواب عن النقض باستلزام الدليل المحال، الذي هو منع استلزامه المحال، فمن أمثلته أن يقول المعلل مثلًا: هذا الأمر الذي شرعتَ فيه ينبغي ابتداؤه بالبسملة، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه أمر ذو بال، وكل أمر ذي بال ينبغي ابتداؤه بالبسملة، ينتج من الشكل الأول: هذا الأمر ينبغي ابتداؤه بالبسملة.

стр. 247

فيقول السائل: هذا الدليل منقوض باستلزامه المحال وهو التسلل؛ لأن نفس البسملة أمر ذو بال ينبغي أن يصدّر بالبسملة، وهذه البسملة أيضًا أمر ذو بال ينبغي تصديره بالبسملة، وهكذا إلى غير نهاية، وهو تسلسل ممنوع، واستلزام الدليل له. فيجب نقض له فيجب المعلل عن هذا النقض بمنع استلزام الدليل للمحال، ويستند في ذلك المنع إلى أن البسملة نفسَها مستثناةٌ من حكم الدليل، فيقول: أمنع استلزام هذا الدليل المحال؛ لأن محل ذلك فيما لو كانت البسملة نفسُها مع كونها من الأمور ذواتِ البال داخلةً في عموم (كل أمر ذي بال)، لكنها غيرُ داخلة فيه، بل مستثناة منه. ومثال منع كونه محالًا أن يقول المعلل: هذان الأمران يتوقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر، وكل شيئين توقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر استحال إدراك أي واحد منهما؛ لاستلزام ذلك للدور المحال. فيقول السائل: دليلك هذا منقوض بالجوهر والعرض؛ فإنهما أمران يتوقف إدراك كل واحد منهما على إدراك الآخر، مع إمكان إدراكهما معًا كما هو مشاهد، والدور الذي استلزمه دليلك ليس محالًا؛ لأنه دور مَعِيٌّ، والمحال إنما هو الدور السبقي. وللمعلل بعد ورود النقض على دليله أن يثبت مُدّعاه بدليل آخر، فيكون ذلك إفحامًا من وجه، وإظهارًا للصواب من وجه.

стр. 248

فصل في المعارضة وهي الطريق الثالثة من الطرق الثلاث التي تقدم الكلام عليها (١). اعلم أولًا أن جميع طرق الاعتراض راجعة إلى شيئين: وهما المنع والمعارضة، وبعضهم ردها كلها إلى شيء واحد وهو المنع، كما قال صاحب مراقي السعود (٢): وللمعارضة والمنع معا ... أو الأخيرِ الاعتراضُ رجعَ واعلم أن المعارضة في الاصطلاح هي إقامة الخصم الدليلَ المنتجَ نقيضَ الدعوى التي استدل عليها خصمُه وأثبتها بدليله، أو المنتجَ ما يساوي نقيضها أو ما هو أخصُّ من نقيضها؛ لأن إقامته الدليلَ المنتجَ أحدَ الأمور الثلاثة يلزمه إبطال دعوى خصمه؛ لأنه إن ثبت نقيضها أو مساوي نقيضها أو أخصُّ من نقيضها بدليل المعارض فقد تحقق بطلانها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، واستحالة اجتماع الشيء ومساوي نقيضه، واستحالة اجتماع الشيء والأخص من نقيضه كما تقدم إيضاحه (٣). ومثال المعارضة بإثبات النقيض أن يقول المعلل المعتقد مذهبَ الفلاسفة الباطلَ في قدم العالم: العالم قديم، ثم يقيم الدليل في زعمه

стр. 249

الباطلِ على دعواه فيقول: لأنه أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، فهذا دليل على الدعوى نصبه المعلل لإثبات دعواه، ينتج في زعمه: العالم قديم. فيقول السائل: العالم غير قديم، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه متغير بالانعدام ونحوه من أنواع التغير، وكل ما هو كذلك فليس بقديم، ينتج: هو -أي العالم- ليس بقديم، وهذه النتيجة عين نقيض دعوى المستدل التي نصب عليها دليله وهي قوله: (العالم قديم)؛ لأن نقيض القديم (ليس بقديم). ومثال إنتاجه مساوي نقيض الدعوى التي استدل عليها المعلل أن يقال في هذا المثال الأخير: العالم متغير بالانعدام ونحوه من أنواع التغير، وكل ما هو كذلك فهو حادث، ينتج: العالم حادث. والحادث مساوٍ لنقيض القديم؛ لأن نقيض القديم (ليس بقديم)، والحادث مساو لـ (ليس بقديم) كما لا يخفى. ومثال إنتاجه ما هو أخص من نقيض الدعوى التي استدل عليها المعلل أن يقول المعلل المعتزلي المعتقد استحالةَ رؤية الله بالأبصار يوم القيامة: رؤية الله بالأبصار يلزمها كثير من أنواع مشابهة الخلق، وكل ما هو كذلك فهو مستحيل في حقه -تعالى-، فينتج له دليله هذا الباطلُ باطلًا، وهو قوله: رؤية الله -تعالى- بالأبصار مستحيلة، يعني لا تمكن عقلًا. فيقول السائل المعارض: رؤية الله -تعالى- بالأبصار يوم القيامة أخبر الله في كتابه، ورسولُه في الأحاديث الصحيحة بأنها واقعة

стр. 250

بالفعل، وكل ما هو كذلك فهو حق صحيح. وهذه النتيجة التي هي وقوع الرؤية بالفعل أخصُّ من إمكانها، الذي هو نقيض دعوى الخصم التي هي استحالتها كما قدمنا إيضاحَه. واعلم أن المعارضة عند أهل هذا الفن تختلف تقسيماتها باختلاف الاعتبارات، فتنقسم باعتبار ما تُوجه إليه إلى قسمين: الأول يسمى المعارضة في الدليل، والثاني يسمى المعارضة في العلة. وتنقسم باعتبار مقارنة دليل المعارضِ بدليل المعلل إلى ثلاثة أقسام: الأول المعارضة على سبيل القلب، والثاني المعارضة بالمثل، والثالث المعارضة بالغير، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة يكون معارضة في الدليل، ويكون معارضة في العلة، فالأقسام ستة من ضرب اثنين في ثلاثة. واعلم أن أنواع المعارضةِ في العلة والمعارضة في الدليل سنوضحها إن شاء الله إيضاحًا تامًّا في التطبيق على القادح المسمى في الأصول بالمعارضة (١)، ولذلك سنختصر القول فيهما هنا، وبالمثال يتضح معنى ما ذكرناه. اعلم أنه لو قال المعلل مثلًا: العالم حادث، فهذا التصديق دعوى؛ فإن أقام الدليل على هذه الدعوى فقال: لأنه متغير، وكل متغير حادث. ينتج: العالم حادث، فهذا دليل على هذه الدعوى، ومشتمل على مقدمتين كل واحدة منهما في ذاتها دعوى.

стр. 251

فلو أراد المعلل أن يقيم دليلًا على صغرى دليله هذا مثلًا التي هي (العالم متغير) فقال: لأنه لا يخلو عن الأكوان، وكل ما لا يخلو عن الأكوان فهو متغير، ينتج هو -أي العالم- متغير. والأكوان في اصطلاح المتكلمين هي الحركة والسكون والافتراق والاجتماع. فقد عرفت من هذا الكلام أنه ثلاث طبقات: الطبقة الأولى الدعوى الأصلية التي هي (العالم حادث). والثانية هي الدليل على هذه الدعوى الذي هو الأنه متغير، وكل متغير حادث). والثالثة إقامة الدليل على صغرى هذا الدليل التي هي (العالم متغير)، بأن يقول: لأنه لا يخلو عن الأكوان، وكل ما لا يخلو عنها فهو متغير. فلو أقام السائل الدليل على إبطال الدعوى الأصلية، وهي هنا (العالم حادث)، فأثبت بدليله نقيضها، أو مساويَ نقيضها، أو أخص من نقيضها، سُمي ذلك معارضة في الدليل، لأنه عارض دليل إثباتها بدليل إبطالها، ، وتسمى أيضًا معارضة في المدعَى، ومعارضة في الحكم. وإذا أقام السائل الدليل على إبطال المقدمة الصغرى من دليل الدعوى الأصلية التي هي في المثال المذكور (العالم متغير)، وكان ذلك بعد إقامة المعلل الدليل على صحتها بقوله: لأنه لا يخلو عن

стр. 252

الأكوان إلخ .. ، فأثبت بدليله نقيض تلك الصغرى، أو ما يساويه، أو ما هو أخص منه، بعد الاستدلال عليها، فإن ذلك يسمى معارضة في العلة، ويقال له أيضًا: معارضة في المقدمة. والحاصل أن المعارضة إن وُجهت إلى الدعوى الأصلية المدلل عليها فهي المعارضة في الدليل، وإن وجهت إلى إحدى مقدمات دليل الدعوى الأصلية فهي المعارضة في العله. وقد عرفت مما مر أن المعارضة لا توجه إلى إحدى مقدمات الدليل إلا إذا كانت تلك المقدمة قد استُدل عليها؛ لأنها إن لم تكن قد استدل عليها لا يتوجه إليها إلا المنع، وتعد معارضتها حينئذٍ غصبًا كما تقدم إيضاحه (١). وقد علمت مما مر أن كل واحد من هذين القسمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي: المعارضة على سبيل القلب، والمعارضة بالمثل، والمعارضة بالغير، وسنوضح إن شاء الله -تعالى- المعارضة على سبيل القلب وغيرَها مع أمثلة متعددة فقهية، في تطبيق المعارضة على القادح المعروف في الأصول بالمعارضة (٢)، ولذلك سنختصر الكلام عليها هنا. أما النوع الأول الذي هو المعارضة على سبيل القلب فهو معارضة دليل المعلل بعين دليله، وإيضاحه أن يقول له: دليلك هذا ينتج نقيض دعواك، فهو حجة عليك لا لك.

стр. 253

وسميت معارضة بالقلب لأنه قُلب عليه دليله بعينه حجةً عليه لا له، ومعلوم أن ذلك يلزمه اتحاد الدليلين: دليل المعلل، ودليل المعارض، شكلًا وضربًا، مع اتحادهما في الحد الوسط إن كانا اقترانيين، واتحادُهما وضعا ورفعا مع اتحادهما في الجزء المكرر إن كانا استثنائيين. ومثل له بعضهم بأن يقول المعلل المعتزلي المانع رؤية الله -تعالى-: رؤية الله غير جائزة عقلًا، ثم يقيم الدليل على ذلك في زعمه فيقول لأنها منفية بقوله -تعالى-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وكل ما كان كذلك فليس بجائز عقلًا، ينتج في زعمه: هي ليست بجائزة عقلا. فيقول السائل المعارض: رؤية الله جائزة عقلًا؛ لأنها منفية بقوله -تعالى-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلًا، ينتج: فهي جائزة عقلًا. فقد عارضه بنفس دليله، وأثبت به نقيض دعواه. ولا يخفى أن لكل من السائل والمعلل ملاحظةً في الدليل غيرَ ملاحظة الآخر، فباختلاف ملاحظة السائل لملاحظة المعلل أمكنه أن يقلب عليه دليله، ويستحيل قلبُ دليله عليه لا له مع اتحاد ملاحظتهما؛ لأن الدليل الواحد لا ينتج النقيضين من جهة واحدة كما لا يخفى، لكنه قد ينتج نتيجتين متناقضتين باعتبارين مختلفين. وإيضاحه في المثال المذكور أن المعتزلي لاحظ أن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] مقتضٍ لنفي رؤية الأبصار له مطلقا، ولكن خصمه

стр. 254

الذي قلب عليه دليله لاحظ في الآية ملاحظة أخرى، وهي أن الآية إنما نفت الإدراك المشعرَ بالإحاطة، فهي تدل على أن مطلق الرؤية بدون الإحاطة جائز عقلًا. ومن أمثلته الفقهية الآتية قول الشافعي: إن مسح الرأس في الوضوء يكفي فيه أقلُّ ما يطلق عليه اسم المسح، ولو كان الممسوح شعراتٍ قليلةً من الرأس. ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه مسح، وكل مسح يكفي فيه أقل ما يطلق عليه اسم المسح. فيعارضه الحنفي القائل بأن أقل ما يجزيء مسحُه من الرأس في الوضوء الربع، فيقول الحنفي المعارض: مسحُ الرأس ركن من أركان الوضوء، وكل ركن من أركان الوضوء لا يكفي فيه أقلُ ما يطلق عليه الاسم، كغسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، فلا يكفي في شيء من ذلك غسل أقل ما يطلق عليه اسم الغسل. فيقلب الشافعي عليه دليله على سبيل المعارضة بالقلب فيقول: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، وكل ركن من أركان الوضوء لا يكفي فيه الربع كالوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين؛ فإنه لا يكفي في شيء من ذلك غسل الربع. فتراه قلب عليه دليله، وأبطل دعواه أن الربع يجزئ دون أقل ما يطلق عليه الاسم، بعين دليله. وأما النوع الثاني: وهو المعارضة بالمثل فضابطه أن يتحد دليل المعارض مع دليل المعلل في الصورة مع الاختلاف في المادة، وذلك بأن يكون الدليلان من شكل واحد، ككونهما معًا من الشكل الأول مع

стр. 255

اختلافهما في الحد الوسط وغيره، كالمقدمتين الصغرى والكبرى، وكأن يكون الدليلان معًا من الشرطي المتصل المستثنى فيه نقيض التالي فيهما معًا مثلًا. وأما النوع الثالث: وهو المعارضة بالغير فضابطه أن تختلف صورة دليل المعارض وصورة دليل المعلل، كأن يكون دليل أحدهما من الشكل الأول ودليل الآخر من الشكل الثاني والثالث مثلًا، وكأن يكون دليل أحدهما اقترانيًا ودليل الآخر استثنائيًا. ومثالهما معًا بتقديم المعارضة بالغير ثم المعارضة بالمثل أن يقول المعلِّل المشترط للنية في الوضوء كالمالكي والشافعي والحنبلي: النية شرط في الوضوء. ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأن الوضوء طهارة هي قربة غيرُ معقولة المعنى، وكل ما كان كذلك تجب فيه النية، ينتج: الوضوء تجب فيه النية. فيقول السائل كالحنفي: لو كانت الطهارة التي هي الوضوء تشترط فيها النية لكانت النية تشترط في طهارة الخبث، التي هي إزالة النجاسة عن البدن والثوب مثلًا، لكنها لا تشترط في طهارة الخبث إجماعًا، ينتج: فهي لا تشترط في طهارة الحدث؛ لما قدمنا من أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، فدليل المعلل من القياس الاقتراني، ودليل المعارض من القياس الاستثنائي، فهذه معارضة بالغير. فيعارض المعلل الأول دليل المعارض بقياس استثنائي من نوعه فيقول: لو كانت طهارة الحدث كطهارة الخبث لكان موجَبُها في محل موجِبها، لكن موجَبَها ليس في محل موجِبِها، ينتج: فهي ليست

стр. 256

كطهارة الخبث، وكونها ليست مثلها مبطلٌ لدليل المعارض؛ لأن مبناه على تماثلهما. ومعنى كون موجَبها -بصيغه اسم المفعول- في محل موجبها -باسم الفاعل- أن موجَب طهارة الخبث في محل موجِبها؛ لأن الشيء الذي أوجبها هو التلبس بالخبث الذي هو النجاسة، وموجَبها هو الغسل؛ لأن الخبث أوجب الغسل، ولا يلزم إلا غسلُ عين المحل الذي فيه النجاس، فإن كانت النجاسة في اليد لم يلزم إلا غسل اليد، ولا يلزم غسل الرجل، فموجَبها -بالفتح- وهو الغسل في محل موجبها -بالكسر- وهو الخبَث، بخلاف طهارة الحدث؛ فإن موجَبها -بالفتح- ليس في محل موجِبها -بالكسر-، فلو خرجت ريح منه فخروجها موجِب للوضوء، فالوضوء موجَب -باسم المفعول الذي ربما عبرنا عنه بالفتح-، وخروج الريح موجب للوضوء -باسم الفاعل الذي ربما عبرنا عنه بالكسر-، ومحل الموجَب -بالكسر- الدبر؛ لأنه هو الذي خرجت منه الريح، والموجَب الذي هو الوضوء ليس في محل الدبر، بل هو في الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، فكون موجَب طهارة الخبث في محل موجبها يدل على أنها معقولة المعنى، فلا تُشترط لها النية، كون موجَب طهَارة الحدث في غير محل موجِبها يدل على أنها ليست معقولة المعنى، فتشترط لها النية. ومعارضة الدليل الثاني بالدليل الثالث في هذه الأمثلة مثال للمعارضة بالمثل؛ لأن الدليل في كل منهما قياس استثنائي متصل،

стр. 257

استُثنيَ فيه نقيض التالي فأنتج نقيض المقدم كما ترى. ومن أمثلة المعارضة بالمثل ما قدمناه من قول معتقد قدم العالم: العالم أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، ينتج في زعمه: العالم قديم. فيعارضه السائل بالمثل فيقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، ينتج: العالم حادث، فكل واحد من دليل المعلل ودليل المعارض اقتراني من الشكل الأول، وإن اختلف فيهما الحد الوسط والمقدمتان كما أوضحناه.

стр. 258

فصل في أجوبة المعلل عن المعارضة اعلم أن السائل إذا عارض دليل المعلل بنوع من أنواع المعارضة التي بينا فللمعلل أن يجيب عن تلك المعارضة بواحد من ثلاثة أجوبة: الأول منها: أن يمنع بعض مقدمات دليل المعارض التي لم يقم عليها المعارض دليلًا، بأن يطلب منه إثبات المقدمة بالدليل الدال على صحتها على نحو ما قدمنا في المنع (١). الثاني: أن يبطل دليل المعارض بالنقض، بأن يقول: إن مدلوله متخلف عنه، أو إنه مستلزم للمحال. وقد قدمنا أنه يقال له النقض الإجمالي (٢). والثالث: أن يثبت دعواه بدليل آخرَ غير الدليل الذي أورد السائل عليه المعارضة، والأظهر أن هذا الأخير مقبول، وأنه يفيد المعلل؛ [لجواز] (٣) أن يكون هذا الدليل الأخير الذي أقامة المعلل بعد المعارضة أقوى من دليل المعارض، ولأن دليله الأخير يقوّي دليله الأول، وقد يكون مجموعهما أقوى من دليل المعارض، وإن كان دليل المعارض أقوى من كل واحد منهما بانفراده:

стр. 259

لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويًّا (١) خلافًا لقوم من أهل هذا الفن منعوا هذا الوجهَ الأخي؛ لأنه انتقال من حجة إلى أخرى بعد إبطال الحجة الأولى، والأول أظهر كما ذكرنا، والعلم عند- الله تعالى-. ومثال منع بعض مقدمات دليل المعارض أن يقول المعلل: العالم حادث. ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه متغير بالانعدام والاجتماع والافتراق ونحو ذلك، وكل ما كان كذلك فهو حادث، ينتج: هو -أي العالم- حادث. فيعارضه الفلسفي الضال القائل بقدم العالم فيقول: العالم قديم. ثم يقيم الدليل على ذلك في زعمه الفاسد فيقول: لأن وجود الخالق القديمِ علةٌ في وجود العالم، وكل شيء علةُ وجوده قديمةٌ فهو قديم، ينتج: العالم قديم. فيجيب المعلل عن دليل المعارض هذا بمنع الصغرى فيقول: أمنع قولك (وجود الخالق القديم علة لوجود العالم)، وأقم دليلًا على ذلك. ولن يقيمه أبدًا. ومثال إبطاله دليل المعارض بالنقض هو ما قدمنا من أن المعلل السني يقول: العالم حادث. ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه

стр. 260

متغير بالانعدام والاقتران والاجتماع ونحو ذلك، وكل ما هو كذلك فهو حادث، فالعالم حادث. فيعارضه السائل الفلسفي فيقول: العالم قديم. ثم يقيم الدليل في زعمه الباطل على ذلك فيقول: لأنه أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم. فيجيب المعلل عن دليل المعارض هذا بالنقض الإجمالي فيقول: هذا الدليل منقوض بالحوادث اليومية المشاهد تجددها؛ لأنها أثر القديم وليست بقديمه، فالدليل منقوض بتخلف مدلوله عنه كما تقدم إيضاحه (١). ومثال إقامة المعلل دليلًا آخر بعد المعارضة أن يقول المعلل السني: العالم حادث؛ لأنه متغير بأنواع التغير التي ذكرنا، وكل ما كان كذلك فهو حادث، فالعالم حادث. فيقول المعارض الفلسفي الضال: العالم قديم؛ لأنه أثر القديم، وكل ما هو أثر القديم فهو قديم، فالعالم قديم. فينتقل المعلل إلى دليل آخر يثبت به حدوث العالم غيرِ دليله الأول فيقول: كل العالم مخلوق؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وكل مخلوق فهو حادث، ينتج: كل العالم حادث.

стр. 261

تنبيه: اعلم أن ما يصدقُ عليه اسمُ المؤثر عند أهل الحق وأهل الباطل محصور في ثلاثة أقسام: الأول: المؤثر بالاختيار، وهذا هو المؤثر الحق، وهو خالق السموات والأرض -جل وعلا-؛ إذ لا يقع أي شيء كائنًا ما كان إلا بقدرته ومشيئته. والثاني: المؤثر بالطبيعة عند الطبائعيين. والثالث: المؤثر بالعلة. وبرهان الحصر في الثلاثة أن المؤثر من حيث هو إما أن يصِح منه ترك التأثير وإما لا، فإن كان يصح منه ترك التأثير فهو المؤثر بالاختيار، ووجه ذلك واضح؛ لأنه لما صح منه التأثير وترك التأثير فقد اختار التأثير على تركه. وإن كان لا يصح منه ترك التأثير فإما أن يتوقف تأثيره على وجود الشرط وانتفاء المانع وإما ألا يتوقف على شيء من ذلك، فإن توقف تأثيره على وجود الشرط وانتفاء المانع فهو الذي يسمونه المؤثر بالطبيعة، وهو عندهم كتأثير النار بالإحراق؛ فإنها لا يصح منها تركه، مع توقفه على وجود الشرط وهو إثارتها وإبرازها من كمونها الأصلي في الزناد مثلًا، وانتفاءِ المانع بأن يكون الملاقي لها قابلًا للتأثير بالاحتراق، لا إن كان من شأنه إبطالها وإطفاؤها كالماء. وإن كان لا يتوقف تأثيره على وجود شرط ولا انتفاء مانع فهو الذي يسمونه المؤثر بالعلة، وهو عندهم كتأثير حركة الإصبع في حركة الخاتم. والفلاسفة يزعمون أن تأثير الخالق في خلقه بالعلة، والمعلولُ لا

стр. 262

يتأخر عن علته، ومن هنا زعموا أن العالم قديم، قبحهم الله، ما أشد عماهم وطمْس بصائرهم. والحق الذي لا شك فيه أن المؤثر في الحقيقة هو المؤثر بالاختيار (١)، وهو خالق السموات والأرض ومن فيهما وما بينهما، وهو المسبب ما شاء من المسبَّبات على ما شاء من الأسباب. ومن أعظم البراهين القرآنية على ذلك أن القرآن دل على أن إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- جُعل هو والحطب في النار، فأحرقت الحطب حتى صار رمادًا من حرها، في نفس الوقت التي هي فيه برد وسلام على إبراهيم؛ لأن المؤثر الحق شاء تأثيرها في الحطب، ولم يشأ تأثيرها في إبراهيم، بل قال لها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩] وقد بينّا حكم الأسباب واستعمالها والتوكل على الله في سورة مريم وفي غيرها في كتابنا "أضواء البيان في

стр. 263

إيضاح القرآن بالقرآن" والعلم عند الله -تعالى-. تنبيه: اعلم أنا مثلنا للدليل على حدوث العالم بالأمثلة التي رأيت ومرادنا فهمُ قواعد الأدلة، مع علمنا بكثرة مناقشة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف أهل الكلام، واختلاف طرقهم في إثبات حدوث العالم عقلا، ومناقشةِ القائلين بقدم الهيولى -التي هي مواد الأشياء وأصولُها- في حدوث (١) العالم، وكذلك مناقشة أرسطاطاليس (٢) وأتباعه في ذلك بادعاء قدم الأفلاك، فلم نطل هنا الكلام بمناقشاتهم وبيات الباطل منها؛ وكلامُنا في هذه المذكرة مع المسلمين، وكلُ مسلم يقنعه إقناعًا كاملا أن تقول له: كل العالم مخلوق لدخوله في عموم قوله -تعالى-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وكل مخلوق فهو حادث، ينتج: كل العالم حادث، مع أن قوله -تعالى-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] يغني عن دليل مركب يدل على ذلك، فلو اقتضت الحال أن يكون كلامنا مع غير المسلمين لاضطُررنا إلى بيان فساد الفاسد من تلك المناظرات وتصحيح الصحيح منها عن طريق المناظرة الصحيحة، المستندِ فيها العقلُ إلى الوحي الصحيح، ولا يتسع هذا المقام لذلك، ونرجو الله التوفيق للصواب، وحسبنا ونعم الوكيل.

стр. 264

فصل في ترتيب المناظرة في التصديق حسبما تقدم متفرقًا في هذه المذكرة؛ لأن جمعه في محل واحد بعد تفرقه يعين طالب العلم على إدراكه بسرعة. إعلم أولًا أنك إذا أُلقي إليك تصديق -ويقال له هنا: الدعوى، والمدَعى- فانظر في ألفاظه أولًا، فإن كان في بعض ألفاظه إجمال أو غرابة فلك حينئذ الاستفسار، وهو طلب تفسير اللفظ الذي فيه إجمال وغرابة، أي تعيين المراد به. ومثال ما فيه إجمال ما لو قال: (تؤخذ العين بالعين)؛ فإن لفظ العين فيه إجمال؛ لصدقه على الباصرة والجارية وغيرهما. ومثال ما فيه غرابة أن يقول: (من قتل بالزخيخ قتل به)، فالزخيخ وهو النار لفظ فيه غرابة. وعلى المستفسر إثبات الإجمال والغرابة، ويكفيه في إثبات الإجمال بيان احتمالين في اللفظ، كما لو قال: يجب أخذ العين بالعين. فقال المستفسر ما مرادك بالعين؟ فقال المعلل: ليس في كلامي إجمال حتى تستفسر عنه. فيثبت المستفسر الأجمال بأن العين تُطلق على الباصرة والجارية والنقد وغير ذلك. وإذا أثبت المستفسر الاحتمال فجواب المعلل صاحب التصديق بأحد أمرين: الأول: منع تعدد الاحتمال، كما لو قال المعلل: يجوز لك أن

стр. 265

تمنع الشرب من عينك. فيقول المستفسر: ما مرادك بالعين؟ فيقول: ليس في كلامي إجمال؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا. فيقول المستفسر: أليس لفظ العين في كلامك مشتركًا بين الباصرة والجارية وغيرهما؟ فيقول المعلل: لفظ الشرب في كلامي قرينة تعيّن أن مرادي العين الجارية، لا الباصرةَ ولا غيرها، فلا يحتمل كلامي إلا معنى واحدًا هو العين الجارية. الثاني: ترجيح الاحتمال الذي قصده على غيره من الاحتمالات، كان يقول المعلل: ذلك الشيح أسد. فيقول المستفسر: ما مرادك بالأسد؟ فيقول: لا إجمال في كلامي. فيقول الآخر: أليس الأسد يطلق على الحيوان المفترس وعلى الرجل الشجاع؟ فيقول الآخر: هو في الحيوان المفترس أظهرُ منه في الرجل الشجاع عند التجرد من القرائن، وحملُ اللفظ على الأظهر لازم؟ لرجحانه على غيره. وإذا كان المعلل معترفًا بالغرابة أو الإجمال لزمه بيان مراده من كلامه. وإذا كان لفظ صاحب التصديق ظاهر المعنى واضح الكلمات لا إجمال فيه ولا غرابةَ، أو كان فيه إجمال أو غرابة وبيّنه صاحبُه حتى صار واضح المعنى لا إشكال فيه من غرابة أو إجمال = فعليه بعد هذه الخطوة أن ينظر في كلام المعلل صاحب التصديق: هل هو ناقل لذلك التصديق عن غيره من كتاب أو راوٍ؟ أو هو آت به من تلقاء نفسه؟ وفي حال كونه ناقلا له عن غيره: هل هو ملتزم صحتَه أو ليس ملتزمًا لها؟ فإن كان ناقلًا ولم يلتزم صحة ما نقل فليس له أن يوجه إليه شيئًا إلا المطالبةَ بتصحيح النقل، ويلزمه حينئذ تصحيحُ نقله بإثباته ذلك بطريقٍ

стр. 266

من طرق الإثبات. وأما إن كان جاء بالتصديق من عند نفسه أو نقله والتزم صحته فعلى السائل أن يفعل كما يأتي: وهو أن ينظر في ذلك التصديق هل هو بديهي أو نظري؟ وإذا كان بديهيًا فهل هو جلي أو خفي؟ فإن وجد التصديقَ بديهيًا جليًا فعليه تسليمُه والأذعانُ له، وإن منعه فهو مكابر. وإن وجد التصديق نظريًا أو بديهيًا خفيًّا فلينظر: هل أقام صاحب التصديق البديهي الخفي عليه تنبيهًا أو لم يقمه عليه؟ وهل أقام صاحب التصديق النظري عليه دليلًا أو لم يقمه؟ فإن كان صاحب النظري لم يقم عليه دليلًا، وصاحب البديهي الخفي لم يقم عليه تنبيهًا، بل كلاهما دعوى مجردةٌ فليس للسائل إلا شيء واحد: وهو منع الدعوى المذكورة، وطلب الدليل عليها أو التنبيه، وعلى صاحب الدعوى أن يأتي بالدليل في النظري، أو التنبيه في البديهي الخفي. فإن كان صاحب التصديق الذي هو الدعوى قد أقام عليه دليلًا إن كان نظريًا، أو تنبيهًا إن كان بديهيًا خفيًّا، فللسائل حينئذ أن يعترض بإحدى الوظائف الثلاث الموضحة سابقًا، وهي (المنع) وهو المناقضة والنقض التفصيلي، و (النقض) ويقال له النقض الإجمالي، و (المعارضة)، وقد تقدم إيضاح الجميع وإقسامة وأمثلته، وعلى صاحب الدعوى بعد ورود أحد هذه الاعتراضات أن يجيب عنه، وقد بينا أوجه جوابه عن كل واحد منها. والعلم عند الله -تعالى-.

стр. 267

فصل في النقل اعلم أن النقل هو أن تذكر كلامًا لغيرك مع بيانك إسنادَه لمن نقلته عنه، كقولك: (قال مالك والشافعي إن النية شرط في صحة الوضوء، وقال أبو حنيفة بعكس ذلك). وسواء كان ذلك الكلام المنقول تصديقًا كما مثلنا، أو تعريفًا أو تقسيمًا أو غير ذلك، فإن التزم الناقل صحة ما نقل كأن يقول: (وما قاله مالك والشافعي هو الصحيح) في المثال المذكور، أو عكس ذلك، فهو مُدع، وهذا الذي قاله دعوى، فيجري فيه جميع ما ذكرناه في التصديق. وإن كان لم يلتزم صحة ما نقل: فإن كان بديهيًا أو مسلّمًا عند الخصم أو معتبرًا من ضروريات مذهبه لم يتوجه إليه شيء من الاعتراضات، ولزم خصمَه القبولُ والتسليم، وإن كان ليس كذلك فلا يتوجه إليه إلا المطالبة بتصحيح النقل، بطريق يَثبُت بها صحةُ ذلك النقل، وقد يسمى طلب تصحيح النقل منع الدعوى. وقد قدمنا في أول الكلام في البحث والمناظرة (١) أن الصواب مطالبتُه تصحيحَ النقل، خلافًا لمن زعم أن النقل ليس محلًا للمناظرة أصلًا. واختلف أهل هذا الفن في تصحيح النقل على القول به: هل هو

стр. 268

واجب أو مستحسن؟ فقيل يجب، وقيل يستحسن، وقيل: إن كان السائل جاهلًا بصحة النقل وجب طلب تصحيحه، صان كان عالمًا بأن النقل صحيح وأن الناقل صادق في نقله لم يجز له طلب التصحيح، وهذا ظاهر.

стр. 269

فصل في العبارة اعلم أن العبارة في اصطلاح أهل هذا الفن هي مطلق اللفظ الصادر من المتكلم، سواء كان تعريفًا أو تقسيمًا أو تصديقًا أو دليلًا أو غير ذلك. واعلم أن المناظرة تجري في العبارة، فيتوجه على العبارة الإبطال؛ بسبب أنها تخالف قاعدة من قواعد اللغة العربية، كأن يقول السائل في قول ذي الرمة: أمن دِمنةٍ جرّت بها ذيلَها الصَّبا ... لصيداء -مهلًا- ماءُ عينيكَ سافحُ (١) إنه خطأ؛ لمخالفته القاعدةَ العربية: وهي أن مفسِّر الضمير يكون مذكورًا قبل الضمير، وهنا جاء بالضمير الذي هو ضمير الغائبة الواحدة في لفظة (ذيلها) قبل مفسِّره، وهو لفظة (الصَّبأ)؛ لأن الأصل: جرَّت الصَّبا ذيلَها بها. فيقول المجيب: هذا ليس مخالفًا للقاعدة العربية؛ لأن الفاعل وإن تأخر لفظًا فهو متقدم رتبة، فكأنه مذكور قبل الضمير؛ لتقدمه في الرتبة، كما قال ابن مالك في الخلاصة (٢):

стр. 270

وشاع نحوُ خاف ربَّه عمر ... وشذ نحوُ زان نورُه الشجر وكأن يقول السائل في قول أبي الطيب المتنبي: هذي برزتِ لنا فهِجتِ رسيسًا ... ثم انثنيتِ وما شفيتِ نسيسا (١) إنه خطأ؛ لأن فيه نداءَ اسم الإشارة في قوله (هذي برزتِ) بحرف محذوف، ونداء أسماء الإشارة وأسماء الأجناس بأدوات محذوفة مخالف للقاعدة العربية. فيقول المجيب: نداء أسماء الإشارة وأسماء الأجناس بحرف محذوف هو مذهب الكوفيين، والمتنبي كوفي، كما قال ابن مالك في الخلاصة (٢): وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قلَّ ومن يمنعْه فانصر عاذِلَه وكأن ينصبَ المبتدأ بلكنْ المخففة، فيبطله السائل بأنها إن خُفّفت أُهملت، والنصبُ بها مخففةً مخالفٌ للقاعدة العربية. فيقول المجيب: هو جار على مذهب يونس (٣)، وهو من أئمة العربية، كما قال الشيخ المختار بن بونة في ألفيته الحمراء (٤):

стр. 271

(لكنّ) إن خفّفتها فأهملا ... ويونسٌ مجوزٌ أن تَعملا وعن يونسَ أنه حكى ذلك عن العرب، وبه قال الأخفش (١). وكأن يصوغ فِعْلي التعجب أو صيغةَ التفضيل من أفعل الرباعية، فيقول السائل: هذه العبارة غلط؛ لمخالفتها القاعدة العربية، وهي أن فِعْلي التعجب وصيغةَ التفضيل لا يُصاغ شيء منهما إلا من الثلاثي. فيقول المجيب: ظاهر كلام سيبويه جوازُ صوغ كل ذلك من أفعل -وهو مذهب أبي إسحاق (٢)، وقال به ابن عصفور (٣) - إن كانت همزة (أفعل) لغير النقل من اللزوم إلى التعدي مثلًا. وكأن يقول: هذا يضرُب هذا -بضم الراء في (يضرُب) -، وهذا يكتِب -بكسر التاء في (يكتِب) -. فيقول السائل: العبارة خطأ؛ لأن المشهور المستفيضَ عن العرب كسرُ راء (يضرِب)، وضم تاء (يكتُب).

стр. 272

فيقول المجيب: ضم راء (يضرُب)، وكسر تاء (يكتِب) جوازه جارٍ على مذهب الإمام أبي الحسن بن عصفور، وهو من أئمة اللغة العربية، وأمثال هذا كثيرة جدا. والظاهر أن مطلق السماع الذي يُحفظ ولا يقاس عليه لا يصح للمجيب الجوابُ به على معترض العبارة، كما لو جَزم المضارعَ بلن أو بلو، أو نصبه بلم، أو أثبت نون الرفع مع الجازم أو الناصب ونحو ذلك، كان يقول: هذه العبارة خطأ؛ لأنك نصبت المضارع بلم. فيقول المجيب: ذلك مسموع عن العرب، كقول الشاعر: في أي يومي من الموت أفرّ ... أيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِره (١) وقول الآخر: في كل ما همّ أمضى عزمه قدمًا ... ولم يشاورَ في الأمر الذي فعلا وعليه القراءة الشاذة (ألم نشرحَ) (٢) بالنصب، وهو قول ابن الشجري (٣). أو: هذه العبارة خطأ؛ لأنك جزمت فيها المضارع بأن أو بلن أو بلو.

стр. 273

فيقول المجيب: كل ذلك مسموع عن العرب، أما جزم المضارع بأن -بفتح الهمزة وتخفيف النون- فكقوله: إذا ما غدونا قال وِلْدانُ أهلِنا ... تعالوا إلى أن يأتِنا الصيدُ نحطِبِ (١) وقد أجازه بعض الكوفيين. ونقله اللحياني عن بعض بني صباح من ضبه. وجزمه بلن كقول كثيّر (٢): أيادي سبا يا عَزَّ ما كنتُ بعدكم ... فلن تحل للعينين بعدك منظر وقول الآخر: لن يخِبِ الآن من رجائكْ ... من حرك دون بابك الحلقهْ وجزمه بلو كقول الآخر: تامت فؤادك لو يحزنك ما فعلت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا (٣) وقول الآخر: لو يشأ طارَ بِهِ ذو ميعةِ ... لاحقُ الآطالِ نهدٌ ذو خُصَل (٤) والظاهر أن المحل الذي يكون للمعلل فيه الجواب عن اعتراض

стр. 274

العبارة لا بد أن يكون مستندًا فيه لقول إمام، كما ذكرنا عن يونس وابن عصفور، أو طائفةٍ كما ذكرنا عن الكوفيين، أو كونه مطّردًا، أو لغةً لبعض القبائل، أو موافقًا لقراءة سبعية مثلًا. ومثال ما هو موافق للغة بعض العرب إهمالُ (أن) ورفعُ المضارع بعدها حملًا على (ما) المصدرية، كقوله: أن تقرآن على أسماءَ ويحكما ... منى السلام [وألا] (١) تشعرا أحدا (٢) وإهمال (لم) ورفع المضارع بعدها حملًا على ما النافية كقوله: لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليقاء لم يوفون بالجار (٣) ومثال الموافق لقراءة سبعية العطف على ضمير خفض من غير إعادة الخافض، كقراءة حمزة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] بخفض (الأرحامِ) معطوفًا على الضمير المخفوض (٤). وكالفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعول المضاف، كقراءة ابن عامر (٥) ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ببناء (زُين) للمفعول، ونصب (أولادَهم)،

стр. 275

وخفضِ (شركائهم)؛ على أن لفظة (قتل) مضاف و (شركائهم) مضاف إليه، و (أولادَهم) منصوب هو مفعول المضاف، وقد حال بين المضاف والمضاف إليه. فمثل هذه الأشياء يصح بها للمعلل الجوابُ عن فساد العبارة بمخالفتها للقواعد العربية، والظاهر أن مطلق السماع لا يصح أن يكون جوابًا، وأمثلة النوعين كثيرة جدًّا في كلام العرب، ولكن لا نطيل الكلام بذلك زيادة على ما ذكرنا.

стр. 276

فصل في المصادرة وهي في اصطلاح أهل هذا الفن جعل نتيجة الدليل هي إحدى مقدمات الدليل بتغيير في اللفظ يكون سببًا لتوهم المغايرة بين النتيجة والمقدمة. كأن يقول: (هذا أسدٌ وكل أسد ليث)، ينتج: (هذا ليث) وهذه النتيجة هي نفسى الصغرى التي هي (هذا أسد)؛ إذ لا فرق بين (هذا أسد) و (هذا ليث)؛ لترادف الليث والأسد. وكأن يقول: (هذه نقلة، وكل نقلة حركة)، ينتج: (هذه حركة)، وهذه النتيجة هي صغرى الدليل التي هي (هذه نقلة)؛ لترادف النقلة والحركة. وينبغي اجتناب المصادرة في المناظرة؛ لما فيها من الإيهام الذي بيّنّا، والمكابرةُ قد قدمنا معناها وأنها غير مقبولة (١). فصل في المعاندة وهي في اصطلاح أهل هذا الفن المنازعة بين شخصين لا يفهم أحدهما كلام الآخر، وهو يعلم فساد كلامه الذي تكلم به. فصل في المجادلة وهي في اصطلاحهم المنازعةُ لا لإظهار الحق، بل لإلزام

стр. 277

الخصم، وبعض أهل العلم يفصّل في المجادلة: فإن كان قصدُه بها ظهورُ الحق فهي كما ذكرنا آنفًا، ويدل على التفصيل المذكور قوله -تعالى-: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] كما قدمنا الإشارة إليه (١)، ولا مشاحة في الاصطلاح. فصل في الجواب الجدلي وهو عندهم ما يذكره المجيب وهو يعتقد بطلانه، سواءٌ كان باطلًا في نفس الأمر أو غيرَ باطل، والمنطقيون يقولون إن المراد بالحجة الجدليةِ إفحامُ الخصم، أو إقناعُ القاصر عن الدليل، كما هو معروف. والاستفسار قد قدمنا إيضاحه وأوجه الجواب فيه (٢). فصل في انتهاء المتناظرَين لا يخفى أنه لا بد في المناقشة أن تنتهي بعجز أحدهما عن دفع دليل الآخر، فإن كان العاجز هو السائل سمي ملزَمًا، وسمي عجزُه إلزامًا، وإن كان العاجز هو المعلِّل سُمي مفحَما، وسُمي عجزه إفحامًا.

стр. 278

فصل في آداب المتناظرَين التي ينبغي أن يلتزماها ١ - فمنها أن يتحرزا عن إطالة الكلام في غير فائدة، وعن اختصاره اختصارًا يخل بفهم المقصود من الكلام. ٢ - ومنها أن يتجنبا غرابة الألفاظ وإجمالها. ٣ - ومنها أن يكون كلامهما ملائما للموضوع، ليس فيه خروجٌ عما هما بصدده. ٤ - ومنها ألا يستهزئ أحدُهما بالآخر ويسخرَ منه. ٥ - ومنها أن يقصِد كل منهما ظهورَ الحق، ولو على يد خصمِه. ٦ - ومنها ألا يتعرّض أحدُهما لكلام الآخر حتى يفهمَ مرادَه من كلامه. ٧ - ومنها أن ينتظر كل واحد منهما صاحبَه حتى يفرغَ من كلامه، ولا يقطعَ عليه كلامَه قبل أن يتمَّه. ٨ - ومنها أن يتجنب المناظرةَ مع من هو من أهل المهابة العظيمة والاحترامِ العظيم؛ كيلا تُدهشَه وتُذهلَه جلالةُ خصمه عن القيام بحجته كما ينبغي. ٩ - ومنها ألا يحتسب خصمه حقيرًا قليل الشأن؛ لأن ذلك يؤديه إلى عدم الجد والاجتهاد في القيام بحجته، فيكون ذلك سببًا لغلبة الخصم الضعيف له، وغلبةُ القِرن الحقير أشنع من غلبة القِرن العظيم، كما قال

стр. 279

الشاعر (١): ولو أني بُليتُ بهاشميٍّ ... خُؤولتُه بنو عبد المَدانِ لهان عليّ ما ألقى ولكنْ ... تعالوا فانظروا بمَن ابتلانيِ وعن حاتم الطائي لما لطمته عجوز قبيحة قال: لو ذاتُ سوار لطمتني (٢).

стр. 280

فصل في آيات قرآنية تستلزم طرقَ المناظرة المصطلح عليها اعلم أولا أن العلامة الشيخ محمد بن الحسن البناني (١) قال فيم شرحه لسلم الأخضري: ذكروا (٢) أن الأشكال الثلاثة موجودة -أي بالقوة- في القرآن العظيم: أما الأول: ففي احتجاج إبراهيم الخليل -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- علي انفراد الله بالربوبية ونفيِها عن النمرود، حيث ادعاها وقال للخليل: من ربك؟ فقال: ربي الذي يحي ويميت. فأحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، وقال: أنا أحي وأميت؛ فهذا أمته وهذا أحييتُه. فانتقل (٣) [به] (٤) الخليل إلى ما [لا] (٥) يتعلق به كسب المخلوق فقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبُهت الذي كفر، وانحسمت شبهتُه.

стр. 281

فقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: في قوة قوله: أنت لا تقدر أن تأتي بالشمس من المغرب، وكل من لا يقدر على ذلك فليس برب، ينتج: أنت لست برب. فالصغرى يمكن أن تؤخذ من قوله (فأت بها من المغرب)؛ لأنه أمر تعجيز، وتؤخذ أيضًا من شاهد حال النمرود -لعنه الله-، ولا يسعه إنكارها، والكبرى عكس نقيض قضية مفهومه من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: وهي: ربي يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب، أي كما أتى بها من المشرق. فيُعكس [بعكس] (١) النقيض الموافق إلى الكبرى، والنمرود أيضًا يسلمها، فلهذا بهت. والظاهر أن قولهم في الصغرى: (أنت لا تقدر) موجبة معدولة؛ ليكون الوسط مكررًا، وقولَهم في الكبرى: (وكل من لا يقدر) محصلةٌ سالبة، وإن لم تسوّر بالسور المتعارف للكلية السالبة؛ لأن المعتبر المعنى لا اللفظ. ولو جُعل (عاجز) مكان (لا يقدر) ويقال في الكبرى: (ولا شيء من العاجز برب) لكان أولى. ثم يصح سوق الدليل استثنائيًا فيقال: لو كنتَ يا نمرودُ ربي

стр. 282

لقدَرتَ على الإتيان بالشمس من المغرب، لكنك لا تقدر عليه، ينتج: فلست بربي. ويمكن أن يساق من الشكل الثاني بأن يقال: ما أنت قادرٌ على أن تأتيَ بالشمس من المغرب، وربي قادر على أن يأتي بها، ينتج: فلست بربي؛ فليس المقصود حصرَ المستنبط من الآية في الشكل الأول، وكأنهم رأوه أظهر من غيره. وأما الشكل الثاني: ففي استدلال إبراهيمَ الخليلِ أيضًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بالأفول على نفي الربوبية عن الكواكب والقمر والشمس في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآية [الأنعام: ٧٦]؛ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] في قوة قوله: هذه آفلة، وربي ليس بآفل، ينتج من الشكل الثاني: هذه لست بربي، فالصغرى من قوله: (فلما أفل)، والكبرى من قوله: (لا أحب الآفلين). إذ المعنى: لا أحب عبادتهم؛ لأن الرب وهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا يأفل أبدًا. ويمكن سوقُه من الشكل الأول، وهو أَسهل، بأن يقال: هذه آفلة، ولا شيء من الآفل بربي، ينتج: هذه ليست بربي. ويمكن سوقُه من الاستثنائي بأن يقال: لو كانت هذه ربي ما أفلت، لكنها أفلت، ينتج: فليست بربي. ويمكن سوقُه من الشكل الرابع بأن يقال: الآفل ليس بربي، وهذه آفلة، ينتج: ربي ليس بهذه. وينعكس إلى: هذه ليست بربي، لكن

стр. 283

الشكل الرابع لبعده عن الطبع لا يُصار إليه مع تأَتي غيره. وأما الشكل الثالث: ففي رد الله على اليهود في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] توصلًا منهم إلى إنكار نبوة سيدنا محمد ﷺ ، فكأنهم يقولون: (هو بشر. ولا شيء من البشر أُنزل عليه الكتاب) وصغرى المقدمتين حق، وكبراهما باطلة، وهم يزعمون صدقها، فينتج لهم (هو ﷺ ما أُنزل عليه الكتاب) فرد الله عليهم بقوله -سبحانه-: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. ونظْمُه من الشكل الثالث: (موسى- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بشر، وموسى أُنزل عليه الكتاب) وكلتا المقدمتين حق، وهم يسلمون ذلك، ينتج من الشكل الثالث: (بعض البشر أنزل عليه الكتاب)؛ لأن الثالث لا ينتج إلا جزئية، وهذه النتيجة جزئية موجبة، تناقض السالبة الكلية التي جعلوها كبرى، يعني قولهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، فبطل بذلك إنكارُهم لنبوة سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. ثم قال البناني ﵀ قال السعد (١): الحد الوسط في الشكل الأول والرابع ليس بمتكرر، لأنه إذا وقع محمولًا فالمراد به المفهوم، وإذا وقع موضوعًا فالمراد به الذات.

стр. 284

قلت (١): إن أريد بكون المحمول هو المفهوم [أن] (٢) ذات الموضوع عينُ مفهوم المحمول ففساده ظاهر، وإن أريد أنه يصدق عليه مفهوم المحمول فتكرر الحد الوسط في الشكلين ظاهر. انتهى كلام البناني بطوله، وجلُه واضح عند من فهم المقدمة المنطقية التي كتبنا قبل الشروع في البحث والمناظرة، وفي كلامه إشكالات تحتاج إلى جواب، وفيه بعض الاصطلاحات التي لم نوضحها في المقدمة المنطقية. اعلم أولًا أن ما ذُكر من تكرار الحد الوسط في الأول والرابع باعتبار أن مفهوم المحمول صادق على ذات الموضوع واضح لا إشكال فيه، كما قدمنا إيضاحه في المقدمة المنطقية (٣) في اختلاف المراد بالمحمول والموضوع في الحكم. ومن الأسئلة المذكورة أن الدليل الذي بُيّن نظمُه من الشكل الثالث بصورة (موسى بشر، موسى أُنزل عليه الكتاب) ينتج من الشكل الثالث: (بعض البشر أنزل عليه كتاب) وهي جزئية موجبة، نقيضُ السالبة الكلية التي هي قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فهو إبطال دليل بإثبات نقيضه، على نحو الطرق المعروفة في المناظرة = يتوجه إليه السؤال بأن يقال: قد تقدم في شروط إنتاج الشكل الثالث أن تكون إحدى مقدمتيه كلية، وهذا الشكل الثالث الذي

стр. 285

نُقض به دليل اليهود ليست إحدى مقدمتيه كلية؛ لأن مقدمتيه كلتيهما شخصيتان؛ لأن موضوع كل واحدة منهما شخص، وهو موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-. والجواب هو أن كل ما تُشترط فيه الكليةُ تُنتج فيه الشخصيةُ؛ لاتحاد الكلية والشخصية في أن الحكم بالمحمول شامل لجميع أفراد الموضوع؛ أما في الكلية فحصر الأفراد بالسور الكلي، وأما في الشخصية المخصوصة فالحصر بأصل الوضع، فالحصر واقع في كل واحدة منهما، وهذا الجواب يجاب به عما في كلامه من الإتيان بالشخصية في موضع الكلية في بعض الأدلة التي ساق. واعلم أن البناني ﵀ لما قال إن قول إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في قوة (أنت لا تقدر على أن تأتي بالشمس من المغرب، وكل من لا يقدر على ذلك فليس ربي) ينتج من الشكل الأول: (أنت لست بربي)، وبيَّن كيف أُخذت صحة المقدمتين من الآية وشاهِدِ الحال = احتاج إلى أن يجيب عن سؤال وارد على كل واحدة من المقدمتين: أَما الصغرى وهي قوله: (أنت لا تقدر أن تأتي بالشمس .. إلخ) فيقال فيه: هذه صغرى قياس من الشكل الأول، وصغراها يشترط لإنتاجه أن تكون موجبة. فأجاب أن النفي في قوله: (أنت لا تقدر) من قبيل العدول لا من قبيل السلب، فهي موجبة معدولة، لا محصلةٌ سالبة، وبكونها موجبةً معدولةً صح شرط الإنتاج، وقوله: (كل من لا يقدر) محصلة سالبة
следующие страницы →