فقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: في قوة قوله: أنت لا تقدر أن تأتي بالشمس من المغرب، وكل من لا يقدر على ذلك فليس برب، ينتج: أنت لست برب.
فالصغرى يمكن أن تؤخذ من قوله (فأت بها من المغرب)؛ لأنه أمر تعجيز، وتؤخذ أيضًا من شاهد حال النمرود -لعنه الله-، ولا يسعه إنكارها،
والكبرى عكس نقيض قضية مفهومه من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: وهي: ربي يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب، أي كما أتى بها من المشرق. فيُعكس [بعكس] (١) النقيض الموافق إلى الكبرى، والنمرود أيضًا يسلمها، فلهذا بهت.
والظاهر أن قولهم في الصغرى: (أنت لا تقدر) موجبة معدولة؛ ليكون الوسط مكررًا، وقولَهم في الكبرى: (وكل من لا يقدر) محصلةٌ سالبة، وإن لم تسوّر بالسور المتعارف للكلية السالبة؛ لأن المعتبر المعنى لا اللفظ.
ولو جُعل (عاجز) مكان (لا يقدر) ويقال في الكبرى: (ولا شيء من العاجز برب) لكان أولى.
ثم يصح سوق الدليل استثنائيًا فيقال: لو كنتَ يا نمرودُ ربي
стр. 282
لقدَرتَ على الإتيان بالشمس من المغرب، لكنك لا تقدر عليه، ينتج: فلست بربي.
ويمكن أن يساق من الشكل الثاني بأن يقال: ما أنت قادرٌ على أن تأتيَ بالشمس من المغرب، وربي قادر على أن يأتي بها، ينتج: فلست بربي؛ فليس المقصود حصرَ المستنبط من الآية في الشكل الأول، وكأنهم رأوه أظهر من غيره.
وأما الشكل الثاني: ففي استدلال إبراهيمَ الخليلِ أيضًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بالأفول على نفي الربوبية عن الكواكب والقمر والشمس في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآية [الأنعام: ٧٦]؛ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] في قوة قوله: هذه آفلة، وربي ليس بآفل، ينتج من الشكل الثاني: هذه لست بربي، فالصغرى من قوله: (فلما أفل)، والكبرى من قوله: (لا أحب الآفلين). إذ المعنى: لا أحب عبادتهم؛ لأن الرب وهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا يأفل أبدًا.
ويمكن سوقُه من الشكل الأول، وهو أَسهل، بأن يقال: هذه آفلة، ولا شيء من الآفل بربي، ينتج: هذه ليست بربي.
ويمكن سوقُه من الاستثنائي بأن يقال: لو كانت هذه ربي ما أفلت، لكنها أفلت، ينتج: فليست بربي.
ويمكن سوقُه من الشكل الرابع بأن يقال: الآفل ليس بربي، وهذه آفلة، ينتج: ربي ليس بهذه. وينعكس إلى: هذه ليست بربي، لكن
стр. 283
الشكل الرابع لبعده عن الطبع لا يُصار إليه مع تأَتي غيره.
وأما الشكل الثالث: ففي رد الله على اليهود في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] توصلًا منهم إلى إنكار نبوة سيدنا محمد ﷺ ، فكأنهم يقولون: (هو بشر. ولا شيء من البشر أُنزل عليه الكتاب) وصغرى المقدمتين حق، وكبراهما باطلة، وهم يزعمون صدقها، فينتج لهم (هو ﷺ ما أُنزل عليه الكتاب) فرد الله عليهم بقوله -سبحانه-: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١].
ونظْمُه من الشكل الثالث: (موسى- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بشر، وموسى أُنزل عليه الكتاب) وكلتا المقدمتين حق، وهم يسلمون ذلك، ينتج من الشكل الثالث: (بعض البشر أنزل عليه الكتاب)؛ لأن الثالث لا ينتج إلا جزئية، وهذه النتيجة جزئية موجبة، تناقض السالبة الكلية التي جعلوها كبرى، يعني قولهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، فبطل بذلك إنكارُهم لنبوة سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه.
ثم قال البناني ﵀ قال السعد (١): الحد الوسط في الشكل الأول والرابع ليس بمتكرر، لأنه إذا وقع محمولًا فالمراد به المفهوم، وإذا وقع موضوعًا فالمراد به الذات.
стр. 284
قلت (١): إن أريد بكون المحمول هو المفهوم [أن] (٢) ذات الموضوع عينُ مفهوم المحمول ففساده ظاهر، وإن أريد أنه يصدق عليه مفهوم المحمول فتكرر الحد الوسط في الشكلين ظاهر. انتهى كلام البناني بطوله، وجلُه واضح عند من فهم المقدمة المنطقية التي كتبنا قبل الشروع في البحث والمناظرة، وفي كلامه إشكالات تحتاج إلى جواب، وفيه بعض الاصطلاحات التي لم نوضحها في المقدمة المنطقية.
اعلم أولًا أن ما ذُكر من تكرار الحد الوسط في الأول والرابع باعتبار أن مفهوم المحمول صادق على ذات الموضوع واضح لا إشكال فيه، كما قدمنا إيضاحه في المقدمة المنطقية (٣) في اختلاف المراد بالمحمول والموضوع في الحكم.
ومن الأسئلة المذكورة أن الدليل الذي بُيّن نظمُه من الشكل الثالث بصورة (موسى بشر، موسى أُنزل عليه الكتاب) ينتج من الشكل الثالث: (بعض البشر أنزل عليه كتاب) وهي جزئية موجبة، نقيضُ السالبة الكلية التي هي قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فهو إبطال دليل بإثبات نقيضه، على نحو الطرق المعروفة في المناظرة = يتوجه إليه السؤال بأن يقال: قد تقدم في شروط إنتاج الشكل الثالث أن تكون إحدى مقدمتيه كلية، وهذا الشكل الثالث الذي
стр. 285
نُقض به دليل اليهود ليست إحدى مقدمتيه كلية؛ لأن مقدمتيه كلتيهما شخصيتان؛ لأن موضوع كل واحدة منهما شخص، وهو موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-.
والجواب هو أن كل ما تُشترط فيه الكليةُ تُنتج فيه الشخصيةُ؛ لاتحاد الكلية والشخصية في أن الحكم بالمحمول شامل لجميع أفراد الموضوع؛ أما في الكلية فحصر الأفراد بالسور الكلي، وأما في الشخصية المخصوصة فالحصر بأصل الوضع، فالحصر واقع في كل واحدة منهما، وهذا الجواب يجاب به عما في كلامه من الإتيان بالشخصية في موضع الكلية في بعض الأدلة التي ساق.
واعلم أن البناني ﵀ لما قال إن قول إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في قوة (أنت لا تقدر على أن تأتي بالشمس من المغرب، وكل من لا يقدر على ذلك فليس ربي) ينتج من الشكل الأول: (أنت لست بربي)، وبيَّن كيف أُخذت صحة المقدمتين من الآية وشاهِدِ الحال = احتاج إلى أن يجيب عن سؤال وارد على كل واحدة من المقدمتين:
أَما الصغرى وهي قوله: (أنت لا تقدر أن تأتي بالشمس .. إلخ) فيقال فيه: هذه صغرى قياس من الشكل الأول، وصغراها يشترط لإنتاجه أن تكون موجبة.
فأجاب أن النفي في قوله: (أنت لا تقدر) من قبيل العدول لا من قبيل السلب، فهي موجبة معدولة، لا محصلةٌ سالبة، وبكونها موجبةً معدولةً صح شرط الإنتاج، وقوله: (كل من لا يقدر) محصلة سالبة
стр. 286
وإن لم تسور بالسور المتعارف للكلية السالبة؛ لأن السور المتعارفَ لها أَن يقال مثلًا: (ولا شيء ممن لا يقدر على ذلك بربي).
واعلم أن ضابط العدول في الاصطلاح هو اقتران السلب بالمحمول؛ بأن يكون السلب بعد الرابطة، وهي (١) في الاصطلاح: اللفظُ الدال على ثبوت المحمول للموضوع.
ولما كانت اللغة العربية غيرَ محتاجة إلى الرابطة؛ للاكتفاء عنها بالاشتقاق والاضافة ومطلق الإسناد، نحو (زيد أخوك)، اصطلحوا على أن يجعلوا الرابطة هي ضمير الفصل، فكل سلب كان مقترنًا بالمحمول بعد ضمير الفصل فهو العدول، وما سوى ذلك يسمى بالتحصيل.
فمثال المعدولة الموجبةِ: زيد هو ليس عالمًا.
ومثال السالبة المحصّلة: زيد ليس هو عالمًا.
ومثال المحصَّلة الموجبة: زيد عالم.
ومثال المعدولة السالبة: ليس زيد هو ليس عالمًا.
فالمعدولة السالبة يرجع معناها إلى معنى المحصلة الموجبة؛ لأن نفي النفي فيها إثبات، فيؤول للمحصلة الموجبة.
والسالبة المحصلة والموجبة المعدولة يتعذر الفرق بينهما.
стр. 287
فالسالبة المحصلة كقولك: زيد هو ليس عالمًا، والمعدولة الموجبة كقولك: زيد ليس هو عالمًا.
وحاصل الفرق بينهما في اللفظ أن السلب في المعدولة بعد الضمير، وفي المحصلة قبله.
والأقدمون من علماء المنطق يفرّقون بينهما بأن الموجبة المعدولةَ تقتضي وجود الموضوع، والسالبةَ المحصلة لا تقتضي وجود الموضوع.
وقد أوضحت في أرجوزتي في فن المنطق أن هذا الفرق بينهما الذي اعتمده الأقدمون من المنطقيين فرق باطل، وأن الموجبة لا تقتضي وجود الموضوع كالسالبة، وذلك في قولي في الأرجوزة المذكورة:
والفرق بين السالب المحصّلْ ... وذي عدولٍ موجَبٍ لم يُعقلْ
وبعضُهم بينهما قد فَرَّقا ... ونور وجه الفرق لي ما أشرقا
والفرق باقتضاء موجَبٍ فقط ... وجودَ موضوعٍ يحثٍ قد سقطْ
إذ كل محمول لديهم عدمي ... أو بين ذي الوجودِ مع ذي العدمِ
مشترك فحمْلُه إذًا على ... موضوعِهِ المعدومِ قطعًا قُبلا
ألا ترى في قولنا: المعدومُ ... ممكنٌ أو مذكورٌ أو مفهومُ
فهذه موجَبةٌ لن يوجَدا ... موضوعُها فما اقتضته أبدا
стр. 288
بل ربما لزم أن ينعدِما ... موضوعُ بعضِ الموجَباتِ فاعلما
فالمستحيلُ ذو انعدامٍ موجَبُ ... وعدم الموضوع فيه يوجبُ
وبحر زئبقٍ كذاك ممكنُ ... منعدم موجَبُه لا تؤذنُ
بكون موضوعٍ لها موجودًا ... فبطل اقتضاؤُها الوجودا
فبان مِن ذا للمذكيِّ الحاذق ... الباذقِ (١) انعدامُ وجهِ الفارق
والحق في ذاكَ هو التفصيلُ ... فيما له عدولٌ أو تحصيلُ
فكل ما منها اقتضت قيامَ ... وصفٍ بموضوع لها إذا ما
يكونُ وصفُها وجوديًا فقدْ ... صحَّ اقتضاؤها وجودَه فقدْ
لأن منع وصفِ ما قد عُدما ... بصفةٍ ذاتِ وجودٍ عُلما
مثالُ ما ذكرتُ: زيد قائمْ ... أو جالس أو أبيضٌ أو عالمْ
إذِ البياضُ والجلوسُ والقيامْ ... ممتنع وجودُها من ذي انعدامْ
إذْ يستحيلُ أن يقومَ العرَضُ ... بنفسه بدون جِرم يعرضُ
وغيرُ ما ذكرتُه لا يقتضي ... وجودَه موجَبًا اولا فارتضِ
كمثل زيدٌ ممكن أو معلومْ ... فالحكمُ فيه صادقٌ في المعدومْ
والحاصل أن الأمثلة التي ذكرها البناني تستلزمُ إبطال حجة
стр. 289
الخصم الضال، بما فيه بالقوة الطرقُ المعروفة في المناظرة.
فالنمرود مثلًا ادعى الربوبية لنفسه، وأقام على ذلك دليلًا في زعمه، فقتل رجلًا وترك آخر وقال: أنا أحي وأميت؛ أي وكل من يحيى ويميت فهو الرب، ينتج له على زعمه الفاسد: أنا الرب.
فأبطل إبراهيم هذه الدعوى الباطلةَ التي هي كفرٌ بواحٌ بدليلٍ مقتضاه: أنت عاجز عن الإتيان بالشمس من المغرب، وكل عاجز عن ذلك فليس برب، ينتج: أنت لست برب.
فعارض دليله بدليل صحيح أنتج نقيض دعواه، فصح بطلانها بإثبات نقيضها كما تقدم إيضاحُه (١)، وأن قومه زعموا ربوبية الشمس والقمر والكواكب، واستدلوا على ذلك بأدلتهم الفاسدة، فأقام إبراهيم الدليلَ المنتجَ نقيضَ دعواهم، وحاصله: هذه آفلة، ولا شيء من الآفل برب، ينتج: هذه ليس واحد منها برب. وهو نقيض دعواهم، وبإثبات نقيضها يتحقق بُطلانها.
ولا شك أن حجة إبراهيمَ هذه مركبةٌ من مقدمتين: الأولى أفولها، في قوله في كل واحد منها: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والثاني عدم ربوبية الآفل في قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦].
واستنتاج هذه الدعوى المبطِلةِ دعوى الخصم سمّاه الله حجة، وأضافها إلى نفسه، وذكر امتنانه على إبراهيمَ بذلك في قوله بعد ذكر
стр. 290
المناظرة المذكورة: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]، والتحقيق أن المناظرة المذكورة داخلة في الحجة المذكورة، خلافًا لمن زعم أن الحجة مختصة بقوله: ﴿وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١] الآية، بل التحقيق أنها شاملة لاستنتاج بطلان دعواهم الكفرية من مقدمات صحيحةٍ تُنتج نتيجةً حقًّا، وهي أنه لا رب إلا اللهُ وحدَه.
وهذه الحجة التي هي استنتاج النتائج الصحيحةِ من المقدمات الصحيحة المقتضيةِ بطلانَ الحجج الكفريةِ نوّه الله بها، وأضافها لنفسه بصيغة التعظيم في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ [الأنعام: ٨٣]، وذكر امتنانه بها على إبراهيم، وأشار إلى أن من آتاه الله ذلك النوعَ من الحجة أنه يكون فيه رفعُ درجتِه، وذلك في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] الآية، ويدخل في عموم الآية رفع درجة إبراهيم بما آتاه ربه من الحجة القاطعة على قومه.
ولا شك أن اليهود لما قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أنهم يقصدون بذلك نفي إنزال الكتاب على نبينا ﷺ ، فحذفوا الصغرى والنتيجة كما أوضحنا في كلام البناني، وكانت عمدةُ دليلهم الكبرى التي هي كليةٌ سالبة، التي هي قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
وأن قوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] ينتج نقيض دعواهم، لأن موسى بشر، وقد أُنزل عليه كتاب هو التوراة، فيلزم من ذلك أن بعض البشر وهو موسى أُنزل عليه كتاب هو التوراة، فهذه جزئية موجبة هي نقيض السالبة الكلية التي
стр. 291
احتجوا بها، و [بإنتاج] (١) الدليل نقيضَ حجة الخصم يتحقق بطلانها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، قال الأخضري في سلمه:
وإن تكن سالبةً كليةْ ... نقيضُها موجبةٌ جزئيةْ
وقال في نحو جواز حذف اليهود المقدمةَ الصغرى والنتيجةَ من دليلهم:
والحذف في بعض المقدماتِ ... أو النتيجة بعلمٍ آتي
ومن الآيات المتضمنة لإبطال الحجج الكفرية على طريق المناظرة المعروفة قوله -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ لأن الكفار -قبحهم الله- ادعوا آلهة كثيرة مع الله، وعبدوها معه، واستدلوا على تعدد الآلهة بشبهٍ كفرية واهية، هي في زعمهم أدلة:
منها قول بعضهم: إن العالم أكثر شؤونًا من أن يمكن أن يقوم بجميع شؤونه إله واحد، فلا يمكن أن يقوم بذلك مع كثرته إلا آلهةٌ كثيرة.
ومنها قول بعضهم إن عبادة الآلهة معه قربةٌ إليه مشروعة، كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
ولأجل شبههم الواهيةِ استَبعدوا كلَّ الاستبعاد أن يكون الإله واحدًا، فقالوا فيما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ
стр. 292
عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]، فأقام الله -جل وعلا- الدليل القاطع الذي يُلقم كل مخالف حجرًا، على أنه هو الإله وحده -جل وعلا-، ولا يمكن بحال أن تكون معه آلهةٌ أخرى فقال -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
فهذه شرطية متصلة لزومية، استثناء نقيض تاليها محذوف لظهوره، أي لكنهما لم تفسدا، ينتج: لم يكن فيهما آلهة إلا الله، وهذه النتيجة القطعية لهذا القياس الشرطي المتصل التي هي (لم يكن فيهما آلهة غير الله) نقيض دعواهم تعدّدَ الالهة، وقد عرفت مما أوضحنا في البحث والمناظرة (١) أنه إذا قام الدليل القاطع على نقيض الدعوى تحقق بطلان تلك الدعوى بسبب ثبوت نقيضها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين.
ووجه صحة الربط بين المقدم والتالي في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أوضحه -تعالى- بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١]، وأشار له بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]، على أصح التفسيرين.
ولأجل (٢) أن القرآن بين أن موجِب فساد السموات على فرض
стр. 293
المحال الذي [هو] (١) تعددُ الآلهة هو استقلال كل إله دون الآخر بما خلق، وغلبةُ بعضهم لبعض، ونحوُ هذا لا يمكن أن يقوم عليه نظام السموات والأرض، وتنتظمَ معه شؤون العالم، بل هو مستلزم لفساد السموات والأرض، وضياعِ من فيهما.
ولما بين إبطال دعواهم الكفريةِ بالدليل القاطع نزه نفسه، وذلك فيه تأكيد لصحة إنتاج الدليل المذكور بطلانَ دعوى الكفار، وذلك في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ فقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ الآية، تنزويهٌ منه - جل وعلا - لنفسه عن دعوى الكفار بعد إبطالها بالدليل القطعي.
وكقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فقوله أيضًا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ الآية، تنزيهٌ عن دعواهم الكفريةِ بعد إقامة الدليل على إبطالها.
فهذه الأدلة القاطعةُ هي المعروفةُ في الاصطلاح بالقياس الشرطي المتصلِ المستثنى فيه نقيضُ التالي، فينتج نقيضَ المقدم كما تقدم إيضاحه (٢). والدليل في القرآن على نحو الشرطية المتصلة اللزومية كما ترى.
ومن أمثلة إتيان ما يشبه صور القياس الاقتراني في القرآن قوله
стр. 294
-تعالى-: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦].
لأن قوله ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في قوة صغرى الدليل، وكونهم معهم يستلزم أنهم شركاؤهم فيما يؤتيهم الله.
وقولَه ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في قوة كبرى الدليل المذكور، ينتج: أن ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ الآية، سوف يؤتيهم الله أجرًا عظيمًا.
وقد قدمنا في المقدمة المنطقية أن نتائج القياس المنطقي حق لا شك فيها إذا أقيمت أدلتها على الوجه الصحيح، وأنها لا يعتريها خلل إلَّا من جهة خطأ الذي يحتج بها، وأوضحنا وجه ذلك (١).
وفي القرآن العظيم أدلة كثيرة تستلزم إبطال شبه الضالين، وهي في قوة المناظرة بالطرق المعروفة، وقصدنا التمثيل بآيات منها كما ذكرنا تنبيهًا بها على غيرها.
стр. 295
تطبيق قواعد البحث والمناظرة التي كنا نوضحها على الاعتراضات المعروفة في فن الأصول بالقوادح
اعلم أنا نريد أولًا أن نطبقها في الأدلة الثلاثة المذكورةِ في البحث والمناظرة، وهي النقض الإجمالي، والمناقضة التي هي المنع، وتسمى بالنقض التفصيلي، والمعارضة بأقسامها.
واعلم أنا سنقدم أمام هذا البحث ثلاثة تنبيهاتٍ لا بد لطالب العلم منها:
التنبيه الأول: اعلم أن قياس التمثيل الذي هو القياس الأصولي المعروف بقياس الفقهاء وهو أحد أدلة الفقه الأربعة التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس عند غير الحنابلة = (١) لا فرق بينه وبين القياس المنطقي في الحقيقة؛ لأنك كلما جعلت الفرع فيه حدًّا أصغرَ والأصلَ حدًّا أكبرَ والعلةَ حدًّا أوسطَ كان قياسًا اقترانيا من الشكل الأول، فلو قلتَ مثلًا: الذرة يحرم فيها الرِّبَا قياسًا (سقط) على البر بجامع الكيل، كما يقوله الحنفي والحنبلي، أو بجامع الطُعم كما يقوله الشَّافعي، أو بجامع الاقتيات والادخار - قيل: وغلبةِ العيش - كما يقوله المالكي، فهذا قياس تمثيل، وهو القياس الأصولي.
стр. 296
والفرع فيه الذرة، والأصل فيه البر، والعلة الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار.
فإن جعلت الذرة في هذا القياس حدًّا أصغرَ والبرَّ حدًّا أكبرَ والكيلَ مثلًا حدًّا أوسطَ كان قياسًا اقترانيًا من الشكل الأول.
وكيفيةُ نظمه أن يقول: الذرة مكيلة، وكل مكيل يحرم فيه الرِّبَا، ينتج من الشكل الأول: الذرة يحرم فيها الرِّبَا.
وكذلك لو قلت: الذرة مقتاتة مدخرة، وكل مقتات مدخر يحرم فيه الرِّبَا، ينتج أيضًا من الشكل الأول: الذرة يحرم فيها الرِّبَا.
وهكذا فهو مطرد في كل قياس أصولي؛ فإنه راجع إلى القياس المنطقي الاقتراني المعروف بالحملي والشمولي على نحو ما ذكرنا، وبه تعلم أن تفريق المنطقيين بين قياس [التمثيل] (١) وقياس الشمول زاعمين أن الأول لا يفيد القطع والثانيَ يفيده غلط منهم؛ لأن مرجعهما في الحقيقة إلى واحد.
وكونُ النتيجة قطعيةً أو غيرَ قطعيةٍ راجعٌ في كل منهما إلي المقدمات التي تركب منها الدليل، فإن كانت قطعية فالنتيجة قطعية، وإلا فلا.
وبه تعلم أن قول الأخضري في سلّمه (٢):
стр. 297
ولا يفيدُ القطعَ بالدليلِ ... قياسُ الاستقراء والتمثيلِ
غلط منه، كما غلط فيه عامة المنطقيين.
وإذا علمت أن كل قياس أصولي فهو راجع بالطريقة التي ذكرنا إلى قياس منطقي اقتراني من الشكل الأول، فاعلم أن في تطبيق القوادح على البحث والمناظرة إذا جئنا بالدليل في صورة قياس تمثيلي فإنما فعلنا ذلك لأنه في قوة قياس منطقي كما أوضحناه.
والقياس المنطقي هو الدليل الذي يوجه إليه الاعتراض في البحث والمناظرة.
التنبيه الثاني: هو ما قدمنا من أن فن الأصول إذا جاءت فيه كلية موجبة مثلًا في كتاب أو سنة ثم جاءت في نص آخر جزئيةٌ سالبةٌ مناقضةً لها أن ذلك لا يُعدّ تناقضًا في فن الأصول؛ بل تكون السالبة الجزئية مخصِّصةً لعموم الموجَبة الكلية، كما أوضحنا في المقدمة المنطقية (١) مع أمثلة قرآنية، وإنَّما يعد تناقضًا مستلزمًا لبطلان أحدهما في فن المنطق.
واعلم أن فن البحث والمناظرة كذلك؛ لما ذكرنا مرارًا من أن إنتاج نقيض الدعوى أو مساوى نقيضها أو أخصَّ من نقيضها مستلزمٌ بطلانَها، كما أوضحناه مرارًا.
وبهذا تعلم أنَّه ما كل دليل مبطلٍ دليلًا في البحث والمناظرة يبطلُه
стр. 298
في الأصول، لأن تخصيص أحدهما بالآخر في فن الأصول مانعٌ من التناقض المستلزمِ بطلانَ أحدهما في المنطق والبحث والمناظرة.
وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك، منها أن قوله - تعالى -: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، في قوة كلية موجبة هي (كل مطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء)، وقولَه - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] في قوة جزئية سالبة مناقضة للكلية الموجبة المذكورة، وهي اليس بعض المطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء) وهن المطلقات قبل الدخول؛ لأنهن لا عدة عليهن، إلى آخر الأمثلة القرآنية التي قدمنا.
فهذه الموجبة الكلية لا تنقضها هذه السالبة الجزئية في الأصول، بل تكون مخصِّصةَ لعمومها، والتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده بدليل، كما هو مقرر في الأصول، ومعلوم أن الجزئية السالبة هي بعينها نقيض الموجبة الكلية، كما قال الأخضري في سلمه (١):
فإن تكن موجبة كلية ... نقيضُها سالبةٌ جزئية
أما في فن المنطق وفن البحث والمناظرة فإثبات السالبة الجزئية يقتضي إبطال الموجبة الكلية، لأن إثبات النقيض يستلزم نفي نقيضه الآخرِ كما أوضحناه مرارًا.
стр. 299
ومرادنا بهذا التفصيل بين فن الأصول وفن البحث والمناظرة والمنطق أن تعلم أن ما كلُّ ما يبطل الدليل في البحث والمناظرة يبطلُه في الأصول، بل قد يبطله في البحث والمناظرة لمناقضته له، ويكون مخصِّصًا له في فن الأصول لا مبطلًا له، فافهم ذلك.
وبالاختلاف المذكور قد تختلف الأجوبة عن الاعتراض في الأصول عن الأجوبة في البحث والمناظرة.
التنبيه الثالث: اعلم أن الذي جاء مسمى باسمه من [القوادح] (١) الأصولية فيما ذكرنا في طرق البحث والمناظرة ثلاثةُ قوادحَ فقط، هي التي ذُكرت أسماؤها في البحث والمناظرة مطابقةَ لأسمائها في مبحث القوادح في الأصول: وهي النقض، والمنع المعروف بالمناقضة، والمعارضة.
وغيرُ هذه الثلاثةِ من القوادح لم نذكر له اسمًا فيما ذكرنا في البحث والمناظرة، وسنتكلم أولًا على الثلاثة المسماة في الفنين، ثم نذكر ما تيسر من تطبيق ما لم يُسمَّ في البحث والمناظرة من القوادح على ما سُمّي منها.
стр. 300
الفصل الأول: في النقض
وقد عرفتَ مما ذكرنا تعريفَه ومثاله في البحث والمناظرة، والمراد به في الأصول أخصُّ من المراد به في البحث والمناظرة.
وضابط النقض في اصطلاح الأصوليين هو وجود الوصف الذي هو العلةُ مع تخلف حكم العلة عنها.
وهو في الأصول أنواع:
الأول منها هو ما أجمع العلماء على أنَّه ليس نقضًا للعلة ولا مبطِلا لها، وإنما هو تخصيص لعمومها وشمولها لجميع أَفراد حكمها الذي تستوجبُه، وهذا النوع هو ما علم بدليل خاص من كتاب أو سنة أنَّه مستثنى من قاعدة القياس، كترخيصه ﷺ في بيع العرايا، وهو بيع رطب بتمر يابس على كل التفسيرات، وعلة المنع موجودة في بيع العرايا بالإجماع، واردةٌ على علة كل معلل.
فلو قال المعترض: كون بيع الرطب بالتمر اليابس الذي هو المزابنة ليس علةً لتحريم البيع؛ لأنه (١) يقدح فيه القادح المسمى بالنقض في بيع العرايا، فهو بيع تمر يابس برطب، والمزابنةُ التي هي علة المنع موجودة فيه، مع أن حكمها متخلّف عنها، وهو منع البيع؛ لأن ذلك البيع جائز في العرايا، ووجود العلة مع تخلّف حكمها عنها نقضٌ لها، فهي باطلة.
стр. 301
فالجواب أن هذا النوعَ ليس نقضًا للعلة بإجماع العلماء، وإنما هو تخصيص لحكمها؛ فالعرايا التي استثناها الشارع وأجاز فيها بيع الرطب بالتمر مخصِّصةٌ لعموم تحريم كل ما فيه المزابنة، فيخرج ما أخرجه الدليل المخصِّص، وتبقى العلة معتبرةً في غيره، مقتضِيةً لتحريم البيع فيه، كالشأن في كل مخصِّص.
ومن هذا النوع إيجابُ دية الخطأ على العاقلة، مع أن جناية الجاني الشخصِ علةٌ لوجوب الضمان عليه هو دون غيره، فالعلة هنا موجودة، وهي أن جناية الجاني علة لاختصاصه بالضمان دون غيره، وحكمُها متخلّف عنها؛ لأن الضمان هنا في جنايته على غيره (١)، وليس هذا نقضًا للعلة؛ لاستثنائه من قاعدة القياس.
ومن هذا النوع إيجاب صاع من تمر في لبن المُصرَّاة، مع أن علة إيجاب المِثْل في المِثْليّات موجودة، وهي التماثل، وقد تخلّف حكمها هنا عنها، وهو تخصيص لحكم العلة لا نقضٌ لها، وهذا النوع لا خلاف فيه أنَّه تخصيص لحكم العلة لا نقض لها، وهذا من فوائد ما نبهنا عليه غيره مرة، أنَّه ليس كل ما يبطل الدليلَ في البحث والمناظرة والمنطق يبطلُه في الأصول؛ لأن مقتضى قواعد البحث والمناظرة بطلانُ العلل المذكورة بالنقض، الذي هو تخلفُ مدلولها عنها كما تقدم إيضاحه، وهي في فن الأصول علل صحيحة خُصصت بأدلة منفصلة، كتخصيص العام بقصره على بعض أفراده بدليل.
стр. 302
النوع الثاني: تخلف الحكم عن علته لوجود مانع من تأثير العلة أو فقد شرط تأثيرها.
فوجود المانع كقتل الوالد ولدَه عمدًا عدوانًا، فعلة القصاص التي هي القتل عمدا عدوانًا موجودة في قتل الوالد ولدَه، ولكنّ حكمها وهو القصاص متخلفٌ عنها في هذه الصورة؛ لوجود مانع من تأثير العلة في حكمها، وهو هنا الأَبوة.
وكولد المغرور الذي غُر بمملوكةٍ، فقيل له إنها حرة فتزوجها، فولدُه منها حر، مع أن رِقَّ الأم علة لرق ولدها، ولكنَّ هذه العلةَ التي هي رق الأم تخلّف عنها حكمُها، وهو رق الولد في مسألة الغرور؛ لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في حكمها الذي هو رق ولدها.
ومثال تخلف الحكم عن علته لفقد شرط تأثيرها فيه [سرقة] (١) السارق أقلَّ من نصاب السرقة، وكونُه لم يخرجْه من حرز، فالسرقة التي هي علة القطع موجودة، ولكنَّ شرطَ تأثيرها في حكمها وهو كون المسروق نصابًا، وكونُه مُخرجًا من حرز = مفقودٌ هنا، فتخلُّفُ الحكم الذي هو قطع اليد هنا عن علته التي هي السرقة لأجل فقد شرط تأثير العلة في حكمها كما ترى.
ومن هذا القبيل عدم الإحصان بالنسبة إلى الرجم؛ لأن الزنى علة للرجم، ولكن يُشترط لتأثير هذه العلة التي هي الزنى في حكمها الذي
стр. 303
هو الرجم الإحصان، فتخلُّفُ الرجم عنها في غير المحصن إنما هو لفقد شرط تأثيرها في حكمها.
النوع الثالث: تخلف حكمها عنها لا لشيء من الأسباب التي ذكرنا. ومثل له بعضهم بقوله - تعالى -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾ [الحشر: ٣]. فصرح أنَّه لو لم يكن الجلاء على بني النضير لعذبهم في الدنيا إلى آخر ما ذكر، ثم بين علة ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، [الحشر: ٤] قالوا: فهذه العلة التي هي مشاقة الله ورسوله قد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حكمها عنها، وهو أن ينزل بهم ما نزل ببني النضير للعلة المذكورة، وهذه الآية الكريمة تؤيد قول من قال إن النقض في فن الأصول تخصيص للعلة مطلقًا، لا نقضٌ لها، وعزاه في مراقي السعود (١) للأكثرين، في قوله في مبحث القوادح في الدليل في الأصول:
منها وجود الوصف دون الحكمِ ... سمّاه بالنقض وُعاةُ العلمِ
والأكثرون عندهم لا يقدحُ ... بل هُوَ تخصيصٌ وذا يُصَحّحُ
إلى آخر ما ذكر من الأقوال، كما أوضحنا في غير هذا الموضع.
وإذا علمتَ أن تخلف حكم العلة عنها هو المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالنقض، وأنهم مختلفون فيه: هل هو قادح في العلة أو
стр. 304
مخصص لها؟ مع تفاصيلَ معروفةِ في فن الأصول = فاعلم أنَّه على القول بأن النقض تخصيص لعموم حكم العلة لا نقضٌ لها فلا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى جواب؛ لعدم القدح به على هذا القول.
وعلى أنَّه قادح فالجواب عنه من خمسة أوجه:
الأول: منها منعُ وجود الوصف الذي هو علة الحكم في صورة النقض فيصير تخلف الحكم [لعدم] (١) وجود علته، فلا نقض إذًا.
ومثاله أن يقال فيما لو رمى الوالد ولده بحديدة مثلًا فقتله: قتلُ عمدٍ عُدوان، وهو علة القصاص، وقد تخلف حكمها عنها في هذه الصورة وهو القصاص؛ لأن الوالد لا يُقتل بولده مع وجود علة الحكم التي هي القتل عمدًا عدوانًا.
فيقول المالكي ومن وافقه: العلة غير موجودة في هذه الصورة؛ فعدم القصاص فيها لعدم وجود العلة، ففيها دليل على صحة انعكاس العلة الذي هو عدم الحكم عند عدمها، بل رميُ الوالد لولده بحديدة أو نحوها يَحتمِل أن يَقصِد به التأديب؛ لقرينة شدة شفقة الأب، ولا يَقصد به القتل، فلم يتحقق وجود العلة التي هي القتل العمد العدوان في هذه الصورة، ومرادنا مطلق المثال لا مناقشةُ أدلة الأقوال.
الثاني من الأجوبة عن النقض: منعُ تخلف الحكم عن العلة، بأن يقول: الحكم موجود لوجود علته.
стр. 305
ومثاله ما لو أضجع الوالد ولده فذبحه أو شق بطنه أو قطع رأسه، ونحو ذلك مما لا يحتمل التأديب بحال، بل لا يحتمل إلَّا قصد القتل عمدًا عدونًا، فإنّ المالكية ومن وافقهم يقولون بوجوب القصاص من الأب في نحو هذه الصورة.
فلو قال المعترض عليهم: في هذه الصورة قتلُ عمد عدوان، وهذه هي علة القصاص، وقد تخلف حكمها عنها الذي هو القصاص، وذلك نقض لها.
فإن المالكية يجيبون عن هذا النقض بمنع تخلف الحكم فيقولون: الحكم غير متخلف هنا، والقصاص واجب من الأب في هذه الصورة.
ومن الأمثلة أيضًا حرية ولد المغرور؛ لأن المستدل يجيب بأنّ الحكم موجود، وهو رق الولد؛ لوجود علته التي هي رق أمه، ولكن ذلك الرقيق فداه أَبوه بقيمته، وهذا عند من يقول بلزوم القيمة، كما جنح إليه ابن قدامة في روضة الناظر (١).
والمالكية الذين يقولون بوجوب القصاص من الأب في القتل الذي لا يحتمل إلَّا قصد إزهاق الروح كما مثلنا له يقولون: قولُكم (الوالد سبب في وجود الولد فلا يصح أن يكون الولد سببًا في إعدامه) منتقِضٌ بما لو زنى الأب بابنته؛ فإنه يُرجم إجماعًا، فقد كان سببًا في وجودها وكانت سببًا في إعدامه، وجناية الزنى ليست أعظم من جناية القتل.
стр. 306
وشرط صحة الجواب بهذا ألا يكون [انتفاء] (١) الحكم في صورة النقض مذهبَ المستدل، فالذي يرى عدم القصاص من الأب في الصورة المذكورة لا يمكنه أن يجيب عن النقض المذكور بوجود الحكم الذي هو القصاص، لأنه يرى عدم وجوبه، وكذلك الذي يرى عدم لزوم القيمة في ولد المغرور، فلا يمكنه الجواب بهذا.
الثالث من أوجه الجواب عن النقض: بيان وجود مانع من تأثير العلة في الحكم، أو فقدُ شرط تأثيرها فيه، وقد بيناهما قريبًا بمثالهما.
الرابع من أوجه الجواب عن النقض: هو كون الصورة الوارد فيها النقضُ مستثناةً من القاعدة الكلية بالنص، كما قدمنا أمثلته ببيع العرايا، وصاع التمر في لبن المصرّاة، وتحمُّلِ العاقلة الدية.
الخامس من الأجوبة عن النقض: هو أن تكون المصلحة المشتملةُ عليها العلةُ معارَضةً بمفسدة أرجحَ منها أو مساويةٍ لها.
كأن يقال في أكل المضطر الميتة: قذارة الميتة علة لحرمة أكلها، والعلة التي هي قذارتها موجودة في هذه الصورة، مع أن الحكم الذي هو منع الأكل متخلّف عنها.
فيجاب عن هذا بأن مصلحة تجنب المستقذرات معارَضَةٌ في هذه الصورة بمفسدة هي أرجح منها، وهي هلاك المضطر إن لم يأكل الميتة، فقذارة الميتة علة لمنع اكل، ولكنها هنا عُورضت بما هو أقوى منها.
стр. 307
[فصل في الكسر] (١)
تنبيه: اعلم أن ما قدمنا (٢) مما يسميه أهل البحث والمناظرة بالنقض المكسور وأوضحناه بأمثلة وبينا المقبولَ منه والمردود = له شبه في الجملة بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالكسر.
واعلم أن ضابط القادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالكسر هو أن يبيّن المعترض خللًا في بعض أجزاء العلة، وذلك بثلاثة أمور:
الأول: بيانه وجود الحكم دون حِكمته.
الثاني: عكسه، وهو وجود الحِكمة دون حُكمها.
والثالث: إبطال المعترض بعضَ أجزاء العلة المركّبة، ويكون الباقي من الأجزاء بعد الجزء الذي أبطله ليس صالحًا للتعليل، بشرط عجز المستدل عن الإتيان ببدلٍ صالح للتعليل في مكان الجزء الذي أبطله المعترض.
واعلم أولًا أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول هي جلب المصلحة أو تكميلُها، أو دفع المفسدة أو تقليلُها، وضابطها أنَّها هي التي صار الوصف علة من أجلها، كما قال في تعريفها صاحب مراقي السعود (٣):
стр. 308
وهي التي من أجلها الوصفُ جرى ... علةَ حُكمٍ عند كلِّ من دَرى
فتحريم الخمر مثلًا هو الحكم، والإسكار هو علة التحريم، والمحافظة على العقل هي الحكمة؛ لأنها هي التي من أجلها صار الإسكار علةً لتحريم المسكر، وهكذا.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن وجود الحكم بدون حكمته قد قال بعض أهل العلم إنه كسر قادح في العلة؛ لتخلف حكمتي التي صارت من أجلها علة، وقال بعضهم إنه ليس بقادح.
ووجه قول من قال إنه قادح ظاهر؛ لتخلف الحكمة التي هي أساس العلة التي صارت من أجله علة.
ومن قال إنه ليس بقادح أن إنه لا يكون إلَّا في المعلَّل بالمظانّ، والمعللُ بالمظانّ، لا يتخلف فيه الحكم بتخلف الحكمة؛ نظرًا إلى إناطة الحكم بالمَظِنَّة لا بنفس الحكمة، وأشار إلى هذا الخلاف صاحب مراقي السعود (١) بقوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ... للظنِّ والنفيِ خلافٌ عُرِفا
والفروع المبنية على هذه القاعدة منها ما يرجّح فيه بعض العلماء ثبوت الحكم؛ بناء على أن هذا النوع من الكسر ليس بقادح، ومنها ما يرجّح بعضهم انتفاءَ الحكم فيه لانتفاء حكمته؛ بناء على أن هذا النوع من الكسر قادح.
стр. 309
ومن الفروع المبنية على ذلك استبراء الصغيرة؛ لأن تجدّد مِلْك الأمة علةٌ لاستبرائها، وحكمة الاستبراء هي تحقيق براءة الرحم من الحمل، وهي متحقِّقة في الصغيرة بدون الاستبراء.
وكمن مسكنُه على البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة، فهل يجوز له قصر الصلاة والفطرُ في رمضان لوجود علة ذلك وهي السفر، أو لا يجوز له ذلك نظرًا إلى تخلف الحكمة التي هي رفع المشقة؛ إذ لا مشقة على المذكور أصلًا؟ .
ومنها شرع الاستنجاء من خروج حصاة منه لا بلل معها، ووجوبُ الغسل على النفساء من وضع الولد جافًا لا دم معه.
ومنها عدم نقض الوضوء بمس الذكر إذا لم توجد اللذةُ في اللمس بباطن الكف أو الأصابع.
ومنها نقض الوضوء بالقبلة على الفم إذا لم توجد اللذة.
ومنها ما لو قال لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من الحيض؛ فإنه طلاقٌ صادفَ الحيض، وهو علةٌ لتحريم الطلاق، ولكنْ يستعقبُ العدةَ فلا تطويل فيه، فالحكمة الموجبة للمنع التي هي التطويل منتفية هنا.
ومنها ما لو قال: أنت طالق مع آخر جزء من الطهر؛ فإنه عكسُ الصورة المذكورة قبله.
في قول من قال (إن تخلّف الحكمة عن الحكم قادحٌ في العلة) فلا [يجوز] (١) عنده قصرُ الصلاة والإفطار في رمضان لمن لم تلحقْه
стр. 310
مشقةٌ أصلًا، ولا يجب عنده الغُسْل بخروج الولد جافًا من الدم، ولا يُنقض عنده الوضوءُ بدون اللذة في لمس ذكرٍ أو تقبيل، ولا يُمنع عنده الطلاقُ مع آخر جزء من الحيض لأنه تطويلٌ وإن كان نفسُ الطلاق واقعًا في آخر جزء من الطهر.
ومن قال (إن هذا النوعَ من الكسر غيرُ قادح) فإنه يلزم على قوله استبراء الصغيرة، وجواز القصْر والإفطار لمن لم تلحقْه مشقةٌ بسفره، والوضوءُ من حصاة لا بلل معي، ونقضُ الوضوء باللمس وإن لم توجد اللذة، إلى آخر ما ذكرنا من المسائل المبنية على الخلاف في هذه المسألة.
والحاصل أن من قال من أهل العلم: إن الحكم منتف في المسائل المذكورة لانتفاء علته، فهو قول منه بأن هذا النوع من الكسر قادح، وعلى قوله فلا إشكال؛ لأن العلة إذا بطلت بالكسر المذكور لم يوجد حكمها؛ لعدم وجود علته.
ومن قال من أهل العلم: إن الحكم فيها باقٍ مع تخلف الحكمة فلقوله توجيهان:
أحدُهما: أنَّه قائل بأن هذا النوع من الكسر ليس بقادح.
والثاني: أنَّه قادح، ويجيب عن عدم القدح به في المسائل المذكورة بأني إنما عُلّق الحكمُ بها بمَظِنّة وجود الحكمة، والمعروف أن المعلل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه بتخلف الحكمة؛ لأن الحُكم فيه منوط بالمظنة لا بنفس الحكمة؛ وأشار بعض أهل العلم إلى هذا
стр. 311
بقوله:
إن عُلّلَ الحكمُ بعلةٍ غَلبْ ... وجودُها اكْتفي بذا عن الطلب
لها بكل صورة إلخ.
وعلى هذا فالمانع من القدح بهذا النوع من الكسر إناطة الحكم بمظنة الحكمة لا بنفس الحكمة؛ وذلك لأن نفس الحكمة ربما لا يمكن انضباطها في بعض الأحوال.
كما لو عُلّق حكم قصر الصلاة وجوازُ الإفطار في رمضانَ مثلًا بحصول المشقة، فإن هذه الحكمةَ لا تنضبط؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة، فأنيط الحكم بسفر أربعة بُرُدٍ (١) مثلًا؛ لأنه مظنة المشقة، ومن هنا لم يُنظر إلَّا للمظنة، وأُلغي نفس الحكمة عند من يقول بذلك، فأجاز الفطر والقصر لمن سافر أربعة بُرُدٍ وإن لم تلحقه مشقة؛ لأن سفرها مظنة المشقة، وهو حاصل، فاكتُفيَ بمظنة الحكمة عن نفس الحكمة.
واعلم أن هذه المسائلَ التي ذكرنا أنَّها مفرعةٌ على هذه المسألة مختلفٌ فيها بين أهل العلم، فمن أثبت الحكم مع تخلف الحكمة فهو إما قائل بأن ذلك الكسر غير قادح، أو أنَّه قادح مُنع من اعتباره إناطة الحكم بالمظنة.
ومن نفى فيها الحكم لتخلف حكمته فهو قائل بأن الكسر المذكور
стр. 312
قادح كما أوضحنا قريبًا.
وأما تخلف الحكم عن حكمته فهو أحد أنواع الكسر، والأظهر أن هذا النوع من الكسر غير قادح، وجزم بذلك ابن قدامة في روضة الناظر (١)، واختاره ابن الحاجب في بعض المواضع في مختصره الأصولي (٢)، ومثّل له بقول الحنفي في المسافر العاصي بسفره: مسافر، فيترخص بسفره كغير العاصي، فإذا قيل له: ولم قلتَ إن السفر علة للترخيص؟ قال: بالمناسبة لما فيه من المشقة المقتضيةِ للترخيص؛ لأنه تخفيف، وهو نفع للمترخِّص.
فيُعترض عليه بصنعة شاقة في الحضر، كحمل الأثقال وضرب المعاول وما يوجب قربَ النار في ظهيرة القيظ في القُطر الحار، فههنا قد وُجدت الحكمة وهي المشقة، ولم يوجد الحكم الذي هو قصر الصلاة وإباحة الفطر مثلًا.
والجواب عن هذا الكسر بتخلف الحكم مع وجود الحكمة أن الشرع إنما اعتبر مشقة السفر، فالعلة في الترخيص المذكور السفر، وحكمتها رفع المشقة، والتخفيف على المسافر، فأصل العلة لم يوجد في هذا الكسر، وإنَّما وجدت فيه الحكمة فقط، فلم يقع كسرٌ في العلة؛ لعدم وجودها أصلًا في صورة الكسر المذكور، وسفرُ العاصي بسفره علة للترخيص، والمانع من تأثيرها عند من يقول بذلك أن
стр. 313
الترخيص تخفيف، والتخفيف على العاصي إعانة له على معصيته، والله - جل وعلا - يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
ومن أنواع الكسر إبطال المعترض جزءًا من المعنى المعلَّل به، ونقصُه ما تبقى من أجزاء ذلك المعنى المعلل به، فعلم أن هذا النوع من الكسر لا يكون إلَّا في العلل المركبة من وصفين فأكثر.
والقدح بهذا النوع مقيدٌ بعجز المستدِل عن الإتيان ببدلٍ من الوصف الذي أبطله المعترض، فإن ذكر بدلًا صالحًا لأن يكون علة الحكم أُلغي الكسر واستقام الدليل.
وإبطال الجزء بأن يبيّن المعترض أنَّه مُلغىً بوجود الحكم عند انتفائه، والمراد بنقص الباقي عدمُ تأثيره في الحكم، وله صورتان:
الأولى: أن يأتيَ المستدلِ ببدلِ الوصف المسقَط عن الاعتبار، كأن يقول في وجوب أداء صلاة الخوف: هي صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل، فيجب أداؤها قياسًا على صلاة الأمن؛ فإنها كما يجب قضاؤها لو لم تفعل يجبُ أداؤها، فوجوبُ القضاء هو العلة، ووجوبُ الأداء هو الحكم المعلَّل بتلك العلة.
فيقولُ المعترض: خصوص الصلاة في دليلك مُلغَى، ويبين ذلك بأن الحج واجب الأداء كالقضاء.
فيبدلُ المستدل خصوصَ الصلاة الذي أبطله المعترضُ بوصفٍ عام وهو العبادة، فيقول: هي عبادة يجب قضاؤها لو لم تفعل، إلى
стр. 314
آخره.
فينقض عليه المعترض هذا البدلَ أيضًا بصوم الحائض؛ فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، بل يحرم.
الصورة الثانية: ألا يبدّل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض، فلا يبقى للمستدِل علةٌ في المثال المذكور إلَّا قولُه: يجب قضاؤها.
فينقضه المعترض بأنَّ يقول: ليس كلُّ ما يجب قضاؤه يجب أداؤه، بدليل صوم الحائض في رمضان؛ فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، بل يحرم.
ومثال الإتيان ببدل صالح للتعليل أن يقول مشترط النية في الوضوء: الوضوء طهارةٌ واجبة فتشترط لها النية كغيرها من الواجبات.
فيقول المعترض: خصوص الطهارة مُلغَى، لأنه لا أثر له في وجوب النية؛ لأن طهارة الخبث طهارة لا تشترط لها النية إجماعًا.
فيُبْدِل لفظ الطهارة الذي أبطله المعترض بغيره فيقول: الوضوء قربة غيرُ معقولة المعنى؛ لأن موجَبَها في غير محل موجِبها، فتشترط لها النية كسائر القرب التي هي ليست معقولةَ المعنى.
وقصْدُنا المثال لا مناقشةُ أَدلة الأقوال.
وقد بيّنا فيما مضى أنا إن جئنا بالدليل على صورة القياس الأصولي كهذه الأمثلة التي ذكرنا آنفًا، فإننا إنما نفعل ذلك لأنه في قوة قياس منطقي اقتراني، بجعل الفرع حدا أَصغر، والأصلِ حدًّا أكبر،
стр. 315
والعلةِ حدًّا أوسط، كما أوضحناه سابقًا بأمثلته (١).
وقد تكلمنا فيما مضى على قادحين من القوادح في الدليل عند أهل الأصول:
الأول النقض، وبيّنا أن النقض في اصطلاح أهل الأصول [داخل] (٢) في المراد بالنقض في فن البحث والمناظرة، لأنه في فن البحث والمناظرة صادق بتخلف كل مدلول عن دليله، وكل استلزام [للمُحال] (٣) كما تقدم إيضاحه (٤).
وفي اصطلاح أهل الأصول لا يطلق إلَّا على تخلف مدلول خاص عن دليله، وهو تخلف الحكم عن علته في حال كونها موجودة؛ لأن العلة دليل الحكم، ووجودُها بدونه وجودٌ للدليل بدون مدلوله، وأوضحنا كلام أهل الأصول فيه والأجوبة عنه.
الثاني الكسر، وإنَّما ذكرناه هنا في اصطلاح أهل الأصول وبينا صورة الجواب عنه على القول بأنه قادح لأنه له شبهٌ بالنقض المكسور في البحث والمناظرة؛ لأن النقض المكسور يَحْذِف فيه السائل بعض أجزاء الدليل، والكسرُ في فن الأصول يُبطل فيه المعترض بعض أجزاء العلة كما تقدم قريبًا.
стр. 316
فصل في تطبيق الاعتراض المسمى بالمناقضة -وهو المنع الحقيقي- على القادح المسمى في الأصول بالمنع
وقد علمتَ مما مر أن هذا الاعتراض يسمى بالمنع الحقيقي، ويسمى بالمناقضة، والنقدِ التفصيلي، إلى آخر أَسمائه التي قدمناها.
وقد علمتَ أنَّه في فن البحث والمناظرة يتوجه إلى الدعوى المجردة، وإلى الدليل بمنع مقدمة معينة من مقدماته، كمنع الصغرى فقط، أو الكبرى فقط، ومنعُهما معًا يُعَدُّ منعين، وأنه قد يكون مجردًا عن السند، وقد يكون مقرونًا بالسند كما تقدم إيضاحه (١).
وأما القادح المسمى بالمنع في اصطلاح أهل الأصول فمواقعه أربعة:
الأول: منع حكم الأصل.
الأني: منع وجود ما يدعيه علة في الأصل.
الثالث: منع كونه علةَ الحكم.
الرابع: منع وجوده في الفرع.
ومثال منع حكم الأصل قول الحنبلي: جِلد الميتة نجس فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب.
стр. 317
فيقول الحنفي: لا نسلّم حكم الأصل، وهو أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ، بل هو يطهر به عندي.
ومثال منع وجود ما يدعيه علة في الأصل قول الشَّافعي والحنبلي: من قال (إن تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوجها لم يلزمه طلاق؛ قياسًا على قوله (فلانة التي أتزوجها طالق) بجامع أن كلا منهما تعليقُ طلاقِ أجنبية، فالأصل المقيس عليه (فلانة التي أتزوجها طالق)، والفرع المقيس (إن تزوجت فلانة فهي طالق)، والحكم هو عدم لزوم الطلاق بعد التزويج، والعلة عند صاحب الدليل هي تعليق طلاق الأجنبية.
فيقول المعترض كالمالكي والحنفي: الوصف الذي تدعي أنَّه علة الحكم وهو تعليق طلاق الأجنبية ليس موجودًا أصلًا في الأصل المقيس عليه؛ لأن الأصل الذي هو (فلانة التي أتزوجها طالق) تنجيز طلاقٍ أجنبية، وهي لا يتنجز عليها الطلاق، والتعليق الذي زعمته علة ليس موجودًا أصلًا، ولذا ليس في الصيغة أداةُ تعليق في الأصل.
وهذا النوع الذي هو منع وجود ما يدعيه علة في الأصل هو المعروف بمركب الوصف.
والحاصل في حكم هذه المسألة أن الأئمة الأربعةَ وغيرَهم من فقهاء الامصار متفقون أن الطلاق لا يقع إلَّا بعد النكاح؛ لأن الله رتبه عليه بثُمّ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، الآية، فإن قال (إن تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوجها فالمالكي والحنفي يقولان بلزوم الطلاق؛ لأنه ما وقع إلَّا بعد النكاح، فقد راعيا وقت نفوذ الطلاق، وهي وقتَ نفوذِه زوجة.
стр. 318
والشَّافعي والحنبلي يقولان بعدم لزوم الطلاق؛ لأنهما نظرا إلى وقت صدور الصيغة منه، وهي وقتَ صدور صيغة الطلاق المعلّق على التزويج أجنبية.
أما تنجيز طلاق الأجنبية فهو لغو بلا خلاف.
وأما منع كون الوصف علةً فهو أن يعترف المعترض بوجود الوصف في الأصل المقيس عليه، ولكنه يمنع كونه هو العلة.
كأن يقول الشَّافعي: وصف الكيل موجود في البُرّ، ولكنه ليس هو علةَ تحريم الرِّبَا فيه، فإن ادعى الخصم له علة أخرى كقول الشَّافعي في هذا المثال بل علة الرِّبَا فيه الطعم، فهو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بمركب الأصل، وقد عرف صاحب مراقي السعود (١) مركب الأصل [هو و] (٢) مركب الوصف بقوله:
وإن يكن لعلتين اختلفا ... تَركَّبَ الأصلُ لدى من سلَفا
مركبُ الوصفُ إذا الخصمُ منعْ ... وجودَ ذا الوصفِ في الأصل المتبعْ
ومثال منع وجود الوصف الذي هو العلةُ في الفرع قول الجمهور: تُقطع يد النبَّاش؛ لأنه سرق الكفن من حرز مثله، قياسًا على السارق المُخرِج من الحرز، كسرقته الدراهمَ من الصندوق المقفول.
فيقول المعترض كالحنفي: وجود العلة التي هي السرقة ممنوع في
стр. 319
الفرع الذي هو النباش؛ لأن النباش ليس بسارق، بل آخذُ مالٍ عارضٍ للضياع، كالملتقط.
واعلم أنَّه اختُلف في توجيه المنع على حكم الأصل: هل ينقطع به المستدل أو لا؟
وأظهر القولين أنَّه لا ينقطع بمجرد منع حكم الأصل، وممن اختار ذلك ابن الحاجب (١) وابن قدامة في روضة الناظر (٢)، وقالا إنه له إقامة الدليل على حكم الأصل الذي منعه المعترض.
وقال بعضهم: ينقطع بذلك، ووجهوا قولهم أنَّه لو جاز للمستدل إقامة الدليل على حكم الأصل الذي منعه المعترض لانتشر الكلام وانتقلا من مسألة إلى أخرى، وقد يفضي ذلك إلى التسلسل، والأول أظهر.
واختار الغزالي (٣) اتّباع عرف البلد، فإن كان عرفُهم في المناظرة انقطاعَه بمجرد منع حكم الأصل انقطع به، وإلَّا فلا؛ لأنه أمر اصطلاحي، ليس بعقلي ولا شرعي.
وقال أَبو إسحاق الشيرازي (٤): لا يُسمع منعُه حكم الأصل، فلا
стр. 320
يلزمه الاستدلال عليه.
قال ابن الحاجب وهو بعيد. وقد صدق في ذلك.
وإذا علمت أن الأظهر عدم انقطاعه بذلك فاعلم أن جواب المستدل عن منع حكم الأصل هو إثباته [حكمه] (١) بدليل.
والجواب عن منعه وجود الوصف في الأصل هو إثباث وجوده فيه بما لو طريق ثبوت مثله؛ لأن الوصف قد يكون حسيًا فيثبتُه بالحس، وقد يكون عقليًا فيثبثُه بالعقل، وقد يكون شرعيًا فيثبتُه بالشرع.
ومثال الثلاثة المذكورة ما لو قال في القتلِ بالمثقَّل: قتل عمد عدوان، فلو قيل (لا نسلم أنَّه قتل) أجاب عنه بأن القتل ثابت بالحس الذي هو رؤيته بالحاسة، ولو قيل (لا نسلم أنَّه عمد) فالجوأب بأن العقل علم أنَّه عمد بالقرائن والأمارات المحتفّة به، التي لا تترك لبسًا في أنَّه عمد، وإن قيل (لا نسلم أنَّه عدوان) فالجواب بأن الشرع حرّمه وجعله من العدوان.
والجواب عن منع كونه علةً بإثبات كونه علة، كما لو قال المالكي للشافعي: أمنع كون الطَّعم علةَ الرِّبَا في البُرّ. فيثبت الشَّافعي كونَه علة، كأن يقول مثلًا: ملء كف من البر فيه الرِّبَا، وهو غير مكيل ولا مقتات ولا مدخر؛ لقلته، ولكنه مطعوم، فعُلم استقلال الطُّعم بالعلّية دون الأوصاف الأخرى.