← Книги сунны

Книги сунны · id 26764

إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر لأبي اليمن ابن عساكر

أبو اليمن بن عساكر

Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإنما فعلوا ذلك؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب، وأن يقال له: عليك السلام. فلما كان الميت لا يتوقع له جواب، جعلوا السلام عليه كالجواب عنه، وليس المراد منه أن السنة في تحية الموتى أن يقول: عليكم السلام، لما قدمناه في الحديث. وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية، وليس هذا الاستثناء باستثناء شك، لكنه جرى على عادة المتكلم يحسن به كلامه، كقول الرجل لأخيه: إن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله. وفيه دليلٌ على أن استعمال الاستثناء مستحبٌ في الأحوال كلها، وإن لم يكن في الأمر شك تبرؤا عن الحول والقوة إلا بالله، كما أخبر الله سبحانه عن أنبيائه، وكما علم نبيه محمداً ﷺ وعليهم أجمعين. وقيل: هو راجعٌ إلى استصحاب الإيمان إلى الموت، أي نلحق بكم مؤمنين إن شاء الله، ولا يرجع إلى نفس الموت. والأخبار والآثار في فضل مقبرة البقيع كثيرةٌ، سنوردها في أحاديث فضل المدينة إن شاء الله سبحانه. ويزور القبور الطاهرة: كقبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ ، وقبر عثمان بن مظعون ﵁. روينا عن صالح بن قدامة قال: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ دفن إبراهيم ﵇ إلى جنب عثمان بن مظعون ﵁. وقبره حذو زاوية دار عقيل بن أبي طالب، من ناحية دار محمد بن زيد. وروينا عنه أيضاً: أول ما دفن رسول الله ﷺ بالبقيع عثمان بن مظعون ﵁، فلما توفي ابنه إبراهيم ﵇. قالوا: يا رسول الله! فأين نحفر له؟ قال: ((عند قبر فرطنا عثمان بن مظعون)) . وقبر عبد الرحمن بن عوف أيضاً إلى جنب قبر عثمان بن مظعون ﵄.

стр. 72

وكذلك يزور قبر الحسن بن علي، والعباس عم رسول الله ﷺ ﵄. وينوي زيارة قبر فاطمة رضوان الله عليها فقد روينا عن سعد بن محمد بن جبير قال: رأيت قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، عند فم الزقاق الذي بين دار نبيه بذروان، وبين دار عقيل بن أبي طالب، وقيل لي: دفن عند قبر أمه ﵃. وكذلك قبر عقيل بن أبي طالب، وقبر عثمان بن عفان ﵄. ويزور قبر صفية عمة رسول الله ﷺ ﵂ فقد روينا عن جعفر بن محمد: أن قبر فاطمة رضوان الله عليها عند موضع المسجد الذي بالبقيع، وأن قبر صفية ﵂ عند موضع الوضوء الذي عند دار المغير بن شعبة، وأن قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها: الزوراء. وينوي زيارة قبور أزواج النبي ﷺ فقد روينا عن محمد بن عبد الله بن علي قال: قبور أزواج النبي ﷺ ﵅، من خوخة نبيه إلى الزقاق الذي إلى البقال مستطيرة. وروينا عن إبراهيم بن علي الرافعي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي، فأخرجوا حجراً طويلاً، فإذا هو مكتوب: هذا قبر أم حبيبة رملة بنت صخر ﵂. وروى مالك بن أنس ﵁: أن زينب بنت جحش توفيت في زمان عمر ﵁، فدفنها بالبقيع وضرب على قبرها فسطاطاً ثلاثاً.

стр. 73

أخبرنا عبد الله بن عمر بخطه، عن أبي الفتوح محمد بن علي، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن زبالة قال: وحدثني محمد بن إسماعيل، عن فائد مولى عبادل، أن عبيد الله بن علي أخبره وغيره ممن مضى من أهل بيته: أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما أصابه بطن، فلما عرف بنفسه الموت، أرسل إلى عائشة ﵂ أن تأذن له أن يدفن مع رسول الله ﷺ ، فالت: نعم، ما كان بقي إلا موضع قبر واحد. فلما سمعت بنو أمية استلموا السلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن فيه أبداً، فبلغ ذلك الحسن بن علي، فأرسل إلى أهله: أما إذا كان هكذا، فلا حاجة لي به، ادفنوني إلى جنب أمي فاطمة فدفن في المقبرة.

стр. 74

قال فائد: فأخبرني مولاي ومن سبق من أهلي ممن مضى، أن قبر فاطمة ﵍ مواجه الخوخة التي في دار نبيه بن وهب، وأن طريق الناس بين قبر فاطمة ﵂ وبين خوخة نبيه. قال: أظن الطريق سبعة أذرع. قال فائد: وقال لي منقذ الحفار: وفي المقبرة قبران مطابقان بالحجارة قبر الحسن بن علي، وقبر عائشة زوج النبي ﷺ ﵂، فنحن لا نحركهما. واعلم أن أكثر الصحابة رضوان الله على جميعهم مدفونون بالبقيع، وكذلك أزواج النبي ﷺ فيه، ما خلا خديجة رضوان الله عليها، فإنها بالحجون، وكذلك فيه أيضاً قبور جماعة من سادات التابعين، ومن بعدهم من العلماء والزهاد المشهورين لا تعرف قبورهم، فينبغي للزائر أن يسلم عليهم أجمعين. فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وليس بالبقيع قبرٌ يعرف سوى سبعة قبور: قبر العباس، وقبر الحسن بن علي، ومعه في القبر ابن أخيه علي بن الحسين زين العابدين، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر الصادق، رضوان الله عليهم أجمعين، وعليهم قبةٌ عاليةٌ في الهواء قديمة البناء في أول البقيع. وأخبرنا الحسين، أخبرنا عبد الأول، أخبرنا عبد الرحمن،

стр. 75

أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت لعبد الله بن الزبير: ((ادفني مع صواحبي، ولا تدفني مع النبي ﷺ في البيت، فإني أكره أن أزكى)) . وقبر عقيل بن أبي طالب أخو علي ﵄ في قبة أيضاً، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار الجواد المشهور، وقبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وقبر صفية عمة رسول الله ﷺ ، وقبر فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب في آخر البقيع عند نخلٍ يعرف (بالحمام) ، وقبر مالك بن أنس الإمام في قبة في أول البقيع. ونبأني محمد بن محمود بخط يده، عن أبي القاسم، بن أسعد، عن الحسن، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الرحمن، عن شريك بن عبد الله، عن أبي روق قال: حمل الحسن بن علي بن أبي طالب على بدن فدفن بالبقيع بالمدينة.

стр. 76

ويزور قبر عثمان بن عفان ﵁ فإنه ظاهر، عليه قبةٌ عاليةٌ، ولكنه ليس بالبقيع. فقد روينا عن الزهري، وعروة قالوا: لما قتل عثمان ﵁ منعته الأنصار أن يدفن بالبقيع، فدفن في حش كوكب. وكان عثمان بن مظعون ﵁ أول من دفن بالبقيع، فجعل رسول الله ﷺ أسفل مهراس علامة يدفن الناس حوله. وقال: ((لأجعلنك للمتقين إماماً)) . فلما ملك معاوية ﵁ واستعمل مروان على المدينة، أدخل ذلك الحش في البقيع، وحمل المهراس فجعله على قبر عثمان بن عفان، فقالوا: عثمان وعثمان، فدفن الناس حول عثمان ﵁. ويستحب له أن يأتي قبور الشهداء بأحد يوم الخميس، ويبدأ بحمزة ﵁ عم رسول الله ﷺ . ويستحب له استحباباً مؤكداً إتيان مسجد قباء، وهو في يوم السبت أولى، ناوياً التقرب إلى الله سبحانه بزيارته والصلاة فيه، والأحاديث فيه صحيحةٌ كثيرة، وقد أفردنا فيه مؤلفاً مختصراً.

стр. 77

فصل يستحب للزائر أن يتتبع المواضع التي كان رسول الله ﷺ يصلي فيها، والسواري التي كان يجلس إليها، ومصلاه في الليل من المسجد، وبيت فاطمة ﵂، وكذلك السواري التي كانت الصحابة يجلسون إليها ويصلون فيها، ومصلى رسول الله ﷺ الذي كان يصلي فيه قبل أن يتحول إلى موضع مصلاه المعروف به اليوم، وموضع معتكفه ﷺ ، وكذلك أسطوانة التوبة التي ربط أبو لبابة نفسه إليها ﵁، والأسطوان التي كان رسول الله ﷺ يجلس إليها إذا جاءته الوفود، وأسطوانة علي بن أبي طالب. كل هذه المواضع يستحب له الصلاة فيها والدعاء لديها، وأن يحمد الله سبحانه ويشكره، ويتوب إليه ويستغفره، ويتضرع إليه، ويسأله أن يعيد عليه بركة من حل بها من السلف الماضيين، والأئمة الهادين، من سادات أهل البيت والصحابة والتابعين، وعلماء الأمة وصالحيهم وزهادهم أجمعين.

стр. 78

أما بيت فاطمة رضوان الله عليها، فإنه خلف حجرة النبي ﷺ عن يسار المصلي إلى القبلة، وحوله اليوم مقصورة وفيه محراب، وكان فيه خوخةٌ إلى بيت النبي ﷺ ، كان ﷺ إذا قام من الليل إلى المخرج اطلع منها يعلم خبرهم. أخبرنا محمد بن السيد بن فارس بن نجا الأنصاري، أخبرنا القاضي أبو المعالي محمد بن يحيى بن علي القرشي، أخبرنا علي بن محمد بن علي، أخبرنا طلحة بن علي بن الصقر، حدثنا محمد بن أحمد أبو علي الصواف، حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، أخبرنا

стр. 79

علي بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول: ((الصلاة يا أهل البيت ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ )) . وروينا في كتاب ((المدينة)) عن عبد الله بن إبراهيم، عن عبد الله، أن جعفر بن محمد كان يقول: قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد. ذكر مصلى رسول الله ﷺ بالليل . روى عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: قال كان رسول الله ﷺ يطرح حصيراً كل ليلة إذا انكفت الناس، وراء بيت علي كرم الله وجهه ثم يصلي صلاة الليل. قال عيسى: وذلك موضع الأسطوان الذي على طريق النبي ﷺ مما يلي الزور. وروى عن سعيد بن عبد الله بن فضل قال: مر بي محمد بن علي ابن الحنفية ﵁ وأنا أصلي إليها، فقال لي: أراك تلزم الأسطوانة هذه، جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها فإنها كانت مصلى رسول الله ﷺ بالليل. وهذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة ﵂، وفيها محراب،

стр. 80

إذا توجه إليه المصلي، كان يساره إلى باب عثمان الذي يسمى اليوم: باب جبريل ﵇. ذكر موضع الجذع قد ذكرنا فيما سبق من طرقٍ حديث الجذع ما فيه كفايةٌ ومقنع، وقد اختلف فيه؟ فقال أبو سعيد: لما سكن الجذع؛ أمر رسول الله ﷺ أن يحفر له ويدفن. وقالت عائشة ﵂: لما قال النبي ﷺ ذلك، غار الجذع فذهب. وقال ابن أبي الزناد: لم يزل الجذع على حاله زمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما هدم عثمان ﵁ المسجد اختلف فيه؟ فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب، فكان عنده حتى أكلته الأرضة، ومنهم من قال: دفن في موضعه، وكان الجذع في موضع الأسطوانة المخلقة التي عن يمين موقف النبي ﷺ للصلاة عند الصندوق. ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين قبلة الإمام أخبرنا الشيخ أبو المجد محمد بن الحسين بن أحمد القزويني قدم علينا ﵀، أخبرنا محمد بن أسعد، أخبرنا الحسين بن مسعود الإمام.

стр. 81

ونبأنا نصر بن أبي الفرج عن أبي موسى الحافظ، عن الحسين بن مسعود، -واللفظ له- أخبرنا عمر بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن جعفر، أخبرنا أبو علي اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن محمد بن مسلم بن السائب -صاحب المقصورة-، قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً، فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله، فقال: كان رسول الله ﷺ يضع يده عليه فيقول: ((استووا واعدلوا صفوفكم)) . وأخبرنا الحافظ أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج -في كتابه إلينا من حرم الله سبحانه- أخبرنا النقيب أبو طالب محمد بن محمد بن أبي

стр. 82

زيد العلوي البصري قراءةً عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن علي التستري، أخبرنا أبو عمر القاسم بن مسعود بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا مسدد، حدثنا أحمد بن الأسود، حدثنا مصعب بن رياب، عن محمد بن مسلم، عن أنس ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذ بيمينه ثم التفت فقال: ((اعتدلوا، سووا صفوفكم)) ثم أخذ بيساره ثم قال: ((اعتدلوا، سووا صفوفكم)) . قال: ذلك كان من طرفاء الغابة، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باقٍ، وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد فقده، ثم وجده عند رجلٍ من الأنصار بقباء قد دفن في الأرض وأكلته الأرضة، فأخذ له عوداً فشقه وأدخله فيه، ثم سواه ورده إلى الجدار. ذكر موضع اعتكاف النبي ﷺ روى أهل السير أن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريرٌ وراء أسطوانة التوبة. ذكر أسطوانة التوبة أخبرنا جدي الشيخ أبو البركات ﵀ قراءةً، حدثنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة. ثم حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه من لفظه، أخبرنا عبد

стр. 83

القوي بن عبد العزيز التميمي، أخبرنا ابن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن بن الحسين، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن محمد التجيبي، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن الورد، أخبرنا عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم، أخبرنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا زياد بن عبد الله، أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: لما حصر رسول الله ﷺ بني قريظة، بعثوا إليه أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف -وكان حليفاً للأوس- نستشيره في أمرناه. فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم. فقالوا: يا أيا لبابة! ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمودٍ من عمده.

стр. 84

وقال: لا أبرح من مقامي هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهدت الله أن لا أطأ بني قريظة أبداً، ولا آوي في بلدٍ خنت الله ورسوله فيه أبداً. قال ابن هشام: وأنزل الله في توبة أبي لبابة فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ . قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره -وكان قد استبطأه-. قال: ((أما أنه لو كان جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه)) . قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك. قالت ﵂: فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟! قال ﷺ : ((تيب على أبي لبابة)) ؛ قالت: فقلت: ألا أبشره يا رسول الله؟ قال: ((بلى، إن شئت)) . قال: فقامت على باب حجرتها، -وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة! أبشر، فقد تاب الله عليك. قالت: فبادر الناس إليه ليطلقوه. فقال: لا والله، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه. قال ابن هشام: وأقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما حدثني بعض أهل العلم.

стр. 85

والآية التي نزلت في توبته: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفورٌ رحيمٌ﴾ . اسم أبي لبابة رفاعة، وقيل: بشير بن عبد المنذر الأنصاري. وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين أن فاطمة ﵍ أرادت حله حين نزلت توبته. فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ((إن فاطمة بضعةٌ مني)) . قوله: ((بضعة)) ، البضعة، والبضع من الشيء: القطعة منه. والجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره ويلجأ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه، يقال: جهشت وأجهشت. في الحديث دليلٌ على أن من سب فاطمة رضوان الله عليها فقد سب أباها، ومن سب أباها فقد كفر، وفي حديث علي رضوان الله عليه لما أراد أن ينكح ابنة أبي جهل. وقوله ﷺ : ((إنما فاطمة بضعةٌ مني، يريبني ما رابها)) . يؤكد ما قلناه. نعوذ بالله من الخذلان في سبها، ونستعفيه من الخسران في بغضها، ونسأله الثبات على حب أبيها وحبها، وأن يجعلنا من حزبه وحزبها، ﷺ وعلى آله الطيبين، ورضي الله عن صحابته والتابعين، وأن يحشرنا مع المؤمنين، ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين، وأن يرينا وجه نبينا ﷺ ، ويوردنا حوضه غير مخالفين ولا مبدلين. وقد اختلف أهل التفسير في توبة أبي لبابة ﵁؟ فقال قومٌ:

стр. 86

كان من الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقال ابن هشام في ((سيرته)) ما قدمنا ذكره. و ﴿عسى﴾ من الله سبحانه واجبةٌ وخبر صدق، وليست (عسى) من كلام العرب بخبرٍ ولا تقتضي وجوباً، فكيف تكون في القرآن واجبةً وليس بخارج من كلام العرب؟ ولتقرير ذلك موضع غير هذا، والله سبحانه الموفق وهو أعلم. وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض، -والربوض: الثقيلة- بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع، وكاد بصره يذهب، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، وإذا أراد أن يذهب لحاجته ذهبت به حتى يفرغ، ثم تأتي به فترده في الرباط كما كان، وكان ارتباطه ذلك إلى جذعٍ في موضع الأسطوان الذي يقال له: ((أسطوان التوبة)) . والبضع: بكسر الباء وقد تفتح، وفيه بين أهل اللغة خلاف، والأشهر فيه أنه من ثلاثٍ إلى تسع. وروي أيضاً عن محمد بن كعب القرظي: أن النبي ﷺ كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوان التوبة. قال: وهي الأسطوان الثانية التي عن يمين حجرة النبي ﷺ في الصف الأول مع الإمام المصلي، في مصلى النبي ﷺ ، وهي معروفة عند أهل المسجد. ذكر الأسطوان التي كان رسول الله ﷺ يصلي إليها روى الزبير بن حبيب أن الأسطوان الذي بعد أسطوان التوبة في الروضة، وهي الثالثة من المنبر، ومن القبر، ومن رحبة المسجد، وهي متوسطة في الروضة، صلى إليها رسول الله ﷺ المكتوبة بضع عشرة

стр. 87

مكتوبة، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم، وكان يجعلها خلف ظهره، وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله رضوان الله عليهم كانوا يصلون إليها، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان يقال لها: مجلس المهاجرين. وقالت عائشة ﵂: لو عرفها الناس لاضطربوا عندها بالسهمان. ويقال: أن الدعاء عندها مستجاب. ذكر الأسطوان التي كان رسول الله ﷺ يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته قال: إذا عددت الأسطوان التي فيها مقام جبريل ﵇، كانت هي الثالثة. ذكر أسطوانة علي بن أبي طالب ﵁ روى أهل السير أن الأسطوانة التي خلف أسطوانة التوبة، هي مصلى علي بن أبي طالب ﵁. ويستحب الصلاة إلى الأساطين التي في المسجد جميعها. لما أخبرنا الشيخان أبو الحسن محمد بن أحمد، وأبو المعالي أحمد بن محمد، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا أبو إسحاق، أخبرنا مسلم بن

стр. 88

الحجاج. حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز -وهو ابن صهيب-، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري فيركعوا ركعتين ركعتين، حتى أن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليها)) . ذكر أسطوان المصحف أخبرنا المشايخ أبو بكر محمد بن محمد بن عبد الواسع بن أبي بكر بن الموفق بن عبد الله بن أبي بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم بن السري بن المغلس السقطي -في كتابه إلينا من هراة- وأبو ذر سهيل بن محمد بن عبد الله الطائي البوشنجي -في إذنه من بوشنج-، وعبد اللطيف بن محمد بن علي بن حمزة بن فارس، وأبو محمد الحسن بن المبارك [بن] محمد بن يحيى -في إذنهما من بغداد-، وأخوه

стр. 89

أبو عبد الله الحسين بن المبارك قراءةً عليه بدمشق ﵏. أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب، أخبرنا أبو الحسن الداوودي، أخبرنا أبو محمد بن حمويه، أخبرنا أبو عبد الله الفربري، أخبرنا أبو عبد الله البخاري، حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد. قال: ((كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت رسول الله ﷺ يتخذ الصلاة عندها)) . فيه من الفقه: جواز الصلاة إلى المصحف إذا كان موضعه، ولم يجعل هناك ليصلي إليه، وفيه جواز ملازمة موضع الصلاة، وفيه خلافٌ بين السلف رضوان الله عليهم. وقد يستحب ذلك للعالم والمفتي، ومن يحتاج إليه ليعرف مكانه، وفيه جواز الصلاة إلى الأساطين، ولا خلاف فيه. واستحب أهل العلم على ما جاء في الحديث أن لا يعمد إليها حداً، بل يجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر. واختلف قول أهل العلم في الصلاة بين الأساطين، وعلة الكراهة أن المصلي يصلي إلى غير سترة، ولأن الصفوف منقطعة، ولا يكره عند الضرورة عند بعضهم، وقد روي أنه مصلى مؤمني الجن. قلت: وكراهة الصلاة بين السواري لمن صلى مقتدياً ووقف منفرداً، فإن اقتداءه لا يصح عند بعضهم، وعند بعضهم لا تصح صلاته

стр. 90

مطلقاً، على ما علم من مذاهب أهل العلم في ذلك، والتعليل بالصلاة إلى غير سترة لا يختص بالمصلي بين السواري، ولو صلى بين السواري غير مقتدٍ، فلا يكره. فقد ثبت في ((الصحيح)) من حديث ابن عمر، عن بلال ﵃ أن رسول الله ﷺ صلى بين عمودين من عمد الكعبة. وروينا في ((مسند)) أبي داود الطيالسي من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه قال: ((كنا على عهد النبي ﷺ نطرد طرداً أن نقوم بين السواري في الصلاة)) . يعني –والله أعلم- صلاة الجماعة، والله أعلم.

стр. 91

فصل لا ينبغي لمن زار من العلماء وأهل السابقة، أن يفعل ما يتعمده عامة الزوار ومعظمهم من أكل الصيحاني في الروضة الشريفة، فيذهب الزمان اليسير، والوقت العزيز القصير، فيما لا يعود عليهم نفعه، ولا فضيلة في فعله. بل لو قال قائل بكراهة ذلك، لم يكن فيه بعدٌ من الأدلة، وقلما يسلم الجماعة المتواكلون من المحاورة والمراجعة، ولا يخلو مجلسهم عن اللغط ورفع الأصوات على ما لا يخفى، كيف والسكوت في حال الأكل ربما كره في بعض الأحوال، وربما كره مطلقاً. وقد قدمنا في كراهية رفع الصوت في حضرته ﷺ من الإثم والكراهية واشتغالهم -بما قدمنا ذكره- من استحضار الخشية، واستشعار الإجلال والهيبة أولى، وفي تلك الحضرة الشريفة أخلق وأحرى، والله أعلم. ويكره أن يطرح ما يقطع من شعره في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية، كما يفعله جهال الناس. وإذا أراد الخروج ودع المسجد بركعتين، لما روينا من حديث أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ كان لا ينزل منزلاً إلا ودعه بركعتين)) . ثم يدعو بما أحب، ويأتي القبر المقدس، ويعيد نحو السلام والدعاء المذكور في ابتداء الزيارة، ويودع النبي ﷺ ويقول:

стр. 92

اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، ويسر إلى الحرمين سبيلاً سهلة. وليس من المشروع إذا انصرف، أن يرجع القهقرى. ولا يستصحب شيئاً من تراب حرم المدينة، ولا مدره، ولا من حجارته، لأن المعنى يجمع بينه وبين حرم مكة في ذلك، وإن افترقا فيما سواه. ويستحب أن يتصدق على جيران رسول الله ﷺ بما أمكنه. وإن كان متوجهاً إلى مكة، فيستحب له أن يتتبع المساجد التي ذكر أن رسول الله ﷺ صلى فيها بين مكة والمدينة. وقد قيل: إنها عشرون موضعاً.

стр. 93

فصل ينبغي لمن أراد المقام بالمدينة -زادها الله شرفاً- أن يزم نفسه مدة مقامه في ذلك المحل الكريم بزمام الخشية، والتعزير، والتعظيم، ويخفض جناحه، ويغض من صوته في ذلك الموطن الشريف العظيم، ولا يرفع صوته في حضرة سيدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، وليلحظ قوله : ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ﴾ . أخبرنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ، أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى بن علي القرشي، أخبرنا علي بن الحسن بن الحسين. وأخبرنا الحسن بن محمد، ومحمد بن هبة الله الفقيه، ومحمد بن غسان ﵏، أخبرنا

стр. 94

الحافظ أبو القاسم، أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الخطيب قالا: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان، أخبرنا يوسف بن القاسم بن يوسف بن فارس، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا هريم بن عبد الأعلى بن الفرات، حدثنا المعتمر قال: سمعت أبي يذكر عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ . قال: قال ثابت: أنا والله كنت أرفع صوتي عند رسول الله ﷺ ، وإني أخشى أن يكون الله ﵎ قد غضب علي. قال: فحزن واصفر. قال: ففقده النبي ﷺ فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله! إنه يقول: أخشى أن أكون من أهل النار، كنت أرفع صوتي عند النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : ((بل هو من أهل الجنة)) . قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنة. صحيح من حديث أبي محمد ثابت بن أسلم البناني، عن أبي حمزة أنس بن مالك، انفرد مسلم بإخراجه في ((صحيحه)) عن هريم. وفي حديث الموازيني: فقال نبي الله ﷺ : ((رجل من أهل الجنة)) .

стр. 95

أخبرنا أبو عبد الله بن أبي بكر، أخبرنا أبو الوقت ابن أبي مريم، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، أخبرنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر ﵄، لما قدم على رسول الله ﷺ وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك! فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى قوله ﴿عظيمٌ﴾ . قال ابن أبي مليكة: قال الزبير ﵁: فكان عمر بعد، إذا حدث النبي ﷺ بحديثٍ حدثه كأخي السرار، لم يسمع حتى يستفهمه. أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سلمان الأربلي ﵀، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد بن محمد

стр. 96

النقور، أخبرنا أبو بكر بن سوسن، أخبرنا أبو القاسم الحربي، أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق، عن طارق، عن أبي بكر ﵁ قال: لما نزلت: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ . قال أبو بكر ﵁: آليت أن لا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. السرار: المساررة، أي كصاحب السرار، أو كمثل المساور يخفض صوته، فالكاف صفةٌ لمقدرٍ محذوف. والله أعلم. أخبرنا محمد بن مقبل قراءةً ببغداد ﵀، أخبرتنا شهدة

стр. 97

بنت أحمد، أخبرنا ثابت، أخبرنا الحسن، أخبرنا أبو سهل، حدثنا يحيى، أخبرنا علي بن عاصم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر ﵁ سمع رجلاً يرفع صوته في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له: ممن أنت؟، قال: أنا من أهل الطائف، قال: لو كنت من أهل هذا البلد لأوجعت لك رأسك، إن مسجدنا هذا، لا ترفع فيه الأصوات. وروينا في كتاب ((المدينة)) عن الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن زبالة، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن الجعيد بن عبد الرحمن، [قال: حدثني يزيد بن خصيفة] عن السائب بن يزيد، قال: جاءني عمر بن الخطاب وأنا مضطجعٌ في المسجد فقال: اذهب فأتني بهذين الرجلين، قال: وهما جالسان في المسجد، فسألهما من هما؟ فقالا: من أهل الطائف، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا أنكما أتاديان،

стр. 98

لأوجعتكما ضرباً في رفعكما أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . الأتادي: الرجل الغريب، قال أبو عبيد: الرواية بضم الهمزة، وأما كلام العرب فالفتح، وهو الصواب، والله سبحانه أعلم. ونبأني عبيد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن أبي صالح الطابراني ﵀، عن أبي محمد هبة الله قراءةً، أخبرنا أبو عثمان، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا إبراهيم، أخبرنا أحمد، حدثنا مالك، قال: وأخبرني أبو النضر، عن سالم بن عبد الله، أن عمر ﵁ بنى إلى جنب المسجد رحبة سماها ((البطيحاء)) . فكان يقول: من أراد أن يلغط، أو ينشد شعراً، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة. وروي أن عمر ﵁ سمع صوت رجل في المسجد قال: أتدري أين أنت؟

стр. 99

وأخبرني محمد بن محمود النجار ﵀ بخطه، عن أبي القاسم ذاكر، و [يحيى بن] أسعد، عن الحسن بن أحمد، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر بن محمد، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، أخبرنا الزبير بن بكار، أخبرنا محمد بن الحسن، قال: حدثني غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم، ونوفل بن عمارة قالوا: إن كانت عائشة ﵂ تسمع صوت الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد رسول الله ﷺ فترسل إليهم: ((لا تؤذوا رسول الله)) ﷺ . وما عمل علي بن أبي طالب مصراعي داره إلا بالمناصع، توقياً لذلك. وفي مناظرة المنصور مالك بن أنس الإمام ﵁، وقول مالك له: لا ترفع صوتك في مسجد رسول الله ﷺ . فإن الله سبحانه أدب قوماً فقال: ﴿لا ترفوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول﴾ . ومدح قوماً فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ . وذم قوماً فقال: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ .

стр. 100

وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان له أبو جعفر.

стр. 101

فصل في ذكر وفاته ﷺ ودفنه وصفة قبره وقد رأيت أن ألحق بوصف زيارته، ذكر وفاته ﷺ وما يتعلق بذلك، وصفة قبره وما انتهى إلي علمه، لتتم الفائدة، وتحصل الصلة في الذي أوردته والعائدة. أخبرنا الحسين بن المبارك ﵀، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن المظفر، أخبرنا أبو محمد عبد الله، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره، أن عائشة ﵂ كانت تقول: ((إن من نعم الله تعالى علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندةٌ رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فلينته بأمره، وبين يديه ركوة -أو علبة فيها ماء، يشك عمرو- فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده)) . كذا أورده (يشك عمرو) وصوابه أبو عمرو، وهو ذكوان مولى عائشة المذكور في الحديث.

стр. 102

السحر: ما لصق بالحلقوم من المري، والسحر الرئة أيضاً، يقال: انفتح سحره. والرفيق الأعلى قيل: اسم من أسماء الله تعالى، كأنه قال: ألحقني بالله. وقال الأزهري: غلط هذا القائل، والرفيق هاهنا: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسمٌ جاء على فعيل ومعناه الجماعة، وهو منتزعٌ من قوله سبحانه: ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾ ، وقد يجوز أن يقال في الجماعة: هم لي صديق وعدو، فيفرد، لأنه صفةٌ لفريق وحزب، ويقبح أن يقول: قومك صاحبك، أو أبوك، وإنما يحسن هذا إذا وصف بصديقٍ وفريق وعدو، لأنها صفةٌ تصلح للفريق والحزب، لأن العداوة والصداقة صفتان متضادتان، فإذا كان على أحدهما الفريق الواحد، كان الآخر على ضدها، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجلٍ واحدٍ في عرف العادة، فحسن الإفراد، وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه حتى يقال: هم قائم أو قاعد. كما يقال: هم لي صديق، لما قدمناه من الاتفاق والاختلاف، وأهل الجنة يدخلونها على قلب واحد. جعلنا الله معهم ومنهم، بفضله وجوده. وهذه الكلمة آخر كلمةٍ تكلم بها ﷺ وهي تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن لأنه ﷺ قال: ((مع الذين أنعمت عليهم)) ، وهم أصحاب الصراط المستقيم، وهم أهل لا إله إلا الله، ويؤكد ذلك قول عائشة ﵂ ((ثم نصب يده)) . وفي رواية عنها: ((فأشار بإصبعه)) ، وفي رواية ((اللهم الرفيق الأعلى)) وأشار بالسبابة يريد التوحيد.

стр. 103

وروينا من حديث أنس ما قرأت على الشيخ أبي المعالي هبة الله بن الحسن بن هبة الله –صاحب الباب بمنزلة من بغداد-، وقرئ على الشيخ أبي البركات عبد الرحيم بن القاضي أبي حفص عمر بن علي القرشي بالجانب الغربي منها رحمهما الله، قلت: وقيل لهما: أخبرتكما أم عتب تجني بنت عبد الله الوهبانية قراءةً، فأقرا به، قال القرشي: وأنا حاضر. (ح) وأخبرنا الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الحنبلي الفقيه الواعظ ﵀، قال: أنبأتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري، قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي، أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله الفارسي البزاز، حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا جرير، عن سليمان

стр. 104

القيسي، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: كان آخر وصية رسول الله ﷺ وهو يغرغر بها في صدره، ما يكاد يفيص بها لسانه: ((الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)) . في قوله ﷺ : ((فيما ملكت أيمانكم)) قولان، قيل: أراد الرفق بالمملوكين، وقيل: أراد الزكاة لأنها في القرآن مقرونة بالصلاة، وهي من ملك اليمين، قاله الخطابي. وفي أخذه السواك من الفقه: التنظف والتطهر للموت، لأن الميت قادمٌ على ربه، كما أن المصلي مناج لربه، والنظافة من شأنهما، وكذلك يستحب الاستعداد لمن استشعر القتل والموت، كما فعل خبيب ﵁. وروى الترمذي: ((إن الله نظيف يحب النظافة)) . والإفاصة: الإبانة والإفصاح، يقول: هو ذو إفاصةٍ إذا تكلم، أي ذو بيانٍ وفصاحة. وقوله: (يغرغر بها) أي: قد بلغت روحه الحلقوم، فهو بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلقوم ولا يبلع، والله أعلم. وروى بعضهم أن السواك المذكور في الحديث كان من عسيب نخل، كذلك جاء في ((الصحيح)) مصرحاً به من حديث عائشة ﵂: ((ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدةٌ رطبة)) . والعرب تستاك بالعسيب، وكان أحب السواك إلى رسول الله ﷺ ضرع الأراك، وواحدها ضريع، وهو قضيبٌ ينطوي من الأراكة حتى يبلغ التراب فيبقى في ظلها، فهو ألين من فروعها. وقد روي في قول عائشة ﵂: ((ما بين شجري ونحري))

стр. 105

بشين وجيم معجمتين، وسئل عمارة بن عقيل عن معناه، فشبك بين أصابع يديه وضمها إلى نحره. والشجر –بفتح-: الفم، وقيل: هو الذقن، وقيل في حديث عائشة ﵂: هو التشبيك، أي أنها ضمته إلى صدرها مشبكةً أصابعه ﷺ ، والله أعلم. وفي ((الصحيح)) من حديثها: ((فقلت: أعطني هذا السواك فأعطانيه فقصمته ثم مضغته)) –أي كسرته- فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن. وقناةٌ قصمةٌ: أي متكسرة، والقصامة ما يكسر من رأس السواك. يقال: والله لو سألتني قصامة سواكٍ ما أعطيتك، وأصل القصم الدق، والله أعلم، حكاه أبو سليمان ﵀. أخبرنا أبو عبد الله الأديب، أخبرنا أبو روح ونبأني به، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا علي بن محمد، أخبرنا الزوزني، أخبرنا أبو حاتم، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا سعيد بن يحيى ابن سعيد الأموي، حدثني أبي، حدثنا أبو الحسين، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: اشتكى رسول الله ﷺ فقال نساؤه: انظر حيث تجب أن تكون فيه فنحن نأتيك، قال رسول الله ﷺ : ((أوكلكن على ذلك؟ قلن: نعم، فأرسل إلى بيت عائشة فمات فيه ﷺ ) .

стр. 106

أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي بكر، أخبرنا عبد الأول ابن أبي مريم، أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبو سليمان، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: ((إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه: أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي)) . وفي رواية: ((بين حاقنتي وذاقنتي)) . والحاقنة: نقرة الترقوة وهما ذاقنتان أي نقرتا الترقوتين. والذاقنة: ما يناله الذقن من الصدر، والله سبحانه أعلم. التعذر كالتمنع والتعسر. قال امرؤ القيس: ويوماً على ظهر الكثب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل وبه أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن

стр. 107

عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: ((لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له. فلما دخل بيتي واشتد وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضبٍ لحفصة زوجة النبي ﷺ ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم)) . قولها: (فطفقنا) وطفق هو بمعنى أخذ في الفعل، وجعل يفعل، وهو من أفعال المقاربة. أخبرنا جدي ﵀، أنبأنا أبومحمد عبد الله بن رفاعة، ثم حدثنا الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه من لفظه، أنه أخبره عبد القوي بن عبد العزيز بن الحسين، أخبرنا أبو محمد بن رفاعة، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا عبد الملك بن هشام، أخبرنا زياد بن عبد الله، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبد الله، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: ((مات رسول الله ﷺ بين سحري

стр. 108

ونحري، وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي)) . الالتدام: ضرب النساء وجوههن في النياحة، واللادم: المرأة التي تلدم، والجمع اللدم بتحريك الدال، وقد لدمت المرأة تلدم لدماً. ومنه قوله ﷺ لأبي الهيثم بن التيهان في حديث العقبة: ((اللدم اللدم اللدم والهدم الهدم الهدم)) بتحريك الدال: القبر، وقيل المنزل، وبسكونها وفتحها إهدار دم القتيل. أخبرنا الحسن بن محمد قراءةً، وأخوه أبو المنصور عبد الرحمن الفقيه الزاهد، والحسين بن هبة الله في إذنهما، قالوا: أخبرنا عبد الواحد بن محمد بن المسلم، أخبرنا عبد الكريم بن المؤمل إجازةً، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف، أخبرنا خيثمة بن

стр. 109

سليمان بن حيدرة، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن زكريا، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ((آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة والناس صفوفٌ خلف أبي بكر، فلما رأوه كأنهم –أي تحركوا- فأشار إليهم أن اثبتوا، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وألقى الستر، وتوفي في آخر ذلك اليوم)) . صحيح وقد رواه مسلم في ((صحيحه)) أتم من هذا. كما أخبرناه الشيخان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر المستملي في آخرين قراءةً، أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي وكتب به إلينا، أخبرنا محمد بن الفضل بن أحمد، أخبرنا أبو الحسين الفارسي، أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا أبو إسحاق، أخبرنا أبو الحسين، حدثني عمرو الناقد، وحسن الحلواني، وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرني،

стр. 110

وقال الآخران: حدثنا يعقوب –وهو ابن إبراهيم بن سعد- قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁؛ أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوفٌ في الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائمٌ كأن وجه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً. قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرحٍ بخروج رسول الله ﷺ ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ خارجٌ للصلاة، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر. [قال:] فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك. وأخبرني أبو المنجى عبد الله بن عمر بن علي ﵀ في إذنه، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق الهروي، أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد بن نصر الكشي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: ((لما كان يوم
следующие страницы →