← Книги сунны

Книги сунны · id 26813

تاريخ دنيسر

عمر بن الخضر

Полный текст (167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كَانَ مُعِيدًا بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، تَفَقَّهَ بِهَا عَلَيْهِ جماعةٌ وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْفِقْهِ زَمَنَ اشْتِغَالِي بِالْمَدْرَسَةِ. وَلَهُ شِعْرٌ: وَقَدْ كَانَ أَنْشَدَنِي كَثِيرًا مِنْهُ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يُحِبَّ أَنْ أَذْكُرَ عَنْهُ غَيْرَ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ: أَنْشَدَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِمْلاءً بمشهد الغزيل بدنيسر لنفسه: إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ ذُو نعمٍ ... وَرِزْقُهُ واصلٌ لِلْخَلْقِ مُنْقَسِمُ فَابْذُلْ يَدَيْكَ وَلا تَبْخَلْ وَكُنْ سَمِحًا ... فَالْمَالُ لا شَكَّ بَعْدَ الْمَوْتِ يَنْقَسِمُ ٣٦- أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، التَّغْلَبِيُّ السَّرْجُوِّيُّ، ثم الدنيسيري: فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَسْعُودُ بْنُ أَحْمَدَ النَّهْرَمَلَكِيُّ، وَغَيْرِهِ؛ وَلَزِمَ مَسْجَدًا مُجَاوِرًا لِمَنْزِلِهِ بِدُنَيْسَرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْفِقْهَ هُنَاكَ جماعةٌ، وَظَهَرَ لَهُ الْقَبُولُ عِنْدَ النَّاسِ.

стр. 107

رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمِعَ بِهَا مُسْنَدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ شَيْخِنَا حَنْبَلٍ، وَسَمِعَ أَجْزَاءَ أَحَادِيثَ مِنْ غَيْرِهِ. ٣٧- أَبُو مُحَمَّدٍ حَمْدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ حُمَيْدِ بن أبي الحسن بْنِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ مِفْتَاحٍ، الدُّنَيْسَرِيُّ الشَّافِعِيُّ: تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ عَلَى الإِمَامِ يَحْيَى بْنِ الرَّبِيعِ الْوَاسِطِيِّ، مُدَرَّسِهَا، وَعَلَى الأَمِينِ التِّبْرِيزِيِّ، معيدها، وسمع الْحَدِيثَ مِنْ شُيُوخِنَا: أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانِيِّ، وَأَبِي الْفَرَجِ ابن الْجَوْزِيِّ، وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ الْمَعْطُوشِ، وخلقٍ غَيْرِهِمْ. هُوَ فَقِيهٌ ذُو فُنُونٍ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، وَسَائِرِ الآدَابِ، فَصِيحُ اللِّسَانِ، حَسِنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، لا يَرُدُّ سَائِلا إِلا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤْثِرُهُ بِهِ، كَثِيرُ الْمُطَالَعَةِ لأَخْبَارِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، مَعَ ميلٍ كَثِيرٍ إِلَى الاقْتِدَاءِ بِهِمْ؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ظريفٌ، ذُو دعابةٍ ومزاحٍ فِيمَا لا بَأْسَ بِهِ.

стр. 108

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ الدُّنَيْسَرِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ إِمْلاءً بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: صَحِبْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ بَرْهَةً، فَحِينَ أَرَدْتُ مُفَارَقَتَهُ، قُلْتُ لَهُ: عِظْنِي مَوْعِظَةً أَنْتَفِعُ بِهَا، فَأَنْشَدَنِي: أيا فاعل الشر مه! لا تَعُدْ ... وَيَا فَاعِلَ الْخَيْرِ عُدْ ثُمَّ عُدْ فَمَا سَادَ عبدٌ بِغَيْرِ التُّقَى ... وَمَنْ لَمْ يَسُدْ بِالتُّقَى لَمْ يَسُدْ وَلأَبِي محمد ابن حُمَيْدٍ شعرٌ كثيرٌ فِي معانٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بن حميد لنفسه بدنيسر: يَا وَيْحَ وانٍ تَقَضَّى عُمُرُهُ لَعِبًا ... وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِدًّا وَسَائِلُهُ لَيَنْدَمَنْ حَيْثُ لا تُجْدِي نَدَامَتُهُ ... عَلَيْهِ شَيْئًا وَلا تُغْنِي وَسَائِلُهُ جَمْعُ وَسِيلَةٍ. أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ لِنَفْسِهِ إِمْلاءً ببغداد: لِي بِالْحِمَى سكنٌ مَا دَارَ فِي خَلَدِي ... إِلا تَسَلَّيْتُ عَنْ أَهْلِي وَجِيرَانِي ناءٍ قريبٌ أُنَادِيهِ فَيَسْمَعُنِي ... مِنْ بُعْدِهِ فَبِرُوحِي النَّائِيَ الداني أبيت في جنح ليلٍ وَهُوَ يَرْقُبُنِي ... وَأَغْتَدِي فِي نَهَارِي وَهُوَ يَرْعَانِي شَرِبْتُ مِنْ حُبِّهِ كَأْسًا فَأَسْكَرَنِي ... وَكُنْتُ مِنْ ظَمَأِي مَيْتًا فَأَحْيَانِي يَا عَاذِلِي لا تَلُمْنِي فِي هَوَاهُ فَقَدْ ... أَنْسَانِي الْوَجْدُ فِيهِ كُلَّ إِنْسَانِ أَشْتَاقُهُ وَهُوَ فِي سِرِّي وَفِي عَلَنِي ... وَأَسْأَلُ الشُّرْبَ عَنْهُ وَهُوَ نَدْمَانِي يَا رَاحَةَ الْقَلْبِ خَابَتْ راحةٌ عَلِقَتْ ... بِغَيْرِ جُودِكَ يَا رَوْحِي وَرَيْحَانِي

стр. 109

أَنْتَ الْكَرِيمُ الَّذِي عَمَّتْ فَوَاضِلُهُ ... جُودًا وَرَوَّى نَدَاهُ كُلَّ ظَمْآنِ يا منتهى أملي جدلي بمغفرةٍ ... فَأَنْتَ أهلٌ لمعروفٍ وَإِحْسَانِ عُبَيْدُكَ الْخَائِفُ الرَّاجِي أَتَاكَ فَلا ... تردده يا رب وَاغْفِرْ زلَّةَ الْجَانِي أَشْكُو إِلَيْكَ ذُنُوبًا أَوْهَنَتْ جَلَدِي ... تَتْرَى إِذَا أَثْقَلَتْنِي خَفَّ مِيزَانِي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَظُلْمِي لَيْسَ يَغْفِرُهُ ... سِوَاكَ يَا مَوْضِعَ الشَّكْوَى لأَحْزَانِي وَأَنْشَدَنَا حَمْدُ بْنُ حُمَيْدٍ لنَفْسِهِ فِي مَدْحِ السفر إملاءً: أَبْعِدْ إِذَا سَافَرْتَ لا تَكُ وَانِيًا ... فَاللَّهُ يُحْدِثَ بَعْدَ حالٍ حَالا وَالْحَرْفُ إِنْ قَرَنْتَ بِهِ أَضْرَابُهُ ... فِي النَّظْمِ أَوْ فِي النَّثْرِ كُنَّ ثِقَالا وَدَلِيلُهُ أَنَّ التَّبَاعُدَ بَيْنَهَا ... يَكْسُو الْكَلامَ مَهَابَةً وَجَمَالا وَأَنْشَدَنَا حَمْدٌ لِنَفْسِهِ فِي ذم السفر إملاءً: كُنْ قَانِعًا بِالرِّزْقِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ... سَيَّانَ فِيهِ حَرِيصُهُ وَالْقَاعِدُ فَالْعَبْدُ يَعْجَزُ أَنْ يَنَالَ بِحِرْصِهِ ... وَبِجَدِّهِ رِزْقًا زَوَاهُ الْوَاحِدُ وَالْزَمْ ذَرَاكَ فَلَيْسَ دَهْرُكَ رَاجِعًا ... مَا فَاتَ مِنْكَ وَلا الزَّمَانُ يُسَاعِدُ فَالطَّيْرُ يَنْعَمُ بَالُهَا فِي وَكْرِهَا ... فَإِذَا غَدَتْ نُصِبَتْ لَهُنَّ مَصَايِدُ لا تَرْغَبْنَ فِي غربةٍ مَا أُسْعِدْتَ ... عضدٌ بِهَا إِلا وَيُعْضَدُ سَاعِدُ وأنشدني حمد لنفسه ببغداد: سَلُوا الدَّمْعَ بَعْدَ الْبَيْنِ هَلْ غاض أورقا ... وغصن التداني هل تندى وأورقا هَجَرْتُ سُرُورِي مُذْ هَجَرْتُمْ وَزَادَنِي ... غَرَامِي وَمَجْمُوعُ اصْطِبَارِي تَفَرُّقَا وَأَطْلَقْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ يَوْمَ نَأَيْتُمُ ... وَأَصْبَحْتُ فِي قَيْدِ الصَّبَابَةِ مُوثَقَا وَأَوْحَشَ رَبْعُ الْوَصْلِ مِنْ بَعْدِ أُنْسِهِ ... وَعَادَ ظَلامًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُشْرِقَا

стр. 110

أَيَا سَاكِنِي أَرْضَ الْحِمَى هَلْ مُرَاجِعِي ... رقادٌ غَدَا بَعْدَ الْفِرَاقِ مُطَلَّقَا لأُبْصِرَ طَيْفًا مِنْكُمُ فَيُرِيحُنِي ... فَمَا غَرَضِي فِي النَّوْمِ شَيْئًا سِوَى اللَّقَا رَحَلْتُمْ فَلِي جسمٌ يَذُوبُ صَبَابَةً ... وَبِنْتُمْ فَلِي قلبٌ يَطِيرُ تَشَوُّقَا وَعَلَّمتُمُ الْهُجْرَانَ جَفْنِيَ وَالْكَرَى ... وَوَاصَلْتُمْ مَا بَيْنَ قَلْبِيَ وَالشَّقَا وَهَيَّجَ وَجْدِي فِي الظَّلامِ حمامةٌ ... تَنُوحُ عَلَى إلفٍ وَتَشْكُو التَّفَرُّقَا تَغَنَّتْ بلحنٍ رَجَّعَتْهُ كَآبَةً ... فَرَاجَعَنِي شَجْوِي وَرَقَّ فَأَرَّقَا فَوَاعَجَبًا يُخْفِي سُرُورًا أَذَاعَهُ ... شَوَاهِدُ قَدْ نَمَّتْ وَتُبْدِي تَمَلُّقَا وَكَيْفَ يُذِيبُ الْهَجْرُ كَفًّا مُخَضَّبًا ... وَأَنَّى يُطِيقُ الْبَيْنُ جِيدًا مُطَوَّقَا وَمَا الْحُبُّ إِلا أَنْ تَرَى الْجِسْمَ نَاحِلا ... وَلا الْوَجْدُ إِلا أَنْ تَرَى الدَّمْعَ مُغْدِقَا وَلَو وَجَدَتْ وَجْدِي مُطَوَّقَةُ الْحِمَى ... وَلاقَتْ كَمَا لاقَيْتُ مِنْ جِيرَةِ النَّقَا لأَصْبَحَ مِنْهَا الطَّرْفُ حَيْرَانَ بَاهِتًا ... وَأَصْبَحَ مِنْهَا الْقَلْبُ حَرَّانَ مُحْرَقَا وَأَنْشَدَنِي حَمْدٌ لنفسه ببغداذ: يَا سَاكِنَ الْقَلْبِ ها قَلْبِي تُمَزِّقُهُ ... يَدُ الصَّبَابَةِ وَالأَحْزَانُ وَالْفِكَرُ كَمْ وقفةٍ لِي عَلَى أَطْلالِ رَبْعِكُمُ ... يَظَلُّ فِيهَا سَمِيرِي الضَّالُ وَالسَّمُرُ رِفْقًا بِمَنْ وَلَعَتْ أَيْدِي الْغَرَامِ بِهِ ... وَاغْتَالَ مُهْجَتَهُ فِي حُبِّكَ الْقَدَرُ يَفْدِيكَ مِنْهَا فؤادٌ ظَلَّ مُلْتَهِبًا ... وَمُقْلَةٌ مَلَّ مِنْهَا الدَّمْعُ وَالسَّهَرُ لَوْلا مَخَافَتُهُ أَنْ لا يَرَاكَ بِهَا ... لَغَابَ مُذْ غِبْتَ عَنْ إِنْسَانِهَا النَّظَرُ وَأَنْشَدَنِي لنفسه متغزلاً ببغداد: مَوْلايَ إِنَّ فُؤَادِي فِيهِ جَمْرُ غَضًى ... وَنَاظِرُ الْعَيْنِ موقوفٌ عَلَى السَّهَرِ

стр. 111

وَقَدْ تَطَاوَلَ لَيْلِي إِذْ يَدِي قَصُرَتْ ... عَنِ اللِّقَا فَالدُّجَى يَبْكِي عَلَى السَّحَرِ وَقَدْ ظَمِئْتُ فَهَلْ وردٌ تُرَدُّ بِهِ ... نفسٌ تَذْوبُ جَوًى يَا أَحْسَنَ الْبَشَرِ إِنْ أَمْكنَ الدَّهْرُ أَوْ لانَتْ عَوَاطِفُهُ ... وَسَاعَدَ الْوَقْتُ حَتَّى فُزْتُ بِالظَّفَرِ لأَشْكُرَنَّ يَدَ الأَيَّامِ إِذْ سَمَحَتْ ... بِقُرْبِ شَخْصِكَ يَا سَمْعِي وَيَا بَصَرِي قَدْ حِرْتُ مِنْ بشرٍ فِي وَجْهِهِ قمرٌ ... يَا مَنْ رَأَى بَشَرًا فِي صُورَةِ الْقَمَرِ بدرٌ إِذَا بَانَ غَابَ الْبَدْرُ مِنْ خجلٍ ... وَأَيْنَ سَارَ فَفِي قَلْبِي وَفِي نَظَرِي أَظَلَّنِي وَهَدَانِي فِي مَحَبَّتِهِ ... صبحٌ مِنَ الْوَجْهِ فِي ليلٍ مِنَ الشَّعْرِ إِنْ رُمْتُ أَرْشُفُ شَهْدًا مِنْ مُقَبَّلِهِ ... ضَمَّ الْعَقِيقُ عَلَى سمطٍ مِنَ الدُّرَرِ سَأَلْتُهُ لَيْلَةً تَقْبِيلَ عَارِضِهِ ... فَمَرَّ يَرْفُلُ فِي ثَوْبٍ مِنَ الْخَفَرِ رَضِيتُ مِنْهُ بِمَنْعِي كُلَّمَا عَلِقَتْ ... بِهِ نُفُوسُ مُحِبِّيهِ سِوَى النَّظَرِ وَالْحُبُّ أَطْيَبُهُ يَا صَاحِ أَقْرَبُهُ ... إِلَى الْعَفَافِ وَأَصْفَاهُ مِنَ الْكَدَرِ وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ بِحَرْبِهِ قَرْيَةً من قرى العراق، ارتجالاً: قُلْتُ لَهُ وَالْجِسْمُ مِنْ حُبِّهِ ... بالٍ كَخَطٍّ نَهِجَتْ أَحْرُفُهْ: صَبُّكَ فِي حُبِّكَ مستغرقٌ ... أَلا تُدَانِيهِ، أَلا تُسْعِفُهْ أَلا خَيَالٌ مِنْكَ تُشْفِي بِهِ ... غُلَّةَ صَبٍّ أَوْشَكَتْ تُتْلِفُهْ فَقَالَ لِي مُعْتَجِبًا وَالْحَيَا ... يَكَادُ مِنْ تَكْلِيمِنَا يَصْرِفُهْ: كَيْفَ يَزُورُ الطَّيْفُ مَنْ دَهْرُهُ ... لا يُطْعَمُ الْغِمْضَ وَلا يَعْرِفُهْ!

стр. 112

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي ذِكْرِ نُخْبَةِ مَنْ سَكَنَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا مِنَ الزُّهَّادِ ٣٨- أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَارَدِيُّ الْخَيَّاطُ، الْمَعْرُوفُ بَابْنِ الْقَرْقُوبِيَّةِ: كَثِيرُ الصَّلاةِ والصوم، سرداً وذاكراً لِلَّهِ تَعَالَى، شَدِيدُ الْوَرَعِ، مُحِبٌّ لِلْخَلْوَةِ، إِلا إِذا سَمِعَ بِوُرُودِ عالمٍ أَوْ زاهدٍ فَإِنَّهُ يَزُورُهُ، وَيَحْضُرُ مَجَالِسَ الْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلا يَقْبَلُ مِنْ أحدٍ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، بَلْ يَخِيطُ لجماعةٍ مَخْصُوصِينَ، يَعْرِفُهُمْ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنْ أُجْرَتِهِ، وَلا يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ أحدٌ بسوءٍ عِنْدَهُ، وَإِنْ ذُكِرَ أحدٌ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ بِذَلِكَ وَهُوَ فِيهِمْ تَرَكَهُمْ وَقَامَ عَنْهُمْ. ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْحَافِظِ أَبِي القاسم ابن عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيِّ، وَلَمَّا وَرَدَ أَبُو الْحَرَمِ النَّحْوِيُّ دُنَيْسَرَ، قَصَدَ الشَّيْخُ عُمَرُ زِيَارَتَهُ، فَسَمِعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَأَحْبَبْتُ التَّبَرُّكَ بِرِوَايَتِهِ فَسَمِعْتُ عَلَيْهِ عَنْهُ. قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَارِدِيِّ، وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْحَرَمِ مَكِّيُّ بْنُ رَيَّانَ بْنِ شَبَّهَ الْمَاكِسِيُّ النَّحْوِيُّ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَرَمِ إِجَازَةً، قَالَ:

стр. 113

أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْكِنْدِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلا أَضَافَ إِنْسَانَا مِنْ هُذَيْلٍ، فَذَهَبَتْ جاريةٌ لَهُمْ تَحْتَطِبُ، فَأَرَادَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بفهرٍ فَقَتَلَتْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: ذَاكَ قَتِيلُ اللَّهِ لا يُودَى أَبَدًا. ٣٩- أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلَفٍ السَّرْيَانِيُّ: مِنْ عَيْنِ سَرْيَا: قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَزِيرَةِ.

стр. 114

كَثِيرُ السِّيَاحَةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ يَقْصِدُ مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْحَجِّ. وَرَدَ عَلَيْنَا دُنَيْسَرَ مِرَارًا كَثِيرَةً، فَنَزَلَ مَرَّةً بِالْمَسْجِدِ الرَّئِيسِيِّ بِالتَّلِّ، فَقَصَدْتُ زِيَارَتَهُ وَسَمِعْتُ مِنْهُ مَنَامَ أَبِي الْحَسَنِ الْجَزْرِيِّ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلَفٍ السَّرْيَانِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ إِمْلاءً، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْخَطَّابِ الْجَزْرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ مِرَارًا، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَهُ إِذَا رَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ حَدِيثًا يَرْوِيهِ لِي. قَالَ: فَصَلَّيْتُ فِي لَيْلَةِ جُمُعَةٍ صَلاةً لِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ أَلْفَ مَرَّةٍ ﷺ ، ثُمَّ نُمْتُ، فَرَأَيْتُ ِالنَّبِيِّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رُوِيتْ عَنْكَ أَحَادِيثُ، وَأُحِبُّ حَدِيثًا أَسْمَعُهُ مِنْكَ إِلَيَّ، قَالَ: نَعَمْ. ((مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا فَأَعْرَبَهُ، طَيَّبَ اللَّهُ نَكْهَتَهُ، وَشَرَّفَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعَزَّ قَدْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ)) . قَالَ: فَانْتَبَهْتُ، وَأُنسِيتُ الْحَدِيثَ؛ قَالَ: فَصَعُبَ عَلِيَّ كَثِيرًا؛ قَالَ: فَعُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ ِالنَّبِيِّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنسِيتُ الْحَدِيثَ. قَالَ: نَعَمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَأُنسِيتُ الحديث. قال: فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنسِيتُ الْحَدِيثَ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَاللَّهِ انْتَبَهْتُ وَأُنسِيتُ الْحَدِيثَ؛ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا بَقِيتُ بَعْدَ الثَّلاثِ أَرَاهُ، قَالَ: فَنِمْتُ وَأَنَا مُؤْيِسٌ مِنَ الرُّؤْيَا، وطامعٌ فِيهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُنسِيتُ الْحَدِيثَ، قَالَ: نَعَمْ. ((مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا

стр. 115

فَأَعْرَبَهُ، طَيَّبَ اللَّهُ نَكْهَتَهُ، وَشَرَّفَ مَنْزِلَتَهُ)) ؛ وَقَبْلَ أَنْ يُتِمَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ حِرْصِي عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ وَثَبْتُ مِنَ النَّوْمِ، وَقُمْتُ قائماً، فسمعته وَأَنَا قائمٌ مُسْتَيْقِظٌ، وَهُوَ يَقُولُ: ((وَأَعَزَّ قَدْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ)) ، فَحَفَظْتُ الْحَدِيثَ. قَالَ لَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ السَّرْيَانِيُّ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ: أَنَّ الصَّلاةَ هِيَ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ ركعةٍ ((الحمد)) مرةً، و ((أية الْكُرْسِيِّ)) مَرَّةٌ، وَ ((آمَنَ الرَّسُولُ)) إِلَى آخِرِ الْبَقَرَةِ، مَرَّةٌ، وَ ((قل هو الله أحد)) ثَلاثُ مَرَّاتٍ، وَ ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)) وَ ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) مَرَّةً مَرَّةً؛ فَإِذَا سَلَّمَ يَقْرَأُ ((آيَةَ الْكُرْسِيِّ)) سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، محمدٌ رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ [الْوَعْدُ] الأَمِينُ، سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى ِالنَّبِيِّ ﷺ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَلا يَزَالُ يُصَلِّي حَتَّى يَغْلِبَّهُ النَّوْمُ؛ فَإِنْ لَمْ يَرَ فَلْيُكِرِّرْهَا فِي الْجُمَعِ.

стр. 116

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي ذِكْرِ نَخْبَةِ مَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الوعظ والتذكير ٤٠- أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ السُّهْرَوَرْدِيُّ الصُّوفِيُّ: شَيْخٌ فِي التَّصَوُّفِ معتبرٌ، لَبِسَ خِرْقَتَهُ مِنْ عَمِّهِ أَبِي النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيِّ، عالمٌ عَارِفٌ لَهُ التَّصَانِيفُ فِي عُلُومِ الزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ. كَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ بِبَغْدَادَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ نفرٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ صَارَ يَجْتمِعُ عِنْدَهُ خلقٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَيَتُوبُ فِي مَجْلِسِهِ جَمَاعَةٌ، [وَتُقْطَعُ] شُعُورُ جَمَاعَةٍ، وَيُسْلِمُ كثيرٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ حَضَرْتُ لَهُ مَجَالِسَ كَثِيرَةً وَشَاهَدْتُ ذَلِكَ، وَكَلامُهُ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ سَجْعٍ، وَهُوَ مُطَّرِحُ التَّكَلُّفِ فِي لُبْسِهِ.

стр. 117

قَدِمَ عَلَى دُنَيْسَرَ رَسِولا مِنَ الإِمَامِ النَّاصَرَ لِدِينِ اللَّهِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِلَى الإِمَامِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، فَرَوَى بِهَا الْحَدِيثَ، وَوَعَظَ بِهَا أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الْغَرْبِيِّ النَّاصِرِيِّ، وَحَضَرَ مَجْلِسَهْ يومئذٍ الأَكَابِرُ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّهْرَوَرْدِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِظَاهِرِ دُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَاجِبُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمَانَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبِطِّيِّ، بِقِرَاءَةِ عَمِّي أَبِي النَّجِيبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ الإِخْمِيمِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، بِانْتَقَاءِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ داود بن وردان، حدثنا هرون بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلَبِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ، يَعْنِي ابْنَ مَخْرَمَةَ يَقُولُ:

стр. 118

سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنِّي؟ قُلَنَا: بَلَى، قَالَتْ: كَانَتْ لَيْلَتِي [الَّتِي النَّبِيُّ ﷺ فيها عِنْدِي] ، انْقَلَبَ –تَعْنِي النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدِي، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، انْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا فَخَرَجَ وَأَجَافَهُ رُوَيْدًا، وَجَعَلْتُ دِرْعِي في رأس، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، وَانْطَلَقْتُ فِي أَثَرِهِ؛ حَتَّى أَتَى الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ وَانْحَرَفْتُ، ثُمَّ أَسْرَعَ وَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ وَهَرْوَلْتُ، وَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، وَسَبَقْتُهُ، وَدَخَلَ وَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلا أَنِ انْضَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَالَكِ عَائِشُ حَشْيَاءُ [رَائِبَةٌ] ! قُلْتُ: لا شَيْءَ. قَالَ: لَتُخبْرِنِّي أَوْ لَيُخْبَرِنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ. قَالَ: وَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَلَهَزَنِي لَهْزَةً فِي صَدْرِي أَوْجَعَنِي. قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قُلْتُ: وَمَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ، فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ. قَالَ: نَعَمْ، فَإِنِّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينِ رَأَيْتِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَنَادَانِي، فَأُخْفِي مِنْكِ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَتْ: وَكَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: قُولِي: ((السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِيَّارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ)) .

стр. 119

قَوْلُهُ: ((حَشْيَاءُ)) أَيْ قَدْ أَصَابَهَا الْحَشَا، وَهُوَ الرَّبْوُ. يُقَالَ: رجلٌ حشٍ، وامرأةٌ حَشيَاءُ. قَوْلُهَا: ((أَلْهَزَنِي)) اللَّهْزُ: الضَّرْبُ بِجَمِيعِ الْيَدِ عَلَى الصَّدْرِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّهْرَوَرْدِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدُنَيْسَرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ ابن الْبَطِّيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّئِيسُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ رَشِيقٍ الْكَاتِبُ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ رَئِيسٍ رَأَيْنَاهُ بِالْمَغْرِبِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الصُّوفِيُّ، قَالَ: كُنْتُ بِمِصْرَ أَيَّامَ سِيَاحَتِي، فَتَاقَتْ نَفْسِي إِلَى النِّسَاءِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ إِخْوَانِي، فَقَالَ لِي: هَاهُنَا امرأةٌ صُوفِيَّةٌ، لَهَا ابنةٌ مِثْلُهَا جَمِيلَةٌ، قَدْ نَاهَزَتِ الْبُلُوغَ. قَالَ: فَخَطَبْتُهَا وَتَزَوَّجْتُهَا، فلما دخلت عليها وجدتها مستقبلة القبلة تصلي، قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ تَكُونَ صَبِيَّةٌ فِي مِثْلِ سِنِّهَا تُصَلِّي وَأَنَا لا أُصَلِّي، فَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ وَصليت مَا قُدِّرَ لِي، حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ فِي مُصَلايَ؛ وَنَامَتْ فِي مُصَلاهَا. فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا. فَلَمَّا طَالَ عَلِيَّ، قُلْتُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَلاجْتِمَاعِنَا مَعْنَى؟ قَالَ: فَقَالَتْ لِي: أَنَا فِي خِدْمَةِ مَوْلايَ، وَمَنْ لَهُ حَقٌّ فَمَا أَمْنَعُهُ. قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ كَلامِهَا، وتماديت على أمري نَحْوَ الشَّهْرِ؛ ثُمَّ بَدَا لِي فِي السَّفَرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَذِهِ؛ قَالَتْ: لَبَّيْكَ. قُلْتُ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ السَّفَرَ. قَالَتْ: مُصَاحَبًا بِالْعَافِيَةِ.

стр. 120

قَالَ: فَقُمْتُ، فَلَمَّا صِرْتُ عِنْدِ الْبَابِ، قَامَتْ، فَقَالَتْ لِي: يَا سَيَّدِي، كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا عهدٌ لَمْ يُقْضَ بِتَمَامِهِ، عَسَى فِي الْجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فقلت لَهَا: عَسَى [اللَّهُ] . فَقَالَتْ لِي: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ خَيْرَ مُسْتَوْدَعٍ. قَالَ: فَتَوَدَّعْتُ مِنْهَا وَخَرَجْتُ. قَالَ: ثُمَّ عُدْتُ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ سِنِينَ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقِيلَ لِي: هِيَ عَلَى أَفْضَلِ مَا تَرَكْتَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالاجْتِهَادِ.

стр. 121

الْبَابِ السَّادِسُ فِي ذِكْرِ بَعْضِ أَهْلِ الأَدَبِ مِمَّنْ سَكَنَهَا، أَوْ نَزَلَ أَوْ مَرَّ بِهَا وَفِيهِ فصولٌ ثَلاثَةٌ: الْفَصْلُ الأَوَّلُ فِي ذِكْرِ نُخبَةِ مَنْ نَزَلَ بِهَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالإِنْشَاءِ ٤١- أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْتَرِ بْنِ ثَابِتٍ الْحَلَّوِيُّ: قَرَأَ الْكَثِيرَ مِنَ اللُّغَةِ عَلَى أَبِي الفتح ابن النَّقِيبِ التِّكْرِيتِيِّ، وَغَيْرِهِ. وَقَدْ أَنْشَأَ الْكَثِيرَ مِنْ أَنْوَاعِ الإِنْشَاءِ، كَالْخُطَبِ وَمَجَالِسِ الْوَعْظِ، وَالرَّسَائِلِ وَالشِّعْرِ الْكَثِيرِ فِي الْمَدْحِ وَالْغَزَلِ، وَمَكَارِمِ الأَخْلاقِ وَالْهِجَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى

стр. 122

طَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ، كَالتَّجْنِيسِ وَلُزُومِ مَا لا يَلْزَمُ، وَغَيْرِهِمَا؛ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ إِنْشَائِهِ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ، أَظْهَرَ الْفَرَحَ وَصَفَّقَ، وَرُبَّمَا نَهَضَ قَائِمًا أَوْ سَجَدَ، والذي ظهر لي أن ذَلِكَ لَيْسَ لفرطٍ إِعْجَابِهِ بِإِنْشَائِهِ، بَلْ هُوَ شيءٌ كَانَ يَتَكَلَّفُهُ، وَلَمْ أَعْلَمْ غَرَضَهُ مِنْهُ. سَمِعَ غَرِيبَ الْحَدِيثَ لأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ أبي عبد الله ابن خَمِيسٍ الْمَوْصِلِيِّ. سَكَنَ دُنَيْسَرَ مُدَّةً، فَقَرَأْنَا عَلَيْهِ بِهَا كَثِيرًا مِنَ اللُّغَةِ، وَمِنْ إِنْشَائِهِ فِي الْخُطَبِ وَالْوَعْظِ وَالرَّسَائِلِ، وَأَنْشَدَنَا كَثِيرًا مِنْ شِعْرِهِ، وَعَلَّقْنَا مِنْهُ فَوَائِدَ، وَرَوَى لَنَا الْحَدِيثَ. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْحَلَّوِيِّ، بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَمِيسٍ الْمَوْصِلِيُّ، قِرَاءَةً عَلِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِي بْنِ زَكَرِيَّا الطُّرَيْثِيثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَادَا، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَعْلَجٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ دَاوُدَ الْعَطَّارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ

стр. 123

حَوْشبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، عَنِ ِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى أَنْ تَتَايَعُوا فِي الْكَذِبِ، كَمَا يَتَتَايَعُ الْفَرَاشُ فِي النَّارِ)) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ((التَّتَايُعُ: التَّهَافُتُ فِي الشَّرِّ، وَالْمُتَايَعَةُ عَلَيْهِ، يُقَالَ لِلْقَوْمِ: قَدْ تَتَايَعُوا فِي الشَّرِّ، إِذَا تَهَافَتُوا فِيهِ، وَسَارَعُوا إِلَيْهِ)) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ فِي الْخَيْرِ، إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ فِي الشَّرِّ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ عَلِيًّا أَرَادَ أَمْرًا فَتَتَايَعَتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْزَعًا، يَعْنِي فِي أَمْرِ الْجَمَلِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِي الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْمَرْأَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَاهُ هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شهادةً أبداً﴾ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَى رجلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا، فَقَتَلَهُ تَقْتُلُونَهُ [بِهِ] ؟ وَإِنْ أَخْبَرَ بِمَا رَأَى جُلِدَ ثَمَانِينَ؟ أَفَلا يَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَفَى بِالسَّيْفِ شا)) . قَالَ: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: شَاهِدًا، ثُمَّ أَمْسَكَ، فَقَالَ: لَوْلا أَنْ يَتَتَايَعَ فِيهِ السَّكْرَانُ وَالْغَيْرَانُ.

стр. 124

قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ: كَرِهَ أَنْ يَجْعَلَ السَّيْفَ شَاهِدًا، فَيَحْتَجُّ بِهِ الْغَيْرَانُ وَالسَّكْرَانُ فَيَقْتُلُوا.. .. ..

стр. 125

[الْفِصْلُ الثَّانِي] [فِي ذِكْرِ نخبةٍ مَنْ سَكَنَهَا أَوْ نَزَلَ أَوْ مَرَّ بِهَا مِنْ أَهْلِ النَّحْوِ]

стр. 126

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ] [فِي ذِكْرِ نُخْبَةِ مَنْ سَكَنَهَا أَوْ نَزَلَ أَوْ مَرَّ بِهَا مِنَ الشُّعَرَاءِ] ٤٢- أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ عِرْبِدِّ بْنِ رَافِعِ بْنِ الْمُزَعْفَرِ، الْعِرْبِدِّيُّ التَّغْلِبِّيُّ الدنيسري محتسبها: [كان عالماً فَطِنًا ذَكِيًا، قَرَأَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دِرْبَاسٍ الآمِدِيِّ؛ وَسَافَرَ فَلَقِيَ الْمَشَايِخَ بِدِمَشْقَ وَمِصْرَ والإسكندرية، وَهُوَ أَوَّلُ نَحْوِيٍّ تَصَدَّرَ بِدُنَيْسَرَ؛ وَهُوَ مُتَوَلِّي وَقْفَ الْجَامِعِ النَّاصِرِيُّ؛ وَكَانَ يَتَوَلَّى الْحِسَبَةَ بِدُنَيْسَرَ.

стр. 127

ومن شعره: دَعِ الْمَلامَةَ فِيهِ أَيُّهَا اللاحِي ... فَمَا أُطِيعَ عَلَيْهِ قَوْلَ نُصَّاحِي شَدُّوا عَلَيَّ فَسَدُّوا بَابَ مَصْلَحَتِي ... وظنهم أنهم جاؤوا بِإِصْلاحِي وَهَزَّةُ السُّكْرِ لا يَحْظَى بِلَذَّتِهَا ... إِلا خليعٌ تَحَاشَى حِشْمَةَ الصَّاحِي تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وستمئة فِي الْحَبْسِ] . [أَنْشَدَنِي مِنْ لَفْظِهِ لنفسه:] [مَدَائِحُ حَازَتْ كُلَّ.. .. .. .. .. .. ... .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ... .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..] وَأَنشدَنِي مِنْ لفظه لنفسه: أَسِحْرُ جُفُونٍ أَمْ صِنَاعةُ بابلٍ ... وَغَمْزُ لحاظٍ أَمْ رِمَايَةُ نَابِلِ وَبَدْرُ دُجًى يَمْشِي بِأَرَجَاءِ لعلعٍ ... وَأَكْنَافِ سلعٍ بَيْنَ تِيكَ الْحَمَائِلِ

стр. 128

أََمِ الرَّشَأُ الأَحْوَى عَلَى الْقَلْبِ طَرْفُهُ ... غَرَامًا لَهُ فِيهِ لَهِيبُ الْمَشَاعِلِ أَجَلْ هُوَ ذَاكَ الأَحْوَرُ الْمُقْلَةِ الَّذِي ... سَرَى حُبُّهُ حَتَّى أَصَابَ مَقَاتِلِي غريرٌ، عَلَى حِذْقِي وَعِلْمِيَ، غَرَّنِي ... وَأَوْلَجَنِي بَحْرًا بِغَيْرِ سواحل معاطفه والمقلتان وحيده ... وَغُرَّتُهُ وَالْحَاجِبَانِ بَلابِلِي تَقُومُ لَهُ فِي صَيْدِ قَلْبِي مَتَى غَدَا ... طَلِيقًا مِنَ الْبَلْوَى مَقَامَ حَبَائِلِ إِذَا مَا تَثَنَّى فَالْقَضِيبُ عَلَى النَّقَا ... وَبَدْرُ الدُّجَى السَّيَّارُ مِنْ فَوْقَ ذَابِلِ يُرَنِّحُهُ تِيهُ الصِّبَا وَشَرَاسَةُ الْجَمَالِ ... فَلا يُصْغِي إِلى قَوْلِ عَاذِلِ أَرَقُّ مِنَ الْمَاءِ القراح يؤوده الرِّدَاءُ ... وَيُدْمِيهِ أَرَقُّ الْغَلائِلِ تَجَمَّعَ فِيهِ كُلُّ مَعْنًى لَطَافَةً ... وَحِكْمَةُ آدابٍ وَحُسْنُ شَمَائِلِ وَمِنْهَا: تَوَافَقَ آرَاءُ الْوَرَى فِي مَدِيحِهِ ... عَلَى خلفها في ربها بالدلائل قؤول إِذَا حَارَ الْوَرَى عَنْ إجابةٍ ... وَمَا بَعْدَمَا يُبْدِي مقالٌ لِقَائِلِ وَمِنْهَا: فَفِي الرَّوْعِ قهارٌ لِكُلِّ مجالدٍ ... وَفِي السِّلْمِ قطاعٌ لِكُلِّ مجادل وبعد هذا الشعر: أَمَنْزِلَ دعدٍ هَلْ إِلَى أَبْرُقِ الْحِمَى ... [.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..]

стр. 129

٤٣- الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي أَسْعَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ مُوسَى الْهُبَّانِيُّ السُّلَمِيُّ، السِّنْجَارِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ ﵀: قال: سَقَى عَهْدَ غَيْدَاءَ صَوْبُ الْغَوَادِي ... [.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..]

стр. 130

وقال: تَصُدُّ وَتُبْدِي جَفْوَةً وَتَجَنُّبًا ... وَأَحْنُو وَلا تَزْدَادُ إِلا تَعَتُّبَا وَتَعْطِفُ لَكِنْ عَنْ وِصَالِي فَإِنْ جَنَتْ ... أُصَحِّفُهُ لِلْكَاشِحِينَ تَحَبُّبَا لَئِنْ حَالَفْتُ طُولَ الصُّدِودِ وَخَالَفَتْ ... فَمَذْهَبُ وَجْدِي الْيَوْمَ أَصْبَحَ مُذْهَبَا سَلَوْتُ وَلَكِنْ عَنْ سُلُوِّي فَإِنْ أُلَمْ ... فلومٌ وَإِنْ أُعْذِرْ فَمِثْلِي مَنْ صَبَا وَلَمَّا افْتَرَقْنَا ضَلَّ جَفْنِي عَنِ الْكَرَى ... وَأَغْرَبَ بِالدَّمْعِ الْمَصُونِ وَأَعْرَبَا عَشِقْتُ وَللنَّفْسِ النَّفِيسَةِ منهلٌ ... يُلَذُّ بِهِ شُرْبًا وَإِنْ ضَرَّ مَشْربَا أُسَرُّ بِمَا مِنْهُ أُضَّرُّ لأَنَّنِي ... بِتِلْكَ الْعِذابِ الْغُرِّ رُحْتُ مُعَذَّبَا جَلَتْ لِي وَجْهًا فِي الدُّجَى فَأَضَاءَهُ ... وَعَادَ صَبَاحًا بَعْدَ مَا كَانَ غَيْهَبَا غُلامِيَّةُ الأَعْطَافِ فِي حَرَكَاتِهَا ... سكونٌ وَفِي أَلْفَاظِهَا صَبْوَةُ الصبا لها رقة الماء الزلال ولطفه ... ومن رقةٍ فيها تعلمت الصِّبَا وَلَمَّا أَتَانِي طَيْفُهَا بَعْدَ هجعةٍ ... يُغَازِلُنِي فِي مَضْجَعِي قُلْتُ: مَرْحَبَا وَعَاتَبَنِي فِي رَقْدَتِي بَعْدَ هَجْرِهِ ... وَعَاتَبْتُهُ فِيمَا جَنَاهُ فَأَعْتَبَا فَمَا لَذَّ فِي سَمْعِي الْغَدَاةَ وَلا فَمِي ... كلامٌ بِأَحْلَى مِنْهُ عَقْلِي بِهِ سَبَا تَمَّتْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهُ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

стр. 131

٤٤- أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دِرْبَاسٍ الآمِدِيُّ: [أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ دِرْبَاسٍ لِنَفْسِهِ:] سَلْ لَحْظَهُ أَيُّهَا الَّلاحِي عَلَى الْقَرَمِ ... [.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..] أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أبو بكر ابن درباس لنفسه: إِذَا لاحَ برقٌ نَحْو مَنْبِجَ خلبٌ ... يُرَاقِبُهُ إِنْسَانُ عَيْنِي فَيَسْكُبُ أَمَا آنَ لِلتَّفْرِيقِ مِنْكُمْ تجمعٌ ... أَمَا آنَ لَلنَّأْيِ الْمُشِتِّ تَقَرُّبُ أَمَا أَزِفَ الْوَصْلُ الْمُؤَمَّلُ مِنْكُمُ ... أَمَا رَدِفَ الْوَعْدُ الَّذِي هُوَ مُسْهِبُ سَرُوا بِشَقِيقِ الشَّمْسِ لا بَلْ جَمَالُهُ ... إِذَا أَشْرَقَتْ تَجْلُو الدُّجُنَّةُ أَهْيَبُ

стр. 132

٤٥-[عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ رُخَامٍ، أَبُو حَفْصٍ الْكَاتِبُ، الْخُوجِسْتَانِيُّ الأَصْلِ، الدنيسري المولد]

стр. 133

.. .. .. وأن أذكر هاهنا شيئاً من غير رِوَايَتِي عَنْهُ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ ﵀ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ، مِنْ شعره: أَمِنْتُ بدارٍ خَوْفُهَا دُونَ أَمْنِهَا ... وَمَنْ ذَا الَّذِي فِي الْخَوْفِ يعتاده الأمن وقد شعفت نَفْسِي بِحُسْنِ محجبٍ ... أَحَسَّتْ بِمَعْنَاهُ وَمَا ظَهَرَ الْحُسْنُ فَمَنْ عَلَّمَ الْقَلْبَ الْمَحَبَّةَ وَالْهَوَى ... وَلا نَظَرَتْ عينٌ، وَلا سَمِعَتْ أُذْنُ فَهَلْ عِنْدَهُ مِنْ لَمْحَةِ الْغَيْبِ خطرةٌ ... أَفَادَتْهُ هَذَا أَمْ أُطِيفَتْ بِهِ الْجِنُّ وَحَرَّكَتْنِي بِالذِّكْرِ حَتَّى كَأَنَّنِي ... حَمَامَةُ غصنٍ يَرْجَحِنُّ بِهَا الْغُصْنُ فَلا تُفْسِدَنْ مِيزَانَ فِكْرِي بِذِكْرِهِمْ ... فَفِي كَثْرَةِ الأَلْفَاظِ يَنْفَسِدُ الْوَزْنُ وَلا تُحْزِنَنِّي بِالْغِنَاءِ فَإِنَّنِي ... أَرَى طَرَبَ الْعُقَّالِ غَايَتُهُ الْحُزْنُ وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ فِي ذَمِّ الْغُرْبَةِ له أيضاً: إِذَا كُنْتَ فِي دارٍ فَلا تَبْغِ غَيْرَهَا ... فَفِي غُرْبَةِ الْمَرْءِ الْمَذَلَّةُ وَالْخَسْفُ فَلَوْلا مَسِيرُ الْبَدْرِ مَا عَادَ نَاقَصًا ... وَلَوْلا اضْطِرَابُ الشَّمْسِ مَا شَانَهَا الْكَسْفُ وَلَهُ، نقلته من خطه: إِذَا لَمْ تَكُنْ ذَا قوةٍ وشجاعةٍ ... وبطشٍ، فَلا تَبْرُزْ لخلقٍ معاديا ولا ترم بالبغضاء شهماً وَإِنْ بَدَا ... لَكَ اللِّينُ مِنْهُ مُسْتَسِرًّا وَبَادِيَا وَلا تَحْسَبَنْ لِينَ الْكَلامِ مَذَلَّةً ... فَكَمْ مازجٍ بِالشُّهْدِ سُمَّ الأَفَاعِيَا وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ، لَهُ أَيْضًا، وَأَنْشَدَنِيهَا بَعْضُ أَصْدِقَائِي عنه: بَدَتْ فِي سَمَاءِ الْقَلْبِ أَقْمَارُ حُبِّكُمْ ... فَفَاضَتْ لَهُ الأَنْوَارُ مِنْ غَيْرِ مَطْلَعِ تَخَيَّرْتُ فِي الدُّنْيَا هُوَاكُمْ وَإِنَّنِي ... إِلَيْكُمْ غَدًا فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ مَرْجَعِي عَلِمْتُ بِأَنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ ... فَأَحْبَبْتُكُمْ حَتَّى تَكُونُوا غَدًا مَعِي

стр. 134

وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ، لَهُ أَيْضًا: قَالُوا: نَرَاكَ عَلَى الصَّبَابَةِ سَاكُنًا ... كَالصَّخْرِ أَعْيَتْ قَارِعِيهِ صَفَاتُهُ دَعْوَى الْمُحِبِّ هَوًي وَصَبْرًا باطلٌ ... وَدَلِيلُهُ شَكْوَاهُ أَوْ زَفَرَاتُهُ كَالْبَحْرِ إِنْ شُحِنَتْ حُشَاهُ حَرَارَةً ... جَاشَتْ عَلَى صَفَحَاتِهِ مَوْجَاتُهُ فَأَجَبْتُهُمْ: إِنْ كُنْتُ أَسْتُرُ عَنْكُمُ ... وَجْدِي، فَقَدْ ظَهَرَتْ لَكُمْ آيَاتُهُ حُمِّلْتُ أَثْقَالَ الْغَرَامِ فَسَكَّنَتْ ... قَلَقِي، فَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيَّ صِفَاتُهُ وَكَذَلِكَ الشَّيْءُ الْقَوِيُّ إِذَا طَرَا ... فَوْقَ الضَّعِيفِ تَعَطَّلَتْ حَرَكَاتُهُ ونقلته من خطه: عَرِيتُ كَمَا تَعْرَى الْغُصُونُ مِنَ الصِّبَا ... فَهَلا مُصَابِي فِي الْخُطُوبِ مُصَابُهَا وَلَكِنَّهَا تُكْسَى وَتَزْدَادُ جِدَّةً ... وَجِدَّةُ عُمْرِي لا يُرَامُ اكْتِسَابُهَا وَتَشْدُو عَلَيْهَا السَّاجِعَاتُ وَهَامَتِي ... عَلَى هَامَتِي تَبْلَى وَيَنْعَى غُرَابُهَا وَيُسْكِرُهَا صَوْبُ الْغَمَامِ، وَسَكْرَتِي ... مِنَ الْحُزْنِ لا يَنْجَابُ عَنِّي سَحَابُهَا وَتُطْرِبُهَا رِيحُ الصَّبَا فَتَهُزُّهَا ... وَهَزَّةُ عِطْفِي عَزَّ لِلدَّهْرِ بَابُهَا وَقَدْ خَالَفَتْنِي فِي الأُمُورِ وَخَالَفَتْ ... مُخَالَفَتِي، حَتَّى مشيبي شبابها ومن شعره: لِي بِالْحِمَى النَّجْدِيِّ أَشْجَانُ ... وَفِي الْهَوَى الْعُذْرِيُّ لِي شَانُ يَا شَجَرَ الرَّنْدِ وَبَانَ الْغَضَا ... أَيْنَ الْغَضَا وَالرَّنْدُ وَالْبَانُ؟ لَمْ يَبْقَ لِي بَعْدَ لَيَالِي الْحِمَى ... إِلا صباباتٌ وَأَشْجَانُ يَا دَهْرُ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غلطةٍ ... تُعِيدُ أَحْبَابِي كَمَا كَانُوا مَا رَجَّعَتْ وَرْقَاءُ في بانةٍ ... تندب أخباباً لَهَا بَانُوا إِلا بَكَيْتُ الْحَيَّ حَتَّى لَقَدْ ... سَالَ مِنَ الآمَاقِ غُدْرَانُ

стр. 135

إِنْ كَانَ لِلوُرْقِ عَلَى دَوْحِهَا ... سجعٌ وترجيعٌ وَأَلْحَانُ فَلِي عَلَى سُكَّانَ وَادِي الْغَضَا ... وَجْدٌ وتفجيعٌ وَأَشْجَانُ آهٍ عَلَى عيشٍ لَنَا بِالْحِمَى ... وَلَّى وَعُودُ الْوَصْلِ رَيَّانُ سَقَى لَيَالِينَا عَلَى رامةٍ ... أَوْطَفَ هَامِي النَّوُّ هَتَّانُ فَلِي بِأَعْلَى السَّفْحِ مِنْ رامةٍ ... أَحْوَى غَرِيرُ الطَّرْفِ فَتَّانُ كَأَنَّمَا أَتْحَفَهُ لِلْوَرَى ... مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ رَضْوَانُ فَآهًا له من تائهٍ معرضٍ ... تَفَنِّي اللَّيَالِي وَهْوَ غَضْبَانُ لِلَّهِ مَا أجورٍ حُكْمَ الْهَوَى ... لَهُ عَلَى الْعُشَّاقِ سُلْطَانُ أَهْوَنُهُ الْمَوْتُ وَيَا رُبَّمَا ... هَوَّنَ خَطْبَ الْمَوْتِ هجران وله أيضاً: إِنَّ مَنْ أَيْمَنِ السَّدِلَّةِ رِيمًا ... سَاخِيَ اللَّفْظِ سَاحِيَ الْمُقْلَتَيْنِ مَشْرَفِيَّ الْقَوَامِ مُخْتَصَرَ الْخَصْرِ ... رَشِيقًا قَدْ قُدَّ قَدَّ الرُّدَيْنِيِّ طَالِعًا لِلأَنَامِ مِنْ لَيْلٍ صَدَّ ... غَيَّهُ هلالٌ عَلَى قَضِيبِ اللُّجَيْنِ حَلَّ مِنِّي في الطَّرْفَ وَالْقَلْبَ لا الطَّرْفَ ... وَلا الْقَلْبَ لا وَلا الشُّرْطَيْنِ

стр. 136

وله أيضاً: لَوْ أَنَّ رِقَّةَ خَدِّهِ فِي قَلْبِهِ ... لانَتْ عَوَاطُفُ حُبِّهِ لِمُحِبِّهِ لَكِنَّهُ فِي تِيهِهِ وَدَلالِهِ ... نَشْوَانُ من سكرات خمرة عجبه كيف السَّبِيلُ إِلَى عِتَابِ محجبٍ ... عَنْ عَاشِقِيهِ، مُغَيَّبٍ فِي حُجْبِهِ سِيَّانَ عِنْدِي وَالْحَبِيبُ ممنعٌ ... تَرْكُ الْعِتَابِ لَهُ وَكَثْرَةُ عُتْبِهِ مَنْ مُنْصِفِي فِي تَائِهٍ دَانِي الْجَفَا ... نَائِي الْوَفَا حُلْوِ التَّعَذُّبِ عَذْبِهِ متجنبٌ فِي قُرْبِهِ وَبِعَادِهِ ... فَالْمَوْتُ مِنْ بُعْدِ الْمَزَارِ وَقُرْبِهِ يَا لَلْعَجَائِبِ مِنْ ظلومٍ جائرٍ ... يَجْنِي فَيَطْلُبُ عَفْوَةً مِنْ ذَنْبِهِ ومتيمٍ سَهْلِ الْقِيَادِ مُهَانِهِ ... مُغْرًى بِمُمْتَنِعِ التَّوَاصُلِ صَعْبِهِ مَا زَالَ يَسْقِيهِ الْغَرَامَ بِكَأْسِهِ ... حَتَّى اسْتَطَارَ الْحُبُّ حَبَّةَ لُبِّهِ يَا قَلْبُ إِنْ عَزَّ الْحَبِيبُ فَدَارُهُ ... هَذَا الْهَوَى وَالْمَوْتُ أَيْسَرُ خَطْبِهِ كَمْ قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْهُ عِنْدَ حُلُولِهِ ... فَوَقَعْتَ فِيهِ فَذُقْ مَرَارَةَ غَيِّهِ وَاخْضَعْ لِمَنْ تَهْوَى وَذِلَّ لَعَلَّهُ ... عِنْدَ الْخُضُوعِ تَلِينُ قَسْوَةُ قَلْبِهِ وَلَهُ أَيْضًا حجازي: سَلِ الْبَانَ عَنْ مَنْ بَانَ مِنْ جِيرَةِ النَّقَا ... هَلِ اخْضَرَّ عودٌ مِنْ سُلَيْمَى وَأَوْرَقَا وَقُلْ لأُصَيْحَابِي عَلَى عَذْبِ الْحِمَى ... عزيزٌ عَلَى الأَيَّامِ أَنْ نَتَفَرَّقَا أَحِنُّ إِلَى جَوِّ الْحِمَى وَيَشُوقُنِي ... بُرَيْقٌ عَلَى وَادِي الْعَقِيقِ تَأَلُّقَا وأَذْكُرُ أَيَّامِي بمنعرجٍ اللِّوَى ... فَأَبْكِي وَأَسْتَبْكِي الْحَمامَ الْمُطَوَّقَا أَجِيرَانَنَا بِالأَجْرَعِ الْفَرْدِ إِنَّنِي ... حَفِظْتُ لَكْمُ عَهْدًا قَدِيمًا وموثقا عليلكم هل تعلون لَهُ شَفًا ... وَمَجْنُونُكُمْ هَلْ تَعْلَمُونَ لَهُ رُقَى أَبَتْ نَارُهُ فِي الْقَلْبِ إِلا تَسَعُّرًا ... وَمَدْمَعُهُ فِي الْخَدِّ إِلا تَدَفُّقَا فَمَا حَيلَتِي إِنْ أَصْبَحَ الْقَلْبُ عِنْدَكُمُ ... أَسِيرًا وَدَمْعُ الْعَيْنِ فِي الْخَدِّ مُطْلَقَا وَأَصْبَحْتُ أَجْتَابُ الْفَيَافِي مُغَرِّبًا ... وَأَصْبَحَ وَجْدِي فِي هُوَاكُمْ مُشَرِّقَا

стр. 137

وَلَمْ تُرْضِنِي عَنْكُمْ لُيَيْلاتُ قُرْبِكُمْ ... فأدعوا إِلَى الرَّحْمَنِ بِالْعَوْدِ وَاللِّقَا وَلَكِنَّنِي أَرْجُو مِنَ اللَّهِ عَطْفَكُمْ ... عَلَى مستهام ماله بعدكم بقا وله أيضاً، ورأيت ذلك بخطه: أَرُومُ سَتْرًا وَثَوْبُ الْعِشْقِ منخرقٌ ... وَالدَّمْعُ فِي صَفْحَةِ الْخَدَّيْنِ مُسْتَبِقُ هَا فَانْظُرُوا سَقَمِي لَمْ يَبْقَ لِي رمقٌ ... وَالصَّادِقُ الْحُبِّ لا يَبْقَى لَهُ رَمَقُ لا تُنْكِرُوا فِي الْهَوَى إِنْ صِحْتُ وَاقْلَقِي ... أَقَلُّ فِعْلِ جِنَايَاتِ الْهَوَى الْقَلَقُ سُلِبْتُ ثَوْبَ اصْطِبَارِي فِي مَحَبَّتِكُمْ ... وَاعْتَادَنِي الْمُزْعِجَانِ: الْحُزْنُ وَالأَرَقُ وَثِقْتُ مِنْكُمْ بِحِفْظِ الْعَهْدِ مِنْ قدمٍ ... فَإِنْ نَكَثْتُمْ فَوَاوَيْلِي بِمَنْ أَثِقُ لولا نسيتم الصَّبَا يَجْرِي بِنَشْرِكُمُ ... عِنْدَ السُّحَيْرِ لَكَادَ الْقَلْبُ يَحْتَرِقُ تَعَطَّفُوا وَقِفُوا ثُمَّ انْصِفُوا وَصِفُوا ... وَاسْتَوْصِفُوا كَيْفَ يَصْفُو الْمَشْرَبُ الرَّنِقُ يَا عَاذلِي أَيْنَ صَبْرِي وَالسُّلُوُّ لَقَدْ ... ضَاعَ السُّلُوُّ وَسُدَّتْ دُونَهُ الطُّرُقُ أَنْتَ الخلي وقلبي مغرمٌ دنفٌ ... إِلَيْكَ عَنِّي كِلانَا لَيْسَ نَتَّفِقُ مَا تَفْعَلُ الْبِيضُ وَالسُّمْرُ الدِّقَاقُ إِذَا ... قَامَتْ صُفُوفُ الْوَغَى مَا تَفْعَلُ الْحَدَقُ عَشِقْتُ مَنْ لا رَأَى تِمْثَالَ صُورَتِهِ ... بَيْنَ الأَنَامِ بَنُو الدُّنْيَا وَلا عَشِقُوا خُوَيْطُ بانٍ رَشِيقُ الْقَدِّ طَلْعتُهُ ... تَكَادُ مِنْ لَمَعَانِ الْحُسْنِ تَأْتَلِقُ إِذَا تَبَدَّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ طَالِعَةً ... تُضِيءُ مِنْ دُونِهَا الأَقْطَارُ وَالأُفُقُ وَإِنْ تَثَنَّى رَأَيْتُ الْغُصْنَ مُنْعَطِفًا ... رَيَّانَ نَمَّ عَلَيْهِ الزَّهْرُ وَالْوَرَقُ وَإِنْ رَنَا خِلْتُ رِيمَ الرَّمْلِ مُلْتَفِتًا ... قَدْ رَاعَهُ صائدٌ يَقْتَادُهُ فَرَقُ وَإِنْ تَكَلَّمَ فَهْوَ الدُّرُّ منتثرٌ ... وَإِنْ تَبَسَّمَ فَهْوَ الدُّرُّ مُتَّسِقُ وَإِنْ لَوَى الصُّدْغَ خِلْتُ الْوَرْدَ جَلَّلَهُ ... طَلٌّ عَلَيْهِ، وَدَارَ الْعَنْبَرُ الْعَبِقُ أَوْ شَدَّ بَنْدَ الْقَبَا فَالْبَدْرُ فِي فلكٍ الأَزْرَارِ ... مَنْطِقَةَ الْجَوْزاءِ مُنْتَطِقُ قَدْ رُصَّعَ الدُّرُّ فِي شَرْبُوشِهِ نَسَقًا ... فِي دائرٍ حَفَّهُ الإِبْرِيزُ وَالْوَرِقُ كَأَنَّ نَجْمَ الثُّرَيَّا صِيغَ فَوْقَ سَنَا ... بَدْرِ الدُّجُنَّةِ إِكْلِيلا لَهُ شَفَقُ

стр. 138

وَأَظْرفُ الظَّرْفِ ذَاكَ الْعَقْلُ مَعَ أدبٍ ... وَأَحْسَنُ الْحُسْنِ ذَاكَ الْخَلْقُ وَالْخُلُقُ فِيهِ جَمَالُ حِسَانِ الْحُورِ مجتمعٌ ... وَحُسْنُهُ فِي حِسَانِ الْحُورِ مُفْتَرِقُ وَلَهُ أَيْضًا مرثيةٌ يَرْثِي بِهَا قُطْبَ الدِّينِ سُكْمَانَ بْنَ قُرَا أَرْسِلانَ، صَاحِبَ آمِدٍ. أَنْشَدَنِيهَا عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يوسف الحاجي: زُلْزِلَ الطَّوْدُ وَخَرَّ الْمَنَارُ ... وَدَهَى الْبَدْرَ السُّرَى وَالسِّرَارُ وَقَضَى رَبُّ الْمُنَى وَالَمَنَايَا ... وَانْقَضَى الْمَجْدُ وَمَاتَ الْفَخَارُ هَكَذَا تَهْوِي النُّجُومُ الدَّرَاري ... مِنْ عُلاهَا وَتَغِيضُ الْبِحَارُ يَا لَهَا دَاهِيَةً مصمئلٌ ... خَطْبُهَا لَمْ يُغْنِ مِنْهُ الْحِذَارُ أَظْلَمَتْ أَيَّامُهَا وَاللَّيَالِي ... وَبَكَتْ أَنْوَاؤُهَا وَالْقِطَارُ وَلِثَغْرِ الْخَطْبِ فِيهَا افترارٌ ... وَلِطَرْفِ الْمَجْدِ فِيهَا انْكِسَارُ إِنَّ سُكْمَانَ رَبِيبُ الْمَعَالِي ... عَقَرَتْهُ الْخَنْدَرِيسُ الْعُقَارُ مَلِكُ سَلَّ عَلَى الْخَطْبِ عَضْبًا ... مُرْهَفًا فَانْفَلَّ مِنْهُ الْغِرَارُ أَصْبَحَ الْمُلْكُ مداناً مهاناً ... ماله مُذْ بَانَ عَنْهُ انْتِصَارُ وَقُصُورُ الْمُلْكِ مِنْهُ خلاءٌ ... وَرُبُوعُ الْمَجْدِ مِنْهُ قِفَارُ عُلِّمَتْ آمِدُ مِنْ قَبْلِ هَذَا ... فَقْدَهُ وَالْعُمْرُ ثوبٌ مُعَارُ وَلِهَذَا أُلْبِسَتْ ثَوْبَ حُزْنٍ ... فِيهِ لِلرَّائِي وقارٌ وَقَارُ إِنَّ فِي لَئْلائِهَا شَمْسُ دُجًى ... بَانَ مِنْهُ فِي دُجَاهَا نَهَارُ قَدْ بَكَتْهُ الدَّارُ وَالْقَصْرُ بادٍ ... حَزَنًا لِلْمَرْءِ فِيهِ اعْتِبَارُ كَانَ لِلدُّنْيَا وَقَدْ بَانَ عَنْهَا ... وَبَنُو الدُّنْيَا إِلَيْهِ افْتِقَارُ غَابَ فَالْوَحْشَةُ فِيهَا لباسٌ ... وَلُبَاسُ الْحُزْنِ فِيهِمْ شِعَارُ

стр. 139

قَدْ أَمِنَّا بَعْدَهُ كُلَّ خطبٍ ... فَخُطُوبُ الدَّهْرِ فِينَا جُبَارُ أفٍ لِلدُّنْيَا مُقَامًا وَدَارًا ... غَايَةُ الإِنْسَانِ فيها البوار والأماني فِيهَا طوالٌ ... وَمَدَى الأَعْمَارِ فِيهَا قِصَارُ هِيَ دارٌ لجهولٍ فتيكٍ ... مَالَهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ دَارُ تُوُفِّيَ عُمَرُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ست وستمئة، ﵀. ٤٦- أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ؛ الآمِدِيُّ الأَصْلِ، الدُّنَيْسَرِيُّ، يُعْرَفُ بِالْحَاجِّيِّ، لأَنَّهُ حُمِلَ إِلَى مَكَّةَ صَغِيرًا . ذَكِيٌّ، [فطنٌ] ، دَقِيقُ النَّظَرِ فِيمَا يُرَتِّبُ وَيُصَنِّفُ وَيُنْشِئُ مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، لَمْ يُسْبَقْ إِلَى كثيرٍ مِنْ مَعَانِي شِعْرِهِ، مَعَ رِقَّتِهِ وَلُطْفِهِ، وَقَبُولِ الأَنْفُسِ الْمُرْتَاضَةِ لَهُ، ذُو فُنُونٍ مِنَ الآدَابِ وَالْحِكْمَةِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ مُتوَلِّي الأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، كَثِيرُ السُّكُونِ وَالْعَقْلِ، يَنْفَعُ بِجَاهِهِ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، حَسِنُ الرَّأْيِ فِيمَا يشاور فيه. سمعت منه جملةً مِنْ شِعْرِهِ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْحَاجِّيِّ لِنَفْسِهِ إملاءً:

стр. 140

وَكُلَّمَا النَّاسُ فِيهِ غَيْرُ واحدةٍ ... لَهْوٌ ولعبٌ وآراءٌ وَأَنْبَاءُ تِلْكَ الَّتِي مَا شُفِيَ مِنْ دَائِهَا أحدٌ ... أَيَّامَ بِقْرَاطَ وَالدُّنْيَا أَطِبَّاءُ أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يوسف لنفسه: أَمَّا الدُّمُوعُ فَقَدْ أُذِيلَ مُصَانُهَا ... فَالْيَوْمَ شَأْنُ الْعَاذِلاتِ وَشَأْنُهَا شَوْقٌ يَجِلُّ عَنِ الضَّمِيرِ ولوعةٌ ... فِي الْحُبِّ لا يَسَعُ الْوَرَى كِتْمَانُهَا إِنِّي لأَفْقِدُ مُهْجَتِي وَأَرُومُهَا ... فَيَعِزُّ إِلا عِنْدَكُمْ وِجْدَانُهَا وَغَرِيرَةٍ سَكْرَى اللَّوَاحِظِ كُلَّمَا ... فَتَرَتْ تُنَشِّطُ لَوْعَتِي أَجْفَانُهَا وَإِذَا رَنَتْ فَأَصَابَ قَلْبِي طَرْفُهَا ... غَضَّتْ فَأَخْطَأَ مُهْجَتِي سُلْوَانُهَا أَلا اتَّقَيْتِ اللَّهَ فِي متولهٍ ... لَعِبَتْ بِمُهْجَةِ قَلْبِهِ أَشْجَانُهَا فَشَفَيْتِ مِنْ سقمٍ تَعَذَّرَ بُرْؤُهُ ... وَبَرَّدْتِ مِنْ حرقٍ ذَكَتْ نِيرَانُهَا بَانَتْ وَلِلْعَبَرَاتِ فِي آثَارِهَا ... سحبٌ تَضِيقُ بَوَبْلِهَا غُدْرَانُهَا سحبٌ لِنَوْحِي رَعْدُهَا، وَلِنَارِ وَجْدِي ... بَرْقُهَا، وَلأَدْمُعِي تَهْتَانُهَا مَلأَتْ فُؤَادِي لَوْعَةً وَمَحَبَّةً ... وَأَدَارَتِ السَّلْوَى فَعَزَّ مَكَانُهَا وَصَبَتْ إِلَى عذالها فتغيرت ... وتقلبت فِي وُدِّهَا أَعْيَانُهَا كَانَتْ إِذَا حَيَّيْتُهَا بتحيةٍ ... حَسُنَتْ بَشَاشَتُهَا وَرَدَّ بَنَانُهَا وَإِذَا سَأَلْتُ مُعَرِّضًا بِنَوَالِهَا ... سَفَرَتْ فَطَرَّزَ حُسْنَهَا إِحْسَانُهَا فَالآنَ لَمَّا كَفَّ صَرْمُ الدَّهْرِ مِنْ ... كَفِّي وَعَقَّ أَنَامَلِي عُقْيَانُهَا ظَهَرَ الَّذِي كَانَتْ تُسِرُّ مِنَ الْجَفَا ... وَتَعَتَّبَتْ وَحَلا لَهَا هِجْرَانُهَا

стр. 141

وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَاجِّيِّ لِنَفْسِهِ إملاءً: لِلَّهِ أَيُّ خَيَالِ باديةٍ سَرَى ... وَهْنَا لَوِ امْتَدَّتْ لَنَا سِنَةُ الْكَرَى مَا كَانَ أَحْلَى مَا أَنَاخَ الْعِيسُ بَيْنَ ... جُفُونِنَا وَأَمَرَّ مَا جَذَبَ الْبُرَا زَرْنِي عَلَى كَيْدِ الرَّقِيبِ فَكُلُّنَا ... نِضْوٌ يَدِقُّ عَنِ الْعُيُونِ فَلا يُرَى هَا أَضْلُعِي إِنْ رُمْتَ نِيرَانَ الْغَضَا ... هَا أَدْمُعِي إِنْ شِئْتَ نَوْءًا مُمْطِرَا مَا بَالُ حَيٍّ بِالأَرَاكِ نَزَلْتُهُ ... ضَيْفًا فَضَنَّ وَشِيمَةُ الْعُرْبِ الْقِرَى أَتُرَاهُ أَنْكَرَ مِنْ وُقُوفِي سَاعَةً ... بِإِزَاءِ بيتٍ فِي الْقَبِيلَةِ مُنْكَرَا هَيْهَاتَ كَمْ ثَنَتِ الرَّفَاقُ رَوَاحِلِي ... وَأَبَيْتُ إِلا أَنْ أَحُلَّ بِهِ الْعُرَا مُتَمَسِّكًا بِسُتُورِهِ مُتَطَلِّعًا ... لِبُدُورِهِ مُثْرَى الْخُدُودِ مِنَ الثَّرَى أَطْوِي حَشَايَ عَلَى جَوًى مِنْ شَأْنِهِ ... فَوْقَ الْحَشَايَا أَنْ يُذِيبَ وَيُسْهِرَا لأُبَدِّلَنَّ مَنَازِلَ الأْحَبَابِ بَعْدَ ... بِعَادِهِمْ بِالدَّمْعِ رَوْضًا أَخْضَرَا وَلأَنْظِمَنَّ عَلَى الزُّمُرُّدِ حَوْلَ تِبْرِ ... أَقَاحِهِ مِنْ بَحْرِ جَفْنِي جَوْهَرَا وَلأَجْعَلَنَّ شُحُوبَ لَوْنِي فِيهِ نَوْرًا ... أَصْفَرًا وَدَمِي شَقِيقًا أَحْمَرَا لأُحِيلُهُ مِثْلَ الْجِنَانِ مُزَخْرَفًا ... وَأُعِيدُهُ مِثْلَ الْبُرُودِ مُحَبَّرَا عَلَّ الْخَيَالَ يَعُودُ إِمَّا رَائِدًا ... كَلأً وَإِمَّا زَائِرًا مُسْتَنْظَرَا وَأَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ مِنْ لَفْظِهِ، مِمَّا قَالَهُ مُوَدِّعًا لِلْوَزِيرِ

стр. 142

ضِيَاءِ الدِّينِ السَّلامِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: لَئِنْ كُنْتُ وَافَيْتُ الْوَزِيرَ مُوَدِّعًا ... فَإِنَّ ثَنَائِي فِيهِ غَيْرُ مُوَدِّعِ وَإِنْ غَابَ طَرْفِي عَنْ مَحَاسِنِ وَجْهِهِ ... فَقَلْبِي بِمَرْأًى مِنْ عُلاهُ وَمَسْمَعِي إِذَا سِرْتُ سَيَّرْتُ الثَّنَاءَ فَلا أَرَى ... بنادٍ نَدًى إِلا وَآلاؤُهُ مَعِي وَأَنْشَدَنَا مِنْ لَفْظِهِ مما قاله في منامه: دَعْهَا تَمَادَى وَلا تَصُدَّ فَلِي ... قلبٌ صبورٌ عَلَى تَمَادِيهَا بَيْضَاءُ مِثْلُ الْقَضِيبِ إِنْ خَطَرَتْ ... تَقْتُلُ أَعْطَافُهَا مُحِبِّيهَا يَنْدَرِجُ الْبَدْرُ فِي مَحَاسِنِهَا ... وَيَخْجَلُ الْغُصْنُ مِنْ تَثَنِّيهَا وَأَنْشَدَنَا مِنْ لَفْظِهِ لِنَفْسِهِ أَيْضًا: مَا شِئْتَ مِنْ خلةٍ فِي الْحُبِّ أَرْتَسِمُ ... خَلا السُّلُوَّ فَإِنِّي فِيهِ مُتَّهَمُ إِذَا تَكَلَّفْتُ حَالا لا يُلائِمُنِي ... تَأْبَى عَلَيَّ فَلا تَنْقَادُ لِي الشِّيَمُ يَا هَاجِرًا تِهْتُ فِي طُرْقِي إِلَيْهِ فَلا ... أُهْدَى عَلَى أَنَّهُ فِي حُسْنِهِ عَلَمُ كَمْ بِتُّ أَدْعُوكَ حَتَّى خِلْتُ أَنَّكَ بَدْرُ ... التِّمِّ لا مسمعٌ يُصْغَى وَلا كَلِمُ وَكَمْ تَصَامَمْتَ حَتَّى قُلْتُ حَسْبِيَ مَا ... تُخْفَى عَلَيَّ ظِبَاءُ الإِنْسِ ذَا صَنَمُ أَقْسَمْتُ بِالْمُقْلَةِ النَّجْلاءِ مُجْتَهِدًا ... وَإِنَّهَا ليمينٌ برةٌ قَسَمُ لا مَالَ سَمْعِي إِلَى عَذْلِ الْعَذُولِ وَلا ... قَلْبِي إِلَى سلوةٍ مَا دَامَ فِيهِ دَمُ أَمْ كَيْفَ يَنْفُذُ سَهْمُ اللَّوْمِ فِي دنفٍ ... صَبِّ الْفُؤَادِ عَلَيْهِ لِلْهَوَى لُؤَمُ

стр. 143

يَا وَاسِمَ الْبِيدِ بِالْعَنْسِ الأَمُونِ كَمَا ... أَبْكِي فَأَحْفِرُ فِي خَدَّيَّ أَوْ أَسِمُ لا ضَلَّ سَعْيُكَ سَلِّمْ إِنْ مَرَرْتَ عَلَى ... مَنْ دَارُهُ مُهْجَتِي لا الضَّالُ وَالسَّلَمُ وقل له إن في أحشائه لهباً ... مازال مُذْ فَارَقَ الأَحْبَابَ يَضْطَرِمُ وَأَنْشَدَنَا من لفظه لنفسه أيضاً: سِيَّانَ هَزَّ السَّمْهَرِيَّ أوِ انْثَنَى ... وَسَوَاءٌ امْتَشَقَ الْمُهَنَّدَ أَوْ رَنَا رَشَأٌ تَوَهَّمَ مِنْ ضِيَاءِ جَبِينِهِ ... صُبْحًا فَحَلَّ مِنَ الْغَدَائِرِ مَوْهِنَا فَجَلَوْتُ مِنْهُ عَلَى الدُّجَى مِثْلَ الَّذِي ... يَجْلُو مِنَ الْقَمَرِ الدُّجَى أَوْ أَحْسَنَا متغضبٌ يَلْقَى الأَنَامَ بمنظرٍ ... مرضٍ فتغتفر المحاسن ماجنا مَا إِنْ يَكُونُ لِطَرْفِهِ مُتَأَسِّدًا ... حَتَّى يَكُونَ لِعَطْفِهِ مُتَجَنِّبَا كَمْ رَدَّ مِنْ غُلْبِ الْكُمَاةِ إِلَى الرَّدَى ... بِمُزَرْفَنِ الصُّدْغِ الضَّعِيفِ مُزَرْفَنَا مُرُّ التَّسَلِي وَعْدُهُ عَذْبُ الْهَوَى ... عَذْبُ الْجَنَابَةِ كُلِّهَا عَذْبُ الْجَنَا مَا زَالَ يُمْرِضُنِي تَمَرُّضُ جَفْنِهِ ... حَتَّى ضَعُفْتُ عَنِ الْهَوَى فَتَمَكَّنَا وَمَرَاحِ سحبٍ أَنْهَجَتْ أَعْلامُهُ ... فَكَسَتْهُ دِيبَاجَ الرِّيَاضِ مُلَوَّنَا مِنْ كُلِّ نرجسةٍ تُغَازِلُ بَانَةً ... وأقاحةٍ أنفٍ تُضَاحِكُ سَوْسَنَا مَطَرُ الرَّبِيعِ كَمَا تَكَوَّنَ جَوْهَرًا ... فِي الْبَحْرِ مَرَّ عَلَى الرُّبَا فَتَلَوَّنَا فَأَرَاكٌ إِنْ طَلَعَ الْجُمَانُ عَلَى الأَشَى ... طَلْعًا وَإِنْ نَبَتَ الزُّمُرُّدُ أَغْصُنَا الْجُمَانُ: الدُّرُّ الْكِبَارُ: وَالأَشَى: النَّخْلُ الصِّغَارُ.

стр. 144

وَانْشَقَّ جَيْبُ زبرجدٍ عَنْ كُوبِ ياقوتٍ ... كَنَوْهُ بِالشَّقِيقَةِ فَاكْتَنَى وَالْكَاسُ هَمَّ بِشُرْبِهَا فِي الشُّرْبِ شماسٌ ... فَمَثَّلَ فَوْدُهُ قَعْرَ الإِنَا وَأَنْشَدَنَا أَيْضًا لنفسه: مَا بَرَحَتْ يَوْمَ وَدَاعِي لَهَا ... تَضُمُّنِي ضَمَّةَ مُسْتَيْئِسِ حَتَّى تَثَنَى الْغُصْنُ فَوْقَ النَّقَا ... وَانْتَثَرَ الطَّلُّ مِنَ النَّرْجِسِ وَأَنْشَدَنَا أَيْضًا لِنَفْسِهِ: إِنْ كَانَ جَدَّ بِهِ الْغَرَامُ فَبَاحَا ... أَيَّامَ سَاعَدَهُ الْحَمَامُ فَنَاحَا فَالنَّوْرُ أَحْسَنُ مَا يَكُونُ مُفَتَّحًا ... وَالْحُبُّ أَحْلَى مَا يَكُونُ صُرَاحَا أَرَأَيْتَ زَهْرَ الرَّوْضِ كَيْفَ أَحَلْتُهُ ... شِقْرًا بِصَائِبِ عَبْرَتِي وَأَقَاحَا الشِّقْرُ: الشَّقَائِقُ. لَمَّا بَلَلْتُ بِأَدْمُعِي أَكْمَامَهُ ... مِثْلِي تَهَتَّكَ فِي الرَّيَاضِ وَفَاحَا مَنْ ذَا تَعَرَّضَ لِلْهَوَى فَوَنَى لِسَانًا ... ذَاكِرًا أَوْ مَدْمَعًا سَحَّاحَا بِنْتُمْ فَجُدْنَا فِي الدِّيَارِ بِأَدْمُعٍ ... كنا بِهَا قَبْلَ الْفِرَاقِ شِحَاحَا مَا زَالَ يُضْنِي الشَّوْقُ جِسْمِي بَعْدَكُمُ ... حَتَّى الْتَقَيْنَا فِي الْكَرَى أَشَاحَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنْ أَكُونَ لِسَتْرِ مَا ... أُودِعْتُ مِنْ سِتْرِ الْهَوَى فَضَّاحَا لَنَصَبْتُ شَخْصِي لِلرَّقِيبِ مُجَاهِرًا ... وَلَزُرْتُ ذَاتَ الشَّامَتَيْنِ صَبَاحَا خَالَيْنِ قُدَّا مِنْ سُوَيْدَا مُهْجَتِي ... وَتَبَدَّلا بِضِرَامِهَا تُفَّاحَا وَمُقَلَّدٍ دَمَ عَاشِقِيهِ مقلدٍ ... عِوَضَ الْوِشَاحِ مِنَ الْقُلُوبِ وِشَاحَا أَصْفَيْتُهُ وُدِّي فَكِدُتُ أَطِيرُ مِنْ ... شَوْقِي إِلَيْهِ وَإِنْ قُصِصْتُ جَنَاحَا

стр. 145

لأُحَرِّمَنَّ الرَّاحَ بَعْدَكَ مُقْسِمًا ... أَلا أمد إلى الكؤوس الرَّاحَا أَتَغِيبُ عَنْ عَيْنِي وَأُوهِمُ أَنَّنِي ... قضيت بَعْدَكَ عِيشَتِي أَفْرَاحَا كَلا وَعَيْشِكَ لا بَرِحْتُ أَخَا أَسًى ... دَهْرِي عَلَيْكَ وَإِنْ وَجَدْتُ براحا وأنشدنا لنفسه: يَا قَمَرًا لَمَّا بَدَا ... نَفَّرَ نَوْمِي وَهَدَا حَسْبِيَ مِنْ حُبِّكَ مَا ... فَتَّتَّ مِنِّي الْكَبِدَا وَضَعْتَ لِلْعَيْنِ عَلَى ... خَدِّكَ خَالا أَسْوَدَا فصار ما كان ضلالاً ... مِنْهُ لِلْعَيْنِ هُدَى يَا مُنْيَتِي أَنْتَ الَّذِي ... جَعَلْتَ لَيْلِي سَرْمَدَا وَنِمْتَ لا يَخْطُرُ فِي ... بَالِكَ مَنْ تَسَهَّدَا كَأَنَّمَا نِلْتَ الْمُنَى ... أَوْ عِنْدَكَ النَّاسُ سُدَى وَالْعَيْنُ هاهنا هِيَ الَّتِي تُصِيبُ، مُنْ قَوْلِهِمْ: فلانٌ أَصَابَتْهُ عينٌ.
следующие страницы →