← Книги сунны

Книги сунны · id 26813

تاريخ دنيسر

عمر بن الخضر

Полный текст (167 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، [حَدَّثَنَا] الأَنْصَارِيُّ هُوَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ)) . حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ الْعَبَّاسِيُّ إِمْلاءً، حَدَّثَنِي وَالِدِي غَيْرَ مَرَّةٍ، أَخْبَرَنِي جَدِّي السَّعِيدُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيبُ الْعَبَّاسِيِّينَ بِمَكَّةَ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِرَاسٍ الْعَبْقَسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بن زنبور المكي، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطَّلَعِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ، وَأَنْ يَرْزَقَهُ اللَّهُ الإِنَابَةَ)) .

стр. 72

أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ إِمْلاءً، أَنْشَدَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ الإِمَامِ، وَنَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُظَفَّرٍ الْوَاعِظُ بِوَاسِطٍ بِالانْفِرَادِ، قَالَ: أَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الْكَاتِبُ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو نَصْرٍ مَحْمُودُ بْنُ الْفَضْلِ الأَصْفَهَانِيُّ لِبَعْضِهِمْ: كَتَبْتُ إِلَى سَادَتِي مِنْ مِنَى ... وَإِنِّي لَفِي غايةٍ مِنْ [هُنَا] أَبْطَحَاءَ مَكَّةَ هَذَا الَّذِي ... أَرَاهُ عَيَانَا، وَهَذَا أَنَا وَأَنْشَدَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ إِمْلاءً، أَنْشَدَنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الأصبهاني إملاءً لنفسه ببغداد: نَسِيتُ صَاحِ الْوَسَنَا ... مُذْ نَبَا بِنَا مِنَى بَانُوا وَخَلُّوا فِي الْحَشَا ... شَوْقًا حَكَى وَخْزَ الْقَنَا فَحَنَّ نِضْوِي أَسَفَا ... لَمَّا اسْتَبَانَ الدِّمَنَا فَلَسْتُ أَدْرِي نَاقَتِيَ ... بِهَا الْمُعَنَّى أَوْ أَنَا رَحَلَ الْعَبَّاسِيُّ مِنْ دُنَيْسَرَ إِلَى الشَّامِ، فَسَمِعَ بِدِمَشْقَ، وَرَجِعَ إِلَى حَمَاةٍ، وَمَاتَ بها سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمئة.

стр. 73

١٩- أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمُ بْنُ النَّفِيسِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ وَهْبَانَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ السُّلَمِيُّ الْحَدِيثِيُّ فاضلٌ، عَارِفٌ بِكَثِيرٍ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَالأَنْسَابِ، وَالأَسْمَاءِ الْمُشْكَلَةِ مِنْ أَسْمَاءِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ فِي الإِنْشَاءِ وَالتَّرَسُّلِ وَالنَّظْمِ تَصَرُّفٌ. أَقَامَ بِدُنَيْسَرَ مُدَّةً، وَعُلِّقَ عَنْهُ بِهَا فَوَائِدُ، وَسُمِعَ مِنْهُ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَا مِنْهُ بِهَا، بَلْ بِغَيْرِهَا، مِنْ نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ. أَنْشَدَنِي أَبُو نَصْرِ بْنُ وَهْبَانَ لِنَفْسِهِ فِي مَدْحِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيَّ وَأَهلِهِ، بإربل: عِلْمُ الْحَدِيثِ أَجَلُّ عَلْمٍ يُذْكَرُ ... وَلَهُ خَصَائِصُ، فَضْلُهَا لا يُنْكَرُ ركنٌ مِنْ أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ موثقٌ ... وَبِهِ الْكِتَابُ الْمُسْتَبِينُ يُفَسَّرُ

стр. 74

وَهُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الْهُدَى وَضِيَاؤُهُ ... لِدَيَاجِي الرَّيْبِ الْمُرِبِّ يُنَوِّرُ وَهُوَ الذَّرِيعَةُ فِي مَعَالِمِ دِينِنَا ... وَبِهِ الْفَقِيهُ اللَّوْذَعِيُّ يُعَبِّرُ لَوْلاهُ لَمْ يُعْرَفْ لقومٍ سيرةٌ ... فَلِسَانُهُ عَنْ كُلِّ قرنٍ يُخْبِرُ وَرِجَالُهُ أَهْلُ الزَّهَادَةِ وَالتُّقَى ... وَهُمْ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاقِبِ أَجْدَرُ وَقَفُوا نُفُوسَهُمْ عَلَيْهِ فَحَدُّهُمْ ... لا يَنْثَنِي وَدَؤُوبُهُمْ لا يَفْتُرُ يَنْفُونَ عَنْهُ إِفْكَ كُلِّ معاندٍ ... بدلائل متلألئات تزهر ويقونه شبه الشُّكُوكَ بِجَهْدِهِمْ ... فَيَظَلُّ بَعْدَ الشَّكِّ وَهُوَ مُشَهَّرُ وَيُمَيِّزُونَ صَحِيحَهُ وَسَقِيمَهُ ... بمقالةٍ تِبْيَانُهَا لا يُقْصِرُ لِلَّهِ دَرُّهُمُ رِجَالا مَا لَهُمْ ... فِي هذه الدنيا مباني تُعَمَّرُ فِي اللَّهِ مَحْيَاهُمْ وَفِيهِ مماتهم ... وهم عَلَى كَلَفِ الْمَشَقَّةِ صُبَّرُ قَنَعُوا بُمُجْزِئِ قُوتِهِمْ مِنْ دَارِهِمْ ... وَرَضُوا بأطمار رثاثٍ تَسْتُرُ مَا ضَرَّهُمْ مَا فَاتَ مِنْ دُنْيَاهُمُ ... فَلَذِيذُ عَيْشِهِمُ الْهَنِيءُ مُؤَخَّرُ ٢٠- أَبُو طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْمِصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الأَنْمَاطِيِّ: محدثٌ حافظٌ ذَكِيٌّ، سَمِعَ كَثِيرًا بِمِصْرَ، ودِمَشْقَ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطٍ وَإِرْبُلَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلادِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ شَيْخَيْنَا حَنْبَلا، وَابْنَ طَبَرْزَدْ مِنْ إِرْبِلَ إِلَى

стр. 75

دِمْشَقَ، بِوَصِيَّةِ الْمَلَكِ أَحْمَدَ بْنِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلاحِ الدِّينِ، وَمَرَّ بها عَلَى دُنَيْسَرَ، فَأَقَامُوا بِهَا مُدَّةً، وَسَمِعَ أَهْلُ دُنَيْسَرَ مِنْهُمَا وَمِنْهُ. هُوَ مِنْ رُفَقَائِنَا، لَمْ يتَّفِقْ لِي مَا أَرْويِهِ عَنْهُ. ٢١- أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ مُحَمَّدِ] بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنَ الأَثِيرِ: عالمٌ فاضلٌ ذُو فُنُونٍ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ؛ وَالآدَابِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ التَّرْتِيبُ وَالتَّصْنِيفُ، ذُو الْمَنَاصَبِ وَالْمَرَاتِبِ، وَالْكِتَابَةِ عِنْدَ الْمُلُوكِ وَالسَّلاطِينِ.

стр. 76

كَانَ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ نُورِ الدَّينِ أَتَابِكْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَقَدِمَ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى دُنَيْسَرَ، فَسَمِعْتُ مِنْهُ بِظَاهِرِهَا، وَتَأَخَّرَ ذِكْرُهُ إِلَى هَاهُنَا لِنُزُولِ رِوَايَتِهِ لَنَا. أَخْبَرَنَا أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِظَاهِرِ دُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبُو عَبْدِ الله محمد بن مُحَمَّدُ بْنُ سَرَايَا، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ الصُّوفِيُّ. وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبُرُجُودِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالرَّوْضَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ بِهَمَذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ الْبُوشَنْجِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّوَيْهِ الْحَمَوِيُّ السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفِرْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو

стр. 77

عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ. أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جاريةٍ، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا الْعَفْوَ؛ [فَأَبُوا] فَأَتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقَصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. قَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقَصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ أَبَرَّهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عَوَالِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ سَمِعْنَاهْ أَعْلَى مِنْ طريقٍ آخَرَ. أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَطَّارُ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَايِمِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَاسِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ عَمَّتَهُ لَطَمَتْ جَارِيَةً، فَكَسَرَتْ سِنَّهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الأَرْشَ، فَأَبُوا، فَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبُوا، فَأَتُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقَصَاصِ. فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكْسَرُ سِنُّ الرُّبَيِّعِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا تُكْسَرُ سِنُّهَا. قَالَ: ((يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقَصَاصُ)) ، فَعَفَا الْقَوْمُ.

стр. 78

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الِلَّهِ لأَبَرَّهُ)) . ٢٢- أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِيٍّ: هُوَ الْمَلِكُ الأَفْضَلُ نُورُ الدِّينِ بْنُ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلاحِ الدِّينِ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ. لَهُ عِنَايَةٌ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ سَمِعَ عَلَى جماعةٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ مُحِبٌّ لأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابِهِمْ، وَمُقَرِّبُهُمْ، وَإِذَا سَمِعَ بفائدةٍ نَافَسَ فِي تَحْصِيلِهَا، وَفَحَصَ عَنْ مُشْكَلِهَا، وَقَدْ كَتَبَ بِيَدِهِ الْكَثِيرَ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 79

مَرَّ بِدُنَيْسَرَ، وَدَخَلَ الْمَدْرَسَةَ الشِّهَابِيَّةَ، وَأَقَامَ بِعَسْكَرِهِ بِظَاهِرِ حَرْزَمٍ، وَقَصَدْتُهُ هُنَاكَ لأَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا. فَلَمْ تَكُنْ أُصُولُ سَمَاعَاتِهِ عِنْدَهُ، وَلَمْ أَسْمَعْ مَا أَرْوِيهِ عَنْهُ إِلا أَبْيَاتًا رَوَاهَا لِي عَنْ وَالِدِهِ. أَنْشَدَنِي الْمَلِكُ الأَفْضَلُ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ، وَكَتَبَهُ لي بخطه، قال: أنشندي وَالِدِي، ﵀، وَرَضِيَ عَنْهُ، لابن الرومي: يَا بُومَةَ الْقُبَّةِ الْخَضْرَاءِ قَدْ أنست ... روحي بروحك إذ يُسْتَبْشَعُ الْبُومُ وَيَا مُهِيجَةَ أَحْزَانِي بِنَغْمَتِهَا ... حَاشَاكِ مَا فِيكِ لا شينٌ وَلا شُومُ زَهِدْتِ فِي زُخْرُفِ الدُّنْيَا فَأَسْكَنَكِ الزُّهْدُ ... الْخَرَابَ فَمَنْ يَذْمُمْكِ مَذْمُومُ ٢٣- أَبُو مُوسَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُورٍ الْمَقْدِسِيُّ: هُوَ مِنْ بَيْتِ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ.

стр. 80

سَمِعَ بِالشَّامِ الْكَثِيرَ، وَسَافَرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى بَغْدَادَ وَأَصْبَهَانَ وَنَيْسَابُورَ، وَغَيْرِهَا، وَأَدْرَكَ الأَسَانِيدَ الْعَالِيَةَ. وَمَرَّ بِدُنَيْسَرَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَسَمِعْنَا مِنْهُ بِهَا. حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الصَّيْدَلانِيُّ، سِبْطُ حُسَيْنِ بْنِ مَنْدَهٍ، بِمَنْزِلِهِ بِأَصْبَهَانَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخَلِيلُ بْنُ أَبِي الرَّجَاءِ بْنِ أَبِي الفتوح الراراني، قَالَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْخَيْرِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَوْرَجَةَ، وَأَنَا حَاضِرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَسْوَارِيُّ إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلِمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْخُصَيْبِ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ

стр. 81

الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ. وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الأَسْوَارِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَابْنَ أَبِي أَنَسٍ هَذَا هُوَ عَمَّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَاسْمُهُ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو سُهَيْلٍ، وَأَبُو أَنَسٍ هَذَا هُوَ مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الأَصْبَحِيُّ، وَهُوَ جَدُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ٢٤- أَبُو الْعِزِّ يُوسُفُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ سَعَادَةَ الْفَرْضِيُّ الرَّوْضِيُّ: قَدِمَ علَيْنَا دُنَيْسَرَ سَنَةَ اثنتين وتسعين وخمسمئة، فَسَمِعْنَا مِنْهُ أَحَادِيثَ مُسْلَسْلاتٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْعِزِّ يُوسُفُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ الرَّوْضِيُّ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ رَجُلٌ حسنٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو

стр. 82

عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَمِيسٍ بِالْمَوْصِلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّرَيْثِيثِيُّ إِجَازَةً، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَضْلُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بِنَيْسَابُورَ، وَجَمِيعُ أَحْوَالِهِ حَسَنٌ، حَدَّثَنَا أبو العباس بن أبي الحسن، حدثنا أبي أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ، وَجُلَّ حَدِيثِهِ حَسَنٌ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنِ الْحَسَنِ: عَن ِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَحْسَنَ الْحُسْنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ)) . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُسْتَغْفِرِيُّ: أَمَّا الْحَسَنُ الأَوَّلُ: هُوَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ. وَالْحَسَنُ الثَّانِي: هُوَ الْحَسَنُ بْنُ حَسَّانَ. وَالْحَسَنُ الثَّالِثُ: هُوَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ. وَالْحَسَنُ الرَّابِعُ: هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 83

قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعْنَا أَتمَّ مِنْ هَذَا، وَأَعْلَى، مُتَّصِلُ التَّسَلْسُلِ مِنْ كَلامِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ طَبَرْزَدْ فِي مَوْضِعٍ حَسَنٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي وَكُلُّ حَدِيثِهِ حَسَنٌ، أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِحَدِيثٍ حَسَنٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُلِيمَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِنَّ أَحْسَنَ الْحُسْنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ، وَأَحْسَنُ التَّحَسُّنِ الْكَحْلُ، وَأَحْسَنُ الطَّيبِ الْمَاءُ، وَأَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ قَوْلُ: [أَشْهَدُ أَنَّ] لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

стр. 84

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَنْ سَكَنَهَا، أَوْ نَزَلَ، أَوْ مَرَّ بِهَا، مِنَ الْفُقَهَاءِ قَدْ مَرَّ بِدُنَيْسَرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ جماعةٌ كَثِيرَةٌ يَتَعَذَّرُ حَصْرُهُمْ، فَأَذْكُرُ مَنْ أَقَامَ بِهَا مِنْهُمْ، وَتُفُقِّهَ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ تَفَقَّهَ بِهَا، أَوْ مِنْهَا وَبِغَيْرِهَا، فَأَثْمَرَ تَفَقُّهُهُ؛ وَلا أَذْكُرُ الْقَادِمِينَ إِلَيْهَا وَالْمَارِّينَ بِهَا مِنْهُمْ إِلا مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ بِهَا فَوَائِدَ، أَوْ رَوَى لَنَا بِهَا حَدِيثًا. ٢٥- أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، هُوَ سَيْفُ الدِّينِ الْمَرَاغِيُّ: فَقِيهٌ شَافِعِيٌّ عارفٌ بِغَوَامِضِ الْمَذْهَبِ وَمُشْكِلاتِهِ، تَفَقَّهَ بِمَرَاغَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ، فَتَمَّمَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ. كَانَ الْمَرَاغِيُّ يَتَلَطَّفُ بِالْبَلِيدِ نُصْحًا لَهُ وَحُبًّا لإِيصَالِ الْمَعْنَى إِلَيْهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى تَفْهِيمِهِ. ذَكَرَ دُرُوسَ الْفِقْهِ مُدَّةً بِمَسْجِدِ نَاصِرٍ بِدُنَيْسَرَ قَبْلَ زَمَانِنَا، وَانْتَفَعَ بِهِ فِيهِ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ دُرُوسَ الْفِقْهِ فِي زَمَانِنَا بِمَسْجِدِ غَازِي، وَكُنْتُ يومئذٍ صَغِيرًا،

стр. 85

أَحْضُرُ دُرُوسَهُ، وَأَتَشَاغَلُ عَلَيْهِ بِأَوَّلِ التَّنْبِيهِ لِلشِّيرَازِيِّ. ٢٦- أَبُو بَكْرٍ مَسْعُودُ بن أحمد النهر ملكي الْحَنْبَلِيُّ: تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ابْنِ الْفَرَّاءِ الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ بِالْعِرَاقِ. تَفَقَّهَ عَلَيْهِ جماعةٌ بِدُنَيْسَرَ، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَاجْتَمَعْتُ بِهِ فِي الصَّغَرِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ مَا أَرْوِيهِ عَنْهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مَسْعُودُ بْنُ أَحْمَدَ النهر ملكي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بن الحسين بن محمد ابن الْفَرَّاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بن محمد ابن الْفَرَّاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَالِدِي أَبُو يعلى محمد بن الحسين ابن الْفَرَّاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ:

стр. 86

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَنَانٍ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ المقرئ، قَالا: حَدَّثَنَا الإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ الإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيّ عَنِ الْفُتُوَّةِ؛ فَقَالَ: الْفُتُوَّةُ: الْعَقْلُ وَالْحَيَاءُ، وَرَأْسُهَا الْحِفَاظُ، وَزِينَتُهَا الْحِلْمُ وَالأَدَبُ، وَشَرَفُهَا الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ، وحليتها الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَحِفْظُ الْجَارِ، وَتَرْكُ التَّكَبُّرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَالْوَقَارُ، وَغَضُّ الطَّرْفِ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَحُسْنُ الْكَلامِ، وبذل السلام، وبر الفتيان العقلاء الذين عقلوا عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَاجْتِنَابُ الْحَلِفِ بِالأَيْمَانِ، وَإِظْهَارُ الْمُرُوءَةِ، وَطَلاقَةُ الْوَجْهِ، وَإِكْرَامُ الْجَلِيسِ، وَإِنْصَافُ الْحَدِيثِ، وَكِتْمَانُ السِّرَّ، وَسَتْرُ الْعُيُوبِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَالصَّمْتُ فِي الْمَجَالِسِ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ، وَالتَّوَاضُعُ مِنْ غَيْرِ حاجةٍ، وَإِجْلالُ الْكَبِيرِ، وَالرِّفْقُ بِالصَّغِيرِ، وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلاءِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَكَمَالُ الْفُتُوَّةِ خَشْيَةُ اللَّهِ . فَيَنْبَغِي لِلْفَتَى أَنْ تَكُونَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فَتًى بِحَقِّهِ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁: وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: وَكَذَلِكَ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا. تُوِفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو بكر النهر ملكي بدنيسر، وحمل إلى كفر توثه مَيِّتًا، فَدُفِنَ بِهَا.

стр. 87

٢٧- أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، الْمَغْرِبِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الشَّافِعِيُّ حُجَّةُ الدِّينِ: هُوَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ دَرَّسَ بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ. فَقِيهٌ فَاضِلٌ متفننٌ عارفٌ بِكَثِيرٍ مِنْ عِلْمِ الأُصُولِ، وَالْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ، وَسَائِرِ الآدَابِ؛ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ جماعةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَرَبَّدٍ النَّحْوِيُّ: كَانَ الْحُجَّةُ ﵀ حَدِيدَ النَّظَرِ، سَدِيدَ الْفِكَرِ، عَجِيبَ الْفِقَرِ، غَرِيبَ السِّيَرِ، حَسِنَ التَّبَحُّرِ فِي الْعُلُومِ، سَلِيمَ التَّصَوُّرِ فِيمَا يُبْدِي مِنَ الْمَنْثُورِ وَالْمَنْظُومِ، جَيِّدَ الْفُكَاهَةِ، مُتَزَيِّدَ النَّزَاهَةِ، لَطِيفَ الشَّمَائِلِ، ظَرِيفَ الْمَخَايِلِ؛ لَمْ أَرَ فِي عُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَمَعْشَرِهِ أَتمَّ مِنْ بَحْثِهِ، وَلا أَدَقَّ مِنْ نَظَرِهِ. قُلْتُ: وَلَهُ تَصَانِيفٌ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَشِعْرٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ عِنْدَنَا سَمَاعُ حديثٍ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ الْبَتَّةَ، بَلْ كَانَ يَذْكُرُ لَنَا أَنَّ لَهُ سماعاتٍ كَثِيرَةً، وَقَدْ أَنْشَدَنِي كَثِيرًا مِنْ شِعْرِهِ لَمْ يَحْضُرْنِي الآنَ عَيْنُ مَا أَنْشَدَنِيهِ.

стр. 88

أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ عِرَبَّدٍ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَزْرَجِيُّ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سُئِلَ إِجَازَةَ هذا البيت: دَعْهَا سَمَاوِيَّةً تَجْرِي عَلَى قدرٍ ... لا تُفْسِدَنْهَا برأيٍ مِنْكَ أَرْضِيِّ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ: فَالأَمْرُ مِلْعَالِمِ الْعُلْوِيِّ مَصْدَرُهُ ... فَلَيْسَ فِي الأَمْرِ شيءٌ غَيْرُ مَقْضِيِّ كَمْ حَازِمٍ قَدْ نَجَا بِالْحَزْمِ مِنْ خطرٍ ... وَجَاءَهُ الْخَطَرُ الْجَارِي بِعَرْضِيِّ

стр. 89

أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْحَاجِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْخَزْرَجِيُّ لنفسه: وَفِي الْوَجْنَاتِ مَا فِي الرَّوْضِ لَكِنْ ... لِرَوْنَقِ زَهْرِهَا مَعْنًى عَجِيبُ وَأَعْجَبُ مَا التَّعَجُّبُ مِنْهُ أَنِّي ... أَرَى الْبُسْتَانَ يَحْمِلُهُ قَضِيبُ تُوُفِّيَ الحجة في سنة إحدى وستمئة بِدُنَيْسَرَ، وَدُفِنَ بِالْمَقْبَرَةِ الْقِبْلِيَةِ بِهَا. ٢٨- أَبُو الْكَرَمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَكَّافُ الْمَوْصِلِيُّ الشَّافِعِيُّ: فقيهٌ عالمٌ عاملٌ، ناصحٌ لِلْمُتَشَاغِلِينَ بِالْعِلْمِ، حَسِنُ الإِرْشَادِ لِلْمُتَعَلِّمِ، كَثِيرُ التَّوَاضُعِ، مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَوُفُورِ عَقْلِهِ. تَفَقَّهَ عَلَيْهِ جماعةٌ بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، وَكُنْتُ أَتَفَقَّهُ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، وَسَمِعْنَا مِنْهُ بِهَا أَحَادِيثَ وَأَخْبَارًا مُسْنَدَةً، رَوَاهَا لَنَا عَنْ شُيُوخِهِ مِنْ لَفْظِهِ، لَمْ أَحْفَظْ مِنْهَا إِلا مَتْنَ خبرٍ دُونَ الإِسْنَادِ، وَهُوَ: أربعٌ لا يَشْبَعْنَ مِنْ أربعٍ: عينٌ

стр. 90

مِنْ نَظَرٍ، وأرضٌ مِنْ مَطَرٍ، وَأُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ، وَعَالِمٌ مِنْ عِلْمٍ. وَقَدْ أَنْشَدَنَا أَبْيَاتًا مِنْ نَظْمِهِ، لَمْ نَحْفَظْهَا، وَرَأَيْتُ يَوْمًا غُلامًا كَانَ لَهُ، وَهُوَ خارجٌ مِنْ عِنْدِهِ، وَبِيَدِهِ جُزَازَةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَنَاوَلَنِيهَا، وَإِذَا فِيهَا بِخَطِّهِ ﵀، قَدْ كَتَبَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، إِذَا مَرَّ يَوْمٌ نَقَصَ بَعْضُكَ. فَأَنْشَدَ بعضهم في المعنى شعراً: الْمَرْءُ عِدَّةُ أيامٍ مجمعةٍ ... وَكُلَّمَا نَقَصَتْ أَيَّامُهُ نَقَصَا فَكَيْفَ يَهْنَا بعيشٍ أَوْ يَلَذُّ بِهَا ... مَنْ كَانَ يُمْسِي وَيُضْحِي الدَّهْرَ مُنْتَقِصَا كَمْ طالبٍ لَمْ يَنَلْ بِالْحِرْصِ حَاجَتَهُ ... وَنَالَهَا غَيْرُهُ عَفْوًا وَمَا حَرِصَا ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ بأيامٍ قَلائِلٍ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ عرفة سنة تسعين وخمسمئة، وَدُفِنَ بِجَانِبِ الْبُسْتَانِ الْمُلاصِقِ لِلْمَدْرَسَةِ بِغَيْرِ مَقْبَرَةٍ وَظَهَرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حُمْرَةٌ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي زَمَانِنَا ظُهُورُ مِثْلِهَا.

стр. 91

٢٩- عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، يُلَقَّبُ: مُوَفَّقُ الدِّينِ الْبُوَازِيجِيُّ: مُدَّرَسُ الْمَدْرَسَةِ الْقُطْبِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ. تَفَقَّهَ عَلَيْهِ بِهَا جَمَاعَةٌ كثَيِرَةٌ، وَكَانَ وَاعِظًا، أَدْرَكْتُ مِنْهُ أَوَاخِرَ أَيَّامِهِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْوَعْظِ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ فَوَائِدَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ فَأَفَادَنِي ﵀. وتُوُفَّيَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةٍ أربعٍ وَتِسْعِينَ وخمسمئة، وَأَمَّا الْمَدْرَسَةُ فَمَوْضِعُهَا الآنَ أَرْضٌ لا عِمَارَةَ بِهَا. ٣٠- الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَتِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَيْزُولِيُّ، الشَّافِعِيُّ الْمُحَلَّبِيُّ: وَالْمُحَلَّبِيَّةُ: قَرْيَةٌ بِالْجَبَلِ الْقَرِيبِ مِنْ دُنَيْسَرَ.

стр. 92

تَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ، وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحديث من أبي القاسم ابن عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيِّ، وَغَيْرِهِ. كَانَ مُعِيدًا بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، وَوَلِيَ بِهَا الْقَضَاءَ. انْتَفَعَ الْمُتَفَقِّهَةُ بِالْمَدْرَسَةِ بِهِ كَثِيرًا، وَهُوَ أَكْثَرُ مَنْ تَشَاغَلْتُ عَلَيْهِ بِالْفِقْهِ. وَرَوَى الْحَدِيثَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَتِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحَلََّبِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِي بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيُّ الْمَحْمُودِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا الرَّئِيسُ الْمُعْتَمِدِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْمَتُّوثِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجلِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دَينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنّ رَجُلا أَتَى الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَقَالَ لَهُ

стр. 93

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ((أَصَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟)) قَالَ: لا. قَالَ: ((قُمْ فَارْكَعْ)) . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَلَّبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا مَسَسْتُ بِيَدِي دِيبَاجًا وَلا حَرِيرًا، وَلا شَيْئًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ، قَطُّ، وَلا لشيءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلَتْ كَذَا؟ وَلا لشيءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَ كَذَا؟ أَخْبَرَنَاهُ عَالِيًا أَبُو الْفَضْلِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّيبِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِي بْنُ عَبْدِ السَّيِّدِ بْنِ الصَّبَّاغِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَوَارِسِ طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ بِمَدِينَةِ ِالنَّبِيِّ ﷺ إِمْلاءً بِالرَّوْضَةِ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ هِلالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجلِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا مَسَسْتُ بِيَدِي دِيبَاجًا وَلا حَرِيرًا، وَلا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلا شَمَمْتُ رائحةٌ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ ريح رَسُولِ اللَّهِ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ، قَطُّ، وَلا قَالَ لشيءٍ فَعَلْتُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا، وَلا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَ كَذَا.

стр. 94

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَلَّبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عساكر، حدثني أبو حمد مُعَمَّرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ حَمْزةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَلَوِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَخْرٍ الأَزْدِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، الْمُجَاوِرُ بِمَكَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الصَّوَّافُ بِبَغْدَادَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: قلتُ لأَبِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: يَا أَبَهِ، أَيُّ رجلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ؟ فَإِنِّي أَسْمَعُكَ كَثِيرًا تَذْكُرُهُ وَتَدْعُو لَهُ. قَالَ: يَا بُنَيَّ، كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، وَكَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، فَانْظُرْ هَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ عِوَضٍ؟ أَوْ مِنْهُمَا خلفٌ؟ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَلَّبِيُّ مِنْ لَفْظِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَرَنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَبْهَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 95

أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنُ [يَعْقُوبَ بْنِ] يُوسُفَ أَبَا الْعَبَّاسِ الأَصَمَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْقُوبَ الْخَوَارِزْمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفْتُ بِهَا أَتَّقَى وَلا أَوْرَعَ وَلا أَفْقَهَ، وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَلا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَلَّبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ، أَنْشَدَنِي أَبُو أَحْمَدَ مُعَمَّرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَجْلِيُّ بِأَصْبَهَانَ مِنْ لَفْظِهِ، أَنْشَدَنِي الرَّئِيسُ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغَوِيُّ بِهَمَذَانَ، لنفسه: أَيَا غَافِلا حَانَ أَنْ تَنْتَبِهْ ... أَلَسْتَ تَرَى الْمَوْتَ فِي مَوْكِبِهْ يُشِيبُ الصَّغِيرَ وَيُفْنِي الْكَبِيرَ ... فَلا فَوْتَ لِلْمَرْءِ مِنْ مَطْلَبِهْ عَجَائِبُهُ فِي الْوَرَى جمةٌ ... وَغَفْلَتُهُمْ عَنْهُ مِنْ أَعْجَبِهْ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَاكَ مستيقنٌ ... زَوَالَ الْبَقَاءِ وَيَغْتَرُّ بِهِ

стр. 96

٣١- الْقَاضِي أَبُو الْفَتْحِ نصرُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُتَوِّجِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مِغْوَارٍ الْمُرِّيُّ الشَّامِيُّ الْبَصْرَوِيُّ الشَّافِعِيُّ: تَفَقَّهَ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَدِيَارِ مِصْرَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْبُحَيْرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ، وَلَهُ أنسٌ وَنَقْلٌ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ تَصْنِيفٌ، ونثرٌ ونظمٌ، وَهُوَ مُدَرِّسُ الْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ. انَتْفَعَ مِنْهُ بِهَا جَمَاعَةٌ، وَسَمِعْنَا مِنْهُ بِهَا جَمِيعَ كِتَابِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ لِلْوَاحِدِيِّ، وَغَرِيبَ الْقُرْآنِ لِلْعُزَيْزِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ. وَأَمْلَى عَلَيْنَا مِنْ حَدِيثِهِ، وَمِنْ نَظْمِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَتْحِ نصرُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُتَوَّجِ الْمُرِّيُّ إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ

стр. 97

بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَاجَرْمِيُّ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ تُرْكَانَ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، [عَنْ جِبْرِيلَ] عَنِ اللَّهِ ﵎، قَالَ: ((يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَّالَمُوا؛ يَا عِبَادِي، إِنَّكُمُ الَّذِينَ تُذْنِبُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أُبَالِي، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ؛ يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جائعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ؛ يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ؛ يَا عِبَادِي، لَوْ أَنِّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ وَإِنْسَكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قلبٍ رجلٍ منكم لم يزد ذلك في مُلْكِي شَيْئًا؛ يَا عِبَادِي، لَوْ أَنِّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ وَإِنْسَكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رجلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا؛ يَا عِبَادِي، لَوْ أَنِّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ وَإِنْسَكُمْ اجْتَمَعُوا فِي صعيدٍ واحدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنسانٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ، مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا؛ إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً؛ يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ)) .

стр. 98

[قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ:] قَالَ سَعِيدُ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِعْظَامًا لَهُ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَمِنْ نَظْمِ أَبِي الْفَتْحِ الْمُرِّيِّ، مَا أَمْلاهُ عَلَيْنَا بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: جَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطِيبِ الْقَاهِرَةِ، بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ مناظرةٌ فِي: أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ حائلٍ دَاخَلَ الْمَسْجِدِ، يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ؛ فَعَمَلْتُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، وَأَذْكُرُ فِيهَا الاسْتِدْلالَ عَلَى صحة ما ادعيته: لَمَّا تَبَدَّتْ لِلطَّوَافِ ... كَأَنَّهَا بَدْرُ التَّمَامِ بَثَّتْ لَوَاحِظَ سِحْرِهَا ... فِي الْقَلْبِ حَبَّاتِ الْغَرَامِ فَطَفِقْتُ أَسْحَبُ بُرْدَتِي ... نَشْوَانَ مَنْ غَيْرِ الْمُدَامِ مُتَرَنِّمًا بمقالةٍ ... كَالدُّرِّ فِي سِلْكِ النَّظَامِ مَنْ طَافَ رَاكِبٌ نِضْوَهُ ... مَا بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ

стр. 99

أَدَّى فَرِيضَةَ نُسْكِهِ ... فِي مَسْجِدِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَمُحرَّمُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ ... مُحَرَّمُ الْحَرَمِ الْحَرَامِ وَبِأَحْمَدَ الْمُخْتَارِ أَرْجُو ... أَنْ أُصَانَ عَنِ الأَثَامِ وَبِآلِهِ أَهْلِ الْعَبَاءِ ... وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْكِرَامِ وَحَدَّثَنَا الْمُرِّيُّ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: كُنْتُ مُتَوَلِّيَ الْقَضَاءِ بِالْبُحَيْرَةِ، فَانْقَطَعَتْ عَنِّي جَامِكِيَّتِي نَحْو سِتِّينَ دِينَارًا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبِلادَ شَرَقَتْ وَلَمْ تَفِ بِمَعْلُومِ الْقَضَاءِ، فَكَتَبْتُ إِلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ ﵀ قِصَّةً فِي آخِرِهَا ثَلاثَةُ أَبْيَاتٍ، وَهِيَ هَذِهِ: لا زَالَ عِزُّ قُضَاةِ الدَّينِ مُعْتَجِرًا ... بِعِزِّ مَالِكِهِمْ نَجْلِ ابْنِ أَيُّوبِ الْبَاذِلِ الأَلْفَ إِنْ أَعْطَى وَطَاعِنِهَا ... بِالسَّمْهَرِيِّ هزبرٍ غَيْرِ مَرْعُوبِ مَنْ مبلغٌ لِي إِلَيْهِ أَنَّ رَوْنَقَهُ ... عَزِيزُ مِصْرَ، وَجُبِّي جُبُّ يَعْقُوبِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى الْقِصَّةِ، وَقَّعَ عَلَيْهَا بِتَوْفِيرِ مَا انْقَطَعَ مِنَ الْجَامِكِيَّةِ.

стр. 100

٣٢- الْقَاضِي أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ حَمُّودٍ الْمَاكِسِيُّ الشَّافِعِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، تَفَقَّهَ عَلَى شَرَفِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عُلْوَانَ بْنِ مُهَاجِرٍ الْمَوْصِلِيِّ بِهَا. وَدَرَّسَ بِالشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ قَبْلَ أَبِي الْفَتْحِ الْمُرِّيِّ، وَكُنْتُ أَتَفَقَّهُ عَلَيْهِ أَيَّامَ تَدْرِيسِهِ، وَكَانَ يَقْصِدُ التَّحْقِيقَ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَتَحْصِيلَ الْفَائِدَةَ بِالْبَحْثِ مِنْ غَيْرِ انزعاجٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ مُفْرِطٍ، وَكَانَ وَافِرَ الْعَقْلِ، غَزِيرَ الدَّينِ، يُحِبُّ الانْقِطَاعَ وَالْخَلْوَةَ وَالتَّزَهُدَ، مُؤْثِرًا مُطَالِعَةَ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ، وَكُتُبَ الزُّهْدِ، وَصَحِبْتُهُ بِطَرِيقِ مكة سنة خمس وتسعين وخمسمئة، وَكَانَ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالإِحْسَانَ إِلَى الرِّفَاقِ. وَلَمَّا وَقَفْنَا عَلَى عَرَفَاتٍ هَمَّ بِالدُّعَاءِ، فَغَلَبَهُ الْبُكَاءُ، فَقَالَ لِي: ادْعُ أَنْتَ حَتَّى

стр. 101

نُؤَمِّنَ نَحْنُ؛ فَدَعَوْتُ وَهُوَ يُؤَمِّنُ، فَكَانَ تَأْمِينُهُ عِنْدِي أَرْجَى مِنْ دُعَائِي. سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ شَيْخَيْنَا، أبوي الْفَرَجِ: ابْنِ كُلَيْبٍ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلَمْ يَرْوِ بِدُنَيْسَرَ مِنْهُمَا شَيْئًا. بُعِثَ بِهِ رَسُولا مِنْ سِنْجَارَ إِلَى مَلَطْيَةَ، فَمَاتَ بِهَا، وَحُمِلَ إِلَى مَاكِسِينَ مَيِّتًا فَمُرَّ بِهِ فِي دُنَيْسَرَ فِي سَنَةِ سبعٍ وستمئة، ﵀. ٣٣- أَبُو الْخَيْرِ سَلامَةُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ سَلامَةَ الْحَرَّانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: فقيهٌ متفردٌ بِعِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ الْمَفْتُوحِ وَالْمِسَاحَةِ. نَزَلَ بِدُنَيْسَرَ، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، فَقَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهَا الْفَرَائِضَ وَالْحِسَابَ الْمَفْتُوحَ وَالْمِسَاحَةَ وَالْجَبْرَ وَالْمُقَابَلَةَ، مِنْ تَصْنِيفِهِ وَغْيِرْهِ، وَحَصَّلُوا مِنْهُ فَوَائِدَ، وَهُوَ

стр. 102

حَسَنُ الإِرْشَادِ لِلمْتُعَلِّمِ. وَرَوَى الْحَدِيثَ بِدُنَيْسَرَ؛ أَخْبَرَنَا أَبُو الْخَيْرِ سَلامَةُ بْنُ صَدَقَةَ الْحَرَّانِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَشْهَدِ الْغُزَيِّلِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو السَّعَادَاتِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعِزِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُخْتَارِ بْنِ الْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ الْعُشَارِيُّ؛ ح، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الطَّبَرِ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْعُشَارِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَاهِينٍ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ أَبِي الرُّقَادِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَن ِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثلاثٌ كفاراتٌ، وثلاثٌ درجاتٌ، وثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ مهلكاتٌ؛ فَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ: فَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وَنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ.

стр. 103

وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ، وَالصَّلاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ. وَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ. وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَشُحٌّ مطاعٌ، وَهَوًى متبعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ)) . السَّبَرَاتُ: الْغَدَوَاتُ الْبَارِدَةُ، وَالسَّبْرَةُ: الْغَدَاةُ الْبَارِدَةُ. ٣٤- الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُطَهَّرِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ الشَّافِعِيُّ: وَرَدَ عَلَيْنَا دُنَيْسَرَ سنة تسعٍ وتسعين وخمسمئة، فَسَمِعْنَا مِنْهُ أَحَادِيثَ. أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَالِدِي الإِمَامُ شَيْخُ الْمَذَاهِبِ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ [الْقَاسِمِ] الشَّهْرَزُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشُّجَاعِيُّ السَّرْخَسِيُّ بِبَلْخَ، أَخْبَرَنَا

стр. 104

أَبُو الْقَاسِمِ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ الْمَاهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ غَالِبُ بْنُ عَلِيٍّ، قَدِمَ عَلَيْنَا بِنَسَا، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ [اللَّهِ] بْنِ مُحَمَّدِ، أَخْبَرَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ لُقْمَانَ السَّرْخَسِيُّ بِهَا، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ بِبَلْخَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ الِلَّهِ، الرَّجُلُ يَكُونُ حَسَنَ الْعَقْلِ، كَثِيرَ الذُّنُوبِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : ((مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلا وَلَهُ خَطَايَا وَذُنُوبٌ، فَمَنْ كَانَ سَجِيَّتُهُ الْعَقْلُ، وَغَرِيزَتُهُ الْيَقِينُ، لَمْ تَضُرَّهُ ذنوبٌ)) ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لأَنَّهُ كُلُّمَا أَخْطَأَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يَتَدَارَكَ ذَلِكَ بتوبةٍ وندامةٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَيَمْحُو ذَلِكَ ذُنُوبَهُ، وَيَبْقَى لَهُ فضلٌ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ)) . أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرِ ابن الشَّهْرَزُورِيُّ، أَنْشَدَنَا أَبُو حَامِدٍ السَّرْخَسِيُّ، أنشدنا أبو بشر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 105

مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، بِسَمَرْقَنْدَ، أَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُسْتِيُّ الْكَاتِبُ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ رُتْبَةَ الأَشْرَافِ ... فَعَلَيْكَ بِالإِحْسَانِ وَالإِنْصَافِ وَإِذَا اعْتَدَى أحدٌ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ... وَالدَّهْرَ فَهُوَ لَهُ مكافٍ كَافِ ٣٥- الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْمَعَالِي النُّمَيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ الدُّنَيْسَرِيُّ قَاضِيهَا: تَفَقَّهَ عَلَى الْمُوَفَّقِ الْبُوَازِيجِيِّ، وَالْحُجَّةِ الْخَزْرَجِيِّ، وَأَبِي الْكَرَمِ ابن الأكاف الموصلي، وغيرهم.

стр. 106

كَانَ مُعِيدًا بِالْمَدْرَسَةِ الشِّهَابِيَّةِ بِدُنَيْسَرَ، تَفَقَّهَ بِهَا عَلَيْهِ جماعةٌ وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْفِقْهِ زَمَنَ اشْتِغَالِي بِالْمَدْرَسَةِ. وَلَهُ شِعْرٌ: وَقَدْ كَانَ أَنْشَدَنِي كَثِيرًا مِنْهُ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يُحِبَّ أَنْ أَذْكُرَ عَنْهُ غَيْرَ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ: أَنْشَدَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِمْلاءً بمشهد الغزيل بدنيسر لنفسه: إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ ذُو نعمٍ ... وَرِزْقُهُ واصلٌ لِلْخَلْقِ مُنْقَسِمُ فَابْذُلْ يَدَيْكَ وَلا تَبْخَلْ وَكُنْ سَمِحًا ... فَالْمَالُ لا شَكَّ بَعْدَ الْمَوْتِ يَنْقَسِمُ ٣٦- أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، التَّغْلَبِيُّ السَّرْجُوِّيُّ، ثم الدنيسيري: فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَسْعُودُ بْنُ أَحْمَدَ النَّهْرَمَلَكِيُّ، وَغَيْرِهِ؛ وَلَزِمَ مَسْجَدًا مُجَاوِرًا لِمَنْزِلِهِ بِدُنَيْسَرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْفِقْهَ هُنَاكَ جماعةٌ، وَظَهَرَ لَهُ الْقَبُولُ عِنْدَ النَّاسِ.

стр. 107

رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَسَمِعَ بِهَا مُسْنَدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ شَيْخِنَا حَنْبَلٍ، وَسَمِعَ أَجْزَاءَ أَحَادِيثَ مِنْ غَيْرِهِ. ٣٧- أَبُو مُحَمَّدٍ حَمْدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ حُمَيْدِ بن أبي الحسن بْنِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ مِفْتَاحٍ، الدُّنَيْسَرِيُّ الشَّافِعِيُّ: تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ عَلَى الإِمَامِ يَحْيَى بْنِ الرَّبِيعِ الْوَاسِطِيِّ، مُدَرَّسِهَا، وَعَلَى الأَمِينِ التِّبْرِيزِيِّ، معيدها، وسمع الْحَدِيثَ مِنْ شُيُوخِنَا: أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانِيِّ، وَأَبِي الْفَرَجِ ابن الْجَوْزِيِّ، وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ الْمَعْطُوشِ، وخلقٍ غَيْرِهِمْ. هُوَ فَقِيهٌ ذُو فُنُونٍ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، وَسَائِرِ الآدَابِ، فَصِيحُ اللِّسَانِ، حَسِنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، لا يَرُدُّ سَائِلا إِلا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤْثِرُهُ بِهِ، كَثِيرُ الْمُطَالَعَةِ لأَخْبَارِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، مَعَ ميلٍ كَثِيرٍ إِلَى الاقْتِدَاءِ بِهِمْ؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ظريفٌ، ذُو دعابةٍ ومزاحٍ فِيمَا لا بَأْسَ بِهِ.

стр. 108

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ الدُّنَيْسَرِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ إِمْلاءً بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: صَحِبْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ بَرْهَةً، فَحِينَ أَرَدْتُ مُفَارَقَتَهُ، قُلْتُ لَهُ: عِظْنِي مَوْعِظَةً أَنْتَفِعُ بِهَا، فَأَنْشَدَنِي: أيا فاعل الشر مه! لا تَعُدْ ... وَيَا فَاعِلَ الْخَيْرِ عُدْ ثُمَّ عُدْ فَمَا سَادَ عبدٌ بِغَيْرِ التُّقَى ... وَمَنْ لَمْ يَسُدْ بِالتُّقَى لَمْ يَسُدْ وَلأَبِي محمد ابن حُمَيْدٍ شعرٌ كثيرٌ فِي معانٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بن حميد لنفسه بدنيسر: يَا وَيْحَ وانٍ تَقَضَّى عُمُرُهُ لَعِبًا ... وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِدًّا وَسَائِلُهُ لَيَنْدَمَنْ حَيْثُ لا تُجْدِي نَدَامَتُهُ ... عَلَيْهِ شَيْئًا وَلا تُغْنِي وَسَائِلُهُ جَمْعُ وَسِيلَةٍ. أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ لِنَفْسِهِ إِمْلاءً ببغداد: لِي بِالْحِمَى سكنٌ مَا دَارَ فِي خَلَدِي ... إِلا تَسَلَّيْتُ عَنْ أَهْلِي وَجِيرَانِي ناءٍ قريبٌ أُنَادِيهِ فَيَسْمَعُنِي ... مِنْ بُعْدِهِ فَبِرُوحِي النَّائِيَ الداني أبيت في جنح ليلٍ وَهُوَ يَرْقُبُنِي ... وَأَغْتَدِي فِي نَهَارِي وَهُوَ يَرْعَانِي شَرِبْتُ مِنْ حُبِّهِ كَأْسًا فَأَسْكَرَنِي ... وَكُنْتُ مِنْ ظَمَأِي مَيْتًا فَأَحْيَانِي يَا عَاذِلِي لا تَلُمْنِي فِي هَوَاهُ فَقَدْ ... أَنْسَانِي الْوَجْدُ فِيهِ كُلَّ إِنْسَانِ أَشْتَاقُهُ وَهُوَ فِي سِرِّي وَفِي عَلَنِي ... وَأَسْأَلُ الشُّرْبَ عَنْهُ وَهُوَ نَدْمَانِي يَا رَاحَةَ الْقَلْبِ خَابَتْ راحةٌ عَلِقَتْ ... بِغَيْرِ جُودِكَ يَا رَوْحِي وَرَيْحَانِي

стр. 109

أَنْتَ الْكَرِيمُ الَّذِي عَمَّتْ فَوَاضِلُهُ ... جُودًا وَرَوَّى نَدَاهُ كُلَّ ظَمْآنِ يا منتهى أملي جدلي بمغفرةٍ ... فَأَنْتَ أهلٌ لمعروفٍ وَإِحْسَانِ عُبَيْدُكَ الْخَائِفُ الرَّاجِي أَتَاكَ فَلا ... تردده يا رب وَاغْفِرْ زلَّةَ الْجَانِي أَشْكُو إِلَيْكَ ذُنُوبًا أَوْهَنَتْ جَلَدِي ... تَتْرَى إِذَا أَثْقَلَتْنِي خَفَّ مِيزَانِي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَظُلْمِي لَيْسَ يَغْفِرُهُ ... سِوَاكَ يَا مَوْضِعَ الشَّكْوَى لأَحْزَانِي وَأَنْشَدَنَا حَمْدُ بْنُ حُمَيْدٍ لنَفْسِهِ فِي مَدْحِ السفر إملاءً: أَبْعِدْ إِذَا سَافَرْتَ لا تَكُ وَانِيًا ... فَاللَّهُ يُحْدِثَ بَعْدَ حالٍ حَالا وَالْحَرْفُ إِنْ قَرَنْتَ بِهِ أَضْرَابُهُ ... فِي النَّظْمِ أَوْ فِي النَّثْرِ كُنَّ ثِقَالا وَدَلِيلُهُ أَنَّ التَّبَاعُدَ بَيْنَهَا ... يَكْسُو الْكَلامَ مَهَابَةً وَجَمَالا وَأَنْشَدَنَا حَمْدٌ لِنَفْسِهِ فِي ذم السفر إملاءً: كُنْ قَانِعًا بِالرِّزْقِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ... سَيَّانَ فِيهِ حَرِيصُهُ وَالْقَاعِدُ فَالْعَبْدُ يَعْجَزُ أَنْ يَنَالَ بِحِرْصِهِ ... وَبِجَدِّهِ رِزْقًا زَوَاهُ الْوَاحِدُ وَالْزَمْ ذَرَاكَ فَلَيْسَ دَهْرُكَ رَاجِعًا ... مَا فَاتَ مِنْكَ وَلا الزَّمَانُ يُسَاعِدُ فَالطَّيْرُ يَنْعَمُ بَالُهَا فِي وَكْرِهَا ... فَإِذَا غَدَتْ نُصِبَتْ لَهُنَّ مَصَايِدُ لا تَرْغَبْنَ فِي غربةٍ مَا أُسْعِدْتَ ... عضدٌ بِهَا إِلا وَيُعْضَدُ سَاعِدُ وأنشدني حمد لنفسه ببغداد: سَلُوا الدَّمْعَ بَعْدَ الْبَيْنِ هَلْ غاض أورقا ... وغصن التداني هل تندى وأورقا هَجَرْتُ سُرُورِي مُذْ هَجَرْتُمْ وَزَادَنِي ... غَرَامِي وَمَجْمُوعُ اصْطِبَارِي تَفَرُّقَا وَأَطْلَقْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ يَوْمَ نَأَيْتُمُ ... وَأَصْبَحْتُ فِي قَيْدِ الصَّبَابَةِ مُوثَقَا وَأَوْحَشَ رَبْعُ الْوَصْلِ مِنْ بَعْدِ أُنْسِهِ ... وَعَادَ ظَلامًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُشْرِقَا

стр. 110

أَيَا سَاكِنِي أَرْضَ الْحِمَى هَلْ مُرَاجِعِي ... رقادٌ غَدَا بَعْدَ الْفِرَاقِ مُطَلَّقَا لأُبْصِرَ طَيْفًا مِنْكُمُ فَيُرِيحُنِي ... فَمَا غَرَضِي فِي النَّوْمِ شَيْئًا سِوَى اللَّقَا رَحَلْتُمْ فَلِي جسمٌ يَذُوبُ صَبَابَةً ... وَبِنْتُمْ فَلِي قلبٌ يَطِيرُ تَشَوُّقَا وَعَلَّمتُمُ الْهُجْرَانَ جَفْنِيَ وَالْكَرَى ... وَوَاصَلْتُمْ مَا بَيْنَ قَلْبِيَ وَالشَّقَا وَهَيَّجَ وَجْدِي فِي الظَّلامِ حمامةٌ ... تَنُوحُ عَلَى إلفٍ وَتَشْكُو التَّفَرُّقَا تَغَنَّتْ بلحنٍ رَجَّعَتْهُ كَآبَةً ... فَرَاجَعَنِي شَجْوِي وَرَقَّ فَأَرَّقَا فَوَاعَجَبًا يُخْفِي سُرُورًا أَذَاعَهُ ... شَوَاهِدُ قَدْ نَمَّتْ وَتُبْدِي تَمَلُّقَا وَكَيْفَ يُذِيبُ الْهَجْرُ كَفًّا مُخَضَّبًا ... وَأَنَّى يُطِيقُ الْبَيْنُ جِيدًا مُطَوَّقَا وَمَا الْحُبُّ إِلا أَنْ تَرَى الْجِسْمَ نَاحِلا ... وَلا الْوَجْدُ إِلا أَنْ تَرَى الدَّمْعَ مُغْدِقَا وَلَو وَجَدَتْ وَجْدِي مُطَوَّقَةُ الْحِمَى ... وَلاقَتْ كَمَا لاقَيْتُ مِنْ جِيرَةِ النَّقَا لأَصْبَحَ مِنْهَا الطَّرْفُ حَيْرَانَ بَاهِتًا ... وَأَصْبَحَ مِنْهَا الْقَلْبُ حَرَّانَ مُحْرَقَا وَأَنْشَدَنِي حَمْدٌ لنفسه ببغداذ: يَا سَاكِنَ الْقَلْبِ ها قَلْبِي تُمَزِّقُهُ ... يَدُ الصَّبَابَةِ وَالأَحْزَانُ وَالْفِكَرُ كَمْ وقفةٍ لِي عَلَى أَطْلالِ رَبْعِكُمُ ... يَظَلُّ فِيهَا سَمِيرِي الضَّالُ وَالسَّمُرُ رِفْقًا بِمَنْ وَلَعَتْ أَيْدِي الْغَرَامِ بِهِ ... وَاغْتَالَ مُهْجَتَهُ فِي حُبِّكَ الْقَدَرُ يَفْدِيكَ مِنْهَا فؤادٌ ظَلَّ مُلْتَهِبًا ... وَمُقْلَةٌ مَلَّ مِنْهَا الدَّمْعُ وَالسَّهَرُ لَوْلا مَخَافَتُهُ أَنْ لا يَرَاكَ بِهَا ... لَغَابَ مُذْ غِبْتَ عَنْ إِنْسَانِهَا النَّظَرُ وَأَنْشَدَنِي لنفسه متغزلاً ببغداد: مَوْلايَ إِنَّ فُؤَادِي فِيهِ جَمْرُ غَضًى ... وَنَاظِرُ الْعَيْنِ موقوفٌ عَلَى السَّهَرِ
следующие страницы →