← Книги сунны

Книги сунны · id 26842

كتاب الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين أو الأربعين الطائية

أبو الفتوح الطائي

Полный текст (200 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولا يستبعد من فضل اللَّه تعالى مَعَ أهل الإْسِلام والإيمان أن يفديهم بأهل الكفر والطغيان، وذلك عدل من اللَّه تَعَالَى مَعَ أهل معصيته، وفضل عَلَى أهل طاعته، فإذا كَانَ الفداء محمولا عَلَى مَا تقدم ذكره فلا يصح استدلالهم بالآية، لأن كل كافر معاقب بوزره عَلَى مَا بيناه. أَخْبَرَنَا جمال الأئمة أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا والدي شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو المظفر مَنْصُور بْن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ، قَالَ: قَالَ الفضيل بْن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط اللَّه عمله، وأخرج نور الإْسِلام من قلبه، ومن زوج كريمته، من مبتدع فقد قطع رحمها. وَكَانَ يَقُول: نظر المؤمن إِلَى المؤمن جلاء القلب، ونظر الرجل إِلَى صاحب بدعة يورث العمي. وحكينا عَنِ الحاكم أَبِي عَبْد اللَّهِ الْحَافِظ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: توفي أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن مهران المقرئ يوم الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وتوفي فِي ذَلِكَ اليوم أَبُو الحسن العامري صاحب الفلسفة، قَالَ الحاكم: فحدثني عمر بْن أَحْمَدَ الزاهد قَالَ: سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أَنَّهُ رأى أبا بكر بْن الْحُسَيْن المقرئ فِي المنام فِي تلك الليلة الَّتِي دفن فِيهَا، قَالَ: قلت لَهُ: أيها الأستاذ، مَا فعل اللَّه بك؟ قَالَ: إن اللَّه تَعَالَى أقام أبا الحسن العامري حذائي، وَقَالَ: هَذَا فداؤك من النار.

стр. 107

أنشدنا الزاهد أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أميرجه بْن أشعث الْهَرَوِيّ، أنشدنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الحسين بْن حمزة، أنشدنا السيد أَبُو الحسن الْمَغْرِبِيّ، لنفسه: أفق واطلب لنفسك مستواها ... ودع عصبا قد اتبعت هواها وسنة أَحْمَد المختار فالزم ... وعظمها وعظم من رواها وإن رغمت أنوف من أناس ... فقل يَا رب لا ترغم سواها

стр. 108

الْحَدِيث العشرون [فضل صيام يوم عرفة] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ الصَّائِنُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ أميرجه بْنِ الأَشْعَثِ الصُّوفِيُّ الْهَرَوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفُقَّاعِيِّ، حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ شَيْخُ الإْسِلامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، إِمْلاءً، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمةَ، حَدَّثَنَا جَدِّي -، حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلُ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ -، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سَابُورَ -، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، وَأَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، السَّنَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالسَّنَةُ الَّتِي تَلِيهَا ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، صَحِيحٌ، عَالٍ. أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِلَفْظٍ آخَرَ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ وفارسه الشجاع المقدام، المخصوص بدعاء رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَبُو قتادة الحارث بْن ربعي، ويقال:

стр. 109

النعمان بْن ربعي بْن بلدمة بْن خناس بْن شيبان بْن عبيد بْن عدي الأنصاري السلمي الخزرجي ﵁. روي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كنت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بعض أسفاره، إذ مال عَنِ الراحلة فدعمته بيدي حَتَّى استيقظ، ثُمَّ مال فدعمته بيدي حَتَّى استيقظ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ احفظ أبا قتادة كما حفظني منذ الليلة، مَا أرانا إِلا شققنا عليك. وَكَانَ ﷺ يَقُول: " خير فرساننا أَبُو قتادة ". وتوفي أَبُو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين، وله سبعون سنة. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى استحباب صيام يوم عرفة فِي حق من لم يشهد عرفات، فأما من شهد الموقف فالأولي أن لا يصومه لأن النَّبِيّ ﷺ لم يصم بعرفة، ولأن الحاج يحتاج إِلَى قوة واستظهار للوقوف والدعاء، فإذا صام ضعف عَنْ ذَلِكَ، فكان المستحب لَهُ الإفطار. وفيه: دليل عَلَى أن صوم يوم عرفة يكفر سنة قبلها وسنة بعدها. وفيه: دلالة عَلَى أن السيئة اللاحقة يجوز أن تكفرها الحسنة السابقة، وذلك من فضل اللَّه تَعَالَى ولطفه بعباده. وفيه: دليل عَلَى فضل يوم عرفة، وأنه يوم عظيم حرمته، مرجوة بركته، وَهُوَ يوم الحج الأكبر، ويوم المباهاة، ويوم الدنو، ويوم العتق، وكل ذَلِكَ مروي عَنِ النَّبِيّ ﷺ . وقد استجاب اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا اليوم دعاء النَّبِيّ ﷺ فِي أمته بالمغفرة.

стр. 110

وَقَالَ ﵇: يَقُول اللَّه لملائكته: عبادي جاءوني شعثا غبرا، آمنوا بي ولم يروني، وعزتي لأغفرن لهم. وأما الدعاء الَّذِي يستحب ذكره يوم عرفة فكثير، منه مَا روي عَنِ ابن عَبَّاس ﵁ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ دعا فِي حجة الوداع يوم عرفة فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، المشفق الوجل المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المساكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خشعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسمه، ورغم أنفه لك، اللَّهُمَّ لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يَا خير المسئولين ويا خير المعطين ". وقد ثبت عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أفضل مَا دعوت بِهِ، أنا والنبيون قبلي، عشية عرفة: لا إله إِلا اللَّه وحده لا شريك لَهُ، لَهُ الملك، وله الحمد، بيده الْخَيْر، وَهُوَ عَلَى كل شيء قدير. وَكَانَ أكثر دعائه هَذَا. وَهَذَا أصح، لما روي عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ حاكيا عَنْ ربه : " من شغله ذكري عَنْ مسألتي أعطيته أفضل مَا أعطي السائلين ". أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أخبرني أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن حَامِد الإصبهاني، حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ بْن جَعْفَر، حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الكوفي، عَنْ يَحْيَى بْن بسطام:

стр. 111

حدثني عُثْمَان بْن مُحَمَّدِ بْنِ سودة، وكانت أمه أمة من العابدات، فلما احتضرت رفعت رأسها إِلَى السماء فقالت: يَا ذخري وذخيرتي يَا من عَلَيْهِ اعتمادي فِي حياتي وبعد وفاتي لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني فِي قبري. قَالَ: فماتت، وكنت أزورها فِي كل جمعة فأستغفر لها ولأهل القبور فرأيتها ذات ليلة فِي منامي فقلت: كيف أنت؟ فقالت بني إن الموت لشديد كربه، وأنا بحمد اللَّه لفي برزخ يفترش فِيهِ السندس إِلَى يوم القيامة. قلت: لك حاجة؟ قالت: نعم، لا تدع مَا كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لآنس بمجيئك يوم الجمعة، إذا أقبلت من أهلك يقال: هَذَا ابنك قد جاءك زائرا، فأسر بِذَلِكَ ويسر من حولي من الأموات لأجلي. وَهَذَا صَحِيح، فإن الدعاء للأموات كالهدية للأحياء، وقد روي عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " آنس مَا يكون الميت فِي قبره إذا زاره من كَانَ يحبه فِي دار الدنيا ". أنشدنا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أنشدنا أَبُو عَمْرو بْن أَبِي جَعْفَر الصوفي، أنشدنا أَبِي، أنشدنا السيد أَبُو طالب حمزة بْن مُحَمَّد الجعفري، أنشدنا الْقَاضِي ﵀: رب خود عرفت فِي عرفات ... سلبتني بحسنها حسناتي حرمت حين أحرمت نوم عيني ... واستباحت دماي باللحظات وأفاضت مَعَ الحجيج ففاضت ... من جفوني سوائل العبرات ورمت بالجمار جمرة قلبي ... أي قلب يقوي عَلَى الجمرات لم أنل من "مِنى" مُنى النفس حَتَّى ... خفت بالخيف أن يكون وفاتي

стр. 112

الْحَدِيث الحادي والعشرون [الدعاء لمن يؤتي زكاتهِ] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ شَيْخُ الإْسِلامِ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارَمَذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالعيالِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (الْبُخَارِيُّ) ، أَخْبَرَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ، قَالَ: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ " فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى " هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

стр. 113

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الزَّكَاةِ) ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي (الْمَغَازِي) عَنْ آدَمَ، وَفِي (الدَّعَوَاتِ) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٍو النَّاقِدِ وَابْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ وَكِيعٍ. كُلِّهِمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُو معاوية، ويقال: أَبُو إِبْرَاهِيم، عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي أوفى، واسم أَبِي أوفي علقمة بْن خالد بْن الحارث بْن أَبِي أسيد بْن رفاعة بْن ثعلبة بْن هوازن بْن أسلم الأسلمي. صاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، عداده فِي أهل الكوفة. كَانَ غزا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ست غزوات وأصابته ضربة يوم حنين فِي ذراعه. سكن عَبْد اللَّهِ الكوفة، وكف بصره فِي آخر عمره، وتوفي بها سنة ست وثمانين، وقيل سنة سبع [وثمانين] ، وَهُوَ آخر من مات من الصحابة بالكوفة. وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن المستحب للإمام إذا أتاه الرجل بالصدقة أن يدعو لَهُ ويبارك عَلَيْهِ وقد أمر اللَّه تَعَالَى نبيه ﷺ بِذَلِكَ فِي القرآن، فَقَالَ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ، ولأن ذَلِكَ يتضمن

стр. 114

ترغيبا لهم فِي الصدقة. والصلاة فِي هَذَا الْحَدِيث معناها: الدعاء والاستغفار والتبريك فأما الصلاة الَّتِي هي تحية لذكر رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فإنها بمعني التعظيم والتكريم، وهي خاصة للنبي ﷺ لا يشاركه فِيهَا غيره إِلا أله، تبعا لَهُ. وقد كره قوم أن يقال: اللَّهُمَّ صل عَلَى فلان إِلا عَلَى الأنبياء أَوْ عَلَى آل النَّبِيّ ﷺ ، والنبي ﷺ كَانَ مخصوصا بأن يصلي عَلَى الغير لأن الصلاة حقه فله أن يضعها حيث أراد. وقوله ﵇: " أل أَبِي أوفي " يحتمل أنه أراد نفس أَبِي أوفى كقوله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ، ويجوز أن يكون المراد بِهِ أهل بيته وذريته. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد الهروي الزاهري، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا زاهر بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو السماك، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْن البراء: عَنِ المزني، قَالَ: دخلت عَلَى الشَّافِعِيّ ﵁ فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ فقلت: كيف أصبحت؟ قَالَ: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء أفعالي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى اللَّه واردا، فوالله مَا أدري أروحي إِلَى الجنة تصير فأهنيها، أَوْ والي النار فأعزيها؟ ثُمَّ بكى وأنشد:

стр. 115

فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كَانَ عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عَنِ الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما فلولاك لا يغوي بإبليس عالم ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما

стр. 116

الْحَدِيث الثاني والعشرون [جمع الصلوات فِي السفر] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الرَّئِيسُ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ السره مرد، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو نُصَيْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُصْعَبٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ، " وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَأَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ". هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ، عَالٍ صَحِيحٌ. أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّلاةِ) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجَهُ فِي (فَضَائِلِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.

стр. 117

رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ القارئ القانت، والصادق الثابت، المحكم للعمل، والتارك للجدل، المتمسك بالعروة الوثقى، إمام العلماء فِي الورع والتقوى: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ معاذ بْن جبل بْن عَمْرو بْن أوس بْن عائذ بْن عدي بْن كعب الأنصاري ﵁، وَهُوَ من الخزرج. وأمه هند بنت سهل، من جهينة وأخوه لأمه: عَبْد اللَّهِ بْن قيس: بدري. توفي معاذ بالشام فِي طاعون عمواس، بناحية الأردن سنة ثماني عشرة، وَهُوَ ابن ثمان وثلاثين سنة. قَالَ الواقدي: شهد معاذ بدرا وَهُوَ ابن عشرين سنة أَوْ إحدى وعشرين سنة. ومات وَهُوَ ابن ثلاث وثلاثين سنة قَالَ سَعِيد بْن المسيب: رفع عِيسَى بْن مريم وَهُوَ ابن ثلاث وثلاثين سنة، ولا يعرف لمعاذ عقب. وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " نعم الرجل معاذ "، وَقَالَ: " أعرف أمتي بالحلال والحرام معاذ بْن جبل ". وقد وصف ابن عَبَّاس ﵁ صلاة رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي السفر فَقَالَ: " كَانَ إذا زالت الشمس وَهُوَ فِي منزله جمع بين الظهر والعصر فِي الزوال، وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حَتَّى يجمع بينها وبين العصر فِي وقت العصر "، (وأحسبه قَالَ فِي المغرب والعشاء مثل ذَلِكَ) .

стр. 118

وأختلف أهل العلم فِي الجمع فِي السفر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء فِي وقت إحداهما: فذهب كثير من أهل العلم إِلَى جوازه، وَهُوَ قول ابْنِ عَبَّاس ﵁، وبه قَالَ عطاء بْن أَبِي رباح، وسالم بْن عَبْد اللَّهِ، وإليه ذهب الشَّافِعِيّ وأحمد وإسحاق ﵃. وذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لا يجوز يروى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيم النخعي، وكرهه الحسن ومكحول، ولم يجوزه أصحاب الرأي. وأما الجمع بين الظهر والعصر فِي وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء فِي وقت العشاء بالمزدلفة، فمتفق عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا تَاج الإسلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَهْلٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ الرِّبَاطِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ: اشْتَرَيْتُ دَارًا بِالْكُوفَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ: يَا شُرَيْحُ اشْتَرَيْتَ دَارًا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَشْهَدْتَ عُدُولا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ وَلا يَسْأَلُ عَنْ

стр. 119

بَيْتِكَ، انْظُرَنْ لا تَكُونَنِ اشْتَرَيْتَ دَارًا مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، وَوَزَنْتَ مَالا مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ الدَّارَيْنَ جَمِيعًا: الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ! يَا شُرَيْحُ لَوْ كُنْتَ حِينَ اشْتَرَيْتَ هَذَا الدَّارَ صِرْتَ إِلَيَّ كُنْتُ أَكْتِبُ لَكَ الصَّكَّ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، إِذَا مَا كُنْتَ تَشْتَرِيهَا بِدِرْهَمَيْنِ. قُلْتُ: وَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَبْدُ الذَّلِيلُ، مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ بِالرَّحِيلِ، اشْتَرَى هَذَا الْمَفْتُولُ بِالأَمَلِ، مِنْ هَذَا الْمُزْعَجُ بِالأَجَلِ، دَارًا بِمَحِلَّةِ الْغَرُورِ، مِنَ الْجَانِبِ الْفَانِي فِي عَسْكَرِ الْهَالِكِينَ. لَهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ: الْحَدُّ الأَوَّلُ مِنْهَا يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الآفَاتِ. وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْعَاهَاتِ, وَالْحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ. وَالْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي وَالشَّيْطَانِ الْمُغْوِي. وَفِي هَذَا الْحَدِّ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنُوعِ وَالدُّخُولِ إِلَى ذُلِّ الْحِرْصِ وَالْفُضُولِ. فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى مُبْلِي أَجْسَادِ الْمُلُوكِ وَسَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ - مِثْلَ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَتُبَّعَ وَحِمْيَرَ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لَلْوَلَدِ - إِشْخَاصُهُمْ غَدًا إِذَا أَبْرَزَ الْكُرْسِيَّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ. شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَالْمَعْرِفَةُ إِذَا حُلَّتْ مِنْ قَيْدِ الْمُنَى".

стр. 120

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الخطيب أَبُو زكريا يَحْيَى بْن علي التبريزي، إجازة، أنشدنا أبوالعلاء المعري، لنفسه، بالمعرة: أتتني من الأيام ستون حجة ... وما أمسكت كفاي ثنى عنان ولا كَانَ لِي دار ولا ربع منزل ... وما مسني من ذاك روع جنان تذكرت أني هالك وابن هالك ... فهانت علي الأرض والثقلان

стр. 121

الْحَدِيث الثالث والعشرون [الهدايا إِلَى الولاة تضم للمال العام] أَخْبَرَنَا الشَّيْخِ الإْمَامُ شَرَفُ الأَئِمَّةِ أَبُو جَعْفَرٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَزِيُّ السَّرَخْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي الإْمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَخْشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْفَارِسِيُّ، بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ جَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَتَوَفَّاهُ مِنْهُ، قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ، يَقُولُ: هَذَا لِي وَهَذَا لَكُمْ، حَتَّى مَيَّزَهُ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَيَّ.

стр. 122

قَالَ: فَجَاءوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَا أَعْطَاهُمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَصَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَحَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ نَبْعَثُهُمْ عَلَى هَذِهِ الأَعْمَالِ فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ بِالسَّوَادِ الْكَثِيرِ ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا لِي وَهَذَا لَكُمْ، فَإِذَا سُئِلَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَيَّ أَفَلا إِنْ كَانَ صَادِقًا أُهْدِيَ ذَلِكَ لَهُ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لا أَبْعَثُ رَجُلا عَلَى عَمَلٍ فَيَغُلُّ مِنْهُ شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، فَلْيَنْظُرْ رَجُلا لا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ يَرْغُو، أَوْ بَقَرَةٌ تَخُورُ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ "، ثُمَّ قَالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: " اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ ". فَقُلْتُ لأَبِي حُمَيْدٍ: أَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُذُنِي. وَهَذَا لَفْظُ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ الْكُوفِيِّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فِي (الزَّكَاةِ) ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ. وَحَدِيثُ جَرِيرٍ تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ فَأَوْرَدَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَاسْمُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَيْرُوزٌ الشَّيْبَانِيُّ مَوْلاهُمُ الْكُوفِيِّ.

стр. 123

رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُو حميد عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سَعْد بْن المنذر الأنصاري الساعدي المدني ﵁. روى عَنْ جابر أن أبا حميد أتى النَّبِيّ ﷺ بقدح من لبن من البقيع ليس بمخمر، فَقَالَ ﵇: ألا خمرته ولو بعود، فَقَالَ أَبُو حميد: إنما كنا نؤمر بوكاء الأسقية وغلق الأبواب ليلا. فِي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن هدايا العمال والقضاة سحت محض، لأنه إنما يهدى إِلَى العامل ليغمض لَهُ بعض مَا يجب عَلَيْهِ أداؤه أَوْ يبخس بحق المساكين، وكذا الْقَاضِي يهدي إِلَيْهِ ليميل فِي الحكم إِلَى المهدي إِلَيْهِ، ولا يؤمن أن تحمله الهدية عَلَيْهِ. وقوله ﵇: " أفلا أهدي إِلَيْهِ فِي بيت أَبِيهِ؟ " دليل عَلَى أن كل أمر يتذرع بِهِ إِلَى محظور فهو محظور، ويدخل فِيهِ القرض يجر المنفعة، والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء أَوْ يرتفق بالرهن من غير عوض. أَخْبَرَنَا تَاجُ الإْسِلامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا

стр. 124

الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَكِيلِ، قَالا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ كَلِمَةً حِكَمًا كُلَّهَا قَالَ: ١- مَا عَاقَبْتَ مَنْ عَصَى اللَّهَ تعالى فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ. ٢- وَضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَجِيئَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ. ٣- وَلا تَظُنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا مَحْمَلا. ٤- وَمَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ بِيَدِهِ. ٥- وَمَنْ عَرَضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ. ٦- وَعَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ تَعِشْ فِي أَكْنَافِهِمْ، فَإِنَّهُمْ زِينَةٌ فِي الرَّجَاءِ، وَعِدَّةٌ فِي الْبَلاءِ. ٧- وَلا تَهَاوَنُوا بِالْحَلِفِ بَاللَّهِ فَيُهِيْنُكُمُ اللَّهُ . ٨- وَلا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ فِيمَا كَانَ شُغْلا عَمَّا لَمْ يَكُنْ. ٩- وَلا تَعْرِضْ لِمَا لا يَعْنيكَ. ١٠- وَعَلَيْكَ بِالصَّدْقِ وَإِنْ قَتَلَكَ. ١١- وَلا تَطْلُبْ حَاجَتَكَ إِلَى مِنْ لا يُحِبُّ نَجَاحَهَا لَكَ. ١٢- وَاعْتَزِلْ عَدُوَّكَ. ١٣- وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ إِلا الأَمِينَ، وَلا أَمِينَ إِلا مَنْ خَافَ اللَّهَ . ١٤- وَلا تَصْحَبِ الْفُجَّارَ لِتَتَعَلَّمَ مِنْ فُجُورِهِمْ. ١٥- وَتَذَلَّلْ عِنْدَ الطَّاعَةِ.

стр. 125

١٦- وَاسْتَعِن عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ ١٧- وَتَخَشَّعْ عِنْدَ الْقُبُورِ ١٨- وَاسْتَشِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ . أَخْبَرَنَا الخطيب أَبُو زكريا، إجازة، قَالَ: أنشدنا أَبُو العلاء المعري لنفسه: أستغفر اللَّه مَا ذرت لعادتها ... شمس، وما لاح فِي ظلمائه قمر أورقت يَا غصن لا تدري بما صنعت ... لك المقادير، ثُمَّ استنشأ الزهر ولم تزل بقضاء اللَّه منتقلا ... حالا فحالا إِلَى أن أينع الثمر وَكَانَ واليك يخشى أن تمس أذى ... يوما ويسقيك إن لم يسقك المطر مَا نام عنك ولا ألهته نائبة ... حَتَّى قدمت وجاء الضعف والخور ثُمَّ اغتدى لك عند القبر محتطبا ... يلقيك فِي النار عمدا وهي تستعر وإنما قلت مَا قدمته مثلا ... للمرء لما أتاه الشيب والكبر

стр. 126

الْحَدِيث الرابع والعشرون [ذكر المؤمنين فِي غيبتهم بالخير، والدعاء لهم] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ شَيْخُ الإْسِلامِ أَبُو الْحَسَنِ فَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَاذِيٍّ الشَّعْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَضْلِ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَنَفِيُّ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ بُشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ الإِسْفَرَايِنِيُّ، بِهَا، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي شُبْرُمَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ كُرَيْزٍ -، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَتِ: الْمَلَائِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ: عَالٍ صَحِيحٌ، أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي الدَّعَوَاتِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ، عَنْ حَمْدِ بْنِ فَضْلٍ، عَنْ أَبِيهِ

стр. 127

رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ العالم المتذكر، والعارف المتفكر، صاحب الحكم والعلوم، أَبُو الدرداء عويمر، وقيل: عامر اختلف فِي نسبه، فقيل: عويمر بْن مَالِك، وقيل: عويمر بْن عامر بْن زيد بْن قيس، من الأنصار، وَهُوَ ابن أخت عَبْد اللَّهِ بْن رواحة. لم يشهد بدرا. سكن الشام، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين، فِي خلافة عُثْمَان ﵁. وَكَانَ قبل إسلامه تاجرا. وَكَانَ يَقُول: " تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وَكَانَ أكثر عمله التفكر. وَكَانَ يَقُول: " لا تزالون بخير مَا أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله، كم من نعمة للَّه تَعَالَى فِي عرق ساكن. فِي الْحَدِيث: دلالة عَلَى أن المستحب للمرء المسلم أن يذكر أخاه بالخير فِي الغيبة ويتضمن ذَلِكَ النهي عَنِ الغيبة، لأن الأمر بالشيء نهي عَنْ ضده، فالحديث وإن ورد على صيغه الخبر إِلا أن المراد بِهِ الأمر، أي: عودوا ألسنتكم الكلام الطيب الحسن، وادعوا للمؤمنين والمؤمنات، تنالون بِذَلِكَ مَا تسألون لهم وتريدونه بهم، فإن الْخَيْر عادة والشر لجاجة.

стр. 128

وقد قيل: لا يكون الرجل مؤمنا كاملا حَتَّى يأمنه عدوه، فكيف حال من لا يأمنه صديقه؟ ! ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إِلا فيما يعنيه. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْقَاسِم بْن الْحُسَيْن المقري، أَخْبَرَنَا جدي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّهِ الهمذاني بمكة، حماها اللَّه، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المقري يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون يَقُول: أربع خلال لها ثمرة: العجلة، والعجب، واللجاجة، والشره. فثمرة العجلة: الندامة. وثمرة العجب: البغضة. وثمرة اللجاجة: الحيرة. وثمرة الشره: الفاقة. أنشدنا الشَّيْخ الإْمَام معتمد الإْسِلام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الفرج بْن الفرج الكناني الْمَغْرِبِيّ، لبعضهم: عود لسانك قول الْخَيْر تحظ بِهِ ... إن اللسان كما عودت معتاد موكل بتقاضي مَا سننت لَهُ ... فِي الْخَيْر والشر، فانظر كيف ترتاد

стр. 129

الْحَدِيث الخامس والعشرون [استحباب تعجيل الفطر] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ زَيْنُ الإْسِلامِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي الإْمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الأَسْفَرَايِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَغْرِبِيُّ -، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " هَذَا حَدِيث صَحِيحٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّوْمِ) ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَعَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ،

стр. 130

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُو الْعَبَّاسِ سهل بْن سَعْد بْن مَالِك بْن خالد بْن ثعلبة بْن حارثة بْن عَمْرو بْن الخزرج بْن ساعدة بْن كعب الأنصاري الخزرجي الساعدي توفي رَسُول اللَّهِ ﷺ وله من العمر خمس عشرة سنة. كَانَ اسمه " حزنا " فسماه رَسُول اللَّهِ ﷺ " سهلا ". وَكَانَ ﵇ يغير الأسماء القبيحة بالأسماء الحسنة تفاؤلا، فلم يرد أن يكون اسمه حزنا، لأنه كره الحزونة والشدة. وأراد مثل ذَلِكَ من حزن جد سَعِيد بْن المسيب فلم يقبله وَقَالَ: لا أغير اسما سماني بِهِ أبي قَالَ سَعِيد: فبقيت الحزونة فينا حَتَّى الساعة. توفي سهل سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين، وَهُوَ ابن مائة سنة وأكثر، وَكَانَ آخر من مات بالمدينة من الصحابة. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى استحباب تعجيل الفطر، والإشارة بإزالة مَا لحق الصائم من كلفة العبادة، ليكون وقوفه عَلَى بساط النجوى فِي صلاة المغرب الَّتِي تؤدي فِي وقت الإفطار عَلَى فراغ من مطالبات النفس، فيجد القلب فِي المنجاة كمال الروح والأنس، وعلى هَذَا يحمل قوله ﷺ : " إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء ".

стр. 131

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو علي الْحَسَن بْن أَحْمَدَ بْن الحسن الحداد، إجازة، أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو نعيم أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّهِ بْن إِسْحَاق، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي، حَدَّثَنَا أَبُو يونس مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ المديني، حَدَّثَنَا أَبُو الحارث عُثْمَان بْن إِبْرَاهِيمَ بْن غسان، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دخل سليمان بْن عَبْد الملك المدينة حاجا، فَقَالَ: هل بها رجل أدرك عدة من الصحابة؟ قالوا: نعم، أَبُو حازم. فأرسل إِلَيْهِ، فلما أتاه، قَالَ: يَا أبا حازم، مَا هَذَا الجفاء؟ قَالَ: وأي جفاء رأيت مني؟ قَالَ: وجوه الناس أتوني ولم تأتني. قَالَ: والله مَا عرفتني قبل هَذَا ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إِلَى الزُّهْرِيّ فَقَالَ: أصاب الشَّيْخ وأخطأت أنا. فَقَالَ: يَا أبا حازم، مَا لنا نكره الموت؟ فَقَالَ: عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إِلَى الخراب، قَالَ صدقت. قَالَ: ليت شعري مَا لنا عند اللَّه؟ قَالَ: اعرض عملك عَلَى كتاب اللَّه تَعَالَى. قَالَ: فأين أجده؟

стр. 132

قَالَ: فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ . قَالَ سليمان: فأين رحمة اللَّه؟ قَالَ: قريب من المحسنين. قَالَ سليمان: كيف العرض عَلَى اللَّه تَعَالَى؟ قَالَ: أما المحسن: كالغائب يقدم عَلَى أهله. وأما المسيء كالآبق يقدم بِهِ عَلَى مولاه. فبكى سليمان حَتَّى علا نحيبه. فَقَالَ: يَا أبا حازم كيف لنا أن نصلح؟ قَالَ: تدعون عنكم الصلف، وتمسكون بالمروءة، وتقسمون بالسوية، وتعدلون فِي القضية. قَالَ: يَا أبا حازم من أفضل الخلائق؟ قَالَ: أولو المروءة والنهى. قَالَ: فما أعدل العدل؟ قلا: كلمة صدق عند من تخافه أَوْ ترجوه. قَالَ: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قَالَ: دعاء المحسن للمحسن. قَالَ: فما أفضل الصدقة؟ قَالَ: جهد المقل إِلَى البائس الفقير لا يتبعها من ولا أذى. قَالَ: من أكيس الناس؟ قَالَ: رجل ظفر بطاعة اللَّه فعمل بها ثُمَّ دل الناس عَلَيْهَا. قَالَ: من أحمق الناس؟

стр. 133

قَالَ: رجل اغتاظ فِي هوى أخيه وَهُوَ ظالم فباع أخرته بدنيا غيره. فَقَالَ: يَا أبا حازم ارفع لِي حاجتك. قَالَ: نعم، تدخلني الجنة وتنجيني من النار. قَالَ: ليس ذَلِكَ إلي. قَالَ: فما لِي حاجة سواها. أنشدنا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أنشدنا أَبُو الْعَبَّاسِ الفضل بْن عَبْد الواحد، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد السراج، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو بْن مطر، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المنذر الْهَرَوِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الحنظلي، حَدَّثَنَا عمر بْن أسلم، يَقُول: سمعت سلم بْن ميمون العابد يَقُول: أرى الدنيا لمن هي فِي يديه ... عذابا كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصعر ... وتكرم كل من هانت عَلَيْهِ فدع عنك الفضول تعش حميدا ... وخذ مَا أنت محتاج إِلَيْهِ

стр. 134

الْحَدِيث السادس والعشرون [فضل قريش وتقدمها] أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الرَّضِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَرَائِضِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بْن مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصُّوفِيُّ الصَّيْرَفِيُّ -، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُوعَبْدِ اللَّهِ، ويقال: أَبُو مُحَمَّد، جابر بْن عَبْد اللَّهِ

стр. 135

ابن عَمْرو بْن حرام السلمي المدني، من أكابر أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، شهد بدرا وغزا مَعَه تسع عشرة غزوة، ويقال: أَنَّهُ شهد العقبة مَعَ السبعين من الأنصار، وَكَانَ أصغرهم يومئذ. قتل أَبُو يوم أحد، فأحياه اللَّه وكلمه كفاحا. واستغفر رَسُول اللَّهِ ﷺ لجابر فِي ليلة واحدة سبعا وعشرين مرة، وذلك ليلة البعير، حين باع بعيره من رَسُول اللَّهِ ﷺ وشرط لَهُ ركوبه إِلَى المدينة، قَالَ: مررت مَعَ رَسُول ﷺ ومع بعير معتل وأنا أسوقه فِي آخر القوم، فَقَالَ: " مَا شأن بعيرك هَذَا؟ "، قَالَ: قلت: معتل أَوْ ظالع يَا رَسُولَ اللَّهِ " فأخذ بذنبه فضربه ثُمَّ قَالَ: اركب " فلقد رأيتني فِي أولهم وإني لأحبسه؟ ثُمَّ قَالَ: " بعني بعيرك هَذَا "، قَالَ: قلت: هُوَ لك يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " بعنيه "، قلت: هُوَ لك يَا رَسُولَ اللَّهِ فلما أكثر علي قلت: فإن لرجل علي أوقية ذهب، فهو لك بها قَالَ: " نعم، تبلغ عَلَيْهِ إِلَى أهلك وأرسل إِلَى بلال فَقَالَ: أعطه أوقيه ذهب، وزده " فأعطاني أوقية وزادني قيراطا، فقلت: لا يفارقني هَذَا القيراط، شيء زادني رَسُول اللَّهِ ﷺ فجعلته فِي كيس، فلم يزل حَتَّى أخذه أهل الشام يوم الحرة. توفي جابر بْن عَبْد اللَّهِ ﵁ بالمدينة سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وسبعين، وله يوم توفي أربع وتسعون سنة، وقد ذهب بصره صلى عَلَيْهِ أبان بْن عُثْمَان، وَكَانَ والي المدينة حينئذ. قَالَ عَمْرو بْن علي: هُوَ آخر من مات بالمدينة من الصحابة.

стр. 136

وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضل قريش عَلَى سائر الناس فِي كل شيء والمراد بـ " الْخَيْر ": الدين، فإنه أصل كل خير، وبـ " الشر " الكفر، فإنه أساس كل شر. روى عَنْهُ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " لا تقدموا قريشا فتهلكوا ولا تخلفوا عَنْهَا فتضلوا، قوة الرجل من قريش قوة رجلين، لا تفاقهوا قريشا فهي أفقه منكم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند اللَّه ، خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش خير من شرار الناس ". وفي هَذِهِ الرواية: دليل عَلَى مَا تقدم قريش فِي الدين والعلم والفقه، وأن قريشا أحق بالإمامة من غيرهم فِي الاقتداء بهم والاقتباس من عملهم وصح عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " لا تؤموا قريشا وائتموا بها ولا تعلموا قريشا وتعلموا مِنْهَا، فإن علم عالم قريش يسع طباق الأرض ". قَالَ الشَّيْخ: فخرج من مجموع هَذَا الروايات أن الإْمَام المطلبي القرشي الشَّافِعِيّ ﵁ أفضل العلماء الَّذِينَ يقتدى بهم فِي الإمامة، وأحقهم عند اللَّه بالكرامة، وأرفعهم درجة فِي الدين والأمانة، وأقواهم رأيا وحكما، وأبرعهم فضلا وعلما. وقد حمل جماعة من الأئمة، منهم: أَحْمَد بْن حنبل، وَأَبُو نعيم الاستراباذي، قوله ﵇: " فإن علم عالم قريش يسع طباق الأرض " عَلَى الشَّافِعِيّ، لأن الشَّافِعِيّ ﵁ هُوَ الَّذِي انتشر علمه فِي البلاد فكتبت كتبه كما تكتب المصاحف، ودرسها المشايخ والشبان وغيره من علماء قريش لم يكن لَهُ هَذِهِ المرتبة.

стр. 137

أَخْبَرَنَا ناصر بْن مهدي المشطبي ﵀، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد بْن مسعود السجزي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بشري الليثي مولاهم السِّجِسْتَانِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيمَ، أخبرني عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الْعَبَّاس الشَّافِعِيّ بمصر، قراءة عَلَيْهِ، قَالَ: سمعت يَحْيَى بْن زكريا النيسابوري، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد يعني: ابن عَبْد الحكم: مَا أظن أن يكون مثل الشَّافِعِيّ ﵁ فِي الدنيا، إني لأمر بباب الشَّافِعِيّ من غير حاجة لِي، فأدعو اللَّه لَهُ. وروينا أن أَحْمَد بْن حنبل سئل عَنْ الشَّافِعِيّ، فَقَالَ: هُوَ كالشمس للأرض، والعافية للخلق، فهل عنهما من بد؟ أنشدنا الصائن أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أميرجه الصوفي الْهَرَوِيّ، أنشدنا الشَّيْخ الأديب أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، بنيسابور، لنفسه: أحاديث الرَسُول شفاء قلبي ... وقوة ناظري وجلاء همي فدت نفسي ثقات قد رووها ... وما ملكت يدي وأبي وعمي أعاذلتي عَلَيْهِ إليك عني ... فإن إليهم قصدي وأمي لمن والاهم حبي ومدحي ... لمن عاداهم بغضي وذمي وأنشدوا لبعضهم: الشَّافِعِيّ إمام الناس كلهم ... بالعلم والحلم والعلياء والباس لَهُ الإمامة فِي الدنيا مسلمة ... كما الخلافة فِي أولاد عَبَّاس أصحابه خير أصحاب، ومذهبه ... خير المذاهب عند اللَّه والناس

стр. 138

الْحَدِيث السابع والعشرون [إكرام الجار بإهداء الطعام] أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الإْمَامُ شَيْخُ الإْسِلامِ أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا الإْمَامُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّيْثُ بْنُ الْحَسَنِ اللَّيْثِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُصَعْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ فَأَكْثِرِ الْمَرَقَةَ، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَن، عَالٍ. أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْفُضَيْلِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ

стр. 139

عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامَتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، بِهَذَا. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ جليسه وأنيسه، المتخلي عَنِ الدنيا للعقبي، الَّذِي عانق البلوى إن لحق بالمولى، رابع الإْسِلام، أَبُو ذر جندب بْن جنادة، ويقال: جندب بْن السكن ولقبه برير الغفاري، وغفار: قبيلة من كنانة. أسلم أَبُو ذر بمكة، ولم يشهد بدرا ولا أحدا ولا الخندق، لأنه حين أسلم رجع إِلَى بلاده قومه وأقام حَتَّى مضت هَذِهِ المشاهد ثُمَّ قدم المدينة عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . سيرة عُثْمَان إِلَى الربذة فمات سنة اثنتين وثلاثين، وليس لَهُ عقب. وحكينا أَنَّهُ قيل لَهُ بعد قتل عُثْمَان ﵁: ألا ترجع إِلَى المدينة؟ فَقَالَ: أطعته حيا ولا أطيعه ميتا! فِي الْحَدِيث: دليل عَلَى استحباب الإحسان إِلَى الإخوان، لا سيما إِلَى الجيران، فقد قَالَ ﷺ : " مَا زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حَتَّى ظننت أَنَّهُ سيورثه ".

стр. 140

وفيه دلالة عَلَى أن إطعام الطعام من سنن الإْسِلام، وَهُوَ فِي القرآن مندوب إِلَيْهِ، وفي الأخبار محثوث عَلَيْهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ، وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " ليس المؤمن الَّذِي يشبع وجاره إِلَى جنبه جائع ". ولهذا يستحب الضيافة، ويعد إكرام الضياف والجيران من جملة شعب الإيمان. وَقَالَ بعض العلماء: أحسن سير المسلمين ثلاث: إكرام الضيف، والصوم فِي الصيف، والضرب فِي سبيل اللَّه بالسيف. أَخْبَرَنَا الإْمَام أَبُو نصر عَبْد الرَّحِيمِ بْن عَبْد الْكَرِيمِ بْن هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيّ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي الإْمَام أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الْكَرِيمِ بْن هوازن الْقُشَيْرِيّ، قَالَ: خرج عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر إِلَى ضيعة لَهُ، فنزل عَلَى نخيل قوم فِيهِ غلام أسود يعمل فِيهَا، إذ أتي الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام، فرمى إِلَيْهِ الغلام بقرص، فأكله، ثُمَّ رمى إِلَيْهِ بالثاني والثالث فأكله، وعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ينظر. فَقَالَ: يَا غلام كم قوتك كل يوم؟ قَالَ: مَا رأيت. قَالَ: فلم آثرت هَذَا الكلب عَلَى نفسك؟ قَالَ: مَا هي بأرض كلاب وإنه جاء من أرض بعيدة جائعا فكرهت رده.

стр. 141

فَقَالَ: فما أنت صانع اليوم؟ قَالَ: أجوع يومي هَذَا لله تَعَالَى. قَالَ عَبْد اللَّهِ: ألام عَلَى السخاء! إن هَذَا لأسخى مني! فاشترى الحائط والغلام وما فِيهِ من الأشجار والنخيل، فأعتق الغلام ووهبها منه. وَقَالَ بعض المشايخ: مَا أحسن تعطف الأغنياء عَلَى الفقراء، رغبة فِي ثواب اللَّه تَعَالَى! وأحسن من ذَلِكَ: تيه الفقراء عَلَى الأغنياء، ثقة بالله تَعَالَى! وَكَانَ بشر بْن الحارث يَقُول: النظر إِلَى النخيل يقسي القلب. أنشدنا الشَّيْخ الإْمَام شرف الأئمة عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ ﵀، لبعضهم، وَهُوَ أَبُو الطيب مُحَمَّد بْن حاتم المصعبي: اختلس حظك فِي دهرك ... من أيدي الدهور واغتنم يوما ترجيه ... بلهو وسرور واصنع العرف إِلَى كل ... كفور وشكور لك مَا تصنع والكفران ... يزري بالكفور

стр. 142

الْحَدِيث الثامن والعشرون [قبض العلم بقبض العلماء] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الْحَافِظُ قِوَامُ السُّنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ بُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالشَّعَّارِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ الْمُفْتِي الْمَعْرُوفُ بِالصَّفَّارِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَضِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْخَشَّابُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعَالِمَ بِعِلْمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الأَرْضِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ".

стр. 143

هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُنْذِرِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْقُرَشِيِّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْهُ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحب الصيام والقيام، ومفشي السلام، ومطعم الطعام، التقي الخاشع، والنقي المتواضع، أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن العاص القرشي ﵁. أسلم قبل إسلام أَبِيهِ وشهد مَعَ أَبِيهِ صفين، وَكَانَ يضرب بسيفين. سكن مكة حماها اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ رحل إِلَى الشام فأقام بها حَتَّى توفي يَزِيد بْن معاوية ثُمَّ عاد إِلَى مكة ومات بها سنة خمس وستين وَهُوَ ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفي بمصر ودفن فِي داره الصغيرة. وَكَانَ بين عَبْد اللَّهِ وبين أَبِيهِ في السن اثنتنا عشرة سنة، وقيل: عشرون سنة. قَالَ عَبْد اللَّهِ: رأيت فيما يرى النائم كأن فِي إحدى إصبعي سمنا والآخر عسلا وأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " تقرأ الكتابين: التوراة والقرآن "، فكان يقرؤها.

стр. 144

وفي الْحَدِيث حث عَلَى طلب العلم وتحريض على الاشتغال بِهِ. قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁ من سوده قومه عَلَى الفقه كَانَ حياة لَهُ ولهم، ومن سوده قومه عَلَى غير فقه كَانَ هلاكا لَهُ ولهم. وَقَالَ لزياد بْن جبير: هل تدري مَا يهدم الإْسِلام؟ قَالَ: لا، قَالَ: زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. وَقَالَ أَبُو قلابة: مثل العلماء، مثل النجوم الَّتِي يهتدى بها، والأعلام الَّتِي يقتدي بها، فإذا تغيبت تحيروا، وإذا تركوها ضلوا. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو نصر مُحَمَّد بْن هبة اللَّه بْن يَحْيَى الفارسي، بمكة، حرسها اللَّه، وأخبرنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ الخطيب، أَخْبَرَنَا أَبُو حفص عمر بْن إِبْرَاهِيمَ المقري، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الفضل، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أيوب المقري، حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الأموي، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مَالِك، قَالَ: جاء رجل إِلَى أَبِي حنيفة ﵀ فَقَالَ: يَا أبا عَبْد اللَّهِ شربت البارحة نبيذا ولا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فَقَالَ لَهُ: المرأة امرأتك حَتَّى تستيقن أنك قد طلقتها. قَالَ: فتركه ثُمَّ جاء إِلَى سُفْيَان الثوري ﵀ فَقَالَ: يَا أبا عَبْد اللَّهِ شربت البارحة نبيذا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ قَالَ: اذهب فراجعها، فإن كنت طلقتها فقد راجعتها وإن لم تكن طلقتها فلا يضرك من المراجعة شيء.

стр. 145

فتركه وجاء إِلَى شريك بْن عَبْد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِكَ، قَالَ: اذهب فطلقها ثُمَّ راجعها. قَالَ: فتركه ثُمَّ جاء إِلَى زفر بْن الهذيل فسأله، فَقَالَ: سألت أحد قبلي؟ قَالَ: نعم، وقص عَلَيْهِ القصة فَقَالَ فِي جواب أَبِي حنيفة: الصواب قَالَ لك وَقَالَ فِي جواب سُفْيَان: مَا أحسن مَا قَالَ لك فلما بلغ إِلَى قول شريك ضحك زفر بْن الهذيل مليا، ثُمَّ قَالَ: لأضربن لهم مثلا: رجل مر بمثعب يسيل، فشك فِي ثوبه، هل أصابته نجاسة أم لا؟ قَالَ لك أَبُو حنيفة: ثوبك طاهر وصلاتك تامة حَتَّى تستيقن النجاسة، وَقَالَ لك سُفْيَان: اغسله: فإن يك نجسا فقد طهرته، وإن يك طاهرا فقد زدته طهارة، وَقَالَ لك شريك: بل عَلَيْهِ ثُمَّ اغسله!! أنشدنا الْقَاضِي بندار بْن أَبِي ليلى البصري بآمل طبرستان، لبعضهم: إذا شئت أن تلقى عدوك رغما ... وتقتله حزنا وتحرقه غما فسام العلى وازدد من الفضل، إنه ... من ازداد علما زاد حاسده هما
следующие страницы →