والسَّلام ـ بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً بإيمان المؤمنين وخصب الأرض" (١).
مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ (الدَّقيق المنقَّى) !
قوله ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ فيه حُسْنُ تدبير عظيم من يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، فقد أمرهم أن يتركوا الحبَّ في سُنْبلِه، لادِّخار القمح لهم، وادِّخار حطام السَّنابل من التِّبن وعصيف البُرِّ لسوائمهم وبهائمهم.
ومن الجدير معرفته أنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ أقام في المدينة المنوَّرة عشر سنين ولم يشبع من طعام بُرّ ثلاث ليال متوالية حتَّى فارق الدُّنيا، قالت عائشة ﵂: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ـ ﷺ ـ مُنْذُ قَدِمَ الْمدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِض" (٢)
ويظهر أنَّ البُرَّ في المدينة كان قليلاً، وكان الأغلب الشَّعير، ومع هذا لم يشبع ـ ﷺ ـ من خبز الشَّعير حتَّى لحق بالله، أخرج البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ ﵁ ـ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ " (٣)
وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ ما رأى النَّقيَّ، أي خبز الدَّقيق الحُوَّارَى النَّظيف الأبيض المسمَّى الدَّرْمَك، المُنَقَّى دقيقُهُ، فلم يكن يعرف المناخل ـ ﷺ ـ من يوم بُعِثَ حتَّى لقي الله تعالى، وكذلك أصحابه ﵃، فقد كان أغلب طعامهم الشَّعير غير المنخول، ففي كتاب (الأطعمة) وتحت باب (ما كان النَّبيُّ ـ ﷺ ـ وأصحابه يأكلون) ورد أنَّ أبا حَازِمٍ سأل سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وقال له:
" هَلْ أَكَلَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ
стр. 107
مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ـ ﷺ ـ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟! قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ (١)، فَأَكَلْنَاهُ " (٢)
وقد أشكل على البعض كيف أنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ يطوي الأيام ذات العدد جوعاً، وهو بين أصحابه، ومنهم من يملك الأموال الجسام، كأمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرّحمن بن عوف، وغيرهم كثيرـ ﵃! وكيف يُوصَفُ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بذلك، وقد ثبت أنَّه لم يكن معوزاً ولا محتاجاً، فقد ساق ـ ﷺ ـ من الهدي مائة بدنة في السَّنة الَّتي حجَّ بها، ونحر منها بيده الشَّريفة ثلاثاً وستين بدنة، ثمَّ أعطى عليّاً فنحر ما بقي منها، وقسّمها على المساكين، فقد أخرج مسلم من حديث جابر ـ ﵁ ـ: " ... ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ" (٣)
والجواب أنَّ عدم شبعهم لم يكن على كلِّ حالة ووجه، ولم يكن عن عوز وضيق، ولكنَّهم كانوا يؤثرون تارَة، وتارَة لكراهة الشَّبع والتَّوسُّع في المأكل والمشرب، وعلى هذه الخليقة كانت خلائق الصَّحابة ﵃.
وحديث عائشة ﵂ فيه قيود، فقولها: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ـ ﷺ ـ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ" فيه أنَّ الشَّبع المنفي بقيد المدينة، فاستثنت بذلك ما كان قبل الهجرة، وقولها: "مِنْ طَعَامِ بُرٍّ " فيه استثناء لأنواع الأطعمة الأخرى، وقولها: "ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا" نَفَت الشَّبع على التَّوالي لا مطلقاً.
* * *
стр. 108
القسم الخامس
تنظيمُه للخزائنِ المصريَّة
يُوسُفُ ﵇ يَرفُضُ طَلَبَ الملك
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعدما جاءَه الرَّسولُ، وسمع منه عبارة الرُّؤيا ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ يقصد يُوسُفَ، وذلك لما رأى من علمه وفضله، فقد استحسن تأويله وأُعجب به لِمَا سمعه، " والأذن تعشق قبل العين أحياناً " والوَصْفُ يحرِّك من الشَّوق أغْصَاناً وأَفْناناً!
ونُفِّذَ أمرُ الملك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي فلمَّا جَاءَ رسُولُ الملك إلى يُوسُفَ يدعوه للخُروج من السِّجن، أخذ يُوسُفُ يُراجِع ويستعرض تلك الدَّعوى والتُّهمة المزوَّرة، التي دَخَلَ السِّجنَ بسببها، ومرَّ به شريطُ الذِّكريات المؤْسِف، فَوَجَدَ أنَّ هناك دواعي كثيرة تمنعه من إجابة الدَّاعي إلى طلبه، ولذلك ﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ للرَّسول بلسان اللُّطْفِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ سيِّدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾.
مجرد سؤال، لم يغْتب أحداً، ولم يتَّهم أحداً بصراحة، ولم يقع في أحد، ولم يذكر اسم سيِّدته امرأة العزيز، وهي الَّتي ما زال في السِّجن بمساعيها، واكتفى بالإيماء.
ونراه ـ ﵇ ـ لم يَقُل: سَلْه أنْ يُفتِّشَ عن شأنهنَّ! فلربمَّا كان في ذلك جرأة على الملك تدفع الملك إلى الامتناع وعدم الالتفات إليه.
وقوله: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ يدلُّ على وفور عقله وكمال أدبه؛ فقد ذكر النِّساءَ جملة ليُدخِل امرأة العزيز فيهنَّ مدخلَ العموم بالتَّلميح لا بالتَّصريح، وهذا من
стр. 109
أخلاق نبيِّنا محمَّد ﷺ ، فلم يكن يقابل أحداً بمكروه، فقد أُثر عنه أنَّه كان يقول: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ" (١).
ومن إمساكه ـ ﵇ ـ عن غيبة أحد، نتعلَّم ألَّا نتلمَّظ بمُضْغَةٍ طالما لفظتها الكرام، وطالما ورد النَّهيُ عنها في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات]
وطلب يوسف نقل الدَّعوة من محكمة (العزيز) إلى محكمة (الملك) بهذه الجرأة يدلُّ على ثقته بكسب الدَّعوة؛ لأنَّه واثقٌ بالبراءة.
البراءَة أوَّلاً
أبى ـ ﵇ ـ الخروج من السِّجن حتى تجري التَّحقيقات اللَّازمة عمَّا نُسِبَ إليه، وحتى تبرأَ ساحتُه من تلك التُّهمة الشَّنيعة، ويعلم الناسُ جميعاً أنَّه حُبِس بلا جرم؛ لئلَّا يتسلَّق به الحاسدون إلى تقبيح أمره، وحطِّ منزلته عند الملك، فالبراءة أولاً، ثمَّ الخروج ثانياً. فهو يريد أن يعاد التَّحقيق في سبب دخوله السّجن، حتَّى إذا خَرَجَ خَرَجَ موسوماً بالبراءة والشَّرف والعزَّة، مرفوع الرَّأس، وافر الكرامة، والاجتهاد في نفي التُّهم واجبٌ وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها.
ولا تعارض بين قول يُوسُفَ ـ ﵇ ـ للسَّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾ وقوله لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ (٥٠)﴾ لأن هدفه في المرَّتين إعادة التَّحقيق في التّهمة الملفَّقة ضدّه، وإثبات براءته أخذاً بالأسباب.
ثناءُ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ على يُوسُفَ
أثنى النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ على يُوسُفَ ـ ﵇ ـ الَّذي طال عليه السِّجن ولم يستعجل
стр. 110
الخروج، فقال في حديثه الشَّريف: "لو لبِثْتُ في السِّجن ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثمَّ أتاني الدَّاعي لأجَبْتُهُ" (١) أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج، وما قدَّمتُ طلب البرءاة، فشهد ـ ﷺ ـ ليُوسُفَ بكمال فضيلة الصَّبر والأناة عنده، وحسن نظره.
وقيل: المعنى إشارة إلى ترك العزيمة بالرُّخصة، وتقديم حق الله تعالى بتبليغ التَّوحيد والرِّسالة على براءة نفسه، وقيل: إنَّما قاله ـ ﷺ ـ قبل أن يعلم أنَّه أفضل الأنبياء والمرسلين، وقيل: هو من باب التَّواضع منه ـ ﷺ ـ والثَّناء على صبر يُوسُفَ وحلمه، لا أنَّه لو كان مكانه عجَّلَ بالخروج، فحلم النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ معلوم لدى الخواصِّ والعوامِّ، ولكن هذا من حسْن تواضعه، وقيل: أراد ـ ﷺ ـ أن يُنبِّه على أنَّ الأنبياء وإنْ كانوا من الله بمكان لا يُرامُ، فهم بَشَرٌ يَطْرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم، وأنَّ ذلك لا يُعَدُّ نقصاً، وقيل غير ذلك.
اعترافُ امرأة العزيز ببراءَةِ يُوسُفَ
عادَ الرَّسولُ أدراجه إلى الملك، وأخبره بما حدث، فلم يغضب لنفسه لأنَّ يُوسُفَ لم يجب إرادته إلَّا بعد التَّحقيق عن سبب اعتقاله، سِعَة صدر منه، بل نزل عند رغبته، فلا بدَّ أنَّ ثقته بيُوسُفَ زادت وحسن اعتقادُه فيه، فاستقصى الأمور، وأعاد التَّحقيق، وجمع النِّسوة، ودعا معهنَّ امرأة العزيز، وواجههنَّ بإصبع الاتِّهام، وأجلسهنَّ مجلس الاستنطاق:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مشيراً إلى أمرٍ لهنَّ جَلَل. ويلاحظ من كلامه أنَّه تأكَّد من براءة يُوسُفَ؛ فقد أسند للنّسوة تهمة المراودة.
ويظهرُ أنَّه لم يكن هنالكَ مجالٌ للإنكار: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّباً من عفَّته
стр. 111
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ﴾ قطُّ ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ ما: نافية، وسوء: نكرة، والنَّكرة في سياق النَّفي تفيد العموم، ومِنْ: لتوكيد النَّفي، وكلّ ذلك مبالغة في نفي جنس السُّوء عنه. وكانت هذه الجملة طعنةً نجلاء في قلب امرأة العزيز، الأمر الَّذي حذاها ودعاها إلى الاعتراف.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ لما رأت الأمر ينذر بالنِّهاية ـ بلسان النَّدم والحياء والخجل ـ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وانكشفَ بعد خفاء، الآن وضُحَ الحقُّ وتبيَّن ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ في سابقِ قولِه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.
ولم يبقَ لأحدٍ مقال؛ فقد اعترفَ الخصم بأنَّ خَصِيْمَهُ على الحقِّ وهو على الباطل، وقطعت بذلك امرأة العزيز قولَ كلِّ خطيب.
تحقُّق صَرْف الكيد
كان موقف النِّسوة وامرأة العزيز مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾، فقد تحقَّق صرفُ الكيد عن يُوسُفَ بهداية الله تعالى للنِّسوة وامرأة العزيز للاعتراف.
ومن اعتراف النِّسوة وامرأة العزيز نفهم أنَّ عاطفة النِّساء تملك عقولهنَّ، بخلاف الرِّجال، فإنَّ عقولهم تملكُ عواطفَهم، لذلك فهنَّ إلى الصِّدقِ وإظهارِ الحقيقةِ وعدم القدرة على إخفائها أقربُ من الرِّجال.
تتمَّة الاعتراف ونهاية المطاف
واستمرَّت امرأة العزيز تعبِّر عن أسفِها وندمها وتوبتها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ يُوسُفُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، ولم أفترِ عليه كذباً وهو غائب، فلم يكن يُوسُفُ قد خَرَجَ
стр. 112
من السِّجنِ بعد ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ ولا يصلح ولا يُسَدِّد ﴿ ... كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إن كنتُ قد برَّأتُ يُوسُفَ ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي إلَّا نفساً تداركتها رحمةُ الله تعالى بالعصمة كنفس يُوسُفَ ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ وهكذا أخمدت امرأةُ العزيز الفتنةَ التي أضرمت نارَها، وبرَّأت يُوسُفَ من التُّهمة ولم تبرِّئ نفسَها.
وهذا التَّغيير في شخصيَّة امرأة العزيز صورةٌ من صُورِ نجاح يُوسُفَ في الدَّعوة، فقد دعا إلى الله بأخلاقه قبل أقواله، وبحاله قبل مقاله، ونجح في نَقْل هذه المرأة من مَهَاوي الرَّدى إلى صَعِيدِ الهدى. هذا ومكارم الأخلاق من مقاصد بعثة النَّبيِّ محمَّد ـ ﷺ ـ، والتَّحلِّي بالأخلاق الفاضلة واجب على آحاد النَّاس، فما ظنّك بالدَّاعية، فلا ريب أنَّ تجمُّلَه بها أوجب.
في الوجوه والنَّظائر
اعلم أنَّ من الفِقْه معْرِفَةَ الوجُوه والنَّظائر، فالكلمة الواحدة في القرآن الكريم قد تَنْصَرِفُ إلى وجوه شتَّى، فَمِنْ ذلك كلمة (الهدى) لها وجوه، نذكرُ منها أنَّها تأتي بمعنى الإصلاح والتَّسديد كما في سورة يُوسُفَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.
وبمعنى الدِّين: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ... (٧٣)﴾ [آل عمران].
وبمعنى الإيمان: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ... (٧٦)﴾ [مريم].
وبمعنى القرآن: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النّجم].
وبمعنى التّوراة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ... (٥٣)﴾ [غافر].
وبمعنى التَّوبة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ... (١٥٦)﴾ الأعراف].
стр. 113
وقد اشتغل في جمْعِ الوجوه والنَّظائر في القرآن الكريم جمْعٌ من العُلماء، ولا يَعْلمُ قَدْرَ هذه الوجوهِ مثل مَنْ عَلِمَ حصرها، وهذه الوجوه فيها ما فيها من دقائق وحقائق لا توجد في كلام البشر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النّور].
الشُّهود على براءة يُوسُفَ
تضافرت شهادات عديدة على براءة يُوسُفَ، فقد شهدت ببراءَته الشُّهود:
أولاً: شهادة الله تعالى، القائل: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النِّساء] ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب] والله أكبر شهادة.
ثانياً: شهادة الشَّيطان عينه ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، فأقرَّ بأنَّه لا يمكنه إغواء المُخْلَصين، ويُوسُفُ من المُخْلَصين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.
ثالثاً: شهادة يُوسُفَ الَّتي ذكرها الله في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وقوله أوَّل الأمر: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ رابعاً: شهادة الشَّاهد من أهلها: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾.
خامساً: شهادة العزيز، فقد قال لزوجته لمّا رأى قميص يُوسُفَ قد من دُبُر: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ وقال لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.
سادساً: شهادة النِّسوة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ
стр. 114
نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ وشهادتهنَّ أمام الملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
سابعاً: شهادة امرأة العزيز نفسها، فقد اعترفت أمام النِّسوة، وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ... (٣٢)﴾، وقالت أمام الملك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.
ثامناً: إسناد القرآن الكريم المراودة إلى امرأة العزيز، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (٢٣)﴾ وقال حكاية عن يوسف: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ وقال حكاية عن النّسوة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (٣٠)﴾ وقال حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ... (٣٢)﴾، وقال حكاية عنها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.
وهذا كلّه مسوق لتنزيه يُوسُفَ ﵇، فلا ينبغي لمسلم بعد هذه الشّهادات كلِّها أن يتوقَّف في هذا الباب!
تَوبَةُ امرَأة العَزِيز
عبَّرت امرأةُ العزيز باعترافها عن اعتذارِها وأسفِها وندمِها وتوبتِها ممَّا كان منها، وتضحيتها بشرفها وسمعتها في سبيل قول الحقِّ والدِّفاع عن يُوسُفَ يقظةٌ لضميرها الَّذي غَابَ عن السَّاحة كلَّ هذا الوقت، ولا خَيْرَ في حياةٍ نحياها بلا ضَمِير، ولا خَيْرَ في عيشة نعيشها بضمائر خربة وذِمم عفنة.
ونراها تطلبُ المغفرةَ من ربِّها طَلَبَ مؤمنة مُنِيبة إلى الله تعالى، فتقول: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾، فإذا كانت مخلصةً في رجوعها إلى ربّها ـ ولا نخالها إلا كذلك ـ
стр. 115
فإنَّ الله تعالى يتوب على مَن تاب ويغفر الذُّنوب جميعاً.
ونراها أقلعت عن سابق عهدها، وعادت إلى الفضيلة، وهذا من نعمة الله تعالى عليها، فسبحان القائل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشَّمس]، وهكذا يتجلَّى العنصر الإنساني في القصَّة بوضوح.
آخِرُ كلمة قالتها امرأةُ العزيز
آخرُ كلمة تكلَّم بها عزيز مصر هي قوله لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾، وآخر كلمة تكلَّمت بها امرأته قولها ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾؛ إيذاناً بطمعها فيهما.
العَارُ خَالِدٌ
كانت امرأةُ العزيز بما فعلت سابقاً قد سوَّدت صفحات أعمالها وكتبت بالسَّوادِ ذكريات أيامها الخالدة، لكنَّها عادت وتابت لتسجِّلَ صفحةً مشرقةً مضيئةً في حياتها.
ومع هذا؛ فالعار دائم، والسُّبةُ خالدة، والقرآن يقصُّ علينا هذه الحادثة ليعتبرَ بذلك المعتبرون والمعتبرات، فيأخذوا حذرهم، ولكن؛ ما أكثر العبر! وما أقلَّ المعتبرين!
طَلَبُ الملك ليُوسُفَ ثانية
لمَّا تحقَّق الملكُ من براءة يُوسُفَ، ووقف على صحَّة عفَّتِه، وعرف علمه، وعلم صبره؛ ازداد شعوراً بالانعطاف إليه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ ... أَسْتَخْلِصْهُ ... لِنَفْسِي﴾ أي ائتوني بيُوسُفَ سراعاً أجعله من خاصَّتي وأهل مشورتي.
فَآبَ الرَّسولُ إلى يُوسُفَ، وأنبأه بما كان من أمر براءته، وأنَّ الملك يكرِّرُ طلبَه
стр. 116
إليه، فآنسَ يُوسُفُ عندئذٍ أنَّ بإمكانه الخروج من ظلمة السجن ـ قبر الأحياء ومنزل الابتلاء ـ والعيش في النُّور والضِّياء بعد أن ظهرت براءتُهُ كالشّمس في ضحاها وكالقمر إذا تلاها.
يُوسُفُ ـ ﵇ ـ في بلاط الملك
وخَرجَ يُوسُفُ من السِّجن إلى بلاط ملكِ مصر معزَّزاً مكرَّماً، وما أن كلَّم الملكَ حتَّى قال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ قريبُ المنزلةِ رفيعُ الرُّتبة، مؤتمنٌ على كلِّ شيء؛ لما رأى من حسن منطقه، وبلاغة قوله، وأصالة رأيه، ووفور عقله.
وكان يُوسُفُ ـ ﵇ ـ قد ذاقَ مَرَارةَ العيش وجرَّب البُؤسَ والحرمان ولم ينس بعد ما جرى عليه فيما مضى، ولم ينسَ رؤيا الملك، فتصوَّرَ ما سيجري على النَّاسِ في سنيِّ القحط من هوان إذا لم يُحسَبْ لهنَّ الحساب، فلمَّا سمع كلام الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ وأنَّه يعْرض عليه المنْصِبَ، رغب أنْ يتولَّى شؤون مصر لينقذ البلادَ وما حولها من شرِّ المجاعة المقبلة رحمةً بالنَّاسِ، لا سيما وأنَّه آنس في نفسه القدرة والعلم.
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أمينٌ كما عهدتني ﴿عَلِيمٌ (٥٥)﴾ بوجوه التَّصرُّف الأحوط والأرشد.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وهكذا مكَّنَّا ليُوسُفَ في أرض مصر، وجعلنا له العزَّ والسُّلطان بعد الحبس والضِّيق والحرمان.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يتصرَّف في مملكة مصر كما يريد، ويتقلَّب فيها معزَّزاً.
стр. 117
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ كيُوسُفَ، فهو خَلِيقٌ بالأجْرِ والثَّوابِ لأنَّه كان محسناً، والمستقبل نتيجة الماضي، فرحمتنا ثمرة إحسانه السَّابق، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرَّحمن]
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ تنبيه إلى أنَّ المحسنينَ لا يفوتهم جزاء إحسانهم، فمَن يؤمن بالله تعالى ويعمل الصَّالحات، ويغرس في مغارس الخير؛ فإن الله تعالى لا يضيع أجْرَ من أحسن عملاً.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وأجلُّ بكثير ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ كيُوسُفَ وأمثالِه.
وهكذا أُسْدِل السِّتارُ على قصَّة امتحان يُوسُفَ بالشِّدَّة بتولّيه خزائن أرض مصر، ويكون بذلك قد انتقل من الاختبار بالبلاء إلى الاختبار بالرَّخاء.
وقد اخْتُبِرَ ـ ﵇ ـ بالشَّر ليظْهر الصَّبْر، وبالخير ليتَبَيَّن الشُّكر.
تَعَلَّمْ عَدَم الحسد
نتعلم عدم الحسد لمَّا نَعْلَم أنَّه يوجد في التَّاريخ مَنْ كان عبداً اشتري بالمال، ثمَّ دخل السِّجن أعواماً، ثم ترقَّى بعد ذلك إلى أرفع الدَّرجات، وصار في أحسن الأحوال:
دعِ المَقادِيرَ تَجري فِي أَعِنَّتِها ... ولا تَبيتَنَّ إلَّا خَاليَ البال
ما بَيْنَ رمشةِ عَيْنٍ وانتباهتِها ... يُغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إلى حَال
الحديثُ أدلُّ على الرَّجلِ من لباسِهِ
حينما علم ملكُ مِصْر أَمْرَ يُوسُفَ، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ وحينما أجرى التَّحقيق، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ فلمَّا جاءه وكلَّمه وناقشه وسمع بيانه رفع محلَّه
стр. 118
ومكانه ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ في ملكي ﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ على تدبيره.
فقد كان يُوسُفُ ـ ﵇ ـ مِلءَ الأُذن كما هو ملء العين، وملء المسامع والنُّهى، وحقّاً الحديثُ أدلُّ على الرجل من لباسِه، وصدقاً المرءُ مخبوء تحت لسانه؛ لذلك قال أحدُ الحكماء لجليس له: " تكلَّم لأعرفك ".
تمكينُ يُوسُفَ في الأرض
كان تمكين يُوسُفَ في الأرض أوَّل الأمر خاصّاً بأمكنةٍ محدودة ومعلومة، وهذا هو المذكور في سابق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، ولم يطل، حيث سُجِنَ؛ بخلاف التَّمكين الثَّاني المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾؛ فإنَّه تمكينٌ عامٌّ شاملٌ، وقد طال وحَسُن.
ردُّ دعوى زواج يُوسُفَ بامرأة العزيز
ذكر بعضُ المفسِّرين أنَّ يُوسُفَ تزوَّجَ بامرأة العزيز، وشاع عند القصَّاص أنَّ امرأة العزيز (زليخا) عادت شابة بكراً بعدما كانت ثيِّباً غير شابَّة، وهذا كما قال الألوسي في تفسيره: ممَّا لا أصل له، قال: "وخبر تزوجها أيضاً ممَّا لا يعوَّل عليه عند المحدِّثين " (١).
ولا نرى أنَّه يليقُ أن يتزوَّج يُوسُفُ بها، فمعلومٌ أنَّ زوجة كلِّ رسول هي أمٌّ لأفراد أمَّته؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب]، ولا يليق أن تكونَ امرأةُ العزيز أمّاً للمصريين آنذاك.
стр. 119
خُضُوعُ المؤمن وموالاته لغير المؤمن
لا يبيحُ الإسلام للمؤمن أن يخْضَعَ لغير المؤمن في غير ضرورة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... (٥٩)﴾ [النِّساء]
فهذه الآية تبيِّن أنَّه لا ينبغي للمؤمن الخضوع سوى لله تعالى والرَّسول ـ ﷺ ـ وأولي الأمر من المؤمنين.
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النِّساء].
والمراد عدم الجواز في حالة الاختيار، وأمَّا في حالة الاضطرار؛ فهو جائز، ويُوسُفُ ـ ﵇ ـ مضطرٌّ أن يكون تحت إمرة غير المؤمنين؛ فهو على كلِّ حالٍ ووجهٍ سيكون تحت إمرة الملك في أرض مِصْرَ.
ولسائل أن يسأل: كيف يجوز ليُوسُفَ أن يكون تحت سلطة الملك غير المؤمن، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ... (٢٨)﴾ [آل عمران].
فنجيبه عن ذلك: أنَّ الاتخاذ لا يحرم إلّا إذا كان ضد المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... (٢٨)﴾ [آل عمران]
ونفهم من قول يُوسُفَ لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ ليخدم البلاد والعباد، جواز مساعدة غير المسلم ضمن حدود الله تعالى التَّي بيَّنها بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... (٢)﴾ [المائدة]
يُوسُفُ النَّبِيُّ والرَّسول
لم يجلس يُوسُفُ ـ ﵇ ـ على كرسيِّ المنصب الذي وُكِلَ إليه مسند الظهر مسترخياً، ولم ينثنِ شَبْعاناً على أريكته، ولم يتَّخذ المنصب مغنماً، وإنَّما نظَّم أمر البلاد،
стр. 120
وأدار شؤونها، فخطَّط للزِّراعة والإِنتاج، وادَّخر في سنوات الخصب الحَبَّ في سنبله ليواجه سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضَرْع، ودبَّر لعدالة التَّوزيع، وضمن الكفاية بلا تقتير ولا تبذير، ودعاهم إلى الإِيمان والتَّوحيد، فدفع الله به الشِّدَّة عن النَّاس، ونجَّى الله تعالى به مِصْرَ في أشدِّ أيَّام جدبها من المجاعة المهلكة.
وبذلك يكونُ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ قد أدَّى الأمانة، وبلَّغ الرِّسالة، لكنَّهم لم يجيبوه في مسألة الدَّعوة إلى التَّوحيد والإِيمان قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ... (٣٤)﴾ [غافر].
مَجِيءُ إخوة يُوسُفَ مِصْر لشراءِ القمح
صَدَقَ تفسيرُ يُوسُفَ بمجيء السِّنين السَّبع الخصبة، ثمَّ تلتها سِنُو الجوع، فأصاب أهلَ مِصْرَ وما جاورها من البلاد، وخاصَّة فلسطين، الجَدْبُ والقَحْطُ.
وكان يُوسُفُ قد وفَّر من أقواتِ مِصْر ما يُبَاعُ لجيرانها، فورد النَّاسُ على يُوسُفَ من سائر البلاد يبتغون الميرة (الطَّعام)، وعلم يعقوب ـ ﵇ ـ وبنوه أنَّه يوجدُ قَمْحٌ في مصر، فأرسلهم جميعاً ليمتاروا ما عدا (بنيامين) شقيق يوسف لأبيه وأمِّه، لم يقدرْ على فراقه.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أي ودارت الأيَّام وكرَّت الأعوام، فجاءت سِنُو القحط الغَبْراء، وجاء إخوة يُوسُفَ مصر، وهذا من اختصار القرآن المعجز، ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: على يُوسُفَ، المشرف العام على خزن الغلال، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يُوسُفُ؛ لأنَّ صورهم كانت قد طُبِعَتْ في ذاكرته وهم كبار، فلم يطرأ على ملامحهم ذلك التغيُّر، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ لم يعرفوه لهيبة الملك، وبعد العَهْد، وتغيُّر الملامح والتَّقاسيم، وظنِّهم هلاكه.
стр. 121
وقد أخبر الله تعالى عن معرفة يُوسُفَ لإخوته بالجملة الفعليَّة ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لإفادة التَجدُّد، فقد تجدَّدت معرفته لهم من أوَّل الأمر، وأخبر عن جهلهم به بالجملة الاسميَّة ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لإفادة الثُّبوت والاستمرار، فهم ثابتون على جهلهم بيُوسُفَ، ويلاحظ أنَّ بين ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ و ﴿مُنْكِرُونَ﴾ طباق إيجاب بديع.
مطالبة يُوسُفَ إخوته بإحضار أخيهم
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله من الطَّعام وأوفى، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم، ودفعوا الثَّمن، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ ولم يقل: بأخيكم؛ مبالغة في إظهار عدم معرفته بهم.
ويظهر أنه قد سألهم عن أحوالهم، فأخبروه عنها بالتَّفصيل، فلذا ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ لأراه، وهذه الجملة كانت بمثابة لُغْزٍ مِن يُوسُفَ لأبيه لا يحلُّه إلَّا يعقوب ـ ﵇ ـ، فمتى نُقِلَت إليه وضعت يده على طرف الخيط الذي يدلُّ على يُوسُفَ، فما حاجة عزيز مِصْرَ لرؤية أخيهم؟! ولذلك سيأتي له أن يقول لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ لمِصْرَ ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، فهو يظنُّ يُوسُفَ هناك.
إغراء وتحذير
ثمَّ أخذ يحبِّب ويرغِّب إليهم المجيء ثانية مع أخيهم، فقال لهم بلهجة السُّرور: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ الذي تكتالون وأزيده ولا أبخسه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ خير المضيفين.
وبعد هذا التَّشويق قال محذِّراً: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ كما اتَّفقنا، ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ ليس لكم عندي طعامٌ أكيله مستقبلاً ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ في بلادي
стр. 122
مصر، فعلى إتيانكم بأخيكم يتوقف كيلي لكم، بل دخولكم مصر، فتصريح الدُّخول هو أخوكم وإلّا أُرْجِعتم.
ولا يغيب ذلك الارتباط الوثيق في القصَّة بين مصر وفلسطين، فقد جرت أحداثها بين البلدين، وكانت مصر ظهراً لفلسطين في ضائقتها، وملجأ لأهلها، وعوناً لهم في الأزمة، وسنداً لهم في الشِّدَّة.
نقض قولهم يُوسُف يَمُنُّ على إخوته
قَولُ يُوسُفَ: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة].
وعلى هذا؛ فإن قال قائل: كيف يمنُّ يُوسُفُ على إخوته بما جاد به عليهم؟
فالجواب أنَّ يُوسُفَ لم يقصد الفخرَ والإعجابَ والمنَّ، ولكنَّه أراد ترغيبَهم في العودةِ ثانية مع أخيهم من أبيهم، ولعلَّ ما يؤكِّد ذلك أنَّه أتبع الإغراء بالتَّحذير، فهذه الآية والَّتي بعدها، يمثلان بابيّ الإغراء والتَّحذير، اللَّذين يذكران في علم العربيَّة، وغرضه الاستحواذ على شقيقه فقط.
وَعْدٌ وموافقةٌ
﴿قَالُوا﴾ لِيُوسُفَ بلسان الوعْدِ والموافقة: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ ونحتالُ بكلِّ حيلةٍ لإقناع أبينا بإرساله معنا المرَّة الثَّانية، ولسوف نجتهد ولا ندَّخر جهداً، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى، فنحنُ نبدأ وعلى الله تعالى التَّمام، وعلى هذا نفترق، والتَّوفيق من الرَّحمن.
стр. 123
يُوسُفُ يسعى لضمان مجيء أخيه
﴿وَقَالَ﴾ يُوسُفُ ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ غلمانه وخدمه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ الثَّمن الذي اشتروا به الطَّعام ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ في أوعيتهم سرّاً؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ ويطَّلعون عليها ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ راجعين ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ وفتحوا أوعيتهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ إلينا ثانية، ففعل فتيانه ما أمرهم به.
ليس مِنْ رَسُولٍ كالدِّرهم
لا يخفى أنَّ ردَّ يُوسُفَ الثَّمن كان وسيلةً لضمان عودتهم ثانية بشقيقه، ولكن كيف؟!
الجواب: إمَّا بوقوفهم على بالغ إكرامه لهم، فيرجعون طمعاً في برِّه وحسن معاملته، أو أنَّهم إذا وجدوا الثَّمن تحرَّجوا من أخذه، فدينهم يحملهم على ردِّ الثَّمن وردِّ الأمانة إلى أهلها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العودة ثانية.
لماذا لم يُظْهِر يُوسُفُ نفسَه لإِخوته ؟
فإن قيل: لماذا لم يظهِرْ يُوسُفُ نفسَه لإِخوته ويعرِّفْهم بجليَّة الأمر؟!
فالجواب: أنَّ وقت تحقُّق رؤيا يُوسُفَ المكتوب والمعلوم في اللَّوح المحفوظ لم يحن بعد، وأنَّه لا بدَّ لهم من دروس يتلقَّونها، ويُوسُفُ بعمله هذا مسخَّر للقدر العدل من الله العدل.
كما أنَّه لو فعل ذلك لأمكن ألَّا يعودوا إليه ثانية، وأن يخفوا ما سمعوا عن أبيه وأخيه، أو أنَّه خشي منهم الإساءة له أو لأخيه.
ففي تدبير يُوسُفَ وحبكه لحضور أبيه وأخيه دلالة ذكاء عظيم وتدبير رائع.
стр. 124
كُنْه البِضَاعة
اختلف المفسِّرون في حقيقة وكُنْه البضاعة الَّتي اشترى بها أولادُ يعقوب مِيرَتهم، هل هي: دراهم، فضَّة، جلود ... الحاصل أنَّها ثمنٌ للميرة.
الإخوةُ يطلبونَ أخاهم مِنْ أبيهم
قام إخوةُ يُوسُفَ من مِصْرَ، وركبوا رحالهم يقطعون بطن الصَّحراء، إلى بلادهم أرض كنعان بفلسطين، وقد وقعوا بين مطرقتين: لا يدرون يوفون بعهدهم ويطلبون أخاهم، أم يسكتون خشيةَ أن يثيروا حزن والدهم على يُوسُفَ، ثمَّ إنَّهم رجَّحوا طلب أخيهم.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ يعقوب ـ ﵇ ـ ﴿قَالُوا﴾ بمجرَّد وصولهم وعليهم أمارات الضِّيق: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ وأخرجوا كلامهم بصيغة الماضي ﴿مُنِعَ﴾ والمراد المستقبل؛ ليؤكِّدوا لأبيهم المنع.
أي إنَّ عزيز مِصْرَ منع منَّا الكيل بعد هذه المرَّة؛ إلَّا أن نأتي بأخينا، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ... ﴾، وقول يُوسُفَ هذا يؤخذ منه أنَّ أولاد يعقوب ليسوا من أمٍّ واحدة، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ حسبَ اقتراحه ﴿نَكْتَلْ﴾ من الطَّعام، والأصل نكتال، لكن الفعل مجزوم لأنَّه جواب الطَّلب، وعلامة جزمه سكون آخره، فحذفت الألف منعاً لالتقاء السَّاكنين.
وقد تلطَّفوا وترفَّقوا بالقول لأبيهم حيث قالوا: ﴿أَخَانَا﴾ إظهاراً لمحبَّتهم له وإشفاقهم عليه، ثمَّ أكَّدوا ذلك، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ أكَّدوا حفظه بحرف التَّوكيد إنَّ، وبالجملة الاسميَّة الدَّالة على الثَّبات والاستمرار، أي أنَّهم دائمون على حفظه.
стр. 125
جَوابُ يَعْقُوبَ ـ ﵇ - ـ
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! فلا أخالُ وعدكم بحفظ أخيكم إلَّا كوعدكم سابقاً بحفظ يُوسُفَ، وما رأيتُ من حفظكم شيئاً؛ لذا فأنا لا أثق كثيراً بحفظكم ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ فأسأله ألَّا يجمعَ عليَّ مصيبتين.
ويظهر أنَّ جملة ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ ما زالت ترنُّ في أذنِ يعقوب ـ ﵇ ـ من يوم أخذوا يُوسُفَ؛ لذلك أسندَ هذه المرَّة الحفظ للحافظ، قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾، ومعناه: لا أعتمد على حفظكم له، فحفظُ الله تعالى خيرٌ من حفظكم.
ولم يكن خوف يعقوب ـ ﵇ ـ على ابنه لصِغَرِ سِنِّه أو من ذئب أو نحوه، ولكن الخوف من رجالٍ عشرة عَهِد منهم سابقاً ما يدعو إلى الخوف ويقود إلى الحذر، لا سيَّما أنَّه لم يعاقبهم المرَّة الأولى على إيقاعهم بيُوسُفَ ممَّا قد يجرِّئهم على أخيهم الآخر.
إِغراءُ الإِخوة لأبيهم
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: أي ولمَّا حطُّوا رحالَهم وفتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ الَّتي أخذوها معهم ثمناً للميرة قد ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾.
عندها توجَّهوا بالحديث لأبيهم وبِلِسَان الظَّافر بما يبرهن كلامه، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ وأي شيء نَطْلُبُ من إِكرام العزيز أعظمَ من هذا الإكرام؟
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ وهو من تَسْمِيَة الشَّيء بما كان عليه، وهو مجاز
стр. 126
مرسل على اعتبار ما كان، فالبضاعة كانت لهم، والمعنى هذا ثمن الطَّعام قد رُدَّ إلينا من حيث لا نشعر، أوفى لنا الكيل، وأحسن إلينا، وردَّ لنا الثَّمن! أليس هذا داعياً لأن نوفي له بما طلب؟!
وَعَدا عن ذلك كلِّه ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ فنحن إذا ذهبنا ثانية مع أخينا نأتي بالطَّعام لأهلنا، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ من المكاره، فلا تخش عليه، وكرَّروا حفظ الأخ مبالغةً في الحضِّ على إرساله.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأخينا؛ لأن العزيز لا يبيع للشَّخص الواحد إلَّا حمل بعير اقتصاداً وتوفيراً، فباستصحابنا لأخينا نزداد حمل بعير، فإرساله معنا أربح وأجدى.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ وسهلٌ على العزيز إعطاؤه؛ لجودِه وبالغِ كرمِه، ومع ذلك فالأمر راجع إليك.
وأولى الأمور بالنَّجاح التِّكرار والإلحاح، فلم يبرحوا يجادلون أباهم جدال طَلَب، وهو يجادلهم جدال إباءٍ وامتناع، حتَّى نزل عند رغبتهم مشترطاً عليهم لإرساله معهم أن يُعاهِدوه على إرجاعه له سالماً، ففعلوا.
الإِخوة يَقطَعُونَ المواثيق على أنفسِهم
﴿قَالَ﴾ يعقوب ـ ﵇ ـ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي لن أرسِلَ أخاكم مَعَكُم إلى مِصْرَ حتَّى تعطوني عهداً مؤكَّداً باليمين بإشهاد الله تعالى، وهو الحلف به، ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ ولترجعنَّهُ لي على أيِّ حالٍ كنتم؛ إلَّا في حالةٍ واحدة، وهي ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أن تهلكوا عن آخركم بقدر واقع، ما له من دافع.
стр. 127
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي فلمَّا أعطوْه المواثيق والعُهُودَ المؤكَّدة بالأيمان أنَّهم سيردُّون أخاهم إلَّا أن يُحاطَ بهم، ﴿قَالَ﴾ يعقوب ـ ﵇ ـ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ أي شهيد عليَّ وعليكم.
وهكذا نجحوا في أخذه كما أخذوا يُوسُفَ مِنْ قبل، لكنَّ نيَّتهم في هذه المرَّة صالحة، وقلوبهم سليمة.
مَعْرِفَةُ الوقْف والابتِداء
معرفة الوقف والابتداء والقطع والاستئناف علم نبيل يُؤْمَنُ به من الوقوع في الخطأ الجليل، فعلى المسلم أن يتعلَّم ما ينبغي أن يُوقَفَ عنده لمعرفة المعاني على مراد الله تعالى، ومن شواهد ذلك، قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ فيوقف على ﴿قَالَ﴾ وقفة لطيفة؛ لئلّا يُتَوهَّم أنَّ الفاعل لفظ الجلالة، وإنَّما الفاعل يعقوب ـ ﵇ ـ.
ولذلك فقد أكَّد بعض العلماء الوقف على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ والابتداء بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ حتَّى يتبيَّن الفصل بين الخبرين، فالله تعالى أخبر أنّ امرأة العزيز همَّت، وأخبر أنّ يُوسُفَ لم يهمّ لرؤيته برهان ربّه.
فقراءة الوقف تزيل توهّم أن الخبر واحد.
الحذر لازمٌ بجانب القدر
كان يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ قد سمح بذهاب يُوسُفَ معهم ليرْتَعَ ويَلْعَبَ دونَ شرطٍ أو قيدٍ، ولا عَهْدٍ ولا ميثاق، فرأى مغبَّة وخطورة ذلك، ولذلك احتاط وتحفَّظ في أمر شقيقه؛ لئلا يكون أسِيْرَ الحسْرَة والنَّدامة، وحبيس التَّلهُّف والأسى، ومع هذا
стр. 128
ما أغنى عنه ذلك شيئاً.
فنتعلَّم من هذا أنَّ الحذر لا يدفعُ القَدَرَ، ولا يردُّ شيئاً قضاه الله، وإن جَهِدَ العبد جَهْدَه؛ فما أراده اللهُ تعالى نافذٌ لا محالة، ومع هذا ينبغي لنا الاحتياط والحذر بجانب القدر؛ أخذاً بالأسباب، ولذلك قال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: " لا يغني حَذَرٌ مِن قَدَر، والدُّعاء ينفع ممَّا نزل، وممَّا لم ينزلْ، وإنَّ البلاء لينزل فيتلقاه الدُّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة" (١).
وصيَّةُ يَعْقُوب ـ ﵇ ـ لأولادِه
وتجهَّز أبناءُ يعقوب للرَّحيل، وقبل أن يمضوا أوصاهم أبوهم يَعْقُوبُ بلهجة التحبُّب والنُّصح: ﴿يَابَنِيَّ﴾ الأحدَ عَشَرَ رجلاً ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ مِصْرَ ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ مجتمعين، فتسرع إليكم عيونُ الحاسدين كونكم أبناء رجلٍ واحد ﴿وَادْخُلُوا مِنْ ... أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾؛ فذلك أحوط وأحرز لكم.
وقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ ... مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فيه إطناب، وهو في علم المعاني: زيادة اللَّفظ على المعنى، وفائدته تمكين المعنى من النَّفس، وفي قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ و ﴿وَادْخُلُوا﴾ طباق سلب بديع.
مع ذلك: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ﴾ أمر ﴿اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فهذا التَّحذير والتَّدبير لا يغني من قدر الله تعالى، فما أنا مغنٍ عنكم نقيراً ولا فتيلاً، ولا أملك لكم من قطمير، فالله إذا قضى فلا رادَّ لقضائِه ولا معقِّبَ لحكمه.
ولم يبيّن يعقوبُ ـ ﵇ ـ لأبنائه علَّة هذا التَّحذير، والحكمة من هذه الوصيَّة، لكنَّه قدَّم حقيقة إيمانيَّة: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قدَّره عليكم.
стр. 129
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ والقضاء الفعليُّ ﴿إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ بعد أخذي بالأسباب كما أمر، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾.
التَّوكُّلُ محلُّه القَلْب
والأخذ بالأسباب مع التَّوكُّل على الله تعالى فرضٌ دينيٌ؛ لذلك نرى يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ يجمع بين الأخذ بأسباب السَّلامة والتوكُّل، ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا ... ﴾ الآية.
والتوكُّل: هو اعتماد القلب على الله تعالى وحده، فلا ينفع العبد قوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ... (٥٦)﴾ [هود]، وهو معتمدٌ على سواه؛ كمن ينطق بالتَّوبة وهو مصرٌّ ومضْمِر على المعصية، فتوكُّل اللِّسان شيء، وتوكُّل القلب شيء آخر.
قُلُوبُ العارفين لها عيونٌ
أَذِنَ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ بإرسال أخيهم لمقابلة عزيز مِصْر، ولكنَّه كان يتوجَّس أمراً، ويتوقَّع حدثاً، ويتخيَّل كرباً سيلاقُونَه، ونفهم هذا من قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
وهكذا المؤمن الحقُّ دليله قلبُه، فيعقوب ـ ﵇ ـ يحسُّ بشيء سيجري لأولاده قبل أوانه، لذا نراه ينصحهم فيقول لهم بلسان الشَّفقة والمحبَّة: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وقد أحسن القائل:
قُلوبُ العَارفينَ لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا
стр. 130
" العين حَقٌّ "
قول يعقوب ـ ﵇ ـ: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبب أمره لهم بالتَّفرُّق أقوال، ولعلَّ أظهرها أنَّه خاف عليهم من إصابة العين إنْ دخلوا مجتمعين، وفي هذه الآية أنَّ العينَ حقٌّ، وأنَّ الحذرَ لا يردُّ القدرَ، ومع ذلك لا بدَّ من مراعاة الأسباب.
ومن هنا فلا بأس بتخوُّف المؤمن من الحسد وإصابة العين، وأخذ أسباب السَّلامة والنَّجاة منهما مع اليقين أنَّ ذلك لا يدفع قدر الله تعالى.
والعين كما قال ابن حجر: " نظرٌ باستحسان مشوبٌ بِحَسَدٍ من خبيث الطَّبع يحصل للمنظور منه ضررٌ" (١). قلت: والعين إنَّما يقع ضَرَرُها عند نظر العائِن بإذن الله وقدره، لا بفعل العائِن.
والعين وإصابتها وتأثيرها حقٌ بأمر الله تعالى، فعن أبي هريرة ـ ﵁ ـ عن النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ، قال: " العَيْنُ حَقٌّ" (٢) أي الإصابة بالعين شيء ثابت لا مرية فيه.
والحاسد له تأثير في أذى المحسود دون ريب، قال تعالى للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... (٥١)﴾ [القلم]، وقال تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق] فبيَّن الله تعالى أنَّ للحاسد شرّاً، وأرشد إلى استدفاعه باللّجوء إليه سبحانه.
بل إنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ، قال " أكثر مَنْ يَمُوتُ مِنْ أمَّتي بعد كتابِ الله و قضائِه وقدرِه بالأنْفُس" (٣) يعني بالعين.
стр. 131
وقد أنكر العَيْنَ والحسد طوائفُ المبتدعة، وأصحابُ مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم ومَن قلَّ علمه، وطالما أنَّ الشَّرعَ أَخْبَرَ بوقوعه لم تكن لإِنكاره فائدة ولا معنى، بل يجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه.
فلا ينبغي لمسلم إنكار تأثير العين في الأجسام؛ فإنَّه أمرٌ معلوم مشاهد؛ كما يحدث للوجه إذا نظر إليه مَنْ يستحي منه يحمرُّ حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكما يحدث للوجه إذا نظر إليه مَنْ يخاف منه، يصفرُّ صفرة لم تكن قبل ذلك، وكثير من الناس يَمْرَضُ وتَضْعُفُ قواه بمجرَّد النَّظر إليه.
وهناك صنفان من الأفاعي معلومٌ أنَّهما يَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ، أي أن المرأة الحامل إذا نَظَرَتْ إليهما وخافت أسقطت الحمل غالباً ووضعت ما في بطنها، ويخطفان البصر ويطمسانه أيضاً بمجرَّد نظرهما إليه؛ لخاصة جعلها الله تعالى في بصريهما إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيد هذا ما رواه مسلم عن سالم عن أبيه عن النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ قال:
"اقتلُوا الحيَّاتِ وذا الطُّفيَتَيْنِ (١) والأبْتَرَ (٢)؛ فإنَّهما يَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ، ويلْتَمِسَان البَصَرَ. قال: فكان ابنُ عمر يقتُل كلَّ حيَّة وجدها، فأبصرَه أبو لُبابَةَ بن عبد المنذر أو زيدُ بن الخطَّاب، وهو يطارِدُ حيّةً، فقال: إنَّه قد نهى عن ذوات البيوت" (٣).
مشروعيَّة الرُّقية من العين
عن عائشة ﵂، قالت: " أمرني رسُولُ الله ـ ﷺ ـ أو أَمَرَ أن
стр. 132
يُسْتَرقى مِنَ العين" (١). وعن أمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ رأى في بيتها جاريةً في وجهها سَفْعَةٌ (٢)، فقال: " استرقوا لها فإنَّ بها النَّظْرَةَ (٣) " (٤)
وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: " يَا رَسُولَ الله، إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ" (٥) ومن ذلك نفهم مشروعيَّة الرُّقية من العَيْن.
عَاداتُ الأُمَم في دَفْعِ إصَابة العَين
اختلفت عاداتُ الأمم في دفع إِصابة العَيْن والحسد، فمن النِّساء من تُسلِّح طفلها بخرزة زرقاء، ومن النِّساء من تعلِّق فوق مهده أو باب غرفته نعلاً صغيراً، ومن النِّساء من تعلِّق على صدره قطعة نقود، ومن النِّساء من تصنع له حجاباً أو حرزاً فيه بعض الطَّلسمات، أو تضع في غرفته منظراً على شكل كفِّ اليَد وقد رُسِمَت في وسطه عينُ إنسان ... وكلُّ هذه خزعبلات وخرافات وبدع وضلالات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.
وهناك من يقوم بالنَّقر على الخشب لدفع إصابة العين، ومن النَّاس من يبخِّر البَخُور، ومن النَّاس مَنْ إذا خَافَ السِّحر أو الحسد سقاه أهله ماء في إِنَاءٍ من نحاس يُعْرَف عند العوامِّ باسم (طاسة الرَّعبة) وقد حُفِرَ على هذا الإناء بعض الطَّلاسم والصُّور والآيات والكلمات المقلوبة، وهذا كلُّه ليس من الدِّين في شيء.
стр. 133
هَدْيُ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ في علاج المُصَاب بالعَيْن
وعلاج الحسد ودفع أذى العين موجود في الكتاب الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، فمِمَّا يدفع به هذه العلَّة التعوُّذات والرُّقى، ومن التعوُّذات والرُّقى: الإكثار من قراءة المعوِّذتين: الفلق، والنَّاس. فالمعوِّذتان نزلتا لإبطال واكتساح تأثير السِّحر والحسد، فقد أخرج التِّرمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ يَتَعَوَّذُ مِن الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا " (١)
وقد أرشد النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ إلى الاستعاذة من الحسد قبل وقوعه، فقد كان يعوِّذُ الحسن والحسين، أخرج البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا (٢) كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ (٣) وَهَامَّةٍ (٤)، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ (٥) " (٦)
ومن علاج الحسد قبل وقوعه الاحتراس والاحتراز منه، وذلك بِسَتْر محاسن مَنْ يخاف عليه العَيْن بما يردُّها عنه.
ومن الرُّقى المشروعة رُقيةُ جبريل ـ ﵇ ـ للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ الَّتي رواها مسلم عن أبي سعيد: " أنَّ جبريل أتى النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ، فقال: يا محمَّد، اشتكيتَ؟! فقال: نعم. قال: باسْمِ الله أرقيكَ، من كلِّ شيءٍ يؤذيكَ، من شرِّ كلِّ نفْسٍ، أو عينِ حاسِد، الله
стр. 134
يشفيكَ، باسم الله أرقيك" (١).
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: بِاسْمِ الله يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ " (٢)
وممَّا ينفعُ بعد استحكام النَّظر أَمْرُ العائِن (المُصِيب بالعين) بالاغتسال عند طلب المعْيُون (المُصاب بالعين) منه ذلك؛ لما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس عن النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ، قال: " الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا " (٣).
وصفةُ الغسل أن يُؤمَرَ العائِنُ بغسل: وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره (طرف إزاره الدَّاخل الَّذي يلي جسده من الجانب الأيمن) في قَدَح، ثمَّ يُصَبَّ ذلك الماء على رأس المَعِين (المحسود) وظهره من خلفه بغتة، ثمَّ يُكْفَأ القدح.
قال ابن قيم الجوزية: "وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به مَنْ أنكره، أو سخر منه، أو شكَّ فيه، أو فعله مجرِّباً: لا يعتقدُ أنَّ ذلك ينفعه " (٤).
وصفة الاغتسال وقعت في حديث سهل بن حنيف، أخرج أحمد بسند صحيح، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ:
" أَنَّ رَسُولَ الله ـ ﷺ ـ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنْ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ـ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ـ،
стр. 135
فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ؛ فَلُبِطَ (١) سَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ، والله مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ! قَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟! هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ (٢)، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اغْتَسِلْ لَهُ؛ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، ثمَّ يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ" (٣)
وختاماً، إذا كان الإنسان يخشى ضَرَرَ عينه وإصابتها لأخيه؛ فليُبَرِّك إنْ رأى شيئاً أعجبه؛ ليدفع شرَّها، فإذا رأى نعمةً على أخيه المسلم، قال: اللَّهُمَّ بارِكْ عليه، أو قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون] أو قال: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ... (٣٩)﴾ [الكهف] اللَّهُمَّ بارك له فيما أعطيتَه، وارزقني خيراً منه ـ ونحو ذلك ـ؛ تفادياً للحَسَد، فإنَّه لا يضرُّه بالعين بإذن الله، وهي رقية منه.
فلا شكَّ أنَّ العائن إذا برَّك امتنع ضرره بإذن الله ربّ العالمين، وإذا اغتسل شفي معينه كما أخبر الصَّادق الأمين ـ ﷺ ـ، وهذه النُّبْذَة الواردة تكفي في هذه العارضة.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ على لِسَان يُوسُفَ ويعقوب
قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ورد في سُورة يُوسُفَ مرَّتين وبمعنيين، الأوَّل: على
стр. 136
لسان يُوسُفَ، وجاء بمعنى الحكم التَّشريعيّ، والثَّاني: على لسان يعقوب، وجاء بمعنى الحكم القدريّ.
فيُوسُفُ ـ ﵇ ـ لمَّا دعا صاحبي السِّجن إلى التَّوحيد، قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ ... إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾، فقرّر لهما أنَّ الحكم التَّشريعيَّ لله وحده.
ويعقوب ـ ﵇ ـ لمَّا نهى أولاده عن الدّخول من باب واحد وأمرهم بالتَّفرّق، قال لهم في مقام الرِّضا بقدر الله: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ فنصَّ لهم على أنَّ الحكم القدريّ لله وحده.
التَّقدِيرُ أقوى مِنَ التَّدبير
التزم الأولادُ وصيَّةَ أبيهم ممَّا يظهر لنا حُسْنَ طاعتهم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، ﴿مَا كَانَ﴾ ذلك التَّحفُّظ ﴿يُغْنِي﴾ يدفع ﴿عَنْهُمْ مِنَ﴾ قدر ﴿اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ فالتَّقدير غالبٌ للتَّدبير، والإنسانُ وديعةُ غَيْب، وأسير قَدَر ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ غاية ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين عنهم، وقالوا غير ذلك. قلت: والله تعالى أعلم بما كان في نفسه ـ ﵇ ـ. ثمَّ زكَّى الله تعالى علم يعقوب، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي وإنَّ يعقوب ـ ﵇ ـ لذو علمٍ واسعٍ لأجل تعليمنا إيَّاه بالوحي والإلهام، فهو عامل بما عَلِم، وهذا ثناءٌ من الله تعالى على يَعْقُوبَ.
стр. 137
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ما عُلِّمَهُ يعقوب ـ ﵇ ـ من الجمع بين الأخذ بالأسباب والتَّوكُّل.
يُوسُفُ يُعَرِّفُ أخاه به ويتَّخِذُ التَّدابير لإبقائه عنده
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي ولمَّا وَفَدُوا على يُوسُفَ ودخلوا عليه ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ضَمَّ إليه أخاه الشَّقيق في مجلس خاصّ.
﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ صارحه أنَّه أخوه يُوسُفُ، وطلب منه ألَّا يحزن ولا يتألَّم ولا يأسف على ما كانوا يفعلون؛ فقد قُدِّر عليهم أن يفعلوا ما فعلوه، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ... (٨)﴾ [فاطر] وأعلمه أنَّه سيتَّخذ التَّدابير لإبقائه عنده باتِّهامه بالسَّرقة، وطلب منه أن يَكْتُمَ الخبرَ.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي ولمَّا قضى يُوسُفُ حاجتهم، وحمَّل عيرهم طعاماً وميرة ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ (١) فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ كلَّف بعضَ غلمانه أن يدسُّوا صاع الملك في متاع أخيه دونَ أن يَعْلَمَ أحدٌ.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ أي ولمَّا ساروا في طريقهم عائدين فرحين إلى بلادهم، نادى عليهم منادٍ: أيَّتُها القافلة، يا أصحاب الإبل، رويداً، مكانكم، إنَّكم سارقون!
الإخوة يردُّون التُّهمة
فلمَّا سمع إخوة يوسف هذا الكلام؛ بغتوا، ودهشوا، فحوَّلوا عنان دوابِّهم مقبلين عليهم، ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي على المنادي ومن معه: ﴿مَاذَا
стр. 138
تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ ماذا ضاع منكم؟
وفي قولهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ بدل: ماذا سرقنا؟ توجيه لهم إلى مراعاة حُسْنِ الأدب في الخطاب، وعدم المجازفة بنسبة السَّرقة إليهم، ولهذا التزموا الأدب معهم.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وأضافوا الصّواع إلى الملك لتهويل سرقته ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي ولمن جاء بالصِّواع حمل بعير من الطَّعام مكافأة له ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ أي وأنا ضمينٌ، وكفيلٌ، يتعهَّد بتحقُّق هذا الوعد، والظَّاهر أنَّ الزَّعيم هو المؤذِّن.
﴿قَالُوا﴾ أي إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ﴾ قسمٌ فيه معنى التَّعجُّب ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ وتحقَّقتم من أمانتنا في كرَّتي مجيئنا أنَّا ﴿مَا جِئْنَا﴾ مِصْرَ ﴿لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ ونعيث في بلادكم، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ... (٧٣)﴾ قطُّ.
وفي الآيتين تنبيه إلى ترك الإسراع في إلقاء التُّهم، والإقلاع عمّا لا يجوز من الكَلِم، وفيها ما يجب على الإنسان من ردّ البُهتان، ونفي البَاطل البيِّن البُطْلان.
من علوم المعاني الاعتراض
الاعتراض: هو أن يأتي في أثناء الكلام كلمة أو كلام لا محل له من الإعراب، لنكتة سوى رفع الإبهام، وزيادة اللَّفظ تمكّناً، وإنَّما لإفادة معنى آخر، مع أنَّ اللّفظ يستقلُّ ويلتئم بغير الاعتراض، كتقرير إثبات البراءة في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ... (٧٣)﴾ فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ اعتراض، والنّكتة فيه تقرير إثبات البراءة من تهمة السَّرقة.
وكالتَّنزيه في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ
стр. 139
مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ [النّحل]، فإن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ جملةٌ معترضةٌ، والنّكتة فيه تنزيه الله تعالى عمَّا ينسبون إليه.
وكتعظيم شأن المقسم به في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة] فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ اعتراض بين القسم وجوابه؛ والنّكتة فيه تعظيم شأن المقسم به في نفس السَّامع، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ اعتراض آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فذانك اعتراضان، ولا يخلو اعتراض في القرآن الكريم من فائدة، وهو جارٍ مجرى التَّوكيد في كلام العرب، وبنحو الَّذي قلنا قال أهل المعاني.
ومن أمثلة الاعتراض من سورة يُوسُفَ، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ فإنَّ قوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ جملة اعتراضيَّة بين ما وخبرها، فلو لم يكن هناك اعتراض، لكان: وما أكثر النَّاس بمؤمنين، والنّكتة فيه التَّأكيد على أنَّ هداية التَّوفيق بيد الله تعالى وحده.
مَشْروعيَّةُ الجَعَالة
الجَعَالة: من الشَّيء تجعله للإنسان على عمله، ومن الأجر تجعله على الشَّيء فعلاً أو قولاً، وهي عَقْدٌ جائز غير لازم، والأصل في مشروعيَّتها، قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ ولأنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ أجاز أخْذَ الجُعْل على الرُّقيَّة، أخرج البخاري عن أَبِي سَعِيدٍ ـ ﵁ ـ، قَالَ:
"انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ
الصِّواع في شريعتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ في ادِّعائكم البراءة منه، وهذا من باب تحكيم المرء في ذنبه.
﴿قَالُوا﴾ أي إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أَخْذُ ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامهُ ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ لا غير ـ وهذه الجملة تقريرٌ للحكم وتوكيد له ـ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ في شريعتنا نحن آل يعقوب بهذا الجزاء، فصرَّحوا له بتفتيش أوعيتهم، وهذا ما أراده يُوسُفُ ـ ﵇ ـ.
حُكْمُ السَّرقة في شريعة يَعْقوب ـ ﵇ - ـ
أخذ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ أخاه منهم بتهمة السَّرقة، بعد أن أخذ هذا الحكم من أفواههم ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ فيظهر أنَّ السَّارق كان يُؤْخَذ في شريعة يعقوب ـ ﵇ ـ، ويُسَلَّمُ لمن سَرَقَ منه، ويدلُّك على ذلك، قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٧٦)﴾، وقوله تعالى حكاية عن إخوة يُوسُفَ بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ... (٧٨)﴾ فقد أخذه منهم بتهمته.
ولكن يبدو أنَّ هذا الحكم لم يكن عامّاً في كلِّ سرقة، فقد قال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: " إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " (١)
ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ إقامة الأحكام والحدود والعقوبات على الضُّعفاء
стр. 142
وترك العظماء سبب في هلاك الأمَّة، فقد هلكت أُمَمٌ من الَّذين خلوا من قبل بسبب ذلك.
ما أعظمَ الفَرْقَ !
سبحانَك يا ربّ!! ما أعظمَ الفَرْقَ بين الأنبياء وسائر البشر! فيَعْقُوب لما نَعَى أولادُه له يُوسُفَ، و ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾، عزَّ على نفْسِه أن يصرِّحَ لهم بأنَّهم كاذبون، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ مع أنَّهم كانوا كاذبين، وهو يعتقد ذلك، ولكنَّه ثَقُل عليه أن ينعتهم بهذه الصِّفة.
وأمَّا مؤذِّن يُوسُف ومَنْ معه: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ هكذا واجهوهم ووصفوهم، مع أنَّهم كانوا صادقين، وفتيان يُوسُفَ يعلمون ذلك، فما أعْظَمَ الفَرْقَ! وما أعْظَمَ أَخْلاقَ الأنبياء! صلوات الله وسلامه عليهم.
ثُبُوتُ السَّرقة على شَقِيقِ يُوسُفَ
وعندما سمع يُوسُفُ الفتوى والجواب المنتظر من إخوته؛ اطمأنَّ قلبُه، ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ أخذ يفتِّش أوعيتهم بحثاً عن الصِّواع قبل وعاء شقيقه؛ إتماماً للحيلة، وتمكيناً لها، ودفعاً للتُّهمة والتَّواطؤ في القضيَّة، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي السِّقاية ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وهكذا ثَبَتَتْ السَّرِقةُ عليه.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي كذلك كاد الله تعالى لأجْلِ يُوسُفَ ودبَّرَ له وألهمه الحيلة؛ ليستبقي أخاه عنده.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لم يكن في شَرْع مِصْر أن يأخذ أخاه بالسَّرقة، ولكن هذا الحكم كان في شريعة يعقوب ـ ﵇ ـ وهو تفسير للكيد، وبيان
стр. 143
له ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أمراً، فإنَّه يكون.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم، كما رفعنا درجة يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾، وهو الله تعالى.
الكَيدُ المذموم والكَيدُ الممدوح
الكيد يكونُ مذموماً وممدوحاً، وإن شَاعَ استعمالُه في المذموم أكثر، فما هو من قبيل المذموم ما في قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾، وممَّا هو من قبيل الممدوح ما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾.
كيف جَازَ ليُوسُفَ أنْ يَنْصِبَ أُحبولَةً لإِخوته ؟
لقائل أن يقولَ: كيف جوَّز يُوسُفُ لنَفْسِهِ أنْ يعملَ على إخوتِه حيلةَ تسريق شقيقه، وهي تهمة باطلة، ولا شكَّ أنَّها ستُدْخِلُ الكَدَرَ والكَمَدَ والهمَّ والغمَّ على إخوته وعلى قَلْبِ أبيه يعقوب ـ ﵇ ـ؟!
فالجواب: أن هذه الحيلة وهذا الصُّنع والتَّدبير لم يفعلْه يُوسُفُ عن أمره، إنَّما كان بإلهامٍ من الله تعالى وإذنٍ منه، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في حالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ في حالِ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ تعالى ذلك ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال] فالله تعالى إذا أراد أمراً هيَّأ الأسبابَ له، فلا اعتراض.
وأمر آخر أنَّه إذا أينع الكربُ جاءَ الفرجُ.
стр. 144
الإخوةُ يَطْعَنُونَ بيُوسُفَ
فلمَّا رأى الإخوة الصِّواع قد أُخْرِج من متاع أخيهم؛ تنصَّلوا من التُّهمة، وقذفوا بها يُوسُفَ وأخاه، ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ فلا عجب ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون به يُوسُفَ، ولم يقولوا: (أخٌ لنا) إنَّما قالوا: ﴿أَخٌ لَهُ﴾؛ نفياً لمعرَّة السَّرقة عن أنفسهم، ولأنَّهما من أمٍّ واحدة غير أمِّهم، وهذه الكلمة تشفُّ عن تجدُّد حسدهم ليُوسُفَ، وبذلك أساؤوا له بالفِعَال والأقوال.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي أضمر يُوسُفُ وأخفى هذه التُّهمة في نَفْسِهِ، ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ولم يُبْدِ تأثُّرَه منها، ولكن كأنِّي به وقد اعتصره الألم؛ فطعن اللِّسان كَوَخْزِ السِّنان!
ويجوز أن يكون المعنى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ والمعنى، قال في نفسه بل ﴿أَنْتُمْ﴾ بهذا القذف ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ ومنزلةً عند الله تعالى من المقذوف، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ وتتقوَّلون وتفترون، ولم يصارحهم بهذا الكلام، إنَّما طواه في نفسه وكتمه.
ويلاحظ في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ طباق إيجاب بديع، وأمَّا ما أضافوا له من السَّرقة، فقد اختلفت الرِّواياتُ وكَثُرت القصصُ والحكاياتُ الباحثة عن مصداق قولهم، ولعلَّ أصحَّ ما قيل: "إنَّهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن" (١) قلتُ: ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّهم كذبوا من قبل على أبيهم.
стр. 145
استعطافُ الإخوة ليُوسُفَ وردُّه الاستعطاف
ولمَّا تقرَّر أخذُ أخيهم بمقتضى فتواهم، رأى إخوة يوسف عندئذٍ أنفسَهم في مأزقٍ حرجٍ، لا بدَّ لهم فيه من الاستعطاف والاسترحام للخروج منه.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وهو يعقوب ـ ﵇ ـ لا يقوى على فراقه، وقولهم: ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فيه إطناب للاستعطاف ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي نتقدَّم إليك ملتمسين أن تأخذ واحداً منَّا بدلاً عنه، فلسنا عنده بمنزلته من المحبَّة، فأطلقه لأجل خاطر الشَّيخ الكبير ورحمةً به ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ فأتمم إحسانَك علينا، ولا تردَّ سؤالنا! وتذكيره بإحسانه؛ لعلَّه يلين.
وكأنِّي بيُوسُفَ يتصوَّر قُرْبَ انجلاءِ الحقيقة وقربَ تحقُّق رؤياه بمجيء أبيه وأهله جميعاً إليه وسجودهم له، فلم تَلِنْ له قناةٌ:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي نعوذُ بالله تعالى أن نأخُذَ أحداً بجرم الآخر، فليس من العدل ولا الإحسان تركُ الجاني وأخذ البريء، فما هذه الشَّفاعة؟! فلن ﴿نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ كما قلتُم وأفتيتم وحكمتم، وإنْ أطعناكم فيما تطلبون ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.
ومع أنَّه لم يقبل شفاعتهم، نراه لم يؤنِّبْهم بأنَّ هذا خلاف فتواكم، ومخالفة لشريعة الله تعالى، و ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصَّف]، وإنَّما ردَّهم ردّاً حسناً.
وتجدرُ الإِشارة إلى أنَّه لم يَقُلْ: معاذ الله أنْ نأخُذَ إلَّا مَن سرق؛ تفادياً للكذب، فهو يعلم أنَّ أخاه ليس بسارق.