← Тафсир

Тафсир · id 269

غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (218 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الصِّواع في شريعتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ في ادِّعائكم البراءة منه، وهذا من باب تحكيم المرء في ذنبه. ﴿قَالُوا﴾ أي إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أَخْذُ ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامهُ ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ لا غير ـ وهذه الجملة تقريرٌ للحكم وتوكيد له ـ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ في شريعتنا نحن آل يعقوب بهذا الجزاء، فصرَّحوا له بتفتيش أوعيتهم، وهذا ما أراده يُوسُفُ ـ ﵇ ـ. حُكْمُ السَّرقة في شريعة يَعْقوب ـ ﵇ - ـ أخذ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ أخاه منهم بتهمة السَّرقة، بعد أن أخذ هذا الحكم من أفواههم ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ فيظهر أنَّ السَّارق كان يُؤْخَذ في شريعة يعقوب ـ ﵇ ـ، ويُسَلَّمُ لمن سَرَقَ منه، ويدلُّك على ذلك، قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٧٦)﴾، وقوله تعالى حكاية عن إخوة يُوسُفَ بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ... (٧٨)﴾ فقد أخذه منهم بتهمته. ولكن يبدو أنَّ هذا الحكم لم يكن عامّاً في كلِّ سرقة، فقد قال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: " إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " (١) ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ إقامة الأحكام والحدود والعقوبات على الضُّعفاء

стр. 142

وترك العظماء سبب في هلاك الأمَّة، فقد هلكت أُمَمٌ من الَّذين خلوا من قبل بسبب ذلك. ما أعظمَ الفَرْقَ ! سبحانَك يا ربّ!! ما أعظمَ الفَرْقَ بين الأنبياء وسائر البشر! فيَعْقُوب لما نَعَى أولادُه له يُوسُفَ، و ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾، عزَّ على نفْسِه أن يصرِّحَ لهم بأنَّهم كاذبون، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ مع أنَّهم كانوا كاذبين، وهو يعتقد ذلك، ولكنَّه ثَقُل عليه أن ينعتهم بهذه الصِّفة. وأمَّا مؤذِّن يُوسُف ومَنْ معه: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ هكذا واجهوهم ووصفوهم، مع أنَّهم كانوا صادقين، وفتيان يُوسُفَ يعلمون ذلك، فما أعْظَمَ الفَرْقَ! وما أعْظَمَ أَخْلاقَ الأنبياء! صلوات الله وسلامه عليهم. ثُبُوتُ السَّرقة على شَقِيقِ يُوسُفَ وعندما سمع يُوسُفُ الفتوى والجواب المنتظر من إخوته؛ اطمأنَّ قلبُه، ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ أخذ يفتِّش أوعيتهم بحثاً عن الصِّواع قبل وعاء شقيقه؛ إتماماً للحيلة، وتمكيناً لها، ودفعاً للتُّهمة والتَّواطؤ في القضيَّة، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي السِّقاية ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وهكذا ثَبَتَتْ السَّرِقةُ عليه. ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي كذلك كاد الله تعالى لأجْلِ يُوسُفَ ودبَّرَ له وألهمه الحيلة؛ ليستبقي أخاه عنده. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لم يكن في شَرْع مِصْر أن يأخذ أخاه بالسَّرقة، ولكن هذا الحكم كان في شريعة يعقوب ـ ﵇ ـ وهو تفسير للكيد، وبيان

стр. 143

له ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أمراً، فإنَّه يكون. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم، كما رفعنا درجة يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾، وهو الله تعالى. الكَيدُ المذموم والكَيدُ الممدوح الكيد يكونُ مذموماً وممدوحاً، وإن شَاعَ استعمالُه في المذموم أكثر، فما هو من قبيل المذموم ما في قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾، وممَّا هو من قبيل الممدوح ما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. كيف جَازَ ليُوسُفَ أنْ يَنْصِبَ أُحبولَةً لإِخوته ؟ لقائل أن يقولَ: كيف جوَّز يُوسُفُ لنَفْسِهِ أنْ يعملَ على إخوتِه حيلةَ تسريق شقيقه، وهي تهمة باطلة، ولا شكَّ أنَّها ستُدْخِلُ الكَدَرَ والكَمَدَ والهمَّ والغمَّ على إخوته وعلى قَلْبِ أبيه يعقوب ـ ﵇ ـ؟! فالجواب: أن هذه الحيلة وهذا الصُّنع والتَّدبير لم يفعلْه يُوسُفُ عن أمره، إنَّما كان بإلهامٍ من الله تعالى وإذنٍ منه، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في حالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ في حالِ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ تعالى ذلك ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال] فالله تعالى إذا أراد أمراً هيَّأ الأسبابَ له، فلا اعتراض. وأمر آخر أنَّه إذا أينع الكربُ جاءَ الفرجُ.

стр. 144

الإخوةُ يَطْعَنُونَ بيُوسُفَ فلمَّا رأى الإخوة الصِّواع قد أُخْرِج من متاع أخيهم؛ تنصَّلوا من التُّهمة، وقذفوا بها يُوسُفَ وأخاه، ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ فلا عجب ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون به يُوسُفَ، ولم يقولوا: (أخٌ لنا) إنَّما قالوا: ﴿أَخٌ لَهُ﴾؛ نفياً لمعرَّة السَّرقة عن أنفسهم، ولأنَّهما من أمٍّ واحدة غير أمِّهم، وهذه الكلمة تشفُّ عن تجدُّد حسدهم ليُوسُفَ، وبذلك أساؤوا له بالفِعَال والأقوال. ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي أضمر يُوسُفُ وأخفى هذه التُّهمة في نَفْسِهِ، ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ولم يُبْدِ تأثُّرَه منها، ولكن كأنِّي به وقد اعتصره الألم؛ فطعن اللِّسان كَوَخْزِ السِّنان! ويجوز أن يكون المعنى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ والمعنى، قال في نفسه بل ﴿أَنْتُمْ﴾ بهذا القذف ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ ومنزلةً عند الله تعالى من المقذوف، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ وتتقوَّلون وتفترون، ولم يصارحهم بهذا الكلام، إنَّما طواه في نفسه وكتمه. ويلاحظ في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ طباق إيجاب بديع، وأمَّا ما أضافوا له من السَّرقة، فقد اختلفت الرِّواياتُ وكَثُرت القصصُ والحكاياتُ الباحثة عن مصداق قولهم، ولعلَّ أصحَّ ما قيل: "إنَّهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن" (١) قلتُ: ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّهم كذبوا من قبل على أبيهم.

стр. 145

استعطافُ الإخوة ليُوسُفَ وردُّه الاستعطاف ولمَّا تقرَّر أخذُ أخيهم بمقتضى فتواهم، رأى إخوة يوسف عندئذٍ أنفسَهم في مأزقٍ حرجٍ، لا بدَّ لهم فيه من الاستعطاف والاسترحام للخروج منه. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وهو يعقوب ـ ﵇ ـ لا يقوى على فراقه، وقولهم: ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فيه إطناب للاستعطاف ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي نتقدَّم إليك ملتمسين أن تأخذ واحداً منَّا بدلاً عنه، فلسنا عنده بمنزلته من المحبَّة، فأطلقه لأجل خاطر الشَّيخ الكبير ورحمةً به ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ فأتمم إحسانَك علينا، ولا تردَّ سؤالنا! وتذكيره بإحسانه؛ لعلَّه يلين. وكأنِّي بيُوسُفَ يتصوَّر قُرْبَ انجلاءِ الحقيقة وقربَ تحقُّق رؤياه بمجيء أبيه وأهله جميعاً إليه وسجودهم له، فلم تَلِنْ له قناةٌ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي نعوذُ بالله تعالى أن نأخُذَ أحداً بجرم الآخر، فليس من العدل ولا الإحسان تركُ الجاني وأخذ البريء، فما هذه الشَّفاعة؟! فلن ﴿نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ كما قلتُم وأفتيتم وحكمتم، وإنْ أطعناكم فيما تطلبون ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾. ومع أنَّه لم يقبل شفاعتهم، نراه لم يؤنِّبْهم بأنَّ هذا خلاف فتواكم، ومخالفة لشريعة الله تعالى، و ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصَّف]، وإنَّما ردَّهم ردّاً حسناً. وتجدرُ الإِشارة إلى أنَّه لم يَقُلْ: معاذ الله أنْ نأخُذَ إلَّا مَن سرق؛ تفادياً للكذب، فهو يعلم أنَّ أخاه ليس بسارق.

стр. 146

تكرير كلمة ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ لم ترد كلمة ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ في القرآن الكريم إلَّا مرَّتين، وعلى لسان يُوسُفَ ـ ﵇ ـ: الأولى: عندما قالت له امرأةُ العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. والثانية: عندما قال له إخوته: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ ثبات على العقيدة والمبدأ في كلِّ زمان ومكان. المفاوضَةُ والقَرار ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي ولمَّا سَمِعَ الإِخوةُ جَوَابَ عزيز مِصْر، وتغليطهم في طلبهم، يئسوا وانسحبوا وتقهقروا من أمامه، وانفردوا جانباً عن النَّاس الشُّهود يتناجَوْن ويتشاورون فيما دَهَاهُم، ويقلِّبون الأمْرَ ظهراً لبطن، وقد كَبُرَ عليهم موقفهم أمام أبيهم، وعَظُمَ عليهم الاعتِذَارُ لما سَبَقَ لهم مع يُوسُفَ. فالأمَرُّ من فقد الصِّواع وهذه التُّهمة فَقْدُ أخيهم الآخر، فلا شيء أمَرّ غُرْبةً على أبيهم يعقوب ـ ﵇ ـ من فَقْدِ يُوسُفَ وأخيه. ولذلك ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ مذكِّراً بالموثق المأخوذ عليهم، وبتفريطهم في يُوسُفَ من قبل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وقد عاهدتموه وواعدتموه، أنسيتُم ذلك؟! ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ألا تذكرون تفريطكم في أمر المحافظة على يُوسُفَ مِنْ قَبْل؟! فها هي الأيام تُعِيدُ نفسَها.

стр. 147

وبعد هذه المقارنة نصَّ قراره الجازم: أمَّا أنا ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لن أُفَارِقَ أرضَ مِصْر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالبراح والرُّجوع إليه راضياً عنِّي ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بخلاصِ أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾؛ لأنه سبحانه لا يحكم إلَّا بالعدل والحقِّ. أمَّا أنتم، فالرأي عندي: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ وأُخِذَ بسرقته ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه بالسَّرقة وجزائها ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ علماً أكيداً، فقد أُخْرِجَ الصِّواعُ من متاعه ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾ أي ما كنَّا نعلم أن أمراً كهذا سيحدث، وإلَّا لما آتيناك عهداً مؤكَّداً باليمين، وقد قلت: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، وقد أُحيطَ بنا، إذ لا حول لنا مع حكومة مِصْرَ الَّتي لم ندع جهداً، ولم نترك حرصاً، ولم ندَّخِر وسعاً، ولم نوفِّر اجتهاداً معها. ومن قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ نفهم أنَّه لا يجوز للإنسان أن يشْهَدَ إلّا بما علمه علماً يقيناً، إمَّا بمشاهدة، أو خبر مَن يوثق به، وأنَّ الشَّهادة مرتبطة بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تقبل إلّا ممَّن عَلِمَ. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وادعوه أنْ يسألَ أهْل مِصْر إنْ كَانَ في ريْبٍ من كلامنا، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مجاز عن أهلها لما بينهما من المجاورة، وهومجاز مرسل وعلاقته المحليَّة كما يعرف في علم البيان، من إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ، فقد عبَّر بالقرية عن ساكنها. ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي وليتثبَّت أيضاً وليتحقَّق من أصحاب القافلة الَّذين كانوا يمتارون معنا عن صدقنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ في أقوالنا. وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ ... (٨٢)﴾ ما يعرف

стр. 148

عند البلاغيين في علم المعاني بإيجاز الحذف، فقد حذف المضاف، فالمراد: اسأل أهل القرية وأصحاب العير. كلام الله تعالى لا يقدر عليه مخلوق كانَ العَرَبُ أصحابَ ألفاظٍ ناصعة، وأهلَ بلاغةٍ بارعة، وفصاحة بالغة، وأربابَ كلماتٍ جامعة ... فما راعهم إلَّا صادقٌ أمينٌ بكتابٍ كريمٍ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] فلم يتركْ لأحد منهم مقالاً ولا سجالاً ولا خطاباً، سمع أعرابيٌّ رجلاً يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، فقال: أشهد أنَّ مخلوقاً لا يقدر على هذا الكلام. وهذا يذكِّر بالوليد بن المغيرة لمَّا سمع من النَّبيِّ ـ ﷺ ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ... (٩٠)﴾ [النَّحل] قال: " والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أسفله لمغدقٌ، وإنَّ أعلاه لمثمرٌ، ما يقول هذا بشرٌ" (١). الشُّورى من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ نفهم أن الأمر لمَّا اعْتَاص على الإِخوة والتوى، اعتزلوا جانباً، وعقدوا مجلس شورى يتبادلون الرأي فيه ـ وإن كان السِّياق لم يذكر أقوالهم جميعاً ـ، وقد أصابوا؛ لأنَّه " ما شاور قومٌ قطٌّ إلَّا هُدوا لأرشد أمورهم ". وقد أَمَرَ اللهُ تعالى النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ بالشُّورى، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ... (١٥٩)﴾ [آل عمران]، ومَدَحَ الصَّحابة، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... (٣٨)﴾ [الشّورى]. وعليه، يجب أن نتشاور في الأمور، ولا نعجل، ولا نُمْضي عَزْماً، ولا نُبْرِم أمراً

стр. 149

من أمور الدِّين والدُّنيا إلَّا بعد مشورة ذي عقل راجح، ورأي ناصح. خطاب الجمع بلفظ الواحد قد يذكر الواحد ويراد به الجمع في القرآن الكريم على عادة العرب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ... (٨٠)﴾ أي اعتزلوا متناجين، والنَّجِيّ مصدر يصلحُ للجماعة وللواحد، قال تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم] ويجمع على أنْجِيَة. ومن ذلك في التَّنزيل، قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّساء] أي رفقاء، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ... (٤)﴾ [المنافقون] أي الأعداء. يعقوب يتلقَّى النَّبأ بالصَّبر والآمال رجع الإخوة أدراجهم إلى أبيهم، وقالوا له ما قاله كبيرُهم، فلمَّا سمع أبوهم هذا النَّبأ الفظيع ﴿قَالَ﴾ مكذِّباً: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وكيداً ثانياً دبَّرتموه لولدي، وإلَّا فَمَنْ أعْلَمَ عزيز مِصْر أنَّ السَّارق يسترقّ غيركم، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا شكوى فيه إلى الخلق ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ بالثَّلاثة ﴿جَمِيعًا﴾ عاجِلاً أو آجِلاً، فأملي به كبير، ورجائي به قويٌّ، فالكَرْب إذا اشتدَّ هان، والهموم إذا طالت تكشَّفت ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ... بحالي ﴿الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ في تدبيره. الظَّنُّ على الكاذِب تقدَّم أنَّ يعقوب ـ ﵇ ـ لم يصدِّقْ أولاده في حالتي كذبهم وصدقهم في حادثتي يُوسُفَ وأخيه، بل قال لهم في المرَّتين مستغشّاً عَيْن العبارة الشَّريفة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ لأنَّ مَن عُهِدَ عنه الكَذِب يُظَنُّ به الكذب، ولو تكلَّم بالصِّدق.

стр. 150

الثَّباتُ على المبادِئ وعلاوة على ما سبق نرى يعقوب ـ ﵇ ـ في حادثتي يُوسُف وأخيه، قال لأولاده نفس الجملة الشَّريفة: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا شكوى فيه ولا تبرُّم، ولعمري لو كان غيره مكانه لملأ طِبَاقَ الأرض صُراخاً وعَويلاً، ولنظم شعراً يُمزِّقُ الأفئِدةَ ويفتِّت الأكبادَ، ولكنْ هي أخلاق الأنبياء أصحاب المبادئ الثَّابتة والخِلال الحميدة، ولا عجب؛ فالأنبياء كانوا يتعايشون بالدِّين، وما أشدَّ حاجتنا إلى أن نتعايش بالدِّين والمروءة والأخلاق، لا بالجهل والسَّفاهة والانحطاط! آية كأنَّها ثوبٌ سابغ على يعقوب ـ ﵇ - ـ كانت حياةُ يعقوب ـ ﵇ ـ مفْعَمةً بألوان الكروب والابتلاءات النَّادرة المثال في تاريخ البشر؛ فإنَّه ـ ﵇ ـ كان يخاف على يُوسُفَ من كيد إخوته وقد كادوه، ثمَّ وقع هو وأسرته في شيءٍ من الجُوع ونقص من الأموال والثَّمرات في أعوام الجدب والقحط، ونقص من أولاده، ومع هذا فقد صبر صبراً جميلاً، وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة]. عَبَراتٌ على يُوسُفَ كَرِه يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ ما أخبره به أولاده، فَأَعْرَضَ ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ في مَعْزلٍ، وقد قهره الأسَفُ والشَّوقُ والتَّلهُّفُ، وأعياه الحزنُ، وشفَّه الوجدُ، ولَذَعَ قلْبَه الفراق، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي يا حسرتي وحزني وحرقتي على يُوسُفَ! ففرَّج ـ ﵇ ـ عن نفسه بهذه الكلمة البديعة التي لم ينطق سواها، وبين لفظتي الأسف ويوسف تجانس بديع، يسمَّى جناس الاشتقاق، وهو يُضْفِي على النَّص حسناً صوتيّاً من حيث الإيقاع اللَّفظي، ويكسِبُ النَّص عنصر المفاجأة، وثراء

стр. 151

المعنى، فهو يثير السَّامع لمعرفة معنى اللَّفظين المتقاربين في النُّطق المختلفين في المعنى. وإنَّما أَسِفَ يَعْقُوبُ على يُوسُفَ، مع أنَّ المقام يستدعي أن يتأسَّف على أخيه؛ لأنَّ الحزن الجديد يُذَكِّر بالحزن القديم، كما قيل: "وإنَّ الأسى يبعث الأسى"، والشجا يُحيي الشَّجا، زد على ذلك أنَّ ليُوسُفَ في قلب يعقوب هوىً لاعِجاً. ولا زال يعقوب ـ ﵇ ـ يكْظم حُزْنَهُ وألمه، ويتجلَّدُ حتَّى ابيضَّت عيناه من الحُزْن، قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ فقد بصره من شدَّة الحزن والحُرْقة واللَّوعة، وقيل: ضَعُفَ بَصَرُه حتَّى كاد لا يرى. وما لَبِثَ ـ ﵇ ـ مدَّة إلَّا وجاءَه أولاده، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ وهي كلمة نصح وإشفاق عليه، يمازجها اللَّوم والتَّعجُّب، أي: والله لا تزال تذكرُ يُوسُفَ وتتفجَّعُ عليه، ولا تنفكُّ تضْرِبُ على هذا الوتر الحزين، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مشفياً على الهلاك مرضاً، وحتّى يذيبك الهمُّ ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ بالموت أسىً وحسرةً؛ فإنَّ ذلك عاقبة الأسف والحُزْن. ﴿قَالَ﴾ يعقوب ـ ﵇ ـ ردّاً عليهم: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي (١)﴾ همِّي العظيم ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى وحدَه، أي: لا أشكو إليكُم أو لغيرِكم مِن الخَلق، إنَّما أشكو إلى الخالق داعياً له وملتجئاً إليه، وما عليَّ إنْ أنا بثثتُ همِّي لخالقي؟! إنَّ الشكوى إليه تعالى من جنى الإِيمان: لا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وسَلِ الَّذي أَبوابُهُ لا تُحْجَبُ اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُنَيُّ آدَمَ حينَ يُسأَلُ يَغْضَبُ ويختمُ يعقوبُ ـ ﵇ ـ جوابَه لأولاده بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا

стр. 152

تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾، من جميل تدبيره وخفيّ لطفه، فأنا أعلمُ سلامتهم، وأنَّ الله تعالى اجتبى يُوسُفَ وعلَّمه من تأويل الأحاديث، وأتمَّ نعمته عليه وعلى آل يعقوب، وأنَّ رؤيا يُوسُفَ حقٌّ، وسيأتي تأويلها باجتماعنا به، وستريكم الأيام ذلك. ومن شكاية يَعْقُوب ـ ﵇ ـ وتضرُّعه بالدُّعاء إلى الله تعالى وحده نفهم أنَّ هذا هو المطلوب شَرْعاً من كلِّ مؤمنٍ شاكٍ حزين. الشِّكاية ملفوظة وملحوظة اعلم أنَّ الشِّكاية نوعان: ملفوظة، وملحوظة. فأمَّا الملفوظة أو الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ وأمَّا الملحوظة المقدَّرة غير الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر] وقوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي ... إِلَّا ... فِرَارًا (٦)﴾ [نوح] ائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ وائتلافه مع المعنى ائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ: أن تتَّصفَ الألفاظ بحُسْنِ الجوار، وذلك بأن يقترن اللَّفظ الغريب بمثله، واللَّفظ المشهور بمثله، لتلائم الألفاظ بعضها بعضاً؛ عناية بحسن الجوار والمناسبة. أمَّا ائتلاف اللَّفظ مع المعنى: فَأَنْ تلائم الألفاظ المعنى المراد، فإذا كان المعنى فخماً كانت ألفاظه فخمة، وإذا كان رشيقاً لطيفاً كانت ألفاظه كذلك ... ومن شواهد ائتلاف اللَّفظ في اللَّفظ، قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ... (٨٥)﴾ فإنَّه تعالى جاء بأغرب ألفاظ القسم ﴿تَاللَّهِ﴾

стр. 153

وأعرض عن (والله) و (بالله) الأشهر استعمالاً، وجاء بأغرب الأفعال النّاسخة الّتي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار ﴿تَفْتَأُ﴾ وفيه إيجاز بالحذف، فأصله (لا تفتأ)، وحُذِفَ حرف النَّفي في جواب القسم لأنّ موضعه معلوم، وحُذِفَ للتَّخفيف وعدم الإلباس، إذ لو كان الجواب إثباتاً للزم جواب القسم اللّام والنُّون، ولقيل: لتفتأنّ، نحو قوله تعالى: ﴿بَلَى ... وَرَبِّي ... لَتُبْعَثُنَّ ... (٧)﴾ [التّغابن] ثمَّ جاء بأغرب ألفاظ الهلاك ﴿حَرَضًا﴾ وكلّ ذلك رعاية بحسن الجوار والمناسبة، وعناية بائتلاف اللَّفظ الغريب بمثله. من بديع القرآن الانسجام الانسجام: أن يأتي الكلام متحدِّراً كتحدِّر الماء المنسجم، بسهولة لفظٍ، ورقَّة معنى، وحسن تأليف، حتَّى يكون له في القلوب تأثير، وفي النُّفوس موقعٌ أثير. ويقوى الانسجام ويصفو إذا جاء موزوناً من غير أن يُقصَد إليه، ومن الانسجام في القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. فمن سمع هذه الآية بقلبه وجد سهولةَ لفظ، وعذوبةَ معنى، وحسنَ تعطُّف ظاهر في قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ فلم يقل: (وأعلم منه) مع أنَّه أوجز في اللَّفظ؛ ليأتي في الكلام زيادةُ تعطُّف وترقُّق واسترحام وخضوع يزيد الكلام حُسْناً يحلو في النُّفوس ويعذب. وقد جاء مع الانسجام بديع غير مقصود، وهو طباق السَّلب في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ﴾ وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومن الانسجام قولُه في الآية الَّتي بعدها حكاية عن يعقوب: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ

стр. 154

الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ لوقوع التَّعطُّف كالآية السَّابقة، وقد جاء مع الانسجام ما يعرف في علم البيان بالاستعارة المكنيَّة، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ فقد استعير الرَّوح، وهو تنسيم الرِّيح للفرج الَّذي يعقب الشِّدَّة. والبديع أو البيان الَّذي يأتي مع الانسجام، إنَّما هو كالواسطة في العقد، وكالشَّذْرة في القلادة يفصل بها نظم الذَّهَب. عطف أحد اللَّفظين المتجاورين في المعنى على الآخر قد يعطف أحد اللَّفظين المتقاربين في المعنى على الآخر بقصد التَّأكيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ فالبثُّ والحزن بينهما تجاور في المعنى، ولعلَّه كرَّره للتَّأكيد على شدَّة الخطب النَّازل به ﵇، ومنه في التَّنزيل قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ... (١٤٦)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [طه]. عَبْرَة وعِبْرَة قَوْلُ أولاد يعقوب لأبيهم لمَّا غلبه الحزنُ: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ لم يكن قولاً ليِّناً مترفَّقاً فيه مع أبيهم كما يجب، مع ما فيه من دلالة على إشفاقهم على أبيهم، ولهم قول غليظ سابق سجَّله القرآن الكريم، فقد قالوا في معزلٍ: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، ونحن نعلم أنَّ الله تعالى أمر أن نقول للنَّاس حسناً، فقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا ... لِلنَّاسِ حُسْنًا ... (٨٣)﴾ [البقرة]، فما بالك بالقول للوالدين!

стр. 155

ونعلم أنَّ الله تعالى نهى الولد عن أمرين، وأمره بثلاثة: نهاه عن إظهار أدنى شواهد التَّضجُّر والتَّبرُّم أمام الوالدين أو في غيبتهما، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ونهاه عن زجرهما، فقال: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وهذه الآية إنَّما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما ومعرفة قدرهما، والتَّحذير من عقوقهما. وأمر لهما بالقول الكريم الجميل المتلطَّف فيه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء] وبخفض الجناح لهما ذلَّاً وتواضعاً ورحمةً: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء]، وبالدُّعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] واعلم أنَّ الله تعالى أخبرنا عن سيِّدنا يحيى ﵇، فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم] وعن سيِّدنا عيسى ﵇، فقال حكاية عنه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم]. وقد رأينا فِتْيَةً من أهل زماننا جبَّارين يرفعون أصواتهم لا أقول عند وإنَّما على آبائهم وأمَّهاتهم، وكأنَّهم يجهلون أنَّ الله تعالى قد أمر بالإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلِ وِدِّهما، فكيف بالإحسان لهما! ألم يجعل الله تعالى حقَّ الوالدين في مرتبة تالية لحقِّه سبحانه، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... (٢٣)﴾ [الإسراء] وقرن شكره بشكرهما، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان] واعلم أنَّ والديك مهما بالَغْتَ في برِّهما فلن تَفِيَ بشكرهما؛ فلو أنَّ إنساناً أحسن إليك مرَّة، فهل كنت تنسى أنَّ له يداً عليك لا توفَّى؟ فكيف بمن أحسن إليك الحياة مرَّة بعد مرَّة، وله عليك أيادٍ بيضاء لا تُدْرَك ولا تُدَانَى، فكيف لك أنْ تجزي أَمَنَّ

стр. 156

النَّاسِ عليك في رعايته وعنايته الجزاءَ الأجمل والأوفى؟! نَشِيجُ عمر ـ ﵁ ـ وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ كان عُمَرُ بن الخطَّاب ـ ﵁ ـ جهير القراءة، وكان في صلاة الفجر، إذا قرأ سورة يُوسُفَ، ومرَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، غُصَّ بالبُكاءِ في حَلقِه من غير انْتِحابٍ، ففي الأثر عن عبد الله بن شدَّاد (ابن الهاد) وهو تابعيّ كبير له رؤية ولأبيه صحبة، قال: "سَمِعْتُ نَشيجَ عُمَرَ، وأنا في آخر الصُّفُوفِ يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ " (١) الحُزْنُ لا يتنافى مع الصَّبر الجميل وابيضاض عيني يعقوب ـ ﵇ ـ من شدَّة الحزن والأسف لا يتعارض مع صبره الجميل، ولذلك حُمِدَ صَبْرُهُ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ أي مملوء من الأسَف والحزن الذي يكتمه في نفسه، ولا يبثُّه ولا يشكوه إلَّا إلى الله تعالى. وقد عَلِمْنا أنَّ الصَّبر الجميل هو الَّذي ليس فيه جَزَعٌ ولا شكوى إلى الخَلْق، وقد أكَّد يعقوب ـ ﵇ ـ صَبْرَه الجميل بقوله لأولاده: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى وحده. وإظهارُ الأسَف والحُزن والشِّكاية لله تعالى ليس بمحظور إذا اقْتَرَنَ بالصَّبر الجميل والرِّضا والتَّسليم لقضاء الله تعالى وقدره، وإنَّما المحظور السُّخْط على القضاء والقدر.

стр. 157

والحزن الشَّديد والدَّمع الصَّبيب لا يسمَّى جزعاً ولا سَخَطاً، طالما لم يصحَبْهُ الصِّياحُ، والعويل، والولولة، ولطمُ الخدود، وشقُّ الجيوب، والكلام بما لا يرضي الله تعالى. والحزن ليس محظوراً، وإنَّما المحظور الكلام الَّذي يسخط الله تعالى، قال النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: " إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا " (١) فَضْلُ مَن ذَهَبَ بَصَرُه روى البخاري عن أنس بن مالك ـ ﵁ ـ، قال: سمعتُ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ يقول: "إِنَّ الله تعالى، قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيهِ فَصَبرَ؛ عوَّضتُه الجنَّة. يريد: عينيهِ" (٢). ثوابُ المؤمن فيما يصيبه من همٍّ وحزن ونحو ذلك قال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ " مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ (٣)، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أذى، وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاه " (٤) فما من مؤمن يصيبه مَرضٌ ظاهر أو باطن، لازمٌ أو عَارِض، فيصبر عليه إلّا كان كفَّارةً لسيِّئاته، حتَّى الهمّ الَّذي يصيبه بسبب التَّفكير فيما قد يصيبه من مكروه، والغمّ الَّذي يحدث لقلبه بسبب ما جرى، والحزن الَّذي قد يقع على نفسه لفقدها ما يشقُّ عليها فقده، كلّ ذلك من كفَّارات الذُّنوب، "حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا"، ولله الحمد والمنَّة.

стр. 158

الابتلاءُ عامٌّ من واقع يعقوب ـ ﵇ ـ المرير نفهم أنَّه من الجائز أن يُبْتلى صَاحِبُ الحقِّ بالمصَائب، كذلك أن يُبْتَلى صاحب الباطل بالنِّعم؛ كما أن العكس جائز، فالمصائب والنِّعم ليست دليلاً على كون من تصيبه على حقٍّ أو على باطل. وإذا كانت بيوت الأنبياء تعجُّ بالبلاء وتشكو منه؛ فذلك حتَّى لا نجزع ولا نهلع ولا نفزع، بل نقابل البلاءَ كما قابله الأنبياءُ ﵈. ﴿يَاأَسَفَا﴾ الكلمة الفريدة سجَّل الله تعالى هذه الكلمة الفريدة ﴿يَاأَسَفَا﴾ في كتابه العزيز على لِسَان يعقوبَ ـ ﵇ ـ، فلم تَرِدْ هذه الكلمةُ في القرآن الكريم إلَّا على لسان يعقوب ـ ﵇ ـ، وهي الكلمة التي نفَّس بها يعقوبُ عن نَفْسِه، وسرَّى بها عن همومه وأحزانه، وارتاح بها من ألم ما سَمِعَ. عودة الإِخوة لمصر للمرَّة الثَّالثة وبعد أن صرَّح يعقوب ـ ﵇ ـ باعتقاده بحياة يُوسُفَ بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ طلب من أولاده العَوْدةَ لمِصْرَ والتماس يُوسُفَ والتَّعرُّف على خبره وخبر أخيه، فقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، وتخبَّروا عنهما، ولا تدَّخروا جهداً، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، ولا تقطعوا حَبْلَ الرَّجاء وخيط الأمل، ولا تقنطوا من رحمته تعالى وفرجه، فرحمة الله تعالى واسعة، وفرجه دائماً مَنْظُور ومأمُول، فلا يتولَّاكم اليأس، ولا يستحوذْ عليكم القنوطُ. ثمَّ علَّل النَّهي فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي من فرجه وتنفيسه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ وهذا دليل على أنَّ الكافر ييأس ويقنط في الشِّدَّة، وعلى أنَّ

стр. 159

القنوط من رحمة الله تعالى كُفْرٌ بهذه الرَّحمة، أمَّا المؤمن فيأمل الفَرَجَ من ربِّه دائماً. والأمل فضيلةٌ ليست للإنسان عنها مَنْدُوحة، وهي نعمة من الله تعالى مَنَّ بها على عباده، وإنَّ المؤمنَ وهو في معترك الشِّدَّة وغمرة الضِّيق والبلاء؛ لفي طمأنينةٍ من صلته بخالقه، وفي سكينة من ثقته ببارئه، وفي أنسٍ من رجائه بربِّه، وفي عِزٍّ مِنْ أمله بالله تعالى. فالمؤمن يحيا على الأمل، ويعيشُ على الرَّجاء، ليس لليأس والقنوطِ إليه سبيل. سمع الأبناءُ كَلامَ ونُصْحَ أبيهم، فآنسوا منه قوَّة عقيدة بحياة يُوسُفَ وبراءة شقيقه، فخرجوا راجعين لمصر للمرَّة الثَّالثة، وقد أصابهم الضُّرُّ من الجَدْب والمجاعة، ولم يبْقَ معهم ما يشترون به إلَّا بضاعة رديئة يدفعها من تُعْطَى له. ولمَّا وصلوا مِصْرَ دخلوا على يُوسُفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا﴾ بنغْمَةِ الاسترحام والاستعطاف: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ من القحط والجدب، ﴿وَجِئْنَا﴾ إليك ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ لا تصلُح ثمناً للطَّعام، لكنَّا طامعون بإحسانك، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ بها وأتممْه، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بقَبولها على رداءتها؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ على إحسانهم أحسن الجزاء. خُضُوعُ الإخوة للغَريبِ وتعاظُمُهم على أبيهم وأخيهم أخبر الله ﵎ عن أولاد يعقوب ـ ﵇ ـ أنَّهم ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾! كلامٌ يشفُّ عن التضرُّع والمسكنة والانكسار للغريب، ولعمري لو كانوا يعرِفُونَ أنَّه أخوهم ما خضعوا له هذا الخضوع، وما تواضعوا له هذا التَّواضع؛ وذلك لما في فِطْرة الإِنسان مِنْ قِلَّة الاحترام بين الأقرباء، فأين هذا

стр. 160

الصَّغار مع الغريب من تلك العظمة مع أبيهم وأخيهم يوم قالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا ... يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، ويوم قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ويوم قالوا: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾، حتَّى مَن حضر مجلس يعقوب ـ ﵇ ـ من قرابته سيأتي لهم أن يقولوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾. الفرق بين ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ و ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ وردت في القرآن الكريم كلمات مبدلة مرَة، وغير مبدلة مرَّة أخرى، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ ... (١٨)﴾ [الحديد] بتشديد الصَّاد المبدلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف] بتخفيف الصَّاد. وهناك فرق بين المبدل وغير المبدل في الاستعمال القرآني، فكلمة المصَّدِّقين فيها تضعيفان للمبالغة، بينما كلمة المتصدِّقين فيها تضعيف واحد. والمصَّدِّق بتشديد الصَّاد أصله المتصدِّق: قُلِبت التَّاء صاداً فأُدغِمت في الصَّاد فَشُدِّدت، أي أنَّ الصَّاد الأولى السَّاكنة بسبب إدغامها في مثلها مبدلة عن التَّاء. والمصَّدِّق والمتصدِّق كلاهما بمعنى المعطي، غير أنَّ (المصَّدِّق) بتضعيف الصَّاد، هو الَّذي يُعطي الصَّدقة ويبالغ فيها، أمَّا (المتصَدِّق) بتخفيف الصَّاد فهو المعطي فحسب. ولذلك قال الله تعالى في ـ سورة الحديد ـ: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد] بالإبدال والإدغام لإفادة أنَّ الله تعالى يُضاعف للمبالغين في الصَّدقات. وقد ناسب ذكر المبالغة في الصَّدقة في سُورة الحديد؛ لأنَّه ذُكِرَ فيها الإنفاق والنَّهي عن البخل غير مرَّة، فمن

стр. 161

ذلك قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد] وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد] أمَّا في سورة يُوسُفَ، فالأمر مختلف، فهم لا يريدون من العزيز يُوسُفَ أنَّ يبالغ في الصَّدقة لهم؛ أدباً منهم، ولذلك، قالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف] ولم يقولوا: المصَّدِّقين. يُوسُفُ يذكِّرُ إخوتَه ويعاتبُهم ولمَّا سَمِعَ يوسُفُ قولَ إِخوتِه: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، و ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، أدركته الرَّأْفَةُ، ولم يتمالك أن عرَّفهم نفسه، ﴿قَالَ﴾ لهم بلهجة المذكِّر المعاتب: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وهو استفهام للإيقاظ والتَّنبيه والتَّذكير، أي هل تذكرونَ فَدَاحَةَ ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ حال جهلكم بسوء عملكم، وفيه تعريضٌ بأنَّهم قد صَلُحَ حالهم الآن. ولم يقل يُوسُفُ ـ ﵇ ـ هذا الكلام لهم تصفية للحِسَاب معهم، لكنَّها نَفْثَةُ مَصْدُورٍ، وزَفْرَةُ مفؤود، عالج بها بعض كُلوم الفُؤَاد، وكلمة موجزة أعلمهم بها قُبْحَ عملهم في الماضي؛ تحريضاً لهم على التَّوبة.

стр. 162

مِصْدَاق وقول يُوسُف لإخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ هو مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾. يُوسُفُ يُضَمِّن عِتَابَه لإِخوته الاعتذار عنهم وقد ضمَّن ـ ﵇ ـ عتابَه لإِخوته الاعتذار عنهم بالجهل: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ إنَّه استفهام العارف المتجاهل يريد به العِتَابَ لا اللَّوم، والاعتذار لهم قبل أن يعتذروا، إذ أضاف ما فعلوه إلى ما كان منهم مِنْ جَهْل، فهم معذورون لجهلهم آنذاك! تدبيراً لهم أَدَباً منه ونُبْلاً، قال الشَّاعِرُ: إذا مَا بَدَتْ مِنْ صَاحِبٍ لَكَ زَلَّةٌ ... فَكُنْ أَنْتَ مُحْتالاً لِزَلَّتِهِ عُذْرا وهذا ما جرى عليه القرآن، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النِّساء]. يُوسُفُ يُظْهِرُ نَفْسَه لإِخوته كان سُؤَالُ يُوسُفَ لإِخوته فَاتِحةً لأنْ يَعْرِفُوه، فحين سمعوا كلامه وملامه أمعنوا فكرهم في مرماه ومغزاه، فعلموا مرامه، وأجابوا عن السُّؤَال بسؤال ﴿قَالُوا﴾ متعجِّبين مقرِّرين: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾. وآن موعدُ المفاجئة، ﴿قَالَ﴾: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ ولم يقل: وأنتم

стр. 163

إخوتي. كأنَّه يشير إلى طرف من العتاب، فما فعلوه به ليس من عمل الإخوة ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالاجتماع بعد الفرقة، والفرح بعد الحزن. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾، وما ترونه الآن هو ثمرة التَّقوى، وجنى الإحسان، ونتيجة الصَّبر، وقد قيل: " مَن يتَّق مولاه، ويصبر على بلواه، لا يضيع أجره في دنياه وعقباه ". ولست وحدي، بل كلّ مَنْ يتقي الله ويصبر يدخل في عداد المحسنين الَّذين لا تضيع أجورهم، فالتَّقوى هي البَقْوى، والصَّبر عواقبه الجبر، والصَّبر مفتاح الفرج ونِصْف الإِيمان، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرّحمن]. ما الإحسان ؟! تكرَّر ذِكْرُ الإحسان في سُورةِ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، حتَّى صارت كأنَّها سُورة الإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ وقال: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ وقال: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ وقال تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾. وكلُّها وردت في حقِّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، وقد ورد في حقِّه وحقِّ أبيه يعقوب ﵉ إشارة إلى علوِّ مقامهما في الإحسان في سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام].

стр. 164

والإحسان مأخوذ من الحُسْنِ، وهو كلُّ ما مُدِحَ صاحِبُه، ويكون في كلِّ شيء بحسبه، قال النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: " إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (١). والإحسان من خصائص الإسلام، ومن الأخلاق الاجتماعيَّة العِظَام الَّتي دعا لها، والَّتي ينبغي أن نتعايش بها، ونربِّي النَّشء عليها، فقد أمرنا الله بالإحسان إلى الوالدين، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار، والبنات والبنين، وأن نقول للنَّاس حسنى ... ومثل هذا يتَّسع البحث فيه، وهو أكثر من إيراد شواهده، وكلُّه يؤكِّدُ على أنَّ دين الإسلام فيه ما فيه من نظام اجتماعيّ وحضاريّ يضمن السَّعادة والنَّجاة والفوز للعالمين أجمعين. ولا ريب أنَّ رأس الإحسان وعموده الإحسان في العبادة، فقد فسَّرَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ الإحسان لمَّا سأله جبريل ـ ﵇ ـ: " مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " (٢) ولذلك يقول النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: " نِعْمَ مَا لِأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِه " (٣) وهذا إحسان العبد، ويترتَّبُ عليه إحسان الرَّبِّ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس] ولمَّا كانَ للإحسان هذا القدر العظيم تجد في القُرآنِ الكَريمِ الأمْرَ به، ومحبَّة الله لأهله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة]، ومعية الله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النّحل] وأنّ عاقبة أمرهم حسنة:

стр. 165

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان] وأنَّ جزاء الإحسان بالطَّاعة في الدُّنيا الإحسان بالنَّعيم في الآخرة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرّحمن]. التَّرغيب في لزوم التَّقوى والصَّبر قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ مِنْ وضع الظَّاهر موضع المضْمَر (١) تنبيهاً على أنَّ المحسنين جمعوا بين التَّقوى والصَّبر. وفيه إظهار لفضيلة التَّقوى وفضيلة الصَّبر، وأنَّ عاقبتهما أحسن العواقب، وفيه ترغيب للزوم التَّقوى والصَّبر، وتشويق للنَّفس إلى ثواب الله تعالى، فمن اتَّقى وصبر فهو من المحسنين الَّذين لا تضيع أجورهم، ولذلك قال تعالى للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ [هود] والخطاب وإن كان موجَّهاً للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ إلَّا أنَّ المراد تعليمنا ذلك. تقديم التَّقوى على الصَّبر مع الإخوة والأحبَّاء وتأخيرها مع الأعداء من أسرار النَّظم القرآني وإعجازه البياني حسن التَّقديم والتَّأخير، فمن ذلك ما يلحظه القارئ من تقديم التَّقوى على الصَّبر في قول يُوسُفَ لإخوته: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾. بينما قُدِّم الصَّبر على التَّقوى في آيات تتحدَّث عن الأعداء، وتحذِر المؤمنين منهم، ومن ذلك قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران]

стр. 166

وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران] فمهما بلغت شرور الإخوة فالحاجة إلى التَّقوى في التَّعامل معهم آكد، أمَّا الأعداء فشرورهم أعظم، ومكائدهم أدهى وأمرّ، فالحاجة إلى الصَّبر في التَّعامل معهم آكد وأهمّ. فسبحان الّذي أنزل القرآنَ بأعجب أسلوب، وسَلكه ينابيعَ في القلوب ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النَّحل]. تَواضُعُ الأنبياء ممَّا يدلُّ على تواضع يُوسُفَ ـ ﵇ ـ أنَّه ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ ولم يَقُل: أنا عزيز مِصْر، ولم يقل: أنا والٍ على خزائن الأرض، ولم يقل: أنا أتبوَّأ في أرض مِصْر حيث أشاء ... وإنَّما ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ هكذا بعيداً عن الكِبْر. وهذا يُذَكِّر بتواضع الأنبياء، قال النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ " أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُوله هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالمحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالممَاتُ مَمَاتُكُمْ (١) " وكتب ـ ﷺ ـ إلى هِرقل: "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ... " (٢)

стр. 167

وقال تعالى مخبراً عن سليمان ـ ﵇ ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النَّمل] والشَّواهد يطول حصرها، وكلّها تؤكِّد أنَّ كلام الأنبياء يَخْرُجُ من مشكاة واحدة، فما أحوجنا إلى أن نقتدي ونهتدي بالأنبياء! ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... (٩٠)﴾ [الأنعام]. مدح الذُّلِّ في موضعين أمر الله تعالى المؤمنين بالعزَّة، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... (٨)﴾ [المنافقون] ومدح الذُّلَّ في موضعين، الأوَّل: أنْ يذلَّ الإنسان لأخيه، قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ... (٥٤)﴾ [المائدة] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (٢٩)﴾ [الفتح] والثَّاني: أن يذلَّ الإنسان لوالديه، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] تَغَايُر القِراءات بين الخبر والاستفهام وتنوّع المعنى من أمثلة تغاير القراءات بين الخبر والاستفهام، قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ... (٩٠)﴾. فقد تعدَّدت القراءات في قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فابن كثير المكّي، وأبو جعفر المدني قرأا بهمزة واحدة مكسورة على الخبر (إِنَّك) وقرأ الباقون على أصولهم، أي بهمزتين: الأولى مفتوحة، والثَّانية مكسورة على الاستفهام (أَإِنَّك)

стр. 168

بتفصيل (١) بينهم في التَّسهيل وعدمه، والإدخال وعدمه. وحجَّة من قرأ على الخبر أنَّ إخوة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ أيقنوا أنَّ الَّذي أمامهم يوُسُف، فجاؤوا بحرف التَّوكيد (إنَّ) ليؤكِّدوا الإخبار، ويستغنوا عن الاستخبار (الاستفهام). وحجَّة من قرأه على الاستفهام أنَّ إخوة يوسف جاؤوا بلفظ الاستفهام المفيد للإلزام والإثبات، فقد أدركوا أنَّهم أمام أخيهم يُوسُفَ فأرادوا أن يلزموه ذلك. وقد ذهب بعض الموجِّهين للقراءات الَّتي تنوَّعت بين الإخبار والاستفهام إلى حمل القراءتين على معنى واحد، وأنَّ قراءة الإخبار استفهام حذفت أداته، وهذا فيه نظر؛ فالقراءات لها أثر في علوم العربيَّة، وقد ذكر علماؤنا السَّلف والخلف فوائد عديدة لتعدُّد القراءات القرآنيَّة المتواترة، ومنها أنَّ تنوُّع القراءات وتعدُّدها يترتَّبُ عليها تنوُّع في وجوه البلاغة، وتعدُّد في المعنى، وهذا ضرب من الإعجاز تفرَّد به القرآن. ولعلَّ ما يؤكِّد اختلاف المعنى في القراءتين، أنَّ إخوة يُوسُفَ يجوز أنَّهم عرفوه يقيناً، وهذا ما دلَّت عليه قراءة الإخبار، وقد عرفوه من سؤاله لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ فما أدراه بخبر يُوسُفَ وأخيه، إلَّا إذا كان هو يُوسُف، فنظروا إليه نظرة الفاحص المدقِّق، فعرفوه، وقالوا على وجه القطع والجزم والتَّحقيق: (إنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ) وأكَّدوا معرفتهم له بمؤكِّدات ثلاثة: إنَّ، واللَّام، والجملة الاسميَّة.

стр. 169

أمَّا قراءة الاستفهام ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ فإنَّ الهمزة أو الألف ألف تقرير بلفظ الاستفهام، فهو استفهام العالم العارف، ليقرَّ لهم بأنَّه يوُسُفُ وتظهر الحقيقة، ولذلك أجابهم، وعرَّفهم بنفسه ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي ... (٩٠)﴾ ولعلَّ بعض الإخوة كان قوله خبراً، وبعضهم استفهاماً، فجاءت القراءتان كذلك، ثمَّ إنَّ القراءتين تنقلان لنا مشهدين مختلفين، فقراءة الإخبار فيها تصوير لمشهد الإخوة وقد ظهرت على صفحات وجوههم أمارات الفرح وعلامات السُّرور، بعد أنْ وقفوا على حياة أخيهم يُوسُفَ، وازدادوا فرحاً على فرحهم لمَّا اعترف لهم بأنَّه يُوسُفُ؛ وكأنِّي بهم وقد حمدوا الله كثيراً على حياته، وعلى أنَّهم لم يكونوا سبباً في هلاكه، وعلى بلوغه هذه المنزلة، وعلى أنَّهم سيحملون لأبيهم هذه المرَّة خبراً يثلج قلبه من حرارة الحزن. أمَّا قراءة الاستفهام فتنقل لنا مشهد الإخوة وقد بدت على محيَّاهم أمارات الدَّهشة والاستغراب، بعد أن أخذتهم المفاجأة، وكأنِّي بهم واجمون من هَوْل المفاجأة. ففي القراءتين تصوير للحالة النَّفسيَّة الَّتي عاشها الإخوة. تَوبَةُ الإِخوة وصَفْحُ يُوسُفَ وما أن أتمَّ يُوسُفُ كلامه، حتَّى تمثَّلت لأعينهم صُورَةُ الماضي وذكريات الأمْس، فقالوا مقسمين مقرِّرين نادمين: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ﴾ فضَّلك ﴿اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمكانة والعِلْمِ والحِلْمِ والتَّقوى ... ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ اعتراف بالخطأ، وتعبيرٌ عن النَّدامة والتَّوبة، يتضمَّن سؤال العفو، وقد ظفروا به، أي والحال أنَّنا كنَّا مذنبين. فكيف قابل يُوسُفُ إقرارهم وتوبتهم وإنابتهم؟ لو كان غيره مكانه لقَالَ: صَحَّ نَومُكم وطَابَ يَومُكم ... أما هو ـ ﵇ ـ فوالله ما فكَّر في عِتَابٍ، ولا ملامٍ، ولا

стр. 170

تعيير، ولا تأنيب، ولا لوم، ولا انتقام، ولا ثأْر، ولا حِسَاب؛ لأنَّ النُّفوس الكِبَار فَوْقَ الأحقادِ والأضْغَان. فما أنْ سَمِعَ مقالهم واعتذارَهم حتَّى أَقَالَ ذَنْبَهم وعثراتهم، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ... : غَفَرَ، وَصَفَحَ، وعفا، أي لا عتب عليكم، ولا تعيير، ولا تذكير، قد سامحتكم، وعفوت عنكم. ثمَّ توَّج العَفْوَ بالدُّعاء بالمغفرة لهم، فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ مُتَعرِّضِاً لرحمته تعالى له ولهم، ويلاحظ أنَّه دعا لهم بالمغفرة ولم يطلبوها منه، بينما سيأتي لهم أن يطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم، فيكون جوابه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ... (٩٨)﴾ وهذا على كلِّ حال مشعر بعفوه عنهم. وكَرَمُ يُوسُفَ البَالغ بالعفو أصبح مضربَ الأمثال، فعبارته الكريمة: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ مثلٌ رائعٌ في السَّماحة والعَفْو وكرم الإخاء، فهو عَفْوٌ عند المقدرة لا لوم فيه ولا عتاب، وتنازل عن الحقِّ لا شَحْنَاءَ فيه ولا ضَغْناء. فيا لله ما أجملَ هذا العفْوَ! وما أعزَّ صاحبه! فإذا عزَّ أخوك فَهُنْ، واترك الخلاف، فإنَّ ذلك يُذْهِبُ الحَفِيْظَة، ويَرتُقُ الخَرْقَ، أنشد الأصمعي: إذا ما امرؤ سَاءَتْكَ منه خَلِيقَةٌ ... ففي الصَّفْح طيٌّ للذُّنُوب جميلُ وإنِّي لأعطي المالَ مَنْ ليس سَائِلاً ... حِفَاظاً وإخوانُ الحِفَاظِ قَليلُ العَفْو والصَّفْح من قول إخوة يُوسُفَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾، ومن قول يُوسُفَ:

стр. 171

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ نفهم أنَّ الاعترافَ بالخطأ سبيلُ الظَّفر بالعفو، وأنَّ الإِقرار بالخطأ والرُّجوع إلى الصَّواب فضيلةٌ، وأنَّ الصَّفْح والإِغْماض عن عِتَاب القريب إذا أسَاءَ خُلقٌ كريمٌ، وأنَّ طلب الزَّلَّات واقتفاء العثرات يُذْهِبُ المودَّات، وأنَّ على المسيء أن يعترف بإساءَته، ويطلب الصَّفْحَ ممَّن أَسَاءَ له، وحينها يُسْتَحبُّ للمُسَاء إليه أن يصفح عن المسيء وَيُصْفِي الودَّ له، فإنَّ المقدرة تُذْهِبُ الحفيظة. وأنَّه ينبغي أن نكون أصحابَ عفوٍ وغفران، فنعفو عن إخواننا ونغفر زلَّاتهم؛ لِنَنَالَ مغفرة الله تعالى القائل في محكم تنزيله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النَّور]. وعلينا الدُّعاء بالمغفرة لمن أخطأ علينا، وهذا نفهمه من دُعَاء يُوسُفَ لإخوته: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذا النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ الّذي كان خلقه القرآن الكريم، يعفو يوم الفتح عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّه وأخيه من الرّضاعة، وكان من أشدِّ النَّاس إيذاء له في مكَّة، فقد أشَارَ عليّ بن أبي طالب ـ ﵁ ـ على ابن عمِّه أبي سفيان بوسيلة يترضَّى بها رسُولَ الله ـ ﷺ ـ وقال له: ائْتِهِ من قِبَلِ وجْهِهِ، فَقُل له ما قال إِخوةُ يُوسُفَ ليُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ فإنه لا يَرْضَى أنْ يكونَ أحدٌ أحْسَنَ منه جَواباً، فَفَعَلَ ذلك أبو سُفيان، فقال له رسُولُ الله ـ ﷺ ـ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾، فأنشَده أبو سُفيان معتذراً: لَعَمْرُكَ إنِّي حين أَحْمِلُ رَايةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحمَّد

стр. 172

لكَالمُدْلِجِ الحَيْرانِ أظْلَمَ ليْلُهُ ... فهذا أوَاني حين أَهْدِي وَأَهتَدِي هَدَاني هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي ودلَّني ... على الله مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّد فضرب رسول الله ـ ﷺ ـ صَدْرَهُ، وقال: " أنت طردتني كلَّ مطرد " (١) وترجمته في "الإصابة"، قال الحافظ:" أسلم أبو سفيان في الفتح، شهد حنيناً، فكان ممَّن ثبت مع النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ ... ويقال: إنَّه لم يرفع رأسه إلى رسول الله ـ ﷺ ـ حياءً منه" (٢). ولمَّا لحق النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بالرَّفيق الأعلى، قال أبو سفيان ﵁: لقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنا وجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيَل قد قُبِضَ الرَّسُولُ وأَضْحَت أَرضُنا ممَّا عَراها ... تَكادُ بِنا جَوانِبُها تَمِيلُ قَمِيصُ الشِّفاء عَلِمَ يُوسُفُ أنَّ أباه يَعْقُوب قد ابيضَّت عيناه من الحزن، فأراد تبشيره بحياته، وإدخال السُّرور والبهجة على قلبه، فقال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا﴾ سِراعاً ﴿بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يرجع بصيراً كما كان، وتبرأ عيناه ممَّا اعتراهما من الابيضاض بسبب فرحه بوقوفه على حياتي، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم]. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾: يريدُ جميع الأهل.

стр. 173

عَوْدَةُ الإِخوة إِلى أَبيهم بالبِشَارة وركب الإِخوةُ دوابَّهم عائدين إلى أبيهم فرحين يحملون البِشَارة، ولله درّ القائل: " لقاءُ الإخوان جلاء الأحزان" ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي ولمَّا خَرَجَتِ القافلةُ من مصر متوجِّهةً بهم لفلسطين، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوبُ ـ ﵇ ـ لِمَنْ عنده مِنْ أهله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ إنِّي لأشمُّ رائحة يوسُفَ ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ لولا أن تنسبوني إلى الفَنَد، وهو الخرف وذهاب العقل من الكبر والجهل، وجواب الشَّرط محذوف، تقديره: لصدَّقتموني أو لأخبرتكم بحياته، فمن صدقت سريرته انفتحت بصيرته. وما كاد يعقوبُ ـ ﵇ ـ يتمُّ حَدِيثَه حتَّى واجهه الحاضرون من أهله وقرابته بالانتقاد، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ أي نُقْسِمُ إنَّك لفي خطئك القديم الَّذي كُنْتَ عليه من حُبِّ يُوسُفَ ودوام ذِكْرِه. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾، وهو أحد أبناء يعقوب ـ ﵇ ـ يبشِّرُ بِلُقْيَا يُوسُفَ مع أخيه حَامِلاً قميص يُوسُفَ ورسالته ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي ألقى البشير القَمِيصَ على وجه يعقوب ـ ﵇ ـ ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، فرجع مبصراً من شدَّة فرحه وسروره: فما بَعُدَتْ عن اللُّقْيا جُسُومٌ ... تدانت بالمحبَّةِ والوِدَادِ (١) وهنا واجه يعقوب ـ ﵇ ـ مَن بحضرته بالخطاب، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ ألم أقل لكم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي

стр. 174

بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ ألم أقل لكم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. وبهذا يكون اللهُ ـ جلَّ ثناؤه ـ قد صَدَّقَ قَوْلَ يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ بالفعل والحقيقة، فيعقوب نبيٌّ، وللأنبياء معجزات، وصدَّق قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ بالفعل والواقع. التَّورية في لفظ ﴿ضَلَالِكَ﴾ من أدقِّ أبواب البيان، وألطف فنون البديع المعنوي، التّورية: وهي لفظ يحتمل معنيين، فيستعمل المتكلِّم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله، ومنها قوله تعالى حكاية عمَّن كان في مجلس يعقوب ﵇: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ فالضَّلال يحتمل معنيين: ضدّ المعرفة، والحبّ، فاستعملوا ضدَّ المعرفة توريةً عن الحبِّ، أي أنَّهم أرادوا بكلامهم خلاف ظاهره، فورُّوا بلفظ ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ عن حبِّه ليُوسُفَ، ليعلم أنَّ المراد ما أهملوا لا ما استعملوا، فهم لا يريدون المعنى الظَّاهرَ القريب، وإنَّما يريدون المعنى الخفيَّ البعيد. أَقْمِصَة يُوسُفَ ـ ﵇ - ـ ليُوسُفَ في قصَّتِه ثلاثةُ أقمصة: قميص الجفاء، وقميص البراءة، وقميص الشفاء: أمَّا قميص الجَفَاء: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.

стр. 175

وأمَّا قميص البراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾. وأمَّا قميص الشِّفاء: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾. ثَلاثَةُ أَقْمِصَة وثَلاثُ آيات كان في كلِّ قميص من أقمصة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ الثلاثة آية: فحين جاؤوا على قميصه بِدَمٍ كَذِبٍ كانَ القَمِيصُ آيةً على كذبهم وبراءة الذِّئب، فلو أكله الذِّئبُ لخرق القميص. وحين قدَّ قميصه من دُبرٍ ثبتت براءته، فكان القميص آيةً على نزاهته وعفَّته. وحين ألقى البشيرُ قميصه على وجه أبيه ارتدَّ بصيراً، فكان القَمِيْصُ آيةً ليُوسُفَ مِنَ الله تعالى. الإِخوةُ يطلبونَ الاستغفارَ من أبيهم وبعد أن بدا الصُّبحُ لذي عينين جاء إِخْوةُ يُوسُفَ إلى أبيهم يعقوب ـ ﵇ ـ يسألونه الدُّعاء لهم، وبلسان الاعتذار والتَّوبة ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، واطلب المغفرة لنا من ربِّنا؛ فقد تبنا ورجعنا وأَنَبْنَا إلى الله تعالى. ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ كنَّا خاطئين يوم قلنا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، وخاطئين يوم قلنا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، وخاطئين يوم قال قائلٌ منَّا: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وخاطئين يوم جئناك عشاءً نبكي بكاءً كذباً، وخاطئين يوم قلنا لك: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ كذباً، وخاطئين يوم جئناك ﴿عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، وبالجملة: نحن خاطئون، فاعفُ عنَّا واستغفر لنا ذنوبنا.

стр. 176

فلمَّا سمعَ يعقوبُ ـ ﵇ ـ توبتهم وسؤالهم الاستغفار، وَعَدَهُم بذلك: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ فالاعتراف بالخطأ والرُّجوع إلى الحقِّ والصَّواب سبيل الحَظْوَة بالعفو والغفران. تخفيف التَّوكيد لأخيهم وتشديده لأبيهم اعْتَرَفَ إخوةُ يُوسُفَ بخطئهم في حقِّ يُوسُفَ مرَّتين: الأولى أمام أخيهم يُوسُفَ، والثَّانية أمام أبيهم يعقوب، فأمام يُوسُفَ، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ وقد جاء اعترافهم مؤكَّداً بحرف (إنْ) المخفَّفة، وأمام أبيهم يعقوب، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ وجاء اعترافهم له مؤكَّداً بحرف (إنَّ) المشدَّدة. ولسائل أن يقول: لماذا خفَّفوا التَّوكيد لأخيهم، بينما شدَّدوه لأبيهم؟! والجواب، يظهر أنّهم اختاروا ﴿وَإِنْ﴾ المخفَّفة من الثَّقيلة وأكَّدوا كلامهم بالإيجاز؛ اهتماماً بالإسراع في الاعتذار، أو أنَّهم خفَّفوا التَّوكيد لأخيهم لأنَّ خطأهم في حقِّ يُوسُفَ تقادم عهده، وعاد على يُوسُفَ بالخير، فقد أصبح على خزائن أرض مصر، وآنسوا منه سهولة الظَّفر بالعفو؛ ولذلك لمَّا اعترفوا بخطئهم أمامَه سَارَعَ بالعفو عنهم، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾. ولعلَّهم شدَّدوا التَّوكيد لأبيهم لأنَّ أَثَرَ خطئهم في حقِّه ما زال ظاهراً ماثلاً أمام أعينهم، فهم يلاحظون الحزن العميق على أبيهم وذهابَ بصره وعدم رضاه عنهم، فشدَّدوا التَّوكيد له حرصاً على إظهار توبتهم، ومع هذا لم يسارعْ في الاستغفار لهم، ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ وقوله ﴿سَوْفَ﴾ أبعد في الوعد لهم، وفيه دلالةٌ على عُمْقِ الحزن والأسَف، ذلك العمق الَّذي دعاهم

стр. 177

إلى تشديد التَّوكيد له. تطوّر شُخُوص القصَّة يلاحظ أنَّ شخوص القصَّة الرئيسة وذات الأدوار المؤثّرة كانت نهايتها أفضل، وخاتمتها أكمل، فالإخوة بعد أن قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ... (٩)﴾ و ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ... (٧٧)﴾، قالوا ليُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ وبعد أن قالوا لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ قالوا: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾. وامرأة العزيز بعد أن قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ قالت: ﴿الْآنَ ... حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ كذلك سيّدنا يعقوب تطوَّرت شخصيَّته من الفاضلة إلى الأفضل، وتطوَّرت نفسه من الكاملة إلى الأكمل، فلمَّا طلب منه أولاده أن يرسل معهم أخاهم يُوسُفَ، وقالوا له: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ كان جوابه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ ولمَّا طلبوا منه أن يرسل أخاهم الآخر، وقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ كان جوابه: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾. كذلك يُوسُف، فبعد أن قال للسّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾

стр. 178

قال للسّاقي في المرَة الثَّانية: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ... (٥٠)﴾. ومن عجيب التَّناسب بين السُّور أنّ محور الشُّخوص في سورة يُوسُفَ يدور حول تغيّر أحوالهم بعد أن غيَّروا ما بأنفسهم، ثمّ جاءت سورة الرّعد، وفيها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... (١١)﴾ [الرعد]. فإنَّك ترى في سورة يُوسُفَ أنَّ كلَّ قضيَّة ختامُها خير، وكلَّ عُسْر فيها إلى يُسْر، فقد ألقي يُوسُفُ في غيابة الجبِّ فنجا، وبيع بثمن بخس فأكرم عزيز مصر مثواه وجعله بمنزلة الولد، وراودته امرأة العزيز فعصمه الله، واتَّهمته امرأةُ العزيز وافْتَرَتْ عليه الكَذِبَ، ثمَّ برَّأته وندمت وطمعت برحمة الله، ودخل السّجن فخرج منه على خزائن الأرض، وجاءت سنواتُ القحط فوفَّقه اللهُ في مواجهتها وانتهى الجَدْبُ بالخِصْبِ، وآذاه إخوتُه فأَظْهَرَهُ اللهُ عليهم، وفعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا، ثمَّ رجعوا وأنابوا، وطلبوا من أخيهم العفو فعَفا عنهم، وطلبوا من أبيهم الاستغفارَ لهم فاستغفر لهم، وجمع اللهُ بين يُوسُفَ ويَعْقُوبَ، وآوى إليه أبويه، ورفعهما على العرش، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس]. * * *

стр. 179

القِسْمُ السَّادس الخاتمة ساعة اللِّقاء وتلبية لدعوة يُوسُفَ سَارَت الأسْرَةُ عن آخرها من فلسطينَ لمصْرَ، وكانت هذه السَّفرة الرَّابعة لمصْرَ، ولكن هذه السَّفرة كان في طليعتها نبيُّ الله تعالى يعقوب ـ ﵇ ـ. ولمَّا وصلت القافلةُ بهم كان يُوسُفُ في استقبالهم، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي ضمَّهما إليه واعتنقهما، ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أطلق الكلّ وهو لفظة ﴿مِصْرَ﴾ وأراد الجزء، فهو مجاز مرسل، وعلاقته الكليَّة ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ من القحط، والمكاره كلِّها. أمَّا هل هي أمُّه التي آواها إليه أم خالته؟ فالله تعالى أعلم، فبكلٍّ قال بعضُ المفسِّرين. أمَّا ساعة اللِّقاء، فما أجملَها وأسعدَها وأهنأَها وأعذبَها من سَاعة! ساعة لا يقف أمامَها متحدِّثٌ، ولا ينالها قَلَمُ أديب. الاشتراك في الدُّخول والانفراد في الإيواء قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ يظهر أنَّهم اشتركوا في الدُّخول لكنَّهم تباينوا في الإيواء؛ فالآية أظهرت لنا مشهدين: مشهد دخول يَعْقُوب ـ ﵇ ـ وبنيه أرض مصر، ومشهد إيواء يُوسُفَ وضمِّه لأبويه فقط. ونفهم من ذلك ما ينبغي للأبوين من إكرام وتقدير، وتقريب وتقديم، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ ... إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى ... (٣٦)﴾ [النِّساء].

стр. 180

مصر في القرآن لم يَذْكُر الله تعالى بلداً من البلدان باسمه في القرآن كما ذكر مصر، فمثلاً ذكر الله تعالى البلد الأمين مكّة باسمها مرّة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ... (٢٤)﴾ [الفتح] وذكرها باسم بكّة مرّة، فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران] أمَّا مصر فورد ... اسمها صريحا في غير موضع، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ... (٢١)﴾ [يوسف] وقال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ [يوسف] وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ... (٨٧)﴾ [يونس] وقال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ... (٥١)﴾ [الزّخرف] وقال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا (١) فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ... (٦١)﴾ [البقرة]. وذكرها الله تعالى في مواضع بالكناية، فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ... (٣٠)﴾ [يوسف] أي في مصر، وقال: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ... (٥٨)﴾ [يوسف] أي جاؤوا مصر، وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ... (٨٠)﴾ [يوسف] يعني أرض مصر، وقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ... (٨٧)﴾ [يوسف] أي اذهبوا إلى مصر. ووصيَّة النَّبيّ ـ ﷺ ـ بأهل مصر خالدة في الصَّحيح، أخرج مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ: " إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا
следующие страницы →