المبحث العشرون: في إرسال النبي ﷺ سرية إلى إِضَم وقتلهم رجلاً بعد إسلامه .
١٤١- قال ابن شبة١: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار٢، قال: حدثنا الوليد بن مسلم٣ قال: حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان٤ وغيره عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن موهب٥ عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي٦ قال:
стр. 632
أرسل رسول الله ﷺ سرية١ فلقوا المشركين بإضم٢ أو قريب منه، فهزم الله المشركين وغشي محلّم بن جثامة الليثي٣ عامر بن الأضبط الأشجعي٤، فلما لحقه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينته بكلمته حتى قتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فأرسل إلى محلم فقال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فقال: يا رسول الله إن كان قالها فإنما يعوذ بها وهو كافر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا ثقبت عن قلبه؟ " قال: يريد - والله أعلم - إنما كان يعرب عن القلب واللسان، قال ابن سمعان: وإنه قتله محلم رغبة في سلاحه، وفيه نزلت هذه الآية: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ
стр. 633
لستَ مؤمناً﴾ ١ قال الوليد: وأنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن يقول: إنما نزلت هذه الآية في قتل مرداس الفدكي٢.
стр. 634
_________
حسن. وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٤٠ رقم ٢٤٢٦) ، وحكم عليه بالصحة. وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك (٢/ ٢٣٥) وصححه.
وروى البزار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال له: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال النبي ﷺ : كيف لك بلا إله إلا الله غداً. وأنزل الله هذه الآية". الفتح (٨/ ٢٥٨) وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها بالتعدد.
قال الحافظ ابن حجر: "ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبي أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك، وأن اسم القاتل: أسامة بن زيد". الفتح (٨/ ٢٥٨) .
قلت: قد أخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (٧/ ٥١٧) رقم (٤٢٦٩) من حديث أسامة بن زيد ﵄ يقول: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرَقَة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدما بلغ النبي ﷺ فقال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذاً. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".
وهذه السرية كانت في رمضان سنة سبع كما ذكر ابن حجر في الفتح (٧/٢٥٨) وكان أميرها غالب بن عبد الله الليثي، وقتل أسامة لهذا الرجل في هذه السرية يدل على تعدد القصة. والله أعلم.
стр. 635
١٤٢- قال البيهقي: أخبرنا أبو القاسم١ عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، قال: أخبرنا أبو بكر محمد٢ بن أحمد بن خَنْب، قال: حدثنا محمد٣ بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أيوب٤ بن سليمان ابن بلال، قال: حدثنا أبو بكر٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال٦، عن محمد٧ بن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب (ح) . وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن
стр. 636
يعقوب، قال: حدثنا محمد بن أسامة قال: حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثنا عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب قال: أغار رجل من أصحاب رسول الله ﷺ على سرية من المشركين فانهزمت، فغشي رجل من المسلمين رجلاً من المشركين - وهو منهزم - فلما أراد أن يعلوه بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتله، ثم وجد في نفسه من قتله، فذكر حديثه لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " فهلاّ نقّبت عن قلبه؟ " يريد أن يعبر عن القلب اللسان، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى توفي ذلك الرجل القاتل، فدفن فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ فقال: "ادفنوه" فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ فقال: "ادفنوه" فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، فجاءوا رسول الله ﷺ فحدثوه ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "إن الأرض قد أبت أن تقبله، فاطرحوه في غار من الغيران"١.
стр. 637
الفصل الثالث: فتح مكة شرفها الله والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة .
...
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
١٤٣- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٢، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري٣، قالا: حدثنا أبو العباس٤ محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد٥ بن عبد الجبار، حدثنا يونس٦ بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من
стр. 638
شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت١ خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً٢، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين
стр. 639
دخلوا في عقد رسول الله ﷺ وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير١، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله ﷺ ، وأن عمرو بن سالم٢ ركب إلى رسول الله ﷺ عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها:
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا٣
كنا والداً وكنت ولدا٤ ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
стр. 640
فانصر رسول الله نصرا أعتدا١ ... وادع عباد الله يأتوا مددا٢
فيهم رسول الله قد تجردا٣ ... إن سيم خسفاً وجهه تربدا٤
في فيلق٥ كالبحر يجري مزبدا٦ ... إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدّا ... وزعموا أن لستُ أرجو أحدا
فهم أذلّ وأقلّ عددا ... قد جعلوا لي بكداءٍ٧ مرصدا٨
هم بيتونا بالوتير هجدا٩ ... فقتلونا ركعاً وسجدا
стр. 641
فقال رسول الله ﷺ : "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم "١.
فما برح رسول الله ﷺ حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"٢، وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم٣.
стр. 642
_________
أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (٧/ ٥٢٠) .
وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (٦/ ١٦٥) ، وكشف الأستار (٢/ ٣٤٢ رقم ١٨١٧) ، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (٥/ ١٣) ، وانظر البداية والنهاية (٤/ ٢٨٠) نقلاً عن البيهقي.
стр. 643
ا لمبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي ﷺ إلى مكة وعدد جيشه .
١٤٤- قال البخاري: حدثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ خرج في رمضان١
стр. 644
ومعه عشرة آلاف١ وذلك على رأس ثمان٢ سنين ونصف من مقدمه
стр. 645
المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيد١ -وهو ماء بين عسفان وقُدَيْد -أفطر وأفطروا".
قال الزهري٢: "وإنما يؤخذ من أمر النبي ﷺ الآخر فالآخر"٣.
стр. 646
المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عليه وسلم لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول ﷺ .
...
المبحث الثالث: في كتابة حاطب ﵁ لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول ﷺ إليهم
١٤٥- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿يأيها الذينَءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ﴾ ٢ أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة٣، قال:
стр. 647
كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأرسل علي اً والزبير١ فقال: "اذهبا فإنكما ستدركان امرأة٢ بمكان كذا وكذا٣، فأتياني بكتاب معها"، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت ما معي كتاب، قالا: والله لا ندع عليك شيئاً إلا فتشناه أو تخرجينه، قالت: أولستما مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبي ﷺ أخبرنا أن معك كتاباً، فقد أيقنت أنفسنا
стр. 648
أنه معك، فلما رأت جدّهما، أخرجت كتاباً من قرونها١ فرمت به، فذهبا به إلى النبي ﷺ فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعه إلى كفار قريش"، فدعاه النبي ﷺ فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: أما والله ما ارتبت٢ في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءاً غريباً٣ فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع عنهم بذلك. فقال عمر: ائذن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : "مهلاً يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل
стр. 649
بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم"١.
١٤٦- وقال الطبراني٢: حدثنا موسى بن هارون٣، ثنا هاشم بن الحارث٤، ثنا عبيد الله بن عمرو٥ عن إسحاق بن راشد٦، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة٧
стр. 650
أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتاباً وهو مع رسول الله ﷺ قد شهد بدراً، فدعا رسول الله ﷺ علياً والزبير فقال: " انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به". فانطلقا حتى لقياها، فقالا: أعطينا الكتاب الذي معك، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها، فقالت: ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ حدثنا أن معك كتاباً، فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما، فدعا رسول الله ﷺ حاطباً حتى قرأ عليه الكتاب، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟
قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ ". قال: هناك ولدي وذو قرابتي، وكنت امرأ غريباً فيكم معشر قريش، فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب، فقال رسول الله ﷺ : "لا، لأنه١ قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم"٢.
стр. 651
المبحث الرابع: في مسير النبي ﷺ لفتح مكة
١٤٧- قال الطبراني١:حدثنا أبو شعيب الحراني٢، ثنا أبو جعفر النفيلي٣، ثنا محمد بن سلمة٤ عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري٥، وخرج لعشر٦ مضين من رمضان فصام رسول
стр. 652
الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ١ أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران٢ في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة٣ وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب٤ مع رسول الله
стр. 653
صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام١ وبديل بن ورقاء٢ يتحسسون٣ وينتظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب٤ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة٥ قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك٦ عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي
стр. 654
بمكة ما قال) ، فلما أخرج إليهما بذلك١، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقَّ لهما٢، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح٣ قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ ، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك٤، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا
стр. 655
عسكراً، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها١ الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة٢؟
فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟
فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟
قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟
فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟
وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء،
стр. 656
فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ". قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ".
قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك.
قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض
стр. 657
رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : (يا عباس احبسه بمضيق١ الوادي عند خطم٢ الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق٣، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن
стр. 658
أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس١ فبئس من طليعة قوم.
قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد٢.
стр. 659
١٤٨- قال البيهقي: أخبرنا الحسين١ بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر٢ الرزاز، قال: حدثنا أحمد٣ بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال٤ الأشعري، قال: حدثنا زياد٥ بن عبد الله البكائي عن محمد بن
стр. 660
إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به".
فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئاً يتشرف به، فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن"، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن".
فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن"، فقال: هذه واسعة٢.
стр. 661
١٤٩- وقال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم٢، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله ﷺ -كما يقال -في اثني عشر ألفاً٣ من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر
стр. 662
الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط١ والعسكر، وسمعوا صهيل٢ الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب٣ حشَّتها٤ الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا٥ الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضاً، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله ﷺ بعثهم عيوناً لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: هذا رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب٦ فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة
стр. 663
ثكلتك١ أمك وعشيرتك، هذا محمد ﷺ في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] ٢ على رسول الله ﷺ فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟
قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله ﷺ ، فقال: ما رأيت ملكاً قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله ﷺ فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، فشهد أن محمداً رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية،
стр. 664
وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه".
فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشاً خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا.
فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقاً أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم".
فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟
قال رسول الله ﷺ : نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم١، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟
فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح
стр. 665
حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله ﷺ منادياً فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله ﷺ بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمراً عظيماً رعبه الله به، وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء١ من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون٢ ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناساً أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف
стр. 666
وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة١ وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح٢، والحويرث بن نقيذ٣، وابن خطل٤، ومقيس بن
стр. 667
صُبابة١ أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين٢ لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة٤
стр. 668
فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة
وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله ﷺ ، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة١ حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله ﷺ في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو
стр. 669
آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.
ولماّ علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر إلى البارقة١ على الجبل مع فضض٢ المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ ".
فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك٣، فهبط رسول الله ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ : كُرز بن جابر٤ أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد٥،
стр. 670
وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله ﷺ فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله ﷺ فقال أحدهم١: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل ذلك".
ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي