وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة١ وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح٢، والحويرث بن نقيذ٣، وابن خطل٤، ومقيس بن
стр. 667
صُبابة١ أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين٢ لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة٤
стр. 668
فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة
وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله ﷺ ، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة١ حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله ﷺ في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو
стр. 669
آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.
ولماّ علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر إلى البارقة١ على الجبل مع فضض٢ المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ ".
فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك٣، فهبط رسول الله ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ : كُرز بن جابر٤ أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد٥،
стр. 670
وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله ﷺ فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله ﷺ فقال أحدهم١: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل ذلك".
ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي
стр. 671
دلواً"١ ثم انصرف في ناحية المسجد قريباً من المقام مقام إبراهيم ﵇، فكان المقام - زعموا - لاصقاً بالكعبة، فأخره رسول الله ﷺ مكانه هذا٢، ودعا رسول الله ﷺ بسجل٣ من ماء زمزم فشرب
стр. 672
وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله ﷺ يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكاً قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامداً للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فاراً نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله ﷺ : "أدرك ابن عمك فهو آمن".
فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله ﷺ ، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله ﷺ فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله ﷺ بردة حَبِرة كان معتجراً بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله ﷺ فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟
стр. 673
قال: (نعم) ، قال: اجعل لي شهراً١ قال رسول الله ﷺ : "بل لك شهران لعل الله أن يهديك".
وقال ابن شهاب: نادى رسول الله ﷺ صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله ﷺ : (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر٢، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام٣ وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ٤ فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله ﷺ عكرمة وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه
стр. 674
وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فاراً فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال:
وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمة
وألحقتنا بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
قال ابن شهاب: قالها حِماس١ أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله ﷺ : "قضاء الله عزوجل خير".
قال: وكان دخول رسول الله ﷺ مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ٢، فلما دنونا منها استقلت على
стр. 675
ظهرها فإذا هي تشخب١ لبناً فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم اً بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله ﷺ إلى مكة:
عدمت بنيتي٢ إن لم تروها ... تثير النقع٣ من كتفي كَداءُ
ينازعن الأعنة٤ مصفيات٥ ... يلطمهن بالخُمر النساء
فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
هجوتَ٦ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
стр. 676
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تَكَيده١ الدلاء
قال: فذكروا أن رسول الله ﷺ تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر٢.
١٥٠- قال الحاكم٣حدثنا أبو العباس محمد٤ بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ قال: مضى رسول الله ﷺ وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت٥سليم، وأَلَّفَت٦مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم
стр. 677
يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك١ وابن عمتك وصهرك٢، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن٣ له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله ﷺ أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنَذْهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشاً أو جوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقَّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:
لعمرك أني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج٤ الحيران أظلم ليلهُ ... فهذا أوانُ الحق أُهدي وأهتدي
стр. 678
هدانيَ هادٍ غير نفسي ونالني
إلى الله من طردّت كل مطرِّدِ
أفر سريعاً جاهداً عن محمد
وأدعى ولو لم أنتسب من محمد
هُم عصبة من لم يقل بهواهم
وإن كان ذا رأي يلَم ويفنَّد١
أريد لأرضيهم ولست بلائط٢
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالكم
وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي
فماكنت في الجيش الذي نال عامراً
ولا كل عن خير لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة
توابع جاءت من سهام٣ سردد٤
قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ : ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد٥.
стр. 679
_________
(ابن هشام ٢/ ٤٠٠- ٤٠١) .
ووصله ابن جرير في التاريخ عن ابن إسحاق من غير طريق الزهري (٢/ ٥-- ٥١) ، ومعنى قوله: (أنت طردتني ... ) أي أنك ممن ساعد على إخراجي من مكة، والله أعلم. وانظر: النهاية (٣/ ١٢٨) .
стр. 680
المبحث الخامس: في منزل الرسول ﷺ بمكة .
...
المبحث الخامس: في منزل رسول الله ﷺ في مكة زمن الفتح
١٥١- روى البخاري من حديث الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ؟ "١.
١٥٢- وروى البخاري أيضاً من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال حين أراد حنيناً: (منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) ٢.
стр. 681
المبحث السادس: في قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة .
...
المبحث السادس: قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة
١٥٣- قال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير١ قال: حدثني أبي٢ قال: سمعت يونس٣ يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد٤ أحد بنى سعد بن بكر أنه سمع شريح الخزاعي٥ ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وهو يقول: (أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله ﷺ برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله ﷺ ليسلم
стр. 682
وكان قد وترهم١ في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله ﷺ فيأمر٢، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منه فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلى ﵁ نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله ﷺ الصلاة قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن الله هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلّها لي ساعة من النهار أمس وهى اليوم حرام كما حرمها الله أول مرة وإن أعتى٣ الناس على الله ثلاثة: رجل قَتَل فيها، ورجل قَتَل غير قاتله، ورجل طُلِبَ بِذَحْلٍ٤ في الجاهلية، وإني والله لأَدِيَنَّ٥ هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
стр. 683
المبحث السابع: في كيفية دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح
١٥٤- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم: أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر١، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل٢ متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه"٣.
стр. 684
المبحث الثامن: في تكسير النبي ﷺ للأصنام التي حول الكعبة .
١٥٥- أخرج أبو الوليد الأزرقي من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" ويشير إليها فما منها صنم
стр. 685
أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها١.
стр. 686
المبحث التاسع: في قصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل
١٥٦- أخرج مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساءً كن على عهد رسول الله ﷺ يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت١ الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أماناً لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضى أمراً قبله وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله ﷺ بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمراً قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله ﷺ : (انزل أبا وهب) ، فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله ﷺ : (بل لك تسير أربعة أشهر) ، فخرج رسول الله ﷺ قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره٢ أداة وسلاحاً عنده فقال صفوان: أطوعاً أم كرهاً؟ فقال:
стр. 687
(بل طوعاً) .
فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله ﷺ وهو كافر فشهد حنيناً والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح١.
١٥٧- قال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني٢، أخبرنا عبد الله بن المبارك٣، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض
стр. 688
آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر: قلت: قد أمكن الله منهم أُعَرِّفُهُم بما صنعوا، حتى قال النبي ﷺ : "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١) قال عمر: فانفضحت حياءً من رسول الله ﷺ كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال٢.
١٥٨- وقال الحاكم٣: حدثنا أحمد بن سهل٤ الفقيه ببخارى، ثنا سهل بن المتوكل٥، ثنا إسماعيل بن أبي أويس٦، عن أبيه٧، عن
стр. 689
الزهري، عن عروة بن الزبير قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد إن هذه١ أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله ﷺ : "أنت آمن"، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس.
قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت٢ فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك"، قلت: يا رسول الله مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتجاهد في سبيله"، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضِعْفَه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر رضي الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله ﷺ استعمله عام حجته على هوازن يصدقها، فتوفي رسول الله ﷺ وعكرمة يومئذ بتبالة٣.
стр. 690
١٥٩- مالك عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحاً، وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك١.
стр. 691
المبحث العاشر: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
١٦٠- قال البخاري: حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، (ح) وحدثني نعيم، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث١ النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة٢، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا٣، فجعلوا يقولون: صبأنا،
стр. 692
صبأنا١، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد٢، مرتين"٣.
стр. 693
١٦١- وقال ابن إسحاق١: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الأخنس٢، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي٣ قال: كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد، فقال لي فتى٤ من بني جذيمة وهو في
стр. 694
سني، وقد جعلت يداه إلى عنقه برُمّة١، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: "يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
قال: قلت: والله ليسيرٌ ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفت عليهن: فقال اسلمي حبيش٢ على نفد من العيش:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية٣ أو ألفيتكم بالخوانق٤
ألم يك أهلاً أن ينوّل عاشق ... تكلف إدلاج٥السرى والودائق٦
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً ... أثيبي٧ بود قبل إحدى الصفائق٨
стр. 695
أثيبي بود قبل أن تشحط١ النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإنّي لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق٢
سوى أن ما نال العشيرة شاغل ... عن الودِّ إلا أن يكون توامق٣
قالت: وأنت فحييت سبعاً وعشراً وتراً وثمانياً تترى.
قال: ثم انصرفتُ به فضربتُ عنقه"٤.
стр. 696
الفصل الرابع: غزوة حنين وحصار الطائف
المبحث الأول: في سبب الغزوة .
...
المبحث الأول: في سبب الغزوة
١٦٢- قال خليفة بن خياط في تاريخه: نا وهب١ عن أبيه٢ عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب٣ عن أبيه٤ عن جده٥، قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن هوازن٦ لما سمعت برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه جمعها مالك
стр. 697
ابن عوف النصري١، وخرج رسول الله ﷺ من مكة معه ألفان٢
стр. 698
من أهل مكة مع عشرة آلاف١ من أصحابه واستعمل على مكة٢ ابن أَسيد٣ فالتقوا بحنين٤، فجال المسلمون ثم كروا على عدوهم فهزم الله المشركين٥.
стр. 699
١٦٣- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٢، وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر٣، عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب٤، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم٥، وعبد الله بن المكدم بن عبد الرحمن الثقفي٦ عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله ﷺ وساروا إليه، فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض وقد اجتمع حديثهم: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف
стр. 700
النصري بني نصر، وبني جُشَم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعاً١ من بني هلال، وهم قليل، وناساً من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف٢، وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم فمكث فيهم يوماً أو يومين، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال عمر ﵁: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: "قد كنت ضالاً يا عمر فهداك الله"، ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعاً عنده مائة٣ درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصباً يا محمد، فقال: بل
стр. 701
عارية١ مضمونة حتى نؤديها عليك، ثم خرج رسول الله ﷺ سائراً.
زاد أبو عبد الله في روايته قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم٢.
стр. 702
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة .
١٦٤- قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة"١.
стр. 703
المبحث الثالث: في خروج النبي ﷺ إلى حنين ومروره بذات أنواط .
١٦٥- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن سنان بن
стр. 704
أبي سنان الديلي١، عن أبي واقد الليثي ٢، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين فمررنا بالسِّدْرة٣ فقلنا: أي رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط٤ كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٥ إنكم تركبون سَنَن الذين من قبلكم"٦.
стр. 705
المبحث الرابع: في إعجاب المسلمين بكثرتهم .
١٦٦- وقال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ﴾ ١ قالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، فأقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة٢ يصلي ركعتين، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب