خالف فيهما الشافعي»، والكتب الأولى ما عدا من «المسائل الأصبهانيات» يحتوي عليها كتاب سماه «السير».
١٦٦ - داود بن أبي هند القشيريّ مولاهم أبو بكر أو أبو محمد البصري (١).
أحد الأعلام، ثقة متقن من الطبقة الخامسة.
رأى أنس بن مالك، وروى عن أبي العالية، وابن المسيّب.
وعنه شعبة، والقطّان، له نحو مائتي حديث.
وكان حافظا، صوّاما دهره، قانتا لله تعالى. مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة، عن خمس وسبعين سنة.
له «تفسير»
стр. 177
حرف الذال
١٦٧ - أبو ذرّ الحنفيّ (١).
إمام. له «تفسير» أفتى فيمن قال يا ربّ جمعت العقوبات عليّ تسخّطا، يكفر، ذكره في «القنية».
وذكر في تفسيره الكلاب ثلاثة، كلب يضر [وهو (٢)] الذي أمرنا بقتله، وكلب ينفع ولا يضر (٣) فيجوز بيعه وإمساكه، وكلب لا ينفع ولا يضر فلا يتعرض له.
وروي عن أبي ذرّ: أن إمامه ببخارى قرأ ووقف، وابتدأ من قوله تعالى (٤): وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ فعزل إمامه، ولم يأمر بإعادة الصلاة.
ذكره القرشي.
стр. 178
حرف الراء
١٦٨ - ربيع بن سليمان بن عطاء الله أبو سليمان القطان (١).
كان من الفقهاء المعدودين، والعبّاد المجتهدين، والنسّاك، أهل الورع والدين، عالما بالقرآن قراءة وتفسيرا ومعنى. حافظا للحديث ومعانيه، وعلله وغريبه ورجاله، حافظا للفقه، حسن الكلام على معانيه، قويا على المناظرة حافظا «للمدوّنة» وغيرها، معتنيا بالمسائل والفقه، كانت له بجامع القيروان حلقة يحضرها أبو القاسم بن شبلون وغيره، أيام أبي زيد، ذكر المالكيّ.
وكان تفقه عند أحمد بن نصر ولازمه، وصار من كبار أصحابه، وكان عالما بالوثائق حسن الخط، أخذها عن ابن زياد، وأخذ النحو واللغة عن أبي علي المكفوف، وغيره.
وكان يؤلف الخطب والرسائل ويقول الشعر، وكان لسان إفريقية في وقته في الزهد والرقائق.
سمع أحمد بن زياد، وابن اللبّاد، والتمار، والفضل، وابن نصر، وابن أبي زاهر، وأبا محمد بن رشد، وأبا محمد بن يزيد المقرئ، وغيرهم.
وبمصر من مأمون.
стр. 179
وبمكة من ابن شاذان الجلاب، وغيره.
ووصف بالزهد والخير، وذهب إلى علم الباطن والنسك والعبادة، ومن حكمه: الدّنيا أمل ووجل، والآخرة جزاء وعمل، والمتوسّط بينهما أجل.
وله رسائل كثيرة مشطحة على طريق كلام الصّوفية ورموزهم.
ويقال: إنه كان يجتمع بالخضر، قتل شهيدا سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ومولده سنة ثمان وثمانين ومائتين.
١٦٩ - رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد (١).
أبو محمّد التميميّ البغداديّ الحنبليّ، المقرئ الفقيه الواعظ.
قال الذهبي في «طبقات القراء»: ولد سنة أربعمائة، وقرأ القرآن على أبي الحسن الحمّامي، وسمع من أبي الحسين أحمد بن المتيّم، وأبي عمر بن مهدي، وأبي الحسين بن بشران، وجماعة.
وكان إماما مقرئا فقيها محدّثا، واعظا أصوليا مفسّرا لغويّا، فرضيّا كبير الشأن وافر الحرمة.
قال ابن سكرة: قرأت عليه لقالون ختمة.
وقال أبو زكريّا يحيى بن منده الحافظ: سمعت رزق الله يقول: أدركت
стр. 180
من أصحاب ابن مجاهد، رجلا يقال له أبو القاسم عبيد الله بن محمد الخفّاف، وقرأت عليه سورة البقرة، وقرأها على أبي بكر بن مجاهد.
قال الذهبي: وممّن قرأ لقالون على رزق الله، محمد بن الخضر المحوّليّ شيخ التاج الكنديّ، والشيخ أبو الكرم الشّهرزوريّ.
وقد روى أبو سعد السّمعاني: حديث (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) عن أربعة وسبعين نفسا، سمعوه من رزق الله التميمي، وآخر من روى عنه ببغداد، أبو الفتح (١) بن البطّيّ، وآخر من روى عنه مطلقا أبو طاهر السّلفيّ، روى عنه إجازة.
قال ابن ناصر: توفي شيخنا أبو محمد التميميّ، في نصف جمادى الأولى سنة ثمان وأربعمائة، ودفن بداره، ثم حول بعد ثلاث سنين.
١٧٠ - رفيع بن مهران أبو العالية الرّياحيّ (٢).
بكسر الراء والتحتانيّة البصريّ المقرئ الفقيه، مولى امرأة من بني رياح بطن من تميم، رأى أبا بكر، وقرأ القرآن علي أبيّ وغيره.
وسمع من عمر، وابن مسعود، وعلي، وعائشة، وطائفة.
وعنه قتادة: وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وعوف الأعرابي، والربيع بن أنس، وأبو عمرو بن العلاء، وطائفة.
стр. 181
روى قتادة عنه، قال: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم محمد ﷺ بعشر سنين.
وعن أبي خلدة عنه قال: كان ابن عبّاس يرفعني على سريره وقريش أسفل منه، ويقول: هكذا العلم، يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة.
قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، ثم سعيد بن جبير.
ثقة، كثير الإرسال، وله «تفسير»، رواه عنه الربيع بن أنس البكري، خرّج حديثه الجماعة. مات سنة تسعين، والأصح سنة ثلاث وتسعين من الهجرة.
١٧١ - روح بن عبادة بن العلاء بن حسّان القيسيّ أبو محمد البصري (١) ثقة فاضل. سمع ابن عون، وحسينا، المعلّم، وابن أبي عروبة، وطبقتهم، وعني بهذا الشأن.
وعند أحمد، وإسحاق، وبندار، وإسحاق الكوسج، وبشر بن موسى، وخلق كثير.
قال الكديمي: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: نظرت لروح في أكثر من مائة ألف حديث، كتبت منها عشرة آلاف.
وقال يعقوب بن شيبة: كان روح يتحمل الحمالات، وكان سريّا مهيبا كثير الحديث جدا، سمعت ابن المديني يقول: ما زال في الحديث لم يشغل عنه.
стр. 182
وقال الخطيب: صنّف الكتب في السنن والأحكام، وجمع «تفسيرا» وكان ثقة.
وقال أحمد بن الفرات: طعن على روح اثنا عشر فلم ينفذ قولهم فيه. قال الذهبي: وحديثه في أصول الإسلام كلها. مات في جمادى الأولى سنة خمسين ومائتين ونيف على الثمانين، تكلم فيه القواريري لكونه روى عن مالك سبعمائة حديث فاستعظم كثرتها.
روى له الجماعة، وتفسيره رواه عنه أبو الأزهر صالح بن درهم الباهلي البصري.
стр. 183
حرف الزاي
١٧٢ - زائدة بن قدامة أبو الصّلت الثقفيّ النّكريّ الكوفيّ (١).
سمع أبا حصين، والأعمش، وهشام بن عروة، وعبد الملك بن عمير، وزياد بن علاقة، وأبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيميّ، وحميدا، وحصين ابن عبد الرحمن، وشيبان، والمختار بن فلفل، وهشام بن حسّان، وأبا الزناد، وسماكا، ومنصورا، وموسى بن أبي عائشة، ومالك بن مغول، وعمرو بن يحيى الأنصاري، وإسماعيل بن
أبي خالد، وأبا حازم بن دينار، وأشعث بن أبي الشعثاء، وميسرة، والسدي إسماعيل، وسعيد بن مسروق، والحسن بن عبيد الله.
روى عنه حسين الجعفيّ، وأبو أسامة، ومعاوية بن عمرو، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وعبد الرحيم المحاربيّ، ويحيى بن أبي بكير، وأبو حذيفة، وأبو الوليد، وموسى القاريّ (٢)، وسفيان بن عيينة، ومصعب بن المقدام، وأبو داود الطيالسي.
قال ابن سعد: مات بالرّوم، عام غزاة الحسن بن قحطبة الصّائفة سنة ستين- أو إحدى وستين- ومائة، أخرج له الجماعة.
стр. 184
له كتاب «التفسير»، «كتاب السنن»، «كتاب القراءات»، «كتاب الزهد»، «كتاب المناقب».
١٧٣ - الزبير بن أحمد ..... (١) له «ناسخ القرآن ومنسوخه» ................ ..... (٢)
١٧٤ - زكريا بن داود بن بكر بن عبد الله الخفّاف النّيسابوريّ (٣).
صاحب «التفسير الكبير» تقدّم في عصره.
سمع يحيى بن يحيى، ويزيد بن صالح، وأبا بكر بن شيبة، وعلي بن الجعد، وأبا مصعب الزهري، وغيرهم.
وعنه أبو العباس السراج، وأبو حامد بن الشّرقيّ. مات في جمادى الآخرة سنة ست وثمانين ومائتين.
١٧٥ - زيد بن أسلم العدويّ الإمام أبو عبد الله العمري المدني الفقيه (٤).
يروي عن مولاه عبد الله بن عمر، وسلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعطاء بن يسار، وعلي بن الحسين، وعدّة.
وعنه مالك، وهشام بن سعد، والسفيانان، وعبد العزيز الدّراورديّ، وخلق.
وكانت له حلقة للعلم في مسجد النبي ﷺ .
стр. 185
قال أبو حازم الأعرج: لقد رأيتنا، في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت فيه متماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا.
وكان أبو حازم يقول: لا أراني الله يوم زيد، إنه لم يبق أحد أرضى لديني ونفسي منه، فأتاه نعي زيد فعقر فما شهده.
قال البخاري: كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم فكلّم في ذلك؛ فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه.
قال الذهبي: ولزيد «تفسير» يرويه عند ولده عبد الرحمن، وكان من العلماء الأبرار، قال مالك، قال ابن عجلان: ما هبت أحدا هيبتي زيد بن أسلم.
وقال بن معين: لم يسمع زيد من أبي هريرة، ولا من جابر. مات زيد سنة ست وثلاثين ومائة.
خرّج له الجماعة، وهو من الطبقة الثالثة.
١٧٦ - زيد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن ميمون بن عبد الله بن عبد الحميد بن أيوب اليمانيّ الفائشي (١).
جمع علوما في التفسير والقرآن والحديث، واللغة والنحو، والكلام والفقه والخلاف، والدّور والحساب، وكان كثير الحج والمجاورة.
تفقه ببلدة المشيرق بأسعد بن الهيثم، وببلدة سير بإسحاق الصّردفيّ، وبأبي بكر المخائيّ (٢) بالظّرافة- وهي بالظاء المعجمة المضمومة قرية قريبة
стр. 186
من الجند- وبيعقوب بن أحمد، وابن عبدوية ببلاد تهامة، وبالحسين الطّبريّ، وأبي نصر البندنيجيّ بمكة، وبخير بن ملامس، ومقبل بن زهير ببلد ذي أشرق.
وكان شيخ الشافعية وشيخ الفقهاء ببلاد اليمن في زمانه، وعليه تفقه صاحب «البيان» وأولاده أحمد، وعلي، وقاسم، بنو زيد بن الحسين.
مولده في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودرّس بالجعامى (١) مدة حياته، وبها توفي في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
ذكره ابن السبكي في «الكبرى».
стр. 187
حرف السين المهملة
١٧٧ - سريج بن يونس بن إبراهيم أبو الحارث البغدادي الحافظ (١).
مروزي الأصل، ثقة عابد، من الطبقة العاشرة. مات لثمان بقين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين.
روى عن إسماعيل بن جعفر، وعباد بن عباد.
وعنه البخاري، ومسلم، والنسائي.
له «التفسير»، «الناسخ والمنسوخ» «القراءات»، «السنن».
من اسمه سعد
١٧٨ - سعد بن محمد بن محمود بن محمد بن أحمد أبو الفضائل المشّاط (٢).
فقيه متكلم واعظ مفسّر، مذكّر، عارف بالمذهب والخلاف.
ذكره علي بن عبيد الله بن الحس صاحب «تاريخ الرّيّ» في كتابه، وذكر أنه سمع القاضي أبا المحاسن الرّويانيّ، وأباه أبا جعفر محمد بن محمود المشّاط، وأبا الفرج محمد بن محمود بن الحسن القزوينيّ الطبريّ، وغيرهم.
стр. 188
قال: وتوفّي ليلة الثلاثاء رابع عشر رمضان، سنة ست وأربعين وخمسمائة وروى عنه حديثا قرأه عليه.
ذكره ابن السبكي في «الكبرى».
من اسمه سعيد
١٧٩ - سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن قيس بن زيد بن النعمان ابن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج أبو زيد الأنصاري (١).
الإمام المشهور. كان إماما نحويا، صاحب تصانيف أدبيّة ولغويّة، وغلبت عليه اللّغة والنّوادر والغريب.
روى عن أبي عمرو بن العلاء، ورؤية بن العجّاج، وعمرو بن عبيد، وروى عنه أبو حاتم السّجستانيّ، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وعمر بن شبّة، وطائفة.
وروى له أبو داود، والترمذيّ، وهو صدوق له أوهام.
وجدّه ثابت، شهد أحدا والمشاهد بعدها، وهو أحد الستّة الذين جمعوا القرآن في عهد رسول الله ﷺ .
قال السّيرافيّ كان أبو زيد يقول: كلّما قال سيبويه: أخبرني الثقة، فأنا أخبرته به.
стр. 189
وقيل: كان الأصمعيّ يحفظ ثلث اللغة، وأبو زيد ثلثي اللغة، والخليل ابن أحمد نصف اللغة، وعمرو بن كركره الأعرابيّ يحفظ اللغة كلّها.
وقال المازنيّ: رأيت الأصمعيّ وقد جاء إلى حلقة أبي زيد، فقبّل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت سيّدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة.
ومن تصانيف أبي زيد: «لغات القرآن» «القوس والتّرس» «المياه» «خلق الإنسان» «الإبل والشاء» «حيلة ومحالة» «إيمان عثمان» «اللامات» «الجمع والتثنية» «قراءة أبي عمرو» «اللغات» «المطر» «النبات والشجر» «النوادر» «اللّبن» «بيوتات العرب» «تخفيف الهمز الواحد» «الجود والبخل» «المقتضب» «الغرائز» «الوحوش» «فعلت وأفعلت» «غريب الأسماء» «الأمثال» «المصادر» «الحلبة» «التّضارب» «المكتوم» «المنطق لغة» وغير ذلك. توفّي سنة خمس عشرة ومائتين. وقيل أربع عشرة، وقيل ست عشرة، عن ثلاث وتسعين سنة بالبصرة.
١٨٠ - سعيد بن بشير الأزديّ مولاهم أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشاميّ (١).
أصله من البصرة، أو واسط.
يروى عن قتادة، والزهري.
وعنه ابن مهدي، وأبو مسهر، وأبو الجماهر.
قال البخاري: يتكلمون في حفظه، وهو محتمل، من الطّبقة الثامنة.
مات سنة ثمان- أو تسع وستين- ومائة، خرج له الأربعة، صنّف «التفسير».
стр. 190
١٨١ - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي (١).
مولى بني والية بن الحارث من بني أسد، كنيته أبو عبد الله، وكان فقيها ورعا من الطبقة الثالثة، قرأ القرآن على ابن عبّاس، وقرأ عليه أبو عمرو، والمنهال بن عمرو، وقد حدّث عن ابن عبّاس، وعدي بن حاتم، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل، وأبي هريرة.
وروايته عن عائشة، وأبي موسى، ونحوهما، مرسلة.
روى عنه الحكم، وأيّوب، وجعفر بن أبي المغيرة، ومحمد بن سوقة، والأعمش، وخلق كثير.
وعن أشعث بن إسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير: جهبذ العلماء، وعن ابن عبّاس ﵄ قال: يا أهل الكوفة تسألوني وفيكم سعيد ابن جبير؟ خرج سعيد مع ابن الأشعث على الحجّاج ثم اختفى، وتنقّل في النواحي، ثم أتى به الحجّاج فقتله سنة خمس وسبعين ومائة.
وعن الثوري عن عمر بن سعيد بن أبي حسين قال: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دعي ليقتل، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ ومات الحجّاج بعده بستة أشهر، ولم يقتل بعده أحدا، ومات الحجّاج في شوال.
وكان سعيد من سادات التابعين، علما، وفضلا، وصدقا، وعبادة.
وروى عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.
стр. 191
وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد.
وعن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة، وقيل: إنه كان يختم في كل ليلتين.
١٨٢ - سعيد بن محمد بن شعيب بن أحمد بن نصر الله الأنصاري (١) الخطيب الأديب بجزيرة قبثور وغيرها؛ يكنى أبا عثمان.
روى عن أبي الحسن الأنطاكي المقرئ، وأبي زكرياء العابدي، وأبي بكر الزبيدي، وغيرهم.
وسمع: من أبي على البغدادي يسيرا وهو صغيرة.
وكان شيخا صالحا من أئمة القرآن، عالما بمعانيه وقراءاته، وعالما بفنون العربيّة، متقدّما في ذلك كلّه، حافظا ثبتا. وكان ظريف الحكايات والأخبار.
توفي في حدود سنة عشرين وأربعمائة.
ذكره ابن بشكوال في «الصّلة».
١٨٣ - سعيد بن محمد بن محمد العقباني التلمساني (٢).
هو إمام عالم فاضل فقيه في مذهب مالك، متفنن في علوم، سمع من ابني الإمام أبي زيد وأبي موسى، وتفقه بهما.
وأخذ الأصول عن أبي عبد الله الأبلي وغيره، وصدارته في العلوم مشهورة.
стр. 192
ولي قضاء الجماعة ببجانة في أيام السلطان أبي عنان والعلماء يومئذ متوافرون، وولي قضاء تلمسان، وله في ولاية القضاء مدّة تزيد على أربعين سنة.
وله تواليف منها «شرحه لسورة الفتح»، أتى فيه بفوائد جليلة، و «شرح الحوفي في الفرائض»، لم يؤلف مثله. و «شرح الجمل» للخونجي في المنطق، و «شرح التلخيص» لابن
البناء، و «شرح قصيدة لابن ياسمين» في الجبر والمقابلة، و «شرح العقيدة البرهانية في أصول الدين»، و «شرح مختصر ابن الحاجب» الأصلي وغير ذلك.
قال الشيخ برهان الدين بن فرحون في «طبقات المالكية»: وهو باق بالحياة، نفع الله به.
١٨٤ - سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله الإمام ناصح الدّين بن الدّهان النحويّ (١).
كان من أعيان النّحاة المشهورين بالفضل ومعرفة العربيّة.
سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، وأبي غالب أحمد بن البنّاء، وجماعة.
وصنّف «شرح الإيضاح» في أربعين مجلّدة، «شرح اللّمع»، «الدّروس في النحو»، «الرّياضة في النّكت النحويّة»، «الفصول في النّحو»، «الدروس في العروض»، «المختصر في القوافي»، «الضاد والظاء»، «تفسير القرآن»، «الأضداد»، «العقود في المقصور والممدود»، «النّكت والإشارات على ألسنة الحيوانات»، «إزالة المراء في الغين
стр. 193
والراء»، «تفسير الفاتحة»، «تفسير سورة الإخلاص»، «شرح بيت من شعر ابن رزيّك» عشرون كرّاسة، «ديوان شعر»، «رسائل».
ولد ليلة الجمعة حادي عشري شهر رجب سنة أربع- وقيل ثلاث- وتسعين وأربعمائة، وتوفي بالموصل ليلة عيد الفطر سنة تسع وستين وخمسمائة.
ومن شعره:
لا تحسبن أنّ بالكت ... ب مثلنا ستصير
فللدّجاجة ريش ... لكنّها لا تطير
وله:
وأخ رخصت عليه حتّى ملّني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك من يعزّ وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص
قال العماد الكاتب: كان ابن الدهّان سيبويه عصره، وكان يقال حينئذ النحويّون ببغداد أربعة: ابن الجواليقيّ، وابن الشّجريّ، وابن الخشاب، وابن الدّهان.
١٨٥ - سعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط (١).
كان مولى لبني مجاشع بن دارم من أهل بلخ. سكن البصرة، وكان أجلع لا تنطبق شفتاه على أسنانه.
قرأ اللغة على سيبويه، وكان أسنّ منه، ولم يأخذ عن الخليل، وكان معتزليّا.
стр. 194
حدّث عن الكلبيّ، والنّخعيّ، وهشام بن عروة، وروى عنه أبو حاتم السّجستانيّ، ودخل بغداد وأقام بها مدّة، وروي وصنف بها.
قال: ولما ناظر سيبويه الكسائي ورجع وجّه إليّ فعرفني ومضى إلى الأهواز وودّعني، فوردت بغداد فرأيت مسجد الكسائي فصليت خلفه الغداة، فلمّا انفتل من صلاته وقعد وبين يديه الفرّاء والأحمر وابن سعدان، سلّمت عليه وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطّأته في جميعها، فأراد أصحابه الوثوب عليّ، فمنعهم مني ولم يقطعني ما رأيتهم عليه ممّا كنت فيه.
ولما فرغت قال لي: بالله أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة! فقلت: نعم، فقام إليّ وعانقني، وأجلسني إلى جنبه، ثم قال لي: أولادي أحبّ أن يتأدّبوا بك، ويتخرّجوا عليك، وتكون معي غير مفارق لي، فأجبته إلى ذلك.
فلما اتّصلت الأيّام بالاجتماع، سألني أن أؤلف له كتابا في معاني القرآن، فألفت كتابا في المعاني [فجعله إمامه، وعمل عليه كتابا في المعاني (١)] وعمل الفراء في ذلك كتابا عليهما، وقرأ عليه الكسائي كتاب سيبويه سرا، ووهب له سبعين دينارا.
وقال المبرّد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش، ثم الناشي، ثم قطرب.
قال: وكان الأخفش أعلم الناس بالكلام، وأحذقهم بالجدل.
صنّف «الأوسط» في النحو، «تفسير معاني القرآن»، «المقاييس في النحو»، «الاشتقاق»، «المسائل الكبير»، «الصغير»، «العروض»،
стр. 195
«القوافي»، «الأصوات»، «كتاب الملوك»، «معاني الشعر»، «كتاب وقف التمام»، «كتاب صفات الغنم وألوانها وعلاجها»، وغير ذلك.
مات سنة عشر- وقيل خمس عشرة، وقيل إحدى وعشرين- ومائتين.
وكان أجلع، والأجلع الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه، والأخفش: الصّغير العينين مع سوء بصرهما.
من اسمه سفيان
١٨٦ - سفيان بن سعيد بن مسروق الإمام شيخ الإسلام الفقيه الحافظ الحجّة العابد أبو عبد الله الثوريّ (١) من ثور همدان، الكوفيّ، صاحب «التفسير» المشهور، الذي رواه عنه أبو حذيفة موسى بن مسعود النّهديّ.
حدث الثوري عن أبيه، وزبيده بن الحارث، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، ومحارب بن دثّار وطبقتهم.
وعنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع، والفريابيّ، وقبيصة، وأبو نعيم، ومحمد بن كثير، وأحمد بن يونس اليربوعيّ، وخلائق.
قال شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان. وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ مني.
وقال ورقاء: لم ير الثوري مثل نفسه.
стр. 196
وقال الإمام أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد.
وقال القطان: ما رأيت أحفظ منه، كنت إذا سألته عن حديث ليس عنده اشتد عليه.
قال عبد الرازق: وقال سفيان ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني.
وقال الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضى والصحة إلا سفيان.
وقال ابن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان.
وقال وكيع: كان سفيان بحرا.
وقال القطان: سفيان فوق مالك في كل شيء.
وقال أبو أسامة: من أخبرك أنه رأى مثل سفيان فلا تصدقه.
وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت بالعراق أحدا يشبه ثوريكم.
وقال الثوريّ: وددت أني نجوت من العلم لا عليّ ولا لي وما من عمل أنا أخوف عليّ منه، يعني الحديث.
قال يحيى بن يمان سمعت سفيان يقول: العلم طبيب الدّين، والدّراهم داء الدّين، فإذا اجتر الطبيب الداء إليه متى يداوي غيره.
قال الخريبي: سمعت الثوري يقول: ليس شيء أنفع للناس من الحديث.
[وقال أبو أسامة: سمعت سفيان يقول: ليس طلب الحديث (١)] من عدّة الموت لكنه علة يتشاغل به الرجل.
قال الذهبي في «طبقات الحفاظ» عقب هذا الكلام: قلت صدق والله
стр. 197
إن طلب الحديث شيء غير الحديث، وطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث، وكثير منها مراق إلى العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدّث من تحصيل النسخ المليحة، وتطلب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء وتمنى العمر الطويل ليروي، وحب التفرد إلى أمور عديدة، لازمة للأغراض النفسانية لا للأعمال الربانية، فإذا كان طلبك للحديث النبوي محفوفا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلا الإخلاص، وإذا كان علم الآثار مدخولا فما ظنك بعلم المنطق والجدل، وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة، ولا والله عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق. ولا وكيع، ولا ابن مهدي، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا عفان ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، وأحمد، وأبو ثور، والمزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن سريج، وابن المنذر، وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك، نعم. وقال سفيان أيضا، فيما سمعه منه الفريابي: ما من عمل أفضل من طلب الحديث إذا صحّت النية فيه. قال وسمعته يقول: دخلت على المهدي فقلت بلغني أن عمر أنفق في حجته اثني عشر دينارا وأنت فيما أنت فيه، فغضب. وقال: تريدني أن أكون في مثل الذي أنت فيه؟ قلت فإن لم تكن في مثل ما أنا فيه ففي دون ما أنت فيه.
قال ضمرة: سمعت مالكا يقول: إنما كانت العراق تجيش علينا بالدّراهم والثياب ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثوري.
قال صالح جزرة: سفيان أحفظ من شعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفا، وحديث شعبة نحو عشرة آلاف.
стр. 198
مولد سفيان في سنة سبع وتسعين، وطلب العلم وهو حدث فإن إباه من علماء الكوفة، مات بالبصرة في الاختفاء من المهدي، فإنه كان قوالا بالحق شديد الإنكار. مات في شعبان سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى.
وقد صح عن معدان عن الثوري في قوله تعالى (وهو معكم (١)) قال:
عمله، وهكذا جاء عن جماعة من المفسّرين.
وقد أفرد مناقب هذا الإمام بالتأليف ابن الجوزي، واختصره الذهبي.
وله «الجامع الكبير» يجري مجرى الحديث، رواه عنه يزيد بن أبي حكيم وعبد الله بن الوليد العرفيّ، وغيرهما «الجامع الصّغير» رواه عنه جماعة، منهم الأشجعي، وغسان بن عبيد، وغيرهما. و «كتاب الفرائض» و «رسالة أبي عباد بن الأرسوفيّ».
١٨٧ - سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون (٢).
الإمام المجتهد. الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد الهلاليّ الكوفيّ.
محدّث الحرم مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم صاحب «التفسير» يرويه عنه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي.
ولد سنة سبع ومائة وطلب العلم في صغره. سمع عمرو بن دينار، والزّهريّ وزياد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وعبد الرحمن بن القاسم، وأمما سواهم.
стр. 199
حدّث عنه الأعمش، وابن جريج، وشعبة، وغيرهم، من شيوخه، وابن المبارك وابن مهدي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق ابن راهويه وأحمد بن صالح، وابن نمير، وأبو خيثمة، والفلاس، والزعفراني، ويونس بن عبد الأعلى، وسعدان بن نصر، وعلي بن حرب، ومحمد بن عيسى بن حيّان المدائني، وزكريا بن يحيى المروزيّ، وأحمد بن شيبان الرمليّ (١) وخلق لا ينحصرون. فقد كان خلق يحجون، والباعث لهم لقى ابن عيينة فيزدحمون عليه في أيام الحج.
وكان إماما، حجّة، حافظا، واسع العلم، كبير القدر.
قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وعن الشافعي قال: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثا، ووجدتها كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث.
قال عبد الرحمن بن مهدي: كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز.
وقال الترمذي: سمعت البخاري يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد ابن زيد.
قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحدا فيه من آلة العلم ما في سفيان، وما رأيت أحدا أكفّ عن الفتيا منه، وما [رأيت (٢)] أحدا أحسن لتفسير الحديث منه.
وقال أحمد: ما رأيت أعلم بالسنن منه. وقال ابن المديني: ما في
стр. 200
أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. قال أحمد: دخل ابن عيينة باليمن على معن بن زائدة، ووعظه ولم يكن سفيان تلطخ بعد بجوائزهم.
قال العجلي: كان ابن عيينة ثبتا في الحديث، وحديثه نحو من سبعة آلاف، ولم يكن له كتب.
وقال بهز (١) بن أسد: ما رأيت مثله ولا شعبة. قال يحيى بن معين:
وأثبت [الناس (٢)] في عمرو بن دينار.
وقال ابن مهدي: عند سفيان بن عيينة من المعرفة بالقرآن وتفسير الحديث ما لم يكن عند الثوري.
قال حمّاد بن يحيى: سمعت ابن عيينة يقول: رأيت كأنّ أسناني سقطت فذكرته للزهري، فقال: يموت أسنانك وتبقى، فمات أسناني وبقيت فجعل الله كل عدوّ لي محبّا.
قال علي بن الجعد: سمعت ابن عيينة يقول: من زيد في عقله نقص في رزقه. وعن ابن عيينة قال: الزهد- الصبر وارتقاب الموت، وقال: العلم إذا لم ينفعك ضرك. مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة.
وله: «جوابات القرآن».
من اسمه سلمان
١٨٨ - سلمان بن أبي طالب عبد الله بن محمد الفتى النحويّ النّهروانيّ. (٣)
стр. 201
نزيل أصبهان، قال ابن النّجار والقفطيّ: قدم بغداد، وقرأ بها النحو على الثمانينيّ وغيره، واللغة على الحسن بن الدهان وغيره. وبرع في النحو، وكان إماما فيه وفي اللّغة. وسمع الحديث من القاضي أبي الطيب الطبريّ وغيره.
وجال في العراق، نشر بها النحو واستوطن أصبهان، وروى عنه السّلفيّ.
وصنف: «التفسير على القراءات» «القانون في اللغة» عشر مجلدات، لم يصنف مثله، «شرح الإيضاح للفارسي»، «شرح ديوان المتنبّي»، «الأمالي» وغير ذلك.
توفي في ثاني عشر صفر سنة ثلاث- وقيل أربع- وتسعين وأربعمائة.
ومن شعره:
تقول بنيتي: أبتي تقنّع ... ولا تطمح إلى الأطماع تعتد (١)
ورض باليأس نفسك فهو أحرى ... وأزين في الورى وعليك أعود
فلو كنت الخليل وسيبويه ... أو الفراء أو كنت المبرّد
لما ساويت في حيّ رغيفا ... ولا تبتاع بالماء المبرّد
١٨٩ - سلمان بن ناصر بن عمران بن محمد بن إسماعيل بن إسحاق ابن يزيد بن زياد بن ميمون بن مهران أبو القاسم الأنصاريّ النّيسابوريّ (٢).
الفقيه الصوفي، صاحب إمام الحرمين، كان بارعا في الأصول، وصنف في «التفسير» وشرح «الإرشاد» لشيخه، وخدم أبا القاسم القشيري مدة، وكان صالحا زاهدا عابدا إماما عارفا، من أفراد الأئمة ومن كبار المصنفين في علم الكلام.
стр. 202
سمع الحديث من عبد الغافر الفارسي، وكريمة المروذيّة، وأبي صالح المؤذّن، وأبي القاسم القشيريّ، وغيرهم.
روى عنه بالإجازة ابن السّمعاني، وغيره.
قال عبد الغافر: كان نحرير وقته في فنه، زاهدا ورعا صوفيا، من بيت صلاح. وتصوف وتزهد.
وصحب الأستاذ أبا القاسم القشيريّ مدة، وحصّل عليه من العلم طرفا صالحا، ثم سافر الحجاز، وعاد إلى بغداد، ثم قدم الشام فصحب المشايخ وزار المشاهد، ثم عاد إلى نيسابور واستأنف تحصيل الأصول على الإمام.
قال: وكانت معرفته فوق لسانه، ومعناه أكثر من ظاهره، وكان ذا قدم في التصوف والطريقة، عفّا في مطعمه، يكتسب بالوراقة، ولا يخالط أحدا، ولا يباسطه في مقعد دنيوي، وأقعد في خزانة الكتب بنظامية نيسابور اعتمادا على دينه، وأصابه في آخر عمره ضعف في بصره، ويسير وقر في أذنه.
وقال أبو نصر عبد الرحمن بن محمد الخطيبيّ: سمعت محمود بن أبي توبة الوزير يقول: مضيت إلى باب بيت أبي القاسم الأنصاريّ فإذا الباب مردود وهو يتحدث مع واحد، فوقفت ساعة وفتحت الباب فما كان في الدار غيره، فقلت: مع من كنت تتحدث؟ فقال كان هنا واحد من الجن كنت أكلّمه.
قال ابن السمعانيّ: أجاز لي مرويّاته، وسمعت محمد بن أحمد النّوقانيّ يقول: سمعت أبا القاسم الأنصاريّ يقول: كنت في البادية فأنشدت:
سرى يخبط الظلماء والليل عاسف ... حبيب بأوقات الزيارة عارف (١)
فما راعني إلا سلام عليكم ... أأدخل قلت أدخل ولم أنت واقف
стр. 203
فجاء بدوي وجعل يطرب ويستعيدني.
قال ابن السبكي: وهذان البيتان مذكوران في ترجمة الإمام أبي المظفر السمعانيّ.
مات هذا الشيخ صبيحة يوم الخميس في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
١٩٠ - سلمة بن عاصم أبو محمد البغداديّ النحويّ (١).
صاحب الفراء.
روى القراءة عن أبي الحارث الليث بن خالد.
روى القراءة عنه أحمد بن يحيى ثعلب، ومحمد بن فرج الغساني (٢)، ومحمد بن يحيى الكسائي.
قال ثعلب: كان سلمة حافظا لتأدية ما في الكتب.
وقال ابن الأنباريّ: كتاب سلمة في «معاني القرآن» أجود الكتب، لأن سلمة كان إماما عالما، وكان يراجع الفراء فيما عليه، ويرجع عنه. توفي بعد السبعين ومائتين فيما أحسب.
ذكره ابن الجزري في «طبقات القراء».
стр. 204
من اسمه سليم
١٩١ - سليم بن أيوب بن سليم (١).
الفقيه أبو الفتح الرّازيّ الأديب المفسر الشافعيّ، تفقه وهو كبير، لأنه كان اشتغل في صدر عمره باللغة والنحو والتفسير والمعاني، ثم لازم الشيخ أبا حامد وعلّق عنه «التّعليقة»، ولما توفّي الشيخ أبو حامد جلس في مكانه، ثم إنه سافر إلى الشام وأقام يثغر صور مرابطا ينشر العلم، فتخرج عليه أئمة، منهم الشيخ نصر المقدسيّ، وسمع أبا الحسين أحمد بن فارس اللغويّ، وشيخه أبا حامد الأسفراينيّ، وأحمد (٢) بن عبد الله الأصبهانيّ، وأحمد بن محمد البصير الرّازيّ، ومحمد بن عبد الله الجعفيّ، ومحمد بن جعفر التّميميّ، الكوفيّين، وأحمد بن محمد المجبّر، وجماعة.
وروى عنه الكتّانيّ، وأبو بكر الخطيب، والفقيه نصر المقدسيّ، وغيرهم.
وكان ورعا زاهدا، يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة.
قال الشيخ أبو إسحاق: إنه كان فقيها أصوليا.
وقال أبو القاسم بن عساكر: بلغني أن سليما تفقه بعد أن جاوز الأربعين.
стр. 205
غرق في بحر القلزم عند ساحل جدّة، بعد الحج، في صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وقد نيّف على الثمانين.
ومن تصانيفه كتاب «التفسير» سمّاه «ضياء القلوب» و «المجرّد» أربع مجلدات، عار عن الأدلة غالبا، جرّده من تعليقة شيخه، وكتاب «الفروع» دون «المهذب»، و «كتاب رءوس المسائل في الخلاف» مجلد ضخم، و «كتاب الكافي» مختصر قريب من «التنبيه»، و «كتاب الإشارة» تصنيف لطيف.
وسأله شخص ما الفرق بين مصنفاتك ومصنفات رفيقك المحاملي؟ معرضا بأن تلك أشهر، فقال الفرق أنّ تلك صنّفت بالعراق، ومصنفاتي صنفت بالشام.
من اسمه سليمان
١٩٢ - سليمان بن إبراهيم بن حمزة البلوي (١).
من أهل مالقة، يكنى أبا أيوب. كان مجوّدا للقرآن، عالما بكثير من معانيه، متصرفا في فنون من العربيّة، حسن الفهم، خيّرا فاضلا، وكان زوجا لابنة أبي عمر الطلمنكي؛
وروى عنه كثيرا من روايته وتواليفه.
وروى عن حسنون القاضي وغيره من شيوخ مالقة. وكان محسنا في العبارة، مطبوعا. وتوفي بقرطبة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة».
١٩٣ - سليمان بن إبراهيم بن هلال القيسي (٢).
стр. 206
من أهل طليطلة، يكنى أبا الربيع. كان رجلا صالحا زاهدا عالما بأمور دينه تاليا للقرآن، مشاركا في التفسير والحديث، ورعا، فرّق جميع ماله وانقطع إلى الله تعالى، ولزم الثغور. وتوفي بحصن غرماج، وذكر أن النصارى يقصدونه ويتبركون بقبره، ﵀ ونفعنا به.
ذكره ابن بشكوال أيضا.
١٩٤ - سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير (١).
الإمام الحجة بقية الحفاظ أبو القاسم اللّخميّ الشامي الطّبرانيّ، مسند الدنيا، ولد بعكا. وأمّه من أهلها، في صفر سنة ستين ومائتين، وسمع من سنة ثلاث وسبعين وهلم جرا، بمدائن الشام، والحرمين، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة، وغير ذلك، وحدّث عن ألف شيخ أو يزيدون.
وصنّف «المعجم الكبير» وهو المسند سوى «مسند أبي هريرة»، فكأنه أفرده في مصنف، و «المعجم الأوسط» في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير «كتاب الأفراد» للدارقطنيّ، بين فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول:
هذا الكتاب روحي. فإنه تعب عليه وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر، وصنّف «المعجم الصغير» وهو عن كل شيخ له حديث واحد، وله «كتاب الدعاء» في مجلد كبير، وكتاب «المناسك» و «كتاب عشرة النساء» و «كتاب السنة» و «كتاب الطوالات» و «كتاب النوادر» وكتاب
стр. 207
«دلائل النبوة» وكتاب «مسند شعبة» وكتاب «مسند سفيان» وعمل «مسانيد جماعة من الكبار»، وله «كتاب حديث الشاميين» و «كتاب الأوائل» و «كتاب الرمي» وله «تفسير كبير» وأشياء أخر.
وهو من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة، سمع هاشم بن مرثد الطبرانيّ، وأبا زرعة الدمشقيّ، وإسحاق الدّبريّ، وإدريس العطار، وبشر ابن موسى، وحفص بن عمر سنجة ألف الرّقيّ، وعلي بن عبد العزيز البغويّ، ومقدام بن داود الرّعينيّ، ويحيى بن أيّوب العلّاف، وأبا عبد الرحمن النّسائيّ وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، ونظراءهم. وحرص عليه أبوه في صباه، ورحل به، وكان يروى عن دحيم وغيره.
حدّث عن الطبراني أبو خليفة الجمحي، وابن عقدة، وأحمد بن محمد الصحاف وهؤلاء من شيوخه، وأبو بكر بن مردويه، والفقيه أبو عمر محمد ابن الحسين [البسطامي، وأبو الحسين (١)] بن فاذشاه، ومحمد بن عبيد الله بن شهريار، وعبد الرحمن بن أحمد الصفار، وأبو بكر بن ريذة خاتمة أصحابه، وبقي بعده عامين عبد الرحمن الذّكوانيّ يروى عنه بالإجازة.
قال الذّكوانيّ: سئل الطبراني عن كثرة حديثه فقال: كنت أنام على البواري ثلاثين سنة. قال أبو نعيم: دخل الطبراني أصبهان سنة تسعين، فسمع وسافر ثم قدمها فاستوطنها ستين سنة.
وقال ابن مردويه: قدم الطبراني سنة عشر فقبله أبو علي بن رستم العامل وضمه إليه، وجعل له معلوما في دار الخراج، كان يتناوله إلى أن مات.
قال أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي: سمعت الطبراني يقول: لما قدم
стр. 208
ابن رستم من فارس أعطاني خمسمائة درهم، فلما كان في آخر أمره تكلم في أبي بكر وعمر ﵄ ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد. قال ابن فارس صاحب اللغة: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرئاسة التي أنا فيها؛ حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه؛ وكان أبو بكر يغلبه بفطنته حتى ارتفعت أصواتهما إلى أن قال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلّا عندي فقال: هات؛ قال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدث بحديث، فقال الطبراني: فأنا سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فاسمعه مني عاليا، فخجل الجعابي، فوددت أن
الوزارة لم تكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه.
قال أبو جعفر بن أبي السري: سألت ابن عقدة أن يعيد لي فوتا وشددت عليه، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أصبهان، فقال: ناصبة، فقلت: لا تقل هذا ففيهم فقهاء ومتشيعة، قال: شيعة معاوية، قلت: بل شيعة علي ﵁، وما فيهم إلّا من على أعز عليه من عينيه وأهله، فأعاد عليّ ما فاتني، ثم قال لي: سمعت من سليمان بن أحمد اللخمي؟ فقلت: لا أعرفه، فقال: يا سبحان الله. أبو القاسم ببلدك وأنت لا تسمع منه وتؤذيني هذا الأذى، ما أعرف له نظيرا. وقال: أتعرف إبراهيم بن محمد بن حمزة؟
قلت: نعم. قال: ما رأيت مثله في الحفظ.
قال ابن مندة: الطبراني أحد الحفاظ المذكورين، حدث عن أحمد بن عبد الرحيم البرقي ولم يحتمل منه لقيه.
قال الذهبي: نعم، ولكن ما أراده الطبراني ولا قصد الرواية عنه، إنما روى عن عبد الرحيم بن البرقي السيرة وغير ذلك، فغلط في اسمه وسماه باسم أخيه.
стр. 209
١٩٥ - [سليمان بن الأشعث أبو داود السّجستانيّ (١).
................ ....
................ ................ ........
................ ................ ........
جوابا (٢) لهم عن ذلك، ومسائله للإمام أحمد وحديث مالك.
وشيوخه في السنن وغيرها، نحو ثلاثمائة نفس.
وروى عنه من أصحاب الكتب الستة أبو عيسى الترمذيّ، وأبو عبد الرحمن النسائيّ.
وأخذ علم الحديث عن الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وبأولهما تفقه ولازمه مدة، وكان من نجباء أصحابه، ومن جلة فقهاء زمانه، ومع ذلك فقد ذكره في «طبقات الشافعية» أبو عاصم العبّادي، وابن باطيش، وتبعهما التاج السبكي، ولم يذكر لذلك دليلا، ولذا تعقب بابه حنبلي، ودليل ذلك مسائله عن الإمام أحمد، وقد ذكره القاضي أبو الحسين بن الفراء في الطبقة الأولى من طبقات الحنابلة، وهو من كبار الطبقة الحادية عشرة.
ولد سنة اثنتين ومائتين، ومات بالبصرة ليلة الجمعة لست عشرة ليلة خلت من شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين.
стр. 210
١٩٦ - سليمان بن الحسن جمال الدين بن النقيب.
الحنفيّ المصريّ، فقيه حسن، ومحدّث مجيد.
صنّف «تفسيرا» نحو خمسين مجلدا، جمع فيه أقوال المفسّرين، وكان زاهدا عابدا.
ذكره العلامة شيخ الإقراء برهان الدين أبو محمد بن عمر بن إبراهيم الجعبري في شيوخه، ولم يؤرخ مولده ولا وفاته.
١٩٧ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث (١).
الإمام الحافظ العلامة أبو الوليد الباجي التّجيبيّ القرطبي الذهبي المالكي، الأصولي المتكلم المفسر الأديب الشاعر، صاحب التصانيف النافعة.
ولد في يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، وأصله من مدينة بطليوس، فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية فنسب إليها، وليس هو من باجة القيروان التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد المذكور.
أخذ عن يونس بن عبد الله القاضي، ومكي بن أبي طالب، ومحمد بن إسماعيل وأبي بكر بن الحسين بن عبد الوارث.
وارتحل سنة ست وعشرين. فحج وجاور ثلاثة أعوام ملازما لأبي ذرّ الحافظ، وحمل عنه علما كثيرا، وكان يسافر معه إلى سراة بني شبابة
стр. 211
ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد ودمشق ففاته أبو القاسم بن بشران، وسمع أبا القسم بن الطّبيز، وعلي بن موسى السمسمار، والسكن بن جميع الصيداويّ، وأبا طالب عمر
بن إبراهيم الزهريّ، وأبا طالب بن غيلان، وأبا القاسم عبيد الله الأزهريّ، ومحمد بن عبد الله الصّوريّ، وأبا بكر الخطيب، وطبقتهم.
وتفقه في بغداد بالقاضي أبي الطيب، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمريّ، وأبي العباس أحمد بن محمد بن عمروس المالكي، وأخذ الأصول عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل سنة على أبي جعفر السّمنانيّ فأخذ عنه العقليات، وبرع في الحديث وعلله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، ورجع إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاما بعلم جم حصله مع الفقر والتعفف.
روى عنه الحافظان أبو بكر الخطيب، وأبو عمر بن عبد البر، وهما أكبر منه، وأبو عبد الله الحميديّ، وعلي بن عبد الله الصقليّ، وأحمد بن علي بن غزلون، والحافظ أبو علي الصدفيّ، وولده الإمام أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد الزاهد، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو علي بن سهل السبتيّ، وأبو بحر سفيان بن العاص، ومحمد بن أبي الخير القاضي وسواهم، وتفقه به الأصحاب.
قال القاضي عياض: آجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان حين رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب للغزل ويعقد الوثائق، قال لي أصحابه: كان يأتينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة؛ إلى أن فشا علمه وهيئت الدنيا له، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم ويقبل جوائزهم، ولي القضاء بمواضع من الأندلس.
وصنّف كتابا كبيرا جامعا بلغ فيه الغاية سماه كتاب «الاستيفاء»
стр. 212
وكتاب «المعاني في شرح الموطأ» جاء في عشرين مجلدا عديم النظير، وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ» وهو اختصار «الاستيفاء» ثم اختصر «المنتقى» في كتاب سماه «الإيماء» قدر ربع «المنتقى» وكتاب «الإيماء في الفقه» خمس مجلدات، وكتاب «السراج في عمل الحجاج» وكتاب «اختلاف الموطآت» وكتاب «مسائل الخلاف» لم يتم، وكتاب «المقتبس من علم مالك بن أنس» لم يتم، وكتاب «المهذب في اختصار المدونة» وكتاب «الجرح والتعديل» وكتاب «شرح المدونة» و «مسألة اختلاف الزوجين في الصداق» وكتاب «إحكام الفصول في أحكام الأصول» وكتاب «الحدود في أصول الفقه» وكتاب «تبين المنهاج» وكتاب «التسديد إلى معرفة طريق التوحيد» وكتاب «شرح المنهاج» وكتاب «السراج في الخلاف» وكتاب «سنن الصالحين وسنن العابدين» وكتاب «سبيل المهتدين» و «كتابا في فرق الفقهاء» وكتاب «التفسير» لم يتمه، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» لم يتمه، وكتاب «السنن في الرقائق والزهد»، وكتاب «التعديل والتخريج لمن خرج عنه البخاري في الصحيح» «وكتابا في مسح الرأس» و «كتابا في غسل الرجلين» و «كتاب النصيحة لولديه» و «رسالته المسماة بتحقيق المذهب» وله غير ذلك.
قال أبو نصر بن ماكولا: أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد ففقيه متكلم، شاعر أديب [سمع (١)] بالعراق ودرس الكلام وصنّف، وكان جليلا رفيع القدر والخطر، قبره بالمرية.
وقال أبو علي بن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم
стр. 213
فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاميّ فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي؟ فقلت: نعم، فأقبل عليه.
قال القاضي عياض: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره «كأوريولة (١)» فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته، مستفيضا لحراسة درب، وقد جمع ابنه شعره، وكان ابتداؤه لكتاب «الاستيفاء» في الفقه، لم يصنع منه سوى كتاب الطهارة في مجلدات.
قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه في رأيه جماعة من أهل الجهل، وحلّ بجزيرة ميورقة (٢) فرأس فيها واتبعه أهلها، فلما قدم أبو الوليد كلموه في ذلك، فدخل عليه وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة.
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري، قال: بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ النبي الأمي وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
стр. 214
برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا (١)
وصنّف أبو الوليد «رسالة» بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.
قال الذهبي الحافظ عقب هذا الكلام، قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵊: (إنّا أمّة (٢)) أي أكثرهم كذلك لندرة الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٣).
ولأبي الوليد:
إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعة (٤)
فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة
[وأما الحافظ ابن عساكر، فذكر أن أبا الوليد قد كان أتى من باجة القيروان تاجرا يختلف إلى الأندلس، وهذا أقوى مما ابتدأنا به، وصار الباجيان نسبتهما إلى مكان واحد. قال ابن سكرة: مات بالمرية في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، رحمة الله عليه (٥)].
стр. 215
١٩٨ - سليمان بن أبي القاسم نجاح أبو داود المقرئ (١).
مولى الأمير المؤيد بالله بن المستنصر الأموي الأندلسي، شيخ الاقراء مسند القراء. وعمدة أهل الأداء أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه مدة، وأكثر عنه، وهو أجلّ أصحابه، وكتب عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي شاكر الخطيب.
قرأ عليه بشر كثير، منهم أبو عبد الله بن سعيد الداني؛ وأبو علي الصدفي، وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عاصم الثقفي. وأحمد بن سحنون المرسي، وإبراهيم بن جماعة البكري الداني، وجعفر بن يحيى بن غتال، ومحمد بن علي النواشي، وعبد الله بن فرج الزهيري، وأبو الحسن علي بن هذيل، وأبو نصر فتح بن خلف البلنسي، وأبو نصر فتح بن يوسف بن أبي كبة، وأبو داود سليمان بن يحيى القرطبي.
قال ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين وفضلائهم وأخيارهم، عالما بالقراءات وطرقها، حسن الضبط، ثقة دينا.
له تواليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره.
أخبرنا عنه جماعة ووصفوه [بالعلم والفضل والدين (٢)] قرأت بخط بعض تلامذة أبي داود، قال: تسمية الكتب التي صنفها أبو داود كتاب «البيان الجامع لعلوم القرآن» في ثلاثمائة جزء، كتاب «التبيين لهجاء التنزيل» في ست مجلدات، «كتاب الرجز» المسمى بالاعتماد، الذي