← Тараджим

Тараджим · id 27084

طبقات المفسرين للداوودي

الداوودي، شمس الدين

Полный текст (828 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومن بدائع كلامه: عقارب المنايا تلسع، وخدران الأمل يمنع. من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه. وقال في وعظه: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك. قول الناصح: اتق الله، خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم. وقال: يفتخر فرعون بملك مصر بنهر ما أجراه، ما أجراه. وإليه المنتهى في النظم والنثر. وقد نالته محنة في أواخر عمره، وشوا إلى الخليفة عنه بأمر اختلف في حقيقته، فجاءه من شتمه وأهانه، وختم على داره، وشتت عياله، ثم أخذ في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت، فبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حماما. قام عليه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب الجيلي بجاه الوزير ابن القصّاب، وكان الركن سيّئ النحلة، أحرقت كتبه بحضرة ابن الجوزي، وأعطى مدرسة الجيلي، فعمل الركن عليه وقال لابن القصاب الشيعي: أين أنت عن ابن الجوزي فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر؛ فمكن الركن من الشيخ فجاء وسبه وأنزل معه في سفينة، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة. وكان ناظر واسط شيعيا، فقال له الركن: مكني من عدوّي هذا. والله لو كان على مذهبي لبذلت نفسي في خدمته، فرد الركن إلى بغداد، ثم كان السبب في خلاص الشيخ، أن ابنه يوسف نشأ واشتغل وعمل الوعظ وتوصل، فشفعت أم الخليفة في الشيخ فأطلق. وقد قرأ بواسط وهو ابن ثمانين سنة بالعشر على ابن الباقلاني، وتلا معه ولده يوسف، نقل ذلك ابن نقطة عن القاضي محمد بن أحمد بن الحسن.

стр. 282

قال الموافق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب في اليوم أربع كراريس، وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية. وله في الطب «كتاب» في مجلدين، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، جل غذائه الفراريج والمزاوير، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس الأبيض الناعم المطيّب. وله ذهن وقاد وجواب حاضر، ومجون ومداعبة حلوة، ولا ينفك من جارية حسناء. قال الذهبي في «التاريخ الكبير»: لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة؛ بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه. مات يوم الجماعة ثالث عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكانت جنازته مشهودة شيعه الخلائق إلى مقبرة باب حرب، وبه دفن وقد قارب التسعين. ٢٦١ - عبد الرحمن (١) بن علي بن محمد الحلوانيّ الحنبليّ الفقيه الإمام أبو محمد بن أبي الفتح (٢). ولد سنة تسعين وأربعمائة وتفقه على أبيه، وأبي الخطاب، وبرع في

стр. 283

الفقه والأصول، [وناظر، وصنّف تصانيف في الفقه والأصول (١)] منها: كتاب «التبصرة» في الفقه، كتاب «الهداية» في أصول الفقه، وله «تعليقة» في مسائل الخلاف كبيرة، «وتفسير القرآن» في أحد وأربعين جزءا، حدث به. وروى عن [أبيه (٢)] وعلي بن أيوب البزار، والمبارك بن عبد الجبار، والحسين الخلال، وأبي نصر بن ودعان، وغيرهم. وسمع منه يحيى بن طاهر بن النجار الواعظ، وغيره. وقال ابن شافع: كان فقيها في المذهب، يفتي وينتفع به جماعة أهل محلته. وقال ابن النجار: كان موصوفا بالخير والصلاح والفضل. وقال ابن الجوزي: كان يتجر في الخل وينتفع، ولا يقبل من أحد شيئا. توفي يوم الاثنين سلخ ربيع الأول سنة ست وأربعين وخمسمائة. وصلى عليه من الغد الشيخ عبد القادر بالمصلى القديم بالجلبة. ودفن بداره بالمأمونية. وذكر الحفاظ زكي الدين المنذريّ في «التكملة» في ترجمة ولده (٣) أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن. المتوفى سنة أربع عشرة وستمائة: أنه سمع بإفادة والده من أبي المعالي بن السّمين، وغيره. قال: ووالده أبو محمد كان من شيوخ الحنابلة، وله معرفة بالفقه والتفسير، وحدث.

стр. 284

قال: والحلواني- بفتح المهملة وسكون اللام- وهذه النسبة إلى بيع الحلواء وعملها. والمعروف أنه بضم الحاء، وما أظنه منسوبا إلا إلى حلوان البلد المعروف بالعراق. ٢٦٢ - عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح جلال الدين أبو الفضل (١). البلقينيّ الأصل، الشافعيّ سبط الإمام بهاء الدين بن عقيل. ولد في خامس عشري رمضان سنة ثلاث وستين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ في كنف والده الإمام سراج الدين، فحفظ القرآن، «وتدريب» والده، وغيره. وقرأ على والده «الحاوي» ولم يأخذ عن غيره، وكان مفرط الذكاء، قوي الحافظة، أعجوبة من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحفظ، فمهر في مدة يسيرة. وكتب له والده إجازة قال فيها: إنه رأى منه البراعة في فنون متعددة، من الفقه وأصوله، والفرائض وغيرها، مما يظهر من مباحثه على الطريقة الجدلية، والمسالك المرضية، والأساليب الفقهية، والمعاني الحديثية. وولي القضاء في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثمانمائة، واستمع قاضيا إلى جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين، مع تخلل عزله وعوده مراتب قليلة، ثم أعيد في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين. إلى أن مات وقت أذان العصر يوم الأربعاء عاشر شوال سنة أربع وعشرين، ويقال: إنه مات مسموما، وصلي عليه ضحى يوم الخميس بجامع الحاكم، ودفن بجانب والده.

стр. 285

وكان قد ابتلي بحب القضاء، وكان يبحث في فنون التفسير في كلام أبي حيّان، والزمخشري، ويبدي في كل فن منه ما يدهش الحاضر. ودرس بالخشابيّة، والشريفيّة. وغيرهما من المدارس. وكان إماما ذكيا، نحويا، مفتيا، مفسّرا، فصيحا بليغا، جهوريّ الصوت، عارفا بالفقه ودقائقه، مستحضرا لفروع مذهبه، مستقيم الذهن، جيد التصوّر، حتى إن الحافظ ابن حجر قال: إنه كان أحسن تصوّرا من والده وكان مليح الشكالة، أبيض مشربا بحمرة، إلى الطول أقرب، صغير اللحية مستديرها، منوّر الشيبة، جميلا وسيما، ديّنا عفيفا، مهابا معظما عند الملوك، حلو المحاضرة، رقيق القلب، سريع الدمعة، زائد الاعتقاد في الصالحين، كثير الخضوع لهم. ومن تصانيفه «الإفهام بما وقع في صحيح البخاري من الإبهام» و «تفسير» لم يكمل، و «نكت على المنهاج» لم تكمل، وأخرى على «الحاوي الصغير» و «معرفة الكبائر والصغائر» و «الخصائص النبوية» و «علوم القرآن» و «ترجمة والده» و «كتاب في الوعظ» و «نظم ابن الحاجب الأصلي» وكان التزم لكل من حفظه بخمسمائة، و «أجوبة عن أسئلة يمنية» وعن «أسئلة يمينة»، وعن «أسئلة مغربية»، و «حواشي على الروضة» أفردها أخوه العلم الصالح، وأفرد له ترجمة، ﵀ وإيانا. ٢٦٣ - عبد الرحمن بن أبي القاسم بن علي بن عثمان البصريّ (١). الضرير. الإمام نور الدين أبو طالب، نزيل بغداد.

стр. 286

ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة بناحية عبدليّان، من قرى البصرة. وحفظ القرآن بالبصرة سنة إحدى وثلاثين على الشيخ حسن بن دويرة. وقدم بغداد. وسكن بمدرسة أبي حكيم، وحفظ بها كتاب «الهداية» لأبي الخطاب، وجعل فقيها بالمستنصرية، ولازم الاشتغال حتى أذن له في الفتوى سنة ثمان وأربعين. وسمع ببغداد من أبي بكر الخازن، ومحمد بن علي بن أبي سهل، والصاحب أبي محمد بن الجوزي، وغيرهم. وسمع من الشيخ مجد الدين بن تيمية أحكامه، وكتاب «المحرر» في الفقه. وكان بارعا في الفقه. وله معرفة بالحديث والتفسير. ولما توفي شيخه ابن دويرة بالبصرة ولي التدريس بمدرسة شيخه، وخلع عليه ببغداد خلعة، وألبس الطرحة السوداء في خلافة المستعصم سنة اثنتين وخمسين. وذكر ابن السّاعي: أنه لم يلبس الطرحة أعمى بعد أبي طالب بن الحنبلي. سوى الشيخ نور الدين هذا. ثم بعد واقعة بغداد: طلب إليها ليولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية، فلم يتفق. وتقدم الشيخ جلال الدين بن عكبر فرتب الشيخ نور الدين مدرسا بالبشيرية. فلمّا توفي ابن عكبر المذكور نقل إلى تدريس المستنصرية في شوال سنة إحدى وثمانين. وله تصانيف عديدة، منها «جامع العلوم في تفسير كتاب الله الحيّ القيوم» كتاب «الحاوي» في الفقه، مجلدين، «الكافي» في شرح الخرقي، «الواضح» في تفسير الخرقي أيضا، «الشافي» في المذاهب، «مشكل كتاب الشهاب» طريقة في الخلاف يحتوي على عشرين مسألة.

стр. 287

تفقه عليه جماعة، منهم: الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، وسمع منه. وكان يكتب عنه في الفتاوى، ثم أذن له فكتب عن نفسه، وقال عنه: كان شيخنا من العلماء المجتهدين، والفقهاء المنفردين. وروى عنه جماعة، وكانت له فطنة عظيمة، وبادرة عجيبة. وكان ملازما للشيخ نور الدين حتى زوجه الشيخ ابنته، قال: عقد مرة مجلس بالمستنصرية للمظالم. وحضره الأعيان فاتفق جلوس الشيخ بهاء الدين ابن الفخر عيسى، كاتب ديوان الإنشاء، وتكلم الجماعة فبرز الشيخ نور الدين عليهم بالبحث، ورجع إلى قوله، فقال له ابن الفخر عيسى: من أين الشيخ؟ قال: من البصرة. قال: والمذهب؟ قال: حنبلي. قال: عجبا! بصريّ حنبليّ؟ فقال الشيخ: هنا أعجب من هذا: كرديّ رافضي. فخجل ابن الفخر عيسى وسكت. وكان كرديا رافضيا. والرفض في الأكراد معدوم أو نادر. توفي الشيخ نور الدين ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة أربع وثمانين وستمائة. ودفن في دكة القبور بين يدي قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه. ٢٦٤ - عبد الرحمن بن [أبي] (١) حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو محمد التّميميّ الحنظليّ (٢).

стр. 288

الإمام الثبت ابن الإمام الثبت، حافظ الرّيّ وابن حافظها. سمع من أبيه، وابن وارة، وأبي زرعة، والحسن بن عرفة، وأبي سعيد الأشجّ، ويونس بن عبد الأعلى، وخلائق بالحجاز، والشام ومصر، والعراق والجبال، والجزيرة. روى عنه أبو الشيخ بن حيان، ويوسف الميانجيّ (١) وخلائق. قال الخليليّ: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال. صنّف في الفقه، واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، وكان عابدا زاهدا يعدّ من الأبدال. ومن تصانيفه: «التفسير المسند» اثنا عشر مجلدا، وكتاب «الجرح والتعديل» يدل على سعة حفظه وإمامته، وكتاب «الرد على الجهميّة»، وكتاب «الزهد» وكتاب «الكنى» وكتاب «العلل» المبوب على أبواب الفقه، و «مناقب الشافعيّ» و «مناقب أحمد» وغير ذلك. وكان من كبار الصالحين لم [يعرف] (٢) له ذنب قط: ولا جهالة طول عمره. قال يحيى بن منده: صنّف «المسند» في ألف جزء. قال عمر بن إبراهيم الزاهد الهرويّ: حدثنا الحسين بن أحمد الصفّار، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم، يقول: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقائي حبوبا من أصبهان، فبعته بعشرين ألف درهم، وسألني أن

стр. 289

أشتري له دارا عندنا، فإذا نزل علينا نزل فيها، فأنفقتها على الفقراء، وكتب إليّ: ما فعلت؟ قلت: اشتريت لك بها قصرا في الجنة، قال: رضيت إن ضمنت ذلك لي: فتكتب على نفسك صكا، قال ففعلت، فأريت في المنام: قد وفّينا بما ضمنت ولا تعد لمثل هذا. وقال أبو الربيع محمد بن الفضل البلخيّ: سمعت أبا بكر محمد بن مهرويه الرازيّ، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت يحيى بن معين، يقول: إنا لنطعن على أقوام، لعلهم قد حطّوا رحالهم في الجنة [من (١)] مائتي سنة. قال ابن مهرويه: فدخلت على ابن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب «الجرح والتعديل» فحدثته بها، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب، وجعل يستعيدني الحكاية، ويبكى. مات في المحرّم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وهو في عشر التسعين. ٢٦٥ - عبد الرحمن بن محمد بن أميرويه بن محمد بن إبراهيم الكرمانيّ الحنفيّ ركن الدين أبو الفضل (٢). قال السمعاني في «معجم شيوخه»: إمام أصحاب أبي حنيفة بخراسان، قدم مرو، وتفقه على القاضي محمد بن الحسين الأردستانيّ (٣)،

стр. 290

وكان قد فرغ قبل قدومه من تعليقه المذهب ببلخ، على عمر الخلنجيّ، ولازمه إلى أن صار أصحابه، ولم يزل يرتفع حاله لاشتغاله بالعلم ونشره، وتكاثر الفقهاء لديه، وتزاحم الطلبة عليه، إلى أن سلم له التقدم بمرو، وصار مقبولا عند الخاص والعام، وانتشر أصحابه في الآفاق، وظهرت تصانيفه بخراسان والعراق، ودرس عليه العلماء، وكانوا يقرءون عليه التفسير والحديث في شهر رمضان. سمع بكرمان والده، وبمرو أستاذه الأردستانيّ. تفقه عليه بمرو أبو الفتح محمد بن يوسف بن أحمد القنطريّ السمرقنديّ. ومن تصانيفه «الجامع الكبير» و «التجريد» في الفقه مجلد و «شرحه» في ثلاث مجلدات، وسماه «الإيضاح». قال السمعاني: سمعت منه، وكانت ولادته بكرمان في شوال سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وتوفي بمرو عشية الجمعة لعشر بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، بمدرسة القاضي الشهيد. ذكره القرشي في «طبقات الحنفية». ٢٦٦ - عبد الرحمن بن محمد بن سلم الحافظ الكبير أبو يحيى الرازي (١). إمام جامع أصبهان. ومصنف «المسند» و «التفسير»، من الثقات. حدّث عن سهل بن عثمان، وعبد العزيز بن يحيى، والحسين بن عيسى الزهريّ وطبقتهم. حدث عنه أبو أحمد العسّال، وأبو الشيخ، والطبرانيّ، وآخرون. مات سنة إحدى وستين ومائتين.

стр. 291

٢٦٧ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر البعلبكيّ (١). ثم الدمشقيّ الحنبليّ، الفقيه المحدّث، فخر الدين أبو بكر ابن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن الإمام فخر الدين أبي محمد (٢). مولده يوم الخميس رابع عشري ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وستمائة. وسمع من ابن البخاري في الخامسة، ومن الشيخ تقيّ الدين الواسطيّ، وعمر القواس. وعني بالحديث. وارتحل فيه مرات، وكتب العالي والنازل من سنة خمس وسبعمائة، وهلم جرا. وخرّج لغير واحد من الشيوخ، وأفاد وتفقه، وأفتى في آخر عمره، وولي مشيخة الصّدرية والإعادة بالمسمارية، وجمع عدة تآليف، وفسّر بعض القرآن الكريم، وحدث. سمع منه الذهبي وجماعة، وكان فقيها محدّثا، كثير الاشتغال بالعلم، عفيفا ديّنا، حج مرات، وأقام بمكة أشهرا، وكان مواظبا على قراءة جزءين من القرآن في الصلاة كل ليلة. وله مواعيد كثيرة لقراءة الحديث، والرقائق على الناس، وجمع في ذلك مجموعات حسنة، منها كتاب. «الثمر الرائق المجتنى من الحقائق» (٣) وانتفع بمجالسته الناس. توفي يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وصلي عليه بالجامع، وحضر جنازته جمع كثير، وحمل على الرقاب، ودفن بمقبرة الصوفية، ولم يعقب.

стр. 292

وأخبر بعض أقاربه- وكان يخدمه في مرضه الذي توفي فيه- قال: آخر ما سمعت منه عند موته، أن قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله) ثم مات. ٢٦٨ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز اللّخميّ أبو القاسم الإمام النحويّ الحنفيّ (١). أخذ عن العلامة أبي محمد عبد الله بن برّي [كتابه] (٢) الذي وضعه في أغلاط ضعفاء أهل الفقه. ورواه عنه الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم الحرّانيّ ورواه عن الحرّانيّ، أبو إسحاق إبراهيم الصّريفينيّ. قال الحافظ الدّمياطيّ: ويدعى أيضا عبد الرحيم. سكن القاهرة، ومولده في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. (٣) تفقه على أبي محمد عبد الله بن سعد البجليّ مدرس السيوفية، وسمع منه ومن الحافظ أبي محمد القاسم بن علي بن عبد الرحمن. قال الدّمياطيّ: كان شيخا فاضلا شاعرا، مع ما فيه من التبحّر في مذهب أبي حنيفة فإنّه درّس وناظر، وطال عمره، ودرس بالمدرسة العاشورية بحارة زويلة، إلى أن مات. وله تصانيف في فنون نظما ونثرا في المذاهب الأربعة، واللغة، والتفسير، والوعظ، والإنشاء، وله خط حسن. قال الدّمياطيّ وغيره: مات في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة؛ ودفن بسفح المقطم.

стр. 293

سمع منه الحافظ المنذري، وذكره في «معجم شيوخه». ذكره القرشي. ٢٦٩ - عبد الرحمن بن محمد بن عتّاب (١). يكنى: أبا محمد، هو آخر الشيوخ الجلّة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد. وسعة الرواية. روى عن أبيه وأكثر عنه. وأجاز له من الشيوخ خلق كثير. وكان عالما بالقراءات السبع وكثير من التفسير وغريبه ومعانيه، مع حظ وافر من اللغة. وكان صدرا فيما يستفتى فيه. وكانت الرحلة في وقته إليه. ومدار أصحاب الحديث عليه. وله تواليف حسنة مفيدة منها: كتاب حفيل في الزهد والرقائق سماه «بشفاء الصدور» وهو كتاب كبير، وسمع منه الآباء والأبناء. وكثر انتفاع الناس به. توفي سنة عشرين وخمسمائة. ذكره ابن فرحون في «طبقات المالكية». ٢٧٠ - عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس بن أصبغ بن فطيس (٢). واسم هذا، سليمان، وفطيس لقب له، يكنى أبا المطرّف، قاضي الجماعة بقرطبة. روى عن أبي الحسن الأنطاكيّ المقرئ، وأبي محمد القلعي، وأبي محمد

стр. 294

الباجي، وأبي محمد الأصيلي، وخلق يكثر إيرادهم من أهل المشرق. ومن أهل بغداد، أبو الحسن الدارقطنيّ. وأبو بكر الأبهريّ، وغيرهما. ومن أهل القيروان أبو محمد بن أبي زيد الفقيه، وأحمد بن نصر الداوديّ، وغيرهما. كان ﵀ من كبار المحدثين، وصدور العلماء المسندين، حافظا للحديث متقنا لعلومه. وله مشاركة في سائر العلوم، وجمع من الكتب في أنواع العلوم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس. وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما. وكان قد رتّب لهم على ذلك راتبا معلوما. وكان لا يسمع بكتاب حسن إلا اشتراه أو استنسخه. ولمّا توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه، فأقاموا في بيعها مدّة عام كامل في المسجد، وكان ذلك في وقت الغلاء والفتنة، فاجتمع فيها من الثمن أربعون ألف دينار قاسمية، يبلغ صرفها نحو ثلاثمائة ألف درهم، وتقلد ﵀ قضاء قرطبة مقرونا بولاية صلاة الجمعة والخطبة مضافا إلى ذلك خطّته العليا من الوزارة، وكان ذا صلابة في الحق ونصرة للمظلوم، ودفع للظالم. حدّث عنه من كبار العلماء أبو عمر بن عبد البرّ، وأبو عبد الله بن عائذ، والصاحبان، وابن أبيض، وسراج القاضي، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن الحذّاء، وحاتم بن محمد الخولاني، وأبو حفص الزهراويّ وغيرهم، وصنفا كتبا حسانا منها كتاب «القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن» في نحو مائة جزء ونيف، وكتاب «المصابيح في فضائل الصحابة» مائة جزء، و «فضائل التابعين لهم بإحسان» مائة وخمسون جزءا، و «الناسخ والمنسوخ» ثلاثون جزءا، و «كتاب الإخوة من المحدّثين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين» أربعون جزءا، و «أعلام النبوة»، و «دلالات الرسالة» عشرة أسفار، و «كرامات الصالحين ومعجزاتهم» ثلاثون جزءا، و «مسند حديث محمد بن فطيس» خمسون جزءا، و «مسند قاسم بن أصبغ»، و «العوالي» ستون جزءا،

стр. 295

و «الكلام على الإجازة والمناولة» عدّة أجزاء، وغير ذلك من تواليفه. توفي يوم الثلاثاء للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة. ذكره ابن بشكوال في «الصلة». ٢٧١ - عبد الرحمن بن محمد الحلّالي- بالمهملة- الشيخ زين الدين (١). من أهل جزيرة ابن عمر، وهو ابن أخت الشيخ نظام الدين عالم بغداد. أخذ عن أبيه وغيره، وبرع في الفقه، والقراءات، والتفسير. مات ظنا سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ٢٧٢ - عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن أبو المطرّف القنازعي القرطبيّ الأنصاريّ المالكيّ (٢). كان إماما عالما عاملا، فقيها حافظا، عالما بالتفسير والأحكام. بصيرا بالحديث، حافظا للرأي، ورعا زاهدا، متقشّفا قانعا باليسير، مجاب الدعوة، وله معرفة باللغة والأدب. تفقه بالأصيلي، وأبي عمر بن المكوي وغيرهما. وسمع الحديث من أبي عيسى، والقلعي، وابن عون الله وغيرهم. ثم رحل وحجّ وسمع بمصر من الحسن بن رشيق وغيره، وأخذ عن ابن أبي زيد جملة من تواليفه، وأقبل على نشر العلم وإقراء القرآن، وامتحن بالبرابرة في الفتنة، أيام ظهورهم على قرطبة، محنة أودت بحاله، وقدحت في خاطره، فعراه طيف خيال يغشاه ولا يؤذيه، وكان أقرأ من بقي.

стр. 296

وصنّف: «شرح الموطأ» مفيد مشهور، و «مختصر تفسير القرآن» لابن سلام، و «مختصر وثائق ابن الهندي» وعرض عليه السلطان الشّورى فامتنع. روى عنه ابن عتاب، وابن عبد البرّ، وابن الطّبنيّ (١)، وغيرهم. مولده سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. مات في رجب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. والقنازعي: نسبة إلى ضيعة (٢) من بلاد المغرب. ٣٧٣ - عبد الرحمن بن محمد بن المظفّر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم بن شيرزاد، أبو الحسن الداودي البوشنجي (٣). الذي روى عنه أبو الوقت «صحيح البخاري». من أهل بوشنج، بباء موحدة مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم شين معجمة مفتوحة، ثم نون ساكنة ثم جيم: بلدة بنواحي هراة. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. تفقه على أبي بكر القفّال، وأبي الطيب الصّعلوكي، وأبي طاهر الزياديّ، وأبي حامد الأسفراينيّ، وأبي الحسن الطّبسيّ. وما أظن شافعيّا اجتمع له مثل هؤلاء الشيوخ.

стр. 297

وسمع عبد الله بن أحمد بن حمّويه السّرخسيّ، وهو آخر الرّواة عنه، وأبا محمد بن أبي شريح، وأبا عبد الله الحاكم، وأبا طاهر الزياديّ، وأبا عمر بن مهديّ، وعليّ بن عمر التمّار، وغيرهم ببوشنج، وهراة ونيسابور، وبغداد. روى عنه أبو الوقت، ومسافر بن محمد، وعائشة بنت عبد الله البوشنجية، وأبو المحاسن أسعد بن زياد المالينيّ، وغيرهم. وكان فقيها إماما صالحا زاهدا ورعا، شاعرا أديبا صوفيا. صحب الأستاذ أبا عبد الرحمن السّلميّ، وأبا علي الدّقّاق، وغيرهم. وقيل: إنه كان يحمل ما يأكله وقت تفقهه ببغداد وغيرها من البلاد من بلده بوشنج، احتياطا. وقد سمع مشايخ عدّة، وكان يصنّف ويفتي ويعظ ويكتب الرسائل الحسنة. ويحكى أنّه كان لا تسكن شفتاه من ذكر الله ، وأنّ مزينا جاء ليقصّ شاربه، فقال له: أيها الإمام يجب أن تسكّن شفتيك، فقال: قل للزمان حتى يسكن. ودخل إليه نظام الملك، وتواضع معه غاية التواضع، فلم يزده على أن قال: أيها الرجل، إن الله سلطك على عبيده، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم. وذكره الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجانيّ، فقال: شيخ عصره، وأوحد دهره، الإمام المقدّم في الفقه والأدب والتفسير، وكان زاهدا ورعا حسن السّمت، بقية المشايخ بخراسان، وأعلاهم إسنادا. أخذ عنه فقهاء بوشنج. ولد في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. وتوفي ببوشنج في شوال سنة سبع وستين وأربعمائة، ابن ثلاث وتسعين سنة.

стр. 298

وكان سماعه للصحيح في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو ابن ست سنين. هذا كلام الجرجانيّ. وروي أنّ أبا الحسن عبد الغافر الفارسي كان قد سمع الصحيح من أبي سهل الحفصيّ. ومن شعره: إن شئت عيشا طيّبا ... صفوا بلا منازع (١) فاقنع بما أوتيته ... فالعيش عيش القانع ٢٧٤ - عبد الرحمن بن مسلمة بن عبد الملك بن الوليد القرشي المالقي (٢). سكن إشبيلية. يكنى أبا المطرّف، كان مقدّما في الفهم: بصيرا بعلوم كثيرة من علوم القرآن، والأصول، والحديث، والفقه، وفنون العربية، والحساب، والطب، والعبادات، قد أخذ من كل علم بحظ وافر، مع حفظه للأخبار والأشعار روضة لجليسه، وكان قديم الطلب لذلك كله ببلده وبقرطبة. فمن شيوخه بقرطبة: الأصيلي، وأبو عمرو الإشبيليّ، وابن الهندي، وعباس بن أصبغ، وأبو نصر، وخلف بن قاسم، وغيرهم. توفي في شوال سنة ست وأربعين وأربعمائة، ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة. ذكره ابن بشكوال.

стр. 299

٢٧٥ - عبد الرحمن بن موسى الهواري أبو موسى (١). من إستجّة. قال ابن الفرضيّ: رحل فلقي مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة ونظرائهما من الأئمة، ولقي الأصمعيّ، وأبا زيد الأنصاري، وغيرهما من رواة الغريب، وداخل العرب، فتردد في محالها، ورجع إلى الأندلس؛ وكان حافظا للفقه والقراءات والتفسير، وله «كتاب في تفسير القرآن»؛ وكان إذا قدم قرطبة لم يفت كبراؤها حتى يرحل عنها. وذكره الزبيديّ في الطبقة الأولى من نحاة الأندلس؛ وقال: هو أول من جمع الفقه في الدين وعلم العرب بالأندلس؛ وذكر مثل ما تقدّم عن ابن الفرضيّ. ثم قال. وكانت العبادة أغلب عليه من العلم. ذكره شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين الأسيوطيّ في «طبقات النحاة»، وكذا ابن فرحون، ولم يؤرّخا وفاته.

стр. 300

ذكر من اسمه عبد الرحيم وما بعده ٢٧٦ - عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن أبو نصر القشيريّ النيسابوريّ الشافعي. (١) قال عبد الغافر: هو إمام الأئمة، وحبر الأمة، وبحر العلوم. رباه والده واعتنى به حتى برع في النظم والنثر واستوفى الحظ الأوفر من علم التفسير والأصول، ثم لازم إمام الحرمين حتى أحكم عليه المذهب والخلاف والأصول. وسمع الحديث من أبيه، وأبي عثمان الصابوني، وابن النّقور، وأبي القاسم الزّنجاني، وجماعة، وحدّث بالكثير. روى عنه سبطه أبو سعد عبد الله بن عمر الصفار، وأبو الفتوح الطائي، وبالإجازة ابن عساكر، وابن السمعاني. وصنف «التيسير في التفسير». قال الرافعيّ آخر باب النذر، في «تفسير أبي نصر القشيريّ» أن القفال قال: من التزم بالنذر أن لا يكلّم الآدميين. يحتمل أن يقال: يلزمه، لأنه ممّا يتقرّب به، ويحتمل أن يقال: لا، لما فيه من التضييق والتشديد، وليس ذلك من شرعنا، كما لو نذر الوقوف في الشمس.

стр. 301

قال ابن السبكي: وقد رأيت ذلك في «تفسير أبي نصر» المذكور. ذكره في تفسير سورة مريم (١). ومن العجائب أنه اعتقل لسانه في آخر عمره عن الكلام إلّا عن الذّكر، فكان يتكلم بآي القرآن. مات في يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة وهو في عشر الثمانين. ومن شعره: ليالي وصال [قد (٢)] مضين كأنها ... لآلي عقود في نحور الكواعب (٣) وأيام هجر أعقبتها كأنّها ... بياض مشيب في سواد الذوائب وله أيضا (٤): تقبيل خدّك أشتهي ... أمل إليه أنتهي لو نلت ذلك لم أبل ... بالرّوح مني أن تهي دنياي لذّة ساعة ... وعلى الحقيقة أنت هي وله (٥): شيئان من يعذلني فيهما ... فهو على التّحقيق منّي بري حبّ أبي بكر إمام التّقى ... ثم اعتقادي مذهب الأشعري

стр. 302

٢٧٧ - عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهيجاء الرّسعنيّ الحنبليّ (١). الإمام الفقيه، الحافظ المفسّر، عز الدين، أبو محمد، ولد برأس عين الخابور سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وسمع الحديث ببلده من أبي المجد القزويني، وغيره، وببغداد من عبد العزيز بن منينا، والداهري، وعمر بن كرم، وغيرهم. وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وابن الحرستاني، والخضر بن كامل، والشيخ موفق الدين، وأبي الفتوح بن الجلاجلي، وغيرهم. وبحلب من الافتخار الهاشمي، وببلدان أخر. وعني بالحديث وطلب، وقرأ بنفسه. وذكره الذهبي في «طبقات الحفاظ». وتفقه على الشيخ موفق الدّين، وحفظ كتاب «المقنع» في الفقه، وصحب الشيخ العماد، وطائفة من أهل العلم والدين والصّلاح. وقرأ العربية والأدب، وتفنن في العلوم. وولي مشيخة دار الحديث بالموصل. وكانت له حرمة وافرة عند بدر الدين صاحب الموصل، وغيره من ملوك الجزيرة. وصنّف «تفسيرا» حسنا في أربع مجلدات ضخمة سمّاه «رموز الكنوز» وفيه فوائد حسنة ويروى فيه الأحاديث بأسانيده. وصنف كتاب «مصرع الحسين» ﵁، ألزمه بتصنيفه صاحب الموصل. فكتب فيه ما صحّ من القتل دون غيره. وكان لما قدم بغداد فأنعم عليه المستنصر، صنف هذا

стр. 303

التفسير ببلده، وأرسله إليه، وهو في ثمان مجلدات، وقف بالمدرسة البشيرية ببغداد. وكان إماما فقيها محدّثا، أديبا شاعرا، ديّنا صالحا فاضلا في فنون العلم والأدب، ذا فصاحة وحسن عبارة، وله في تفسيره مناقشات مع الزمخشري وغيره في العربية وغيرها. وكان متمسّكا بالسنة والآثار، ويصدع بالسنة عند المخالفين من الرافضة وغيرهم. وله نظم حسن. ومن نظمه: «القصيدة النونية» المشهورة في الفرق بين الضاد والظاء. وصنّف في الفقه والعروض وغير ذلك، وحدّث. وسمع منه جماعة. وقدم دمشق رسولا. فقرأ عليه أبو حامد بن الصابوني جزءا. وروى عنه ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، والدمياطي الحافظ في «معجمه»، وغير واحد. وبالإجازة: أبو المعالي الأبرقوهي، وأبو الحسن بن البندنيجي الصوفي، وزينب بنت الكمال. روى عنه العلامة أبو الفتح بن دقيق العيد وأخوه وأبوه. وأنشد ابن دقيق العيد له (١): وكنت أظن في مصر بحارا ... إذا ما جئتها أجد الورودا فما ألفيتها إلا سرابا ... فحينئذ تيممت الصّعيدا توفي بسنجار في رجب، وقيل في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ستين وستمائة. وذكر الذهبي وغيره: أنه توفي ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة.

стр. 304

ذكره ابن رجب، ثم شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في «طبقات المفسّرين» مختصرا. ٢٧٨ - عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحافظ أبو بكر الحميريّ مولاهم الصّنعانيّ (١). صاحب التصانيف «كالتفسير» المشهور، الذي رواه عنه محمد بن حماد الطّهرانيّ. روى عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر قليلا، وعن ابن جريج، وثور ابن يزيد، ومعمر، والأوزاعيّ، والثوريّ، وخلق كثير. رحل في تجارة إلى الشام ولقي الكبار. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، والذهلي، وأحمد بن صالح، والرمادي، وإسحاق الدّبريّ (٢)، وأمم سواهم. وكان يقول جالست معمرا سبع سنين. قال أحمد: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر. وثّقه غير واحد، وحديثه مخرّج في الصّحاح وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، بل يحبّ عليا ﵁ ويبغض من قاتله، وقد قال سلمة بن شبيب: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أفضّل

стр. 305

عليّا على أبي بكر وعمر. وكان ﵀ من أوعية العلم، ولكنه ما هو في حفظ وكيع وابن مهدي. قال ابن سعد: مات في نصف شوال سنة إحدى عشرة ومائتين وعاش خمسا وثمانين سنة، وترجمته تحتمل أوسع من هذا، أخرج له الجماعة، ﵀. ٢٧٩ - عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي ابن تيمية الحرانيّ الحنبليّ (١). الفقيه، الإمام المقرئ المحدّث المفسر، الأصولي النحوي، مجد الدين أبو البركات، شيخ الإسلام وفقيه الوقت، وأحد الأعلام، ابن أخي الشيخ فخر الدين بن أبي القاسم، وجد شيخ الإسلام تقي الدين. ولد سنة تسعين وخمسمائة- تقريبا- بحران، وحفظ بها القرآن. وسمع من عمه الخطيب فخر الدين، والحافظ عبد القادر الرهاويّ، وحنبل الرصافي. ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني، فسمع بها من عبد الله بن سكينة، وابن الأخضر الحافظ، وابن طبرزد، وضياء بن الخريف، ويوسف بن مبارك الخفاف، وعبد العزيز ابن منينا، وأحمد بن الحسن العاقولي، وعبد المولى بن أبي تمام وغيرهم. وأقام ببغداد ست سنين يشتغل في الفقه والخلاف والعربية وغير ذلك. ثم رحل إلى بغداد سنة بضع عشرة، فازداد بها من العلوم.

стр. 306

قرأ ببغداد القراءات بكتاب «المبهج» لسبط الخياط على عبد الواحد ابن سلطان. وتفقه بها على أبي بكر بن غنيمة الحلاوي، والفخر إسماعيل، وأتقن العربية والحساب والجبر والمقابلة والفرائض على أبي البقاء العكبريّ، حتى قرأ عليه كتاب «الفخري» في الجبر والمقابلة. وبرع في هذه العلوم وغيرها. قال الحافظ الذهبي: حدثني شيخنا أبو العباس بن تيمية شيخ الإسلام حفيد الشيخ مجد الدين هذا، أن جده ربّي يتيما، وأنه سافر مع ابن عمه إلى العراق ليخدمه ويشتعل معه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فكان يبيت عنده، فيسمعه يكرر عليّ مسائل الخلاف [فيحفظ المسألة، فقال الفخر إسماعيل: أيش حفظ هذا التنين- يعني الصغير- فبدر (١)] وقال: حفظت يا سيدي الدرس، وعرضه في الحال، فبهت الفخر، وقال لابن عمه: هذا يجيء منه شيء، وحرّضه على الاشتغال، قال: فشيخه في الخلاف: الفخر إسماعيل، وعرض عليه مصنّفه «جنة الناظر» وكتب له عليه سنة ست وستمائة: عرض عليّ الفقيه الإمام العالم أوحد الفضلاء، أو نحو هذه العبارة وأخرى نحوها وهو ابن ستة عشر عاما. قال الذهبي: قال لي شيخنا أبو العبّاس: كان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد. قال: وبلغنا أن الشيخ المجد لما حج من بغداد في آخر عمره، واجتمع به الصاحب العلامة، محيي الدين بن الجوزي، فانبهر له، وقال: هذا الرجل ما عندنا ببغداد مثله، فلما رجع من الحج التمسوا منه أن يقيم ببغداد، فامتنع، واعتل بالأهل والوطن.

стр. 307

قال: وكان حجه سنة إحدى وخمسين. وفيها حج الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ولم يتفق اجتماعهما. قال: وكان الشيخ مجد الدين بن حمدان مصنف «الرعاية» يقول: كنت أطالع على درس الشيخ المجد، وما أبقى ممكنا، فإذا حضرت الدرس يأتي الشيخ بأشياء كثيرة لا أعرفها. وقال الحافظ الشريف عز الدين: حدث بالحجاز، والشام، والعراق، وبلده حرّان، وصنف ودرس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيته. مشهور بالعلم والدين والحديث. وقال الذهبي: كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله، بارعا في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر وبعد صيته، وكان فريد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء متين الديانة، كبير الشأن. ذكر تصانيفه: «أطراف أحاديث التفسير» رتبها على السور معزوة، «أرجوزة» في علم القراءات، «الأحكام الكبرى» في عدة مجلدات، «المنتقى من أحاديث الأحكام» وهو الكتاب المشهور، انتقاه من الأحكام الكبرى، ويقال: إن القاضي بهاء الدين شداد هو الذي طلب منه ذلك بحلب، «المحرر» في الفقه، «منتهى الغاية في شرح الهداية» بيض منه أربع مجلدات كبار إلى آخر الحج، والباقي لم يبيضه، «مسودة» في أصول الفقه مجلد، وزاد فيها ولده، ثم حفيده أبو العباس، «مسودة» في العربية على نمط المسودة في الأصول. قرأ عليه القراءات جماعة، وأخذ الفقه عنه ولده شهاب الدين عبد الحليم، وابن تميم صاحب «المختصر» وغيرهما، وسمع منه خلق.

стр. 308

وروى عنه ابنه شهاب الدين، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطيّ، والأمين ابن شقير الحرانيّ، وأبو العباس بن الظاهري الحافظ، ومحمد بن أحمد القزاز، وأحمد الدّشتيّ، ومحمد بن زناطر. والعفيف إسحاق الآمديّ، والشيخ نور الدين عبد الرحمن بن عمر البصريّ مدرس المستنصرية، وأبو عبد الله بن الدواليبيّ. وأجاز لتقي الدين سليمان بن حمزة الحاكم، ولزينب بنت الكمال، وأحمد ابن علي الجزريّ، وهما خاتمة من روى عنه. وتوفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة منه سنة اثنتين وخمسين وستمائة بحرّان، ودفن بظاهرها. ٢٨٠ - عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أبو الحكم اللخميّ الأفريقي، ثم الإشبيليّ الصوفي المعروف بابن برّجان (١). روى عن محمد بن أحمد بن منظور، روى عنه عبد الحق الإشبيلي، ومحمد بن خليل القيسي، وأبو القاسم القنطريّ، وآخرون. قال ابن الأبار: كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث. والتحقق بعلم الكلام والتصوف، مع الزهد والعبادة. وله تأليف منها «تفسير القرآن» و «شرح الأسماء الحسنى» مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة، عابوا عليه الإمعان في علم الحرف حتى استعمله في تفسير القرآن، وقصيدة ابن الزكيّ التي مدح بها السلطان صلاح الدين في ذلك مشهورة.

стр. 309

له مجلس مناظرة، وأوردوا عليه المسائل التي أنكروها فأجاب، وخرجها مخارج محتملة، فلم يرضوا منه بذلك؛ لكونهم لم يفهموا مقاصده، وقرروا عند السلطان أنه مبتدع، فاتفق [أنه مرض (١)] بعد أيام قليلة، ومات في المحرم. واتفق أن علي بن يوسف مات بعده في رجب على مزبلة بغير صلاة ولا دفن، بحسب ما قرره معه من طعن عليه من المتفقهة، فاتفق أن بعض أهل الفضل لما بلغته وفاته، أرسل عبدا أسود نادى جهارا، أحضروا جنازة فلان، فامتلأت الرحاب بالناس، فغسلوه وصلوا عليه ودفنوه. ٢٨١ - عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب أبو هاشم بن أبي علي الجبّائي (٢). من رءوس المعتزلة هو وأبوه، وسيأتي. له تصانيف و «تفسير» مات في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد. قال ابن درستويه: اجتمعت مع أبي هاشم، فألقى عليّ ثمانين مسألة من غريب النحو ما كنت أحفظ لها جوابا، وكان موته هو وابن دريد في يوم واحد، فقيل: مات علم الكلام واللغة معا. وقال ابن عبد الملك في «ذيل الصلة» لابن بشكوال: سعى عليه سعاية باطلة عند علي بن يوسف بن تاشفين، فأحضره إلى مراكش، فلما وصل إليها قال: لا أعيش إلا قليلا، ولا يعيش الذي أحضرني بعدى إلا قليلا، فعقد

стр. 310

٢٨٢ - عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار أبو يوسف القزويني (١). شيخ المعتزلة، ونزيل بغداد. قال السمعاني: كان أحد المعمرين والفضلاء المقدمين، جمع «التفسير الكبير» الذي لم ير في التفاسير أكبر منه ولا أجمع للفوائد، لولا أنه مزجه بكلام المعتزلة، وبث فيه معتقده، وهو في ثلاثمائة مجلد، منها سبع مجلدات في الفاتحة. أقام بمصر سنين، ثم رحل إلى بغداد، وكان داعية إلى الاعتزال، ويقول لم يبق من ينصر هذا المذهب غيره. وقال ابن النجار: كان طويل اللسان ولم يكن محقّقا إلا في التفسير، فإنه لهج في التفاسير حتى جمع كتابا بلغ خمسمائة مجلّد، حشا فيه العجائب، حتى رأيت منه مجلدا في آية واحدة وهي قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ (٢) الآية. أخذ العلم عن القاضي عبد الجبّار، وغيره. وسمع الحديث من أبي نعيم الأصبهانيّ، وأبي طاهر بن سلمة، وغيرهما. روى عنه أبو غالب بن البناء، وأبو بكر قاضي المارستان، وأبو البركات الأنماطي، وآخرون. مات في رابع عشر ذي العقدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، عن ست وتسعين سنة، لأنّ مولده في شعبان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.

стр. 311

قال الرافعيّ في «تاريخ قزوين»: رأيت بخط القاضي عبد الملك بن المعافى قال أنشدني القاضي أبو يوسف القزوينيّ: أموج إذا وليت أم كفك يرى ... قضيب لجين في الغلائل أم قدّ (١) أحقّان من عاج بصدرك ركّبا ... لطيفان أم هذان ثديان يا هند أليل دجا أم شعرك الفاحم الجعد ... أصبح بدا أم وجهك الطالع السّعد أنرجسة هاتيك أم تيك مقلة ... أتفاحة ذاك المضرّج أم خدّ أهذا الذي في فيك درّ منضّد ... أبيني لنا أم لؤلؤ ضمه العقد ٢٨٣ - عبد الصمد بن حامد بن أبي البركات بن عبد الصمد بن بدل ابن نهشل النهشليّ (٢). أبو محمد نظام الدين التبريزيّ الشافعيّ، الفقيه العلّامة النحوي، المقرئ المفسّر، المفتي القاضي، صدر القراء، وأوحد البلغاء. أخذ القراءات والعربيّة والتفسير والفقه عن غير واحد من فضلاء بلاده، منهم العلامة فخر الدين الجار برديّ، والطيبيّ، والإمام شمس الدين القزويني، والشيخ شمس الدين الخفاف، وغيرهم. ولد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعمائة بمدينة تبريز، وحج وزار على طريق الشام في سنة اثنتين وستين وسبعمائة، ثم توجه إلى بلاده، وكان قد ولي في آخر وقت قضاء القضاة بتبريز، وله يد طولى في علم الفلك مع الدين والأمانة. ذكره ابن الجزري في «طبقات القراء» ولم يؤرّخ وفاته.

стр. 312

٢٨٤ - عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أبي رجاء الإمام أبو محمد البلويّ الأندلسي الوادي آشي المقرئ (١). ولد سنة نيف وثلاثين وخمسمائة. قال ابن الأبار: روى عن أبيه الأستاذ أبي القاسم، وأبي العباس الجزولي، وأبي بكر بن رزق، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد. وأخذ القراءات عن جماعة، وأجاز له أبو طاهر السلفيّ، وجماعة. وكان راوية مكثرا، وواعظا مذكرا، يتحقق بالقراءات والتفاسير، ويشارك في الحديث، والعربيّة، اعتمد في ذلك على أبيه، وأبي العباس الجزولي. أقرأ الناس ببلده، وتصدر وحدّث، وقال أبو حيّان: روى عن أبيه القراءات تلاوة، وسمع منه عدة كتب، ومات أبوه وله نحو من عشر سنين، ومع ذلك روى الناس عنه، ووثقوه، سألت أبا علي بن أبي الأحوص عنه فوثقه. روى عنه الحافظ أبو عبد الله محمد بن سعيد الطراز، وأبو جعفر أحمد بن سعد بن بشير، وأبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن عروس الغساني. قال الأبار: توفي في رجب سنة تسع عشرة وستمائة. قال أبوه: قرأت بالروايات بمكة على عبد الله بن العرجاء، صاحب ابن نفيس. ٢٨٥ - عبد العزيز بن أحمد بن سعيد بن عبد الله (٢).

стр. 313

أبو محمد الشيخ عز الدين الدّميريّ المعروف بالدّيرينيّ المصريّ الشافعيّ الفقيه العالم الأديب الصوفيّ الرفاعيّ. أخذ عن الشيخ عز الدين وغيره ممن عاصره، ثم صحب أبا الفتح بن أبي الغنائم الرّسعنيّ وتخرج به، وتكلم في الطريق وغلب عليه الميل إلى التصوف، وكان مقره بالريف ينتقل من موضع إلى موضع، والناس يقصدونه للتبرك به. قال السبكي: الشيخ الزاهد، القدوة، ذو الأحوال المذكورة، والكرامات المشهورة، والمصنفات الكثيرة، والنظم الشائع، وكان يعرف الكلام على مذهب الأشعريّ. قال: وقد ذكره شيخنا أبو حيّان وقال: كان متقشّفا، مخشوشنا، من أهل العلم، يتبرّك به الناس. قال السبكي: وهذا من أبي حيان كثير، لولا أن هذا الشيخ ذو قدم راسخ بالتقوى لما شهد له أبو حيّان بهذه الشهادة؛ فإنه كان قليل التّزكية للمتصلّحين. توفي في رجب سنة أربع وتسعين وستمائة قاله صاحب «نجم المهتدي ورجم المعتدي». وقال السبكي في «الطبقات الكبرى»: توفي في السنة المذكورة، قال: ومولده سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة. قال في «الوسطى» توفي في حدود التسعين. وقال الإسنوي: سنة سبع وتسعين. وقال ابن حبيب: توفي في سنة تسع وثمانين، والصواب الأوّل. والدّيرينيّ: نسبة إلى ديرين، بدال مهملة مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم راء مثناة من تحت أيضا ثم نون، بلدة بالديار المصرية من أعمال الغربية.

стр. 314

ومن تصانيفه: «تفسير» سماه «المصباح المنير في علم التفسير» في مجلدين، ونظم «أرجوزة» في التفسير سماها «التيسير في علم التفسير» تزيد على ثلاثة آلاف ومائتي بيت، وكتاب «طهارة القلوب في ذكر علام الغيوب» في التصوف وهو كتاب حسن، وكتاب «أنوار المعارف وأسرار العوارف» في التصوف أيضا، و «تفسير أسماء الله الحسنى» و «الوسائل والرسائل» في التوحيد و «نظم السّيرة النبويّة» ونظم «الوجيز» فيما يزيد على خمسة آلاف بيت ونظم «التنبيه» وشرع في «نظم الوسيط» وله نظم كثير فمنه: اقتصد في كلّ حال ... واجتنب شحّا وغرما (١) لا تكن حلوا فتؤكل ... لا ولا مرّا فترمى ٢٨٦ - عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد (٢) بن معروف الحنبليّ أبو بكر المعروف بغلام الخلّال (٣). حدّث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، ومحمد بن الفضل الوصيفي، وأبي خليفة الفضل بن الحباب (٤) البصريّ، وجعفر الفريابي، وإبراهيم بن الهيثم القطيعيّ، ومحمد بن محمد الباغنديّ، والقاسم

стр. 315

ابن زكرياء المطرّز، والحسين بن عبد الله الخرقيّ (١)، وأبي القاسم البغويّ، وعبد الله بن أحمد، وأبي بكر بن أبي داود، في آخرين. روى عنه أحمد بن عثمان بن الجنيد الخطبيّ، وبشر بن عبد الله الفاتنيّ، وأبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميميّ، وأبو حفص البرمكيّ، وأبو حفص العكبريّ، وأبو عبد الله بن حامد. وكان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة. وله المصنّفات في العلوم المختلفات: «الشافي»، و «المقنع»، و «تفسير القرآن» و «الخلاف مع الشافعي»، و «كتاب القولين»، و «زاد المسافر»، و «التنبيه» وغير ذلك. سأله رافضي عن قوله : (٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [من هو (٣)] فقال له: أبو بكر الصّديق. فردّ عليه، وقال: بل هو علي. فهمّ به أصحابه، فقال لهم: دعوه ثم قال له اقرأ ما بعدها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ. ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا (٤) وهذا يقتضي أن يكون هذا المصدّق ممن له إساءات سبقت. وعلى قولك أيها السائل: لم يكن لعلي إساءات. فقطعه. وهذا استنباط حسن لا يعقله إلا العلماء. فدل ذلك على علمه وحلمه وحسن خلقه. فإنه لم يقابل الرافضي على جناية، وعدل إلى العلم.

стр. 316

وله اختيارات في المذهب مشهورة، منها: أن الصلاة في الثوب المغصوب باطلة. واختار أن المرأة إذا وقفت إلى جانب الرجل بطلت صلاة من يليها من الرجال. واختار أن الكفر ملل واختياراته كثيرة. وتوفي في شوال لعشر بقين منه، في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وتوفي يوم الجمعة بعد الصلاة. وفي رواية أخرى قال أبو بكر عبد العزيز في علته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة. وذلك في شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فقيل له: يعافيك الله- أو كلاما هذا معناه- فقال: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت أبا بكر المروزيّ يقول: عاش أحمد بن حنبل ثمانيا وسبعين سنة. ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة. وعاش أبو بكر المروزيّ ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة. ودفن بعد الصلاة. وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ولي ثمان وسبعون سنة. فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة. وهذه كرامة حسنة له. فإنه حدّث بيوم موته، وكان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع. وهاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها. وهذا يدل على قوة دينه وصحة عقيدته رحمة الله عليه. لخصت هذه الترجمة، من «طبقات الحنابلة» لأبي يعلى بن الفراء. ٢٨٧ - عبد العزيز بن عبد الجليل النمراوي الشيخ عزّ الدين الشافعي (١). ولد بناحية نمرا من أعمال الغربية، وقدم القاهرة، واشتغل في العلم بها حتى برع، وصار عالما نظّارا، وتصدى للاشتغال وأفتى، ودرس الفقه بالمدرسة

стр. 317

النابلسية، ودرس التفسير بالقبة المنصورية، وناظر بحضرة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فرجحه على ابن المرحل. مات يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة سنة [عشر] (١) وسبعمائة. ٢٨٨ - عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد ابن المهذّب عز الدين أبو محمد السلمي (٢). الشافعي، الملقب بسلطان العلماء وشيخ الإسلام، أصله مغربيّ، ومولده بدمشق، في سنة سبع- أو ثمان- وسبعين وخمسمائة، وسمع حضورا على أبي الحسين أحمد بن الموازيني، والخشوعي، وسمع عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي، والقاسم بن عساكر، وابن طبرزد، وحنبل المكبر، وعبد الصمد بن محمد الحرستاني وجماعة. وخرج له الحافظ شرف الدين أبو محمد الدّمياطي أربعين حديثا عوالي. روى عنه تلامذته، الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وهو الذي لقّبه سلطان العلماء، وعلاء الدين أبو الحسن علي الباجي، وتاج الدين الفركاح، والحافظ أبو بكر محمد بن يوسف بن مسدي، وأبو العباس أحمد الدّشناوي، وأبو محمد هبة الله القفطي، وشرف الدين الدّمياطي، وأبو الحسين اليونينيّ، وخلائق من أهل مصر والشام وغيرهم. وتفقه على الإمام فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر، وقرأ الأصول على

стр. 318

السيف الآمديّ، وغيره. ومهر في العربية، ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من [البلاد] وتخرج به أئمة، وصار رأس الشافعية في وقته، ولم يلحقه أحد في حالته. وكان عاقلا ناسكا، ورعا زاهدا متقشفا، أمّارا بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، ولي خطابة الجامع الأموي بدمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل بعد الدولعي، وأزال كثيرا من البدع التي كان الخطباء يفعلونها؛ من دق المنبر بالسّيف وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرّغائب ونصف شعبان، ومنع منهما. فلما أعطى الصالح الفرنج صفدو الشّقيف، أنكر الناس ذلك عليه، وتنكروا له، فعرّض به الشيخ عزّ الدين في الخطبة يوم الجمعة، ونال منه وترك الدّعاء له، فعزله الصالح وحبسه ثم أفرج عنه فسار إلى القاهرة، ومرّ في طريقه إليها على الكرك، وذلك في حدود سنة تسع وثلاثين وستمائة، فسأله الناصر داود هو والشيخ أبو عمرو بن الحاجب الإقامة بها فامتنع، وقال: هذه بلدة تصغر عن نشر علمي، ومضى إلى القاهرة فأكرمه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وبالغ في تعظيمه وتلقاه واحترمه، فاتّفق وفاة قاضي القضاة شرف الدين أبي المكارم محمد بن عبد الله بن الحسن بن عين الدولة، في تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة، فولي السلطان الملك الصالح بدر الدين أبا المحاسن يوسف ابن الحسن بن علي السنجاري قضاء القاهرة والوجه البحري، وولي الشيخ عز الدين قضاء مدينة مصر والوجه القبلي، وأضاف إليه خطابة جامع عمرو بن العاص، عوضا عن الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي الإخميمي بعد عزله، فلم يتغير عن طريقته، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واطراح التكلف، وترك الاحتفال بالملبس، حتى إنه كان يحضر الموكب السّلطانيّ وعلى رأسه قبع لبّاد.

стр. 319

وحكى أنه ركب يوما بغلة، وعليه قميص وهو معتم على طرطورلباد، فتعرض له فقير يسأله شيئا، فقطع نصف العمامة من على رأسه ودفعها إليه وسار، فقصده آخر فدفع إليه النصف الآخر. وطلع يوم العيد إلى القلعة والعساكر مصطفين بين يدي السلطان والأمراء تقبّل الأرض له، فنادى في ذلك الموكب العظيم: يا أيوب، ما حجّتك عند [الله] (١) إذا قال لك: ألم أولك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال نعم، الحانة الفلانيّة يباع فيها الخمر وغيره من المنكرات، وبها أنواع من سوء، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة، وذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي، هذا شيء لم أعمله، وهو من زمان أبي فقال: أنت من الذين يقولون يوم القيامة إذا سئلوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ (٢) فرسم السلطان بإبطال ما يعمل في تلك الحانة. فلما انصرف الشيخ من المجلس قال له تلميذه الباجيّ: يا سيّدي كيف تجرأت على السلطان وفاجأته بهذا الجواب؟ فقال: يا بنيّ رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه، لئلا تكبر نفسه. فقال له يا سيدي أما خفت منه؟ قال والله با بنيّ استحضرت هيبة الله تعالى في قلبي، فصار [السلطان (٣)] قدّامي كالقطّ. وبالغ في القيام بالأمر بالمعروف وشدّد في ذلك، حتى شجر بينه وبين الأمراء كلام في هذا المعنى، فقال لهم: أنتم الآن أرقاء لا ينفذ لكم تصرف، وقد عزمت على بيعكم، فشق ذلك عليهم، واستشاطوا غضبا، وهمّوا بالإيقاع به، وقال بعضهم: كيف ينادي علينا ويبيعنا ونحن ملوك

стр. 320

الأرض؟ والله لأضربنّه، وشهر سيفه وركب في جمع من خدمه حتى أتى بيت الشيخ وسيفه مشهور بيده، وطرق الباب، فخرج عبد اللطيف بن الشيخ، فلمّا رآه على تلك الحالة رجع إلى أبيه وأخبره بما رأى، فخرج غير مكترث وقد اشتد جزع الولد، فقال له: يا بني أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله، فعند ما عاينه الأمير هابه وسقط السّيف من يده وبكى، ثم نزل عن فرسه، وأخذ يقبّل يد الشيخ ويسأله الدعاء ويستغفر مما كان منه، ثم قال: يا سيّدي، خبّر نا إيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم قال: فثمننا في أي شيء تصرفه؟ قال: في مصالح المسلمين. قال: من يقبضه؟ قال: أنا، وانصرف، فلم يزل إلى أن نادى عليهم واحدا بعد واحد وبالغ في إشهارهم في النداء وحمل ثمنهم لبيت المال. فاتفق أن بعض غلمان الوزير معين الدين عثمان ابن الشيخ، بني بنيانا على سطح مسجد بمصر، وعمل فيه طبل خانات، فأنكر ذلك الشيخ عز الدين ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن الوزير والسلطان يغضبان لذلك، فأشهد عليه بإسقاط عدالته [وحكم بفسق (١)] الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السّلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة وإلا شنع عليك على المنبر كما فعل بدمشق، فعزله، فأقام في بيته من المدرسة الصالحية يشغل الناس، وولي قضاء مصر بعده أبو منصور موهوب بن عمر الجزري، أحد نواب الشيخ عز الدين في ثالث عشري ذي القعدة سنة أربعين وستمائة، وأعيد المجد الإخميمي إلى الخطابة، فاتفق أن الملك الصالح بعث رسولا إلى الخليفة ببغداد، فأدّي رسالته، فقيل له: أسمعت هذه الرسالة من السلطان؟ قال: لا، ولكن حمّلنيها ابن شيخ الشيوخ أستاداره. فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته.
следующие страницы →