← Тараджим

Тараджим · id 27084

طبقات المفسرين للداوودي

الداوودي، شمس الدين

Полный текст (828 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وله اختيارات في المذهب مشهورة، منها: أن الصلاة في الثوب المغصوب باطلة. واختار أن المرأة إذا وقفت إلى جانب الرجل بطلت صلاة من يليها من الرجال. واختار أن الكفر ملل واختياراته كثيرة. وتوفي في شوال لعشر بقين منه، في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وتوفي يوم الجمعة بعد الصلاة. وفي رواية أخرى قال أبو بكر عبد العزيز في علته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة. وذلك في شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فقيل له: يعافيك الله- أو كلاما هذا معناه- فقال: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت أبا بكر المروزيّ يقول: عاش أحمد بن حنبل ثمانيا وسبعين سنة. ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة. وعاش أبو بكر المروزيّ ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة. ودفن بعد الصلاة. وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ولي ثمان وسبعون سنة. فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة. وهذه كرامة حسنة له. فإنه حدّث بيوم موته، وكان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع. وهاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها. وهذا يدل على قوة دينه وصحة عقيدته رحمة الله عليه. لخصت هذه الترجمة، من «طبقات الحنابلة» لأبي يعلى بن الفراء. ٢٨٧ - عبد العزيز بن عبد الجليل النمراوي الشيخ عزّ الدين الشافعي (١). ولد بناحية نمرا من أعمال الغربية، وقدم القاهرة، واشتغل في العلم بها حتى برع، وصار عالما نظّارا، وتصدى للاشتغال وأفتى، ودرس الفقه بالمدرسة

стр. 317

النابلسية، ودرس التفسير بالقبة المنصورية، وناظر بحضرة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فرجحه على ابن المرحل. مات يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة سنة [عشر] (١) وسبعمائة. ٢٨٨ - عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد ابن المهذّب عز الدين أبو محمد السلمي (٢). الشافعي، الملقب بسلطان العلماء وشيخ الإسلام، أصله مغربيّ، ومولده بدمشق، في سنة سبع- أو ثمان- وسبعين وخمسمائة، وسمع حضورا على أبي الحسين أحمد بن الموازيني، والخشوعي، وسمع عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي، والقاسم بن عساكر، وابن طبرزد، وحنبل المكبر، وعبد الصمد بن محمد الحرستاني وجماعة. وخرج له الحافظ شرف الدين أبو محمد الدّمياطي أربعين حديثا عوالي. روى عنه تلامذته، الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وهو الذي لقّبه سلطان العلماء، وعلاء الدين أبو الحسن علي الباجي، وتاج الدين الفركاح، والحافظ أبو بكر محمد بن يوسف بن مسدي، وأبو العباس أحمد الدّشناوي، وأبو محمد هبة الله القفطي، وشرف الدين الدّمياطي، وأبو الحسين اليونينيّ، وخلائق من أهل مصر والشام وغيرهم. وتفقه على الإمام فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر، وقرأ الأصول على

стр. 318

السيف الآمديّ، وغيره. ومهر في العربية، ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من [البلاد] وتخرج به أئمة، وصار رأس الشافعية في وقته، ولم يلحقه أحد في حالته. وكان عاقلا ناسكا، ورعا زاهدا متقشفا، أمّارا بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، ولي خطابة الجامع الأموي بدمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل بعد الدولعي، وأزال كثيرا من البدع التي كان الخطباء يفعلونها؛ من دق المنبر بالسّيف وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرّغائب ونصف شعبان، ومنع منهما. فلما أعطى الصالح الفرنج صفدو الشّقيف، أنكر الناس ذلك عليه، وتنكروا له، فعرّض به الشيخ عزّ الدين في الخطبة يوم الجمعة، ونال منه وترك الدّعاء له، فعزله الصالح وحبسه ثم أفرج عنه فسار إلى القاهرة، ومرّ في طريقه إليها على الكرك، وذلك في حدود سنة تسع وثلاثين وستمائة، فسأله الناصر داود هو والشيخ أبو عمرو بن الحاجب الإقامة بها فامتنع، وقال: هذه بلدة تصغر عن نشر علمي، ومضى إلى القاهرة فأكرمه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وبالغ في تعظيمه وتلقاه واحترمه، فاتّفق وفاة قاضي القضاة شرف الدين أبي المكارم محمد بن عبد الله بن الحسن بن عين الدولة، في تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة، فولي السلطان الملك الصالح بدر الدين أبا المحاسن يوسف ابن الحسن بن علي السنجاري قضاء القاهرة والوجه البحري، وولي الشيخ عز الدين قضاء مدينة مصر والوجه القبلي، وأضاف إليه خطابة جامع عمرو بن العاص، عوضا عن الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي الإخميمي بعد عزله، فلم يتغير عن طريقته، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واطراح التكلف، وترك الاحتفال بالملبس، حتى إنه كان يحضر الموكب السّلطانيّ وعلى رأسه قبع لبّاد.

стр. 319

وحكى أنه ركب يوما بغلة، وعليه قميص وهو معتم على طرطورلباد، فتعرض له فقير يسأله شيئا، فقطع نصف العمامة من على رأسه ودفعها إليه وسار، فقصده آخر فدفع إليه النصف الآخر. وطلع يوم العيد إلى القلعة والعساكر مصطفين بين يدي السلطان والأمراء تقبّل الأرض له، فنادى في ذلك الموكب العظيم: يا أيوب، ما حجّتك عند [الله] (١) إذا قال لك: ألم أولك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال نعم، الحانة الفلانيّة يباع فيها الخمر وغيره من المنكرات، وبها أنواع من سوء، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة، وذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي، هذا شيء لم أعمله، وهو من زمان أبي فقال: أنت من الذين يقولون يوم القيامة إذا سئلوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ (٢) فرسم السلطان بإبطال ما يعمل في تلك الحانة. فلما انصرف الشيخ من المجلس قال له تلميذه الباجيّ: يا سيّدي كيف تجرأت على السلطان وفاجأته بهذا الجواب؟ فقال: يا بنيّ رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه، لئلا تكبر نفسه. فقال له يا سيدي أما خفت منه؟ قال والله با بنيّ استحضرت هيبة الله تعالى في قلبي، فصار [السلطان (٣)] قدّامي كالقطّ. وبالغ في القيام بالأمر بالمعروف وشدّد في ذلك، حتى شجر بينه وبين الأمراء كلام في هذا المعنى، فقال لهم: أنتم الآن أرقاء لا ينفذ لكم تصرف، وقد عزمت على بيعكم، فشق ذلك عليهم، واستشاطوا غضبا، وهمّوا بالإيقاع به، وقال بعضهم: كيف ينادي علينا ويبيعنا ونحن ملوك

стр. 320

الأرض؟ والله لأضربنّه، وشهر سيفه وركب في جمع من خدمه حتى أتى بيت الشيخ وسيفه مشهور بيده، وطرق الباب، فخرج عبد اللطيف بن الشيخ، فلمّا رآه على تلك الحالة رجع إلى أبيه وأخبره بما رأى، فخرج غير مكترث وقد اشتد جزع الولد، فقال له: يا بني أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله، فعند ما عاينه الأمير هابه وسقط السّيف من يده وبكى، ثم نزل عن فرسه، وأخذ يقبّل يد الشيخ ويسأله الدعاء ويستغفر مما كان منه، ثم قال: يا سيّدي، خبّر نا إيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم قال: فثمننا في أي شيء تصرفه؟ قال: في مصالح المسلمين. قال: من يقبضه؟ قال: أنا، وانصرف، فلم يزل إلى أن نادى عليهم واحدا بعد واحد وبالغ في إشهارهم في النداء وحمل ثمنهم لبيت المال. فاتفق أن بعض غلمان الوزير معين الدين عثمان ابن الشيخ، بني بنيانا على سطح مسجد بمصر، وعمل فيه طبل خانات، فأنكر ذلك الشيخ عز الدين ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن الوزير والسلطان يغضبان لذلك، فأشهد عليه بإسقاط عدالته [وحكم بفسق (١)] الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السّلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة وإلا شنع عليك على المنبر كما فعل بدمشق، فعزله، فأقام في بيته من المدرسة الصالحية يشغل الناس، وولي قضاء مصر بعده أبو منصور موهوب بن عمر الجزري، أحد نواب الشيخ عز الدين في ثالث عشري ذي القعدة سنة أربعين وستمائة، وأعيد المجد الإخميمي إلى الخطابة، فاتفق أن الملك الصالح بعث رسولا إلى الخليفة ببغداد، فأدّي رسالته، فقيل له: أسمعت هذه الرسالة من السلطان؟ قال: لا، ولكن حمّلنيها ابن شيخ الشيوخ أستاداره. فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته.

стр. 321

فرجع حتى شافهه الملك الصالح، ثم عاد بها إلى بغداد حتى أدّاها. فلما بنى الصالح المدارس الصالحية بالقاهرة، فوّض إلى الشيخ عز الدين تدريس الشافعية، واستمر على ما هو عليه إلى أن مات يوم الأحد العاشر من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، ودفن بالقرافة، وشهد جنازته خلائق لا تحصى. وكان مع شدته حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، ولبس خرقة التصوّف من الشهاب السهرورديّ، وأخذ عنه، وكان يقرأ عليه «رسالة القشيريّ» وله يد في التصوف، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد. وكان كل أحد يضرب به المثل في الزهد والعلم، فيقال بمصر: ما أنت إلا من العوام ولو كنت ابن عبد السّلام. ولما حضر بيعة السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري، قال له: يا ركن الدين أنا أعرفك مملوك البندقداري، وما أعلم هل عتقك أم لا، وانصرف ولم يبايعه أحد، حتى جاء من شهد له بالخروج عن رق البندقداري إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وعتقه. ولما مرض أرسل إليه السلطان، وقال: عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة- يعني الصالحية- تصلح للقاضي تاج الدين يعني ابن بنت الأعز، ففوضت إليه بعده، وكان على غاية من صفاء الذهن وفرط الذكاء. حكى عنه الوجيه أبو محمد عبد الوهّاب بن السديد حسين بن عبد الوهاب البهنسيّ: أنه قال: مضت لي ثلاثون سنة، لا أنام كل ليلة إلا بعد أن أمرّ أبواب الشريعة علي خاطري.

стр. 322

وروي عنه أنه كان يقول: ما احتجت في علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنت أقرأ عليهم، إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيت عني فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى أكمل الكتاب الذي أقروه في ذلك العلم. وقال ابن دقيق العيد: ابن عبد السّلام أحد سلاطين العلماء، وعن أبي عمرو بن الحاجب أنه قال: ابن عبد السّلام أفقه من الغزالي. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب «تفسير القرآن» في مجلد كبير، رتبه على المعاني مختصرا، وكتاب «مختصر مسلم» وأقرأه، وكتاب «المجاز»، وكتاب «قواعد الإسلام» نسختان، كبرى وصغرى، وكتاب «مناسك الحج» وكتاب «الغاية في اختصار النهاية» وكتاب في «الإيمان ووجوهه» وفرق ما بينه وبين الإسلام، وكتاب «بداية السّول في تفضيل الرسول» وكتاب «في الصوم وفضله» وكتاب «الفتاوى المجموعة» وكتاب «مقاصد الصلاة» وكتاب «الملحة» في تصحيح العقيدة، وكتاب «الردّ على المبتدعة والحشوية» وكتاب «الأمالي» وكتاب «الفتاوى الموصليّة» وكتاب «شجرة المعارف» وكتاب «بيان أحوال الناس يوم القيامة» وكتاب «الدلائل المتعلقة بالملائكة والنبيين ﵈» و «مختصر رعاية المحاسبي» و «الإمام في أدلة الأحكام»، و «فوائد البلوى والمحن» و «الجمع بين الحاوي والنهاية» مجموع يشتمل على فنون من الفوائد، وغير ذلك. وخرج يوما إلى الدرس وعليه قبع لباد وهو لابس فروة مقلوبة، فلما جلس على السجادة، تبسم بعض من حضر وهو يراه فلم يعبأ به، وقال: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (١) فهابه كل من حضر، وكان مع

стр. 323

هذه المهابة حسن البشر في ملقاه، ويكتب خطا حسنا قويا، وفيه يقول أبو الحسين الجزار من أبيات: سار عبد العزيز في الحكم سيرا ... لم يسره سوى ابن عبد العزيز (١) عمّنا حكمه بعدل بسيط ... شامل للورى ولفظ وجيز ولما استقر مقامه بمصر امتنع الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذريّ من الفتيا وقال: كنّا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعيّن فيه. ويحكى أن الشيخ عز الدين في أول أمره كان فقيرا معدما، ولم يشتغل بالعلم إلا على كبر. وذلك أنه كان يبيت في الكلاسة بدمشق، فاحتلم ذات ليلة وكان البرد شديدا فاغتسل في البركة، ونام فاحتلم ثانيا، فعاد فاغتسل، فأغمى عليه من شدة برد الماء، فسمع نداء، با ابن عبد السلام، أتريد العلم أم العمل؟ فقال: أريد العلم، لأنه يهدي إلى العمل، وأصبح فأخذ كتاب «التنبيه» في الفقه فحفظه في مدّة يسيرة، وأقبل على العلم، حتى صار إلى ما صار. وكان بين الشيخ عبد الله البلتاجيّ وبين الشيخ عزّ الدّين صداقة، وكان يهدي له في كلّ عام هدية، فأرسل إليه مرّة هدية، ومن جملتها جبن في وعاء، فعند ما وصل الرسول بالهدية إلى باب القاهرة انكسر وعاء الجبن وتبدد ما فيه، فبينما هو نائم إذ أتاه ذمّيّ وباعه جبنا بدله وأتى به، فلما بعث بالهدية إلى الشيخ قبلها ورد الجبن، وقال للرسول: يا ولدي ليش تفعل هذا؟ إن التي حلبت لبن الجبن كانت يدها متنجّسة بالخنزير، سلّم على أخي.

стр. 324

ووقع بدمشق غلاء كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مصاغا لها وقالت: اشتر لنا به بستانا نصيف فيه، فأخذ المصاغ وباعه وتصدّق بثمنه، فقالت له: جزاك الله خيرا. وأفتى مرّة بفتيا، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له فلان بكذا فلا يعمل به فإنه خطأ. ولما قدم الشيخ أبو العباس المرسيّ إلى القاهرة، أتى الشيخ عزّ الدين [فقال له الشيخ عز الدين (١)] تكلم على هذا الفصل، فأخذ الشيخ أبو العباس يتكلم، والشيخ عز الدين يزحف في الحلفة، ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث عهد بربّه. ولما عزم السلطان الملك المظفر قطز على المسير من مصر لمحاربة التتار وقد دهموا البلاد، جمع العساكر فضاقت يده عن نفقاتهم، واستشار الشيخ عزّ الدين، فقال له: أخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النّصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل، وأنا أريد أن أقترض من أموال التّجّار. فقال له: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحليّ الحرام اتخاذه، وضربته سكّة ونقدا، وفرّقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم، ذلك الوقت اطلب القرض، وأمّا قبل ذلك فلا، فأحضر السلطان والعسكر كلّهم ما عندهم من ذلك بحضرة الشيخ، وكانت له عندهم عظمة، وله في أنفسهم مهابة بحيث لا يستطيعون مخالفته، فامتثلوا ما قاله، وكان لقطز النصرة المعروفة على التتار بعين جالوت. ومن عظمته في النفوس أن الملك بيبرس لم يبايع واحدا من الخليفة المستنصر والخليفة الحاكم العباسيين إلا بعد أن تقدّمه الشيخ عزّ الدين

стр. 325

للمبايعة، ثم يبايع السّلطان بعده، ثم يبايع القضاة، ولما مرّت جنازته من تحت القلعة ورأى الملك الظاهر كثرة الخلائق، قال لبعض خواصّه: اليوم استقرّ أمري في الملك؛ لأن هذا الرجل لو كان يقول للناس: أخرجوا عليه، لانتزعوا الملك منّي. وشهد ﵀ واقعة الفرنج لما أخذوا دمياط ووصلوا في مراكبهم إلى المنصورة، واستظهروا على المسلمين، فقويت الرّيح على مراكب المسلمين واشتد الأمر، فنادى الشيخ بأعلى صوته وأشار إلى الريح بيده: يا ريح خذيهم مرارا، فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها، وكان الفتح، وغرق أكثر الفرنج وصرخ من بين المسلمين صارح: الحمد لله الذي أرانا من أمّة محمد ﷺ رجلا سخّر له الرّيح. وكان الملك الأشرف موسى بن العادل، لما أخذ دمشق وبها يومئذ الشيخ عز الدين، وشيء به إليه أنه يخالفه في المعتقد، وكان الشيخ ﵀ رأسا في مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ، وكان الأشرف على خلاف الأشعريّ، فدسّ أعداؤه عليه فتوى في مسألة الكلام فكتب عليها العقيدة المشهورة، وهي طويلة تشتمل على طريقة أبي الحسن الأشعريّ، ووضع فيها من الحنابلة وغض منهم، فلما وقف عليها الأشرف اشتد غضبه ووقع في حق الشيخ بعظيمة، وكان عنده جمع من الفقهاء فلم يستطيعوا أن يردوا قوله سوى [بعض الأعيان (١)] فإنه قال: السلطان أولى بالعفو والصّفح، فكثرت القالة، وقام الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب في حق الشيخ عز الدّين، ومضى إلى القضاة والعلماء الذين حضروا مجلس الأشرف وعتبهم على سكوتهم، وما زال بهم حتى كتبوا خطوطهم على فتوى بصورة الحال وافقوا

стр. 326

فيها ابن عبد السلام، وطلب ابن عبد السلام أن يعقد الأشرف مجلسا بحضرة الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية، فكتب الأشرف بخطه: وصل إليّ ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام، أصلحه الله، من عقد مجلس وجمع المفتين والفقهاء، وقد وقفنا على خطّه وما أفتى به، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن الاجتماع به، ونحن فنتّبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين قال ﷺ في حقّهم: (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي) وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكلّ مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، إلا إن كنت تدّعي الاجتهاد، فعليك أن تثبت، ليكون الجواب على قدر الدّعوى، لتكون صاحب مذهب خامس، وأمّا ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي تغمّده الله برحمته، فذلك الحال أنا أعلم به منك، وما كان لك سبب إلّا فتح باب السلامة لا لأمر ديني. وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جانبه العذاب (١) ومع هذا فقد ورد في الحديث: (الفتنة نائمة لعن الله مثيرها) ومن تعرّض لإثارتها قاتلناه بما يخلّصنا من الله تعالى، وما يعضد كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، فلما قرأها الشيخ عز الدين بن عبد السلام كتب جوابها بعد البسملة: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) أما بعد حمد الله الذي جلّت قدرته، وعظمت كلمته، وعمّت رحمته، وسبغت نعمته (٣)، فإن الله قال لأحبّ خلقه إليه وأكرمهم لديه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٤) وقد أنزل الله

стр. 327

كتبه وأرسل رسله لنصائح خلقه، فالسّعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه، وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (١). فهو سبحانه أولى من قبلت نصيحته، وحفظت وصيّته. وأما طلب المجلس وجمع العلماء، فما حملني عليه إلّا النصح للسلطان وعامّة المسلمين، وقد سئل رسول الله ﷺ عن الدّين، فقال: (الدين النصيحة) قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله وأئمّة المسلمين وعامّتهم) فالنصح لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بالعمل بمواجبه، ولرسوله باتباع سنّته، وللأئمة بإرشادهم إلى أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه، ولعامّة المسلمين بدلالتهم على ما يقرّبهم إليه ويزلفهم لديه، وقد أدّيت ما عليّ في ذلك. والفتيا التي وقعت في هذه القضية يوافق عليها علماء المسلمين، من الشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة والفضلاء من الحنبلية، وما يخالف في ذلك إلّا رعاع لا يعبأ الله بهم وهو الحق الذي لا يجوز دفعه، والصواب الذي لا يمكن رفعه، ولو حضر العلماء مجلس السلطان لعلم صحّة ما أقول، والسلطان أقدر على تحقيق ذلك، وقد كتب الجماعة خطوطهم على ما قلته، وإنما سكت من سكت في أوّل الأمر لما رأوا من غضب السّلطان [ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان (٢)] لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا، ومع ذلك فنكتب ما ذكرته في الفتيا، وما ذكره الغير، وتبعث به إلى بلاد الإسلام، ليكتب فيها كلّ من يحب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه، ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين، ليقف عليها السلطان.

стр. 328

وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أنّ الأشعريّ يستهين بالمصحف، ولا خلاف بين الأشعريّة وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب، وعندنا أنّ من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر، وانفسخ نكاحه، وصار ماله فيئا للمسلمين، ويضرب عنقه. ولا يغسّل ولا يكفّن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع. ومذهبنا أن كلام الله تعالى قديم أزليّ قائم بذاته، لا يشبه كلام الآدميين، كما لا يشبه ذاته ذات الخلق، ولا يتصوّر في شيء من صفاته أن تفارق ذاته، إذ لو فارقته لصار ناقصا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا، وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصّدور، مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد للكاتبين، ولا ألفاظ اللّافظين، ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدّين، وخرج عن عقائد المسلمين، بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١). وليس ردّ البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن، فإنّ الله سبحانه أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه، ومن امتثل أمر الله، ونصر دين الله، لا يجوز أن يقال: لعنه رسول الله ﷺ . وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد، والمذهب الخامس، فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإنّ الأصل واحد، والخلاف في الفروع، ومثل هذا الكلام فلا أعتمد فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله، والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده، وبعد ذلك فإنا نعلم أنا من جملة حزب الله، وأنصار دينه وجنده، وكلّ جنديّ لا يخاطر بنفسه فليس بجنديّ. وأما ما ذكر من أمر باب السلامة، فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا، من

стр. 329

أن السلطان الملك العادل تغمده الله برحمته، إنما فعل ذلك إعزازا للدّين، ونصرة للحقّ، ونحن نحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ . فلما وقف الأشرف على جوابه اشتد غضبه وبعث إليه بالغرس خليل أستاداره، فبلغه غضب السلطان مما وقف من مخاطبته بما لا يعهده من مخاطبة الناس للملوك، مع ما ذكره من مخالفة اعتقاده، وأنه شرط أنه لا يفتي، ولا يجتمع بأحد، ويلزم بيته، فأظهر البشر لذلك، وخلع على الغرس سجادة كان يصلي عليها، فبقي على هذا ثلاثة أيام. واجتمع الجمال الحصيريّ شيخ الحنفية بالسلطان، وحدثه في أمر ابن عبد السلام فأوقفه على ورقته، فقال: هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالف وذهب إلى إثبات الحرف والصوت فهو حمار، وما زال به حتى بعث إلى الشيخ يحايله وتقدم إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام وأن لا يفتي فيها أحد بشيء. فلما قدم السلطان الملك الكامل من القاهرة إلى دمشق، وكان على رأي الأشعري، أكرم ابن عبد السلام وطلب منه أن يكتب له ما جرى في هذه القضية بطوله، فأمر ولده عبد اللطيف بذلك فكتبه وأعجب به الكامل، وعتب أخاه الأشرف على منعه ابن عبد السلام من الكلام في مسألة الكلام، وعنفه على ميله للحنابلة، فأخذ الأشرف في طلب مصنّفات الشيخ وقرئ عليه منها كتاب «الملحة في اعتقاد الحق» وكتاب «مقاصد الصلاة» وكرر قراءته في يوم واحد ثلاث مرّات، فلما بلغ ذلك ابن عبد السلام قال: لو قرئت «مقاصد الصلاة» على بعض مشايخ الزّوايا أو على متزهّد أو مريد أو متصوف مرّة واحدة، في مجلس، لما أعادها فيه مرّة أخرى، فاشتهر كتاب «مقاصد الصلاة» بدمشق وكتب منه عدة نسخ، فلما

стр. 330

مات الأشرف وقدم الكامل إلى دمشق بعد موته، ولي الشيخ تدريس الزاوية الغزّالية بجامع بني أمية، وعزم على ولايته قضاء دمشق، وإرساله في الرسالة إلى بغداد، فمات دون إمضاء ذلك بدمشق، فلما ملك الصالح أيوب بالكرك، ولي الشيخ خطابة الجامع الأموي، فاتفق خروج الصالح أيوب من الكرك، وأخذ ملك مصر من أخيه العادل، فحافد الصالح إسماعيل واعتضد عليه بالفرنج، وسلم إليهم صفد والشقيف، لينصروه على الصالح أيوب فدخل الفرنج دمشق واشتروا الأسلحة لقتال الصالح أيوب، فأنكر الناس ذلك، واستفتوا الشيخ فأفتاهم بتحريم بيع السلاح للفرنج، وجدد دعاءه على المنبر، وكان يدعو به قبل نزوله والناس يؤمنون، وهو: اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد تعز فيه أولياءك، وتذلّ فيه أعداءك، ويعمل فيهم بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك. فنقل للصالح عنه ما غيره عليه، فاعتقله ثم أفرج عنه، فأقام مدة ثم خرج من دمشق فلقيه الناصر داود في الفور، وأخذه وأقام عنده بنابلس مدّة، ثم سار إلى القدس حتى جاء الصالح إسماعيل بالفرنج لقتال المصريين، ومرّ بالقدس فقبض على الشيخ واعتقله في خيمة إلى جانبه، فلما انهزم نجا الشيخ وسار إلى القاهرة فأكرمه الصالح أيّوب، وولاه خطابة جامع عمرو وقضاء مصر، وفوّض إليه عمارة المساجد المهجورة، فجرت في ولايته عجائب وغرائب، وعزل نفسه عن الحكم ثم ردّه السلطان فباشر مدة ثم عزل نفسه. وحكي أن رجلا قال له: رأيتك في النوم تنشد: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزّمان فشلت فقال: أعيش ثلاثا وثمانين سنة، فإن هذا الشّعر لكثيّر عزّة، ولا نسبة بيني وبينه غير السّنّ، أنا سنّيّ وهو شيعيّ، وأنا لست بقصير وهو قصير،

стр. 331

ولست بشاعر وهو شاعر، وأنا سلمي وهو ليس بسلميّ، لكنه عاش هذا القدر، فكان كذلك. وأنشد طلبته يوما، وقال لهم: أجيزوه. لو كان فيهم من عراه غرام ... ما عنّفوني في هواه ولاموا (١) ولا يعرف له نظم غيره، فأجازه شمس الدين عمر بن عبد العزيز بن الفضل الأسوانيّ قاضي أسوان، فقال: لكنّهم شهدوا لذاذة حسنه ... وعلمتها ولذا سهرت وناموا (٢) وذكر عدة أبيات وأنشدها كلّها في المجلس، فقال له الشيخ: أنت إذا فقيه وشاعر. ٢٨٩ - عبد العزيز بن علي الشّهرزوريّ (٣). يكني أبا عبد الله. قدم الأندلس سنة ست وعشرين وأربعمائة. وكان شيخا جليلا أخذ من كل علم بأوفر نصيب، وكانت علوم القرآن وتعبير الرؤيا أغلب عليه. روى عن أبي زيد المروزيّ، وأبي إسحاق القرطبيّ، وأبي بكر الأبهريّ، وأبي بكر بن الباقلاني، وأبي تمام صاحب الأصول، وأبي بكر الأدفويّ، وأبي أحمد السّاريّ، والحسن بن رشيق، والدارقطنيّ. ودخل دانية، وركب البحر منصرفا منها، فقتلته الروم في البحر سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقد قارب المائة سنة.

стр. 332

ذكره ابن بشكوال في «الصلة». ٢٩٠ - عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن الواثق بالله هارون بن إسحاق المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس أبو علي الهاشمي البغداديّ (١). شيخ مقرئ مشهور، أخذ القراءة عرضا [عن أبي أيوب الضبي، بقراءة حمزة، روى عنه القراءة عرضا (٢)] علي بن عمر الحمامي، وإبراهيم بن أحمد الطبري، وأبو الحسن بن العلاف. توفي ببغداد، قيل: سنة خمسين وثلاثمائة. له من الكتب «التفسير» «السنن» «قراءة حمزة»، «رسالته إلى ثعلب»، يسأله عن أيّ البلاغتين أبلغ. ٢٩١ - عبد الغني بن سعيد الثقفي (٣). صاحب «التفسير» حدّث عنه بكر بن سهل الدّمياطيّ وغيره، ضعفه ابن يونس انتهى. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مصريّ، يروي عن موسى بن عبد الرحمن الصّنعانيّ عن هشام بن عروة. قلت: ابن يونس أعلم به، وقد ذكر في «تاريخه» أنه توفي رجب سنة تسع وعشرين ومائتين. هذه الترجمة من «لسان الميزان» لشيخ شيوخنا الحافظ ابن حجر.

стр. 333

٢٩٢ - عبد الغني بن القاسم بن الحسن أبو محمد المصريّ المقرئ الشافعيّ الحجّار المدنيّ (١). اختصر «تفسير» سليم الرازي اختصارا حسنا، وقال أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المقرئ، أخبرنا الفقيه أبو الفتح سلطان ابن إبراهيم المقدسيّ، عن سليم بن أيوب. سمع منه عبد الله بن الشبلي. مات في ليلة السابع من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ٢٩٣ - عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن تيميّة الحراني (٢). خطيب حران، وابن خطيبها، سيف الدين أبو محمد، ابن الشيخ فخر الدين أبي عبد الله. ولد في ثاني صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحران. وسمع بها من والده، وعبد القادر الرهاويّ، وعبد الوهاب بن أبي حبّة (٣). وحماد الحراني، وغيرهم. وأخذ العلم بها عن والده. ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة وضياء بن الخريف، وعمر بن طبرزد، وعبد العزيز بن منينا، وعبد الواحد بن سلطان، ويحيى بن الحسين الأوانيّ (٤)، وأبي الفرج محمد بن

стр. 334

هبة الله الوكيل، وعبد الرّازق بن عبد القادر الحافظ، وسعيد بن محمد بن عطاف، وأحمد بن الحسن العاقوليّ، وغيرهم. وطلب وقرأ بنفسه، وأخذ الفقه عن الفخر إسماعيل غلام بن المنى وغيره. ورجع إلى حران، وقام مقام أبيه في وظائفه بعد وفاته، وكان يخطب ويعظ ويدرس، ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي. قال ابن حمدان: الشيخ الإمام العالم الفاضل، سيف الدين، قام مقام والده في التدريس والفتوى، والوعظ والخطابة: وكان خطيبا فصيحا، رئيسا ثابتا، رزين العقل. وله تصنيف «الزوائد على تفسير الوالد»، و «إهداء القرب إلى ساكن الترب». قال: ولم أسمع منه ولا قرأت عليه شيئا. وسمعت بقراءته على والده كثيرا. وقال المنذري: لقيته بحران وغيرها، وعلقت عنه بنهر الجوز بالقرب من شاطئ الفرات شيئا. وأجاز للقاضي أبي الفضل سليمان بن حمزة المقدسيّ. وتوفي في سابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة بحرّان. ذكره ابن رجب. ٢٩٤ - عبد القاهر بن طاهر بن محمد التّميميّ الإمام الكبير الأستاذ أبو منصور البغداديّ الشافعي (١).

стр. 335

إمام عظيم القدر، جليل المحلّ، كثير العلم، بحر لا يساجل في الفقه وأصوله والفرائض والحساب، وعلم الكلام. اشتهر اسمه، وبعد صيته، وحمل عنه العلم أكثر أهل خراسان. سمع أبا عمرو بن نجيد، وأبا عمرو محمد بن جعفر بن مطر، وأبا بكر الإسماعيليّ، وأبا أحمد (١) بن عديّ، وغيرهم. روى عنه البيهقي، والقشيريّ، وعبد الغافر بن محمد بن شيرويه، وغيرهم. وكان يدرّس في سبعة عشر فنّا، وله حشمة وافرة ومال جزيل. قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: كان من أئمة الأصول وصدور الإسلام بإجماع أهل الفضل والتحصيل، بديع الترتيب، غريب التأليف والتهذيب، تراه الجلّة صدرا مقدّما، وتدعوه الأئمة إماما مفخّما، ومن خراب نيسابور اضطرار مثله إلى مفارقتها. قال ابن السبكي: فارق نيسابور بسبب فتنة وقعت بها من التركمان. وقال عبد الغافر الفارسيّ: هو الأستاذ الإمام الكامل ذو الفنون، الفقيه الأصوليّ، الأديب الشاعر النحوي، الماهر في علم الحساب، العارف بالعروض، ورد نيسابور مع أبيه أبي عبد الله طاهر، وكان ذا مال وثروة ومروءة، وأنفقه على أهل العلم والحديث حتى افتقر، صنف في العلوم، وأربى على أقرانه في الفنون، ودرّس في سبعة عشر نوعا من العلوم، وكان قد درس على الأستاذ أبي إسحاق، وأقعده بعده للإملاء، وأملى سنين، واختلف إليه الأئمة وقرءوا عليه، مثل ناصر العمري المروزيّ، وأبي القاسم القشيريّ، وغيرهما.

стр. 336

قال وخرج من نيسابور في أيام التركمانيّة وفتنتهم، إلى أسفراين، فمات بها. وقال الإمام فخر الدين الرازيّ في كتاب «الرّياض المونقة»: كان- يعني أبا منصور- يسير في الرد على المخالفين سير الآجال في الآمال، وكان العالم (١) في الحساب والمقدّرات، والكلام والفقه والفرائض وأصول الفقه، ولو لم يكن له إلا كتاب «التكملة في الحساب» لكفاه. وقال أبو علي الحسن بن نصر المرنديّ الفقيه: حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الله الفقيه، قال: لما حصل أبو منصور بأسفراين ابتهج الناس بمقدمه إلى الحدّ الذي لا يوصف، فلم يبق بها إلا يسيرا حتى مات، واتفق أهل العلم على دفنه إلى جانب الأستاذ أبي إسحاق، فقبراهما متجاوران تجاور تلاصق، كأنهما نجمان جمعهما مطلع، وكوكبان ضمهما برج مرتفع. مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة. ومن شعره (٢). يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف أبشر بقول الله في آياته ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (٣) من شعره (٤): لا تعترض فيما قضى ... واشكر لعلّك ترتضى اصبر على مرّ القضا ... إن كنت تعبد من قضى

стр. 337

ومنه: يا فاتحا لي كلّ همّ مرتج ... إني لعفو منك عنّي مرتجي (١) فامنن عليّ بما يفيد سعادتي ... فسعادتي طوعا متى تأمر تجيومنه (٢): طلبت من الحبيب زكاة حسن ... على صغر من القدّ البهيّ (٣) فقال وهل على مثلي زكاة ... على قولي العراقيّ الكميّ فقلت الشافعيّ لنا إمام ... وقد فرض الزكاة على الصبيّ وله (٤): يا سائلي عن قصّتي ... دعني أمت في غصّتي المال في أيدي الورى ... واليأس منه حصتي ومن تصانيفه: كتاب «التفسير» وكتاب «فضائح المعتزلة» وكتاب «الفرق بين الفرق» وكتاب «التحصيل» في أصول الفقه، وكتاب «تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر» وكتاب «فضائح الكرّاميّة» وكتاب «تأويل متشابه الأخبار» وكتاب «الملل والنحل» مختصر وليس في هذا النوع مثله، وكتاب «بلوغ المدى عن أصول الهدى» وكتاب «إبطال القول بالتولد» وكتاب «العماد في مواريث العباد» ليس في الفرائض والحساب له نظير، وكتاب «التكملة» في الحساب، وهو الذي أثنى عليه الإمام فخر الدين في كتاب «الرياض المونقة» وكتاب «شرح مفتاح ابن القصاص» وهو الذي نقل عنه الرافعيّ في آخر باب «الرجعة» وغيره،

стр. 338

وكتاب «نقض ما عمله أبو عبد الله الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة» وكتاب «أحكام الوطء التام» وهو المعروف بالتقاء الختانين في أربعة أجزاء. قال ابن الصّلاح: ورأيت له كتابا في معنى لفظتي «التصوّف والصّوفيّ» جمع فيه من أقوال الصوفية زهاء ألف قول، مرتبة على حروف المعجم. وجميع تصانيفه بالغة في الحسن أقصى الغايات. ٢٩٥ - عبد القاهر بن عبد الرحمن الشيخ أبو بكر الجرجاني (١). [النحويّ، أخذ (٢)] النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، وصار الإمام المشهور، المقصود من جميع الجهات، مع الدّين المتين والورع والسكون. قال السّلفي. كان ورعا قانعا، دخل عليه لصّ وهو في الصلاة، فأخذ جميع ما وجد، وعبد القاهر ينظر ولم يقطع صلاته. قال: وسمعت أبا محمد الأبيوردي يقول: ما مقلت عيني لغويا مثله. وأما في النحو فعبد القاهر.

стр. 339

ومن مصنّفاته كتاب «المغني في شرح الإيضاح» في نحو ثلاثين مجلدا، و «المقصد في شرح الإيضاح» أيضا، ثلاث مجلدات وكتاب «إعجاز القرآن» الكبير، وكتاب «إعجاز القرآن» الصغير، و «العوامل المائة» و «المفتاح»، و «شرح الفاتحة»، و «العمدة» في التصريف، و «الجمل» المختصر المشهور، و «التلخيص» في شرح هذا الجمل. ومن شعره: كبر على العلم يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم مات سنة إحدى- وقيل أربع- وسبعين وأربعمائة. ٢٩٦ - عبد الكبير بن محمد بن عيسى بن محمد بن بقي أبو محمد الغافقي المرسي (١). نزيل إشبيلية. قال ابن الأبار: كان فقيها، حافظا، مشاركا في الحديث، متقدما في الفتيا. صنف «تفسيرا» جمع فيه بين «تفسير» ابن عطية، و «تفسير» الزمخشري، و «مختصرا» في الحديث. روى عن أبيه، وأبي عبد الله بن سعادة، وأجاز له أبو الحسن بن هذيل،

стр. 340

وحدث. وأخذ عنه الناس، وولي قضاء رندة (١). ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ومات في صفر سنة سبع عشرة وستمائة، ﵀ وإيانا. ٢٩٧ - عبد الكريم بن الحسن بن المحسن بن سوار الأستاذ أبو علي المصري التككي (٢) المقرئ (٣). قرأ بالروايات على أبي الحسن علي بن محمد بن حميد الواعظ، مصنف «الروضة» وسمع أبا الحسن الحبال، وأبا الحسن الخلعي. كان عارفا بالقراءات، والتفسير ووجوهه، والإعراب والعربية وغوامضها، وكانت له حلقة إقراء بمصر، روى عنه السلفي. مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وله ثمان وستون سنة. ٢٩٨ - عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد بن علي بن محمد أبو معشر الطبري المقرئ القطان (٤). مقرئ أهل مكة، ومصنف «التلخيص» وكتاب «سوق العروس» في القراءات المشهورة والغريبة، وله كتاب «الدرر» في التفسير، وكتاب

стр. 341

«الرشاد في شرح القراءات الشاذة» وكتاب «عيون المسائل» وكتاب «طبقات القراء» وكتاب «العدد» وكتاب «المصاحف» و «كتاب في اللغة» وأشياء غير ذلك، وقد روى «تفسير الثّعلبي» عن المصنّف، و «مسند الإمام أحمد» و «تفسير النقاش» عن شيخه الزّيدي بحران. [وقرأ على (١)] أبي عبد الله الكارزينيّ، وابن نفيس، وإسماعيل بن راشد الحداد، والحسين بن محمد الأصبهاني، وخلق، أسند عنهم في تواليفه. وسمع الحديث من أبي عبد الله بن نظيف، وأبي النعمان تراب بن عبد الله، وأبي عبد الله بن يوسف بتنيس، وأبي الطيب الطّبري. قرأ عليه أبو علي بن العرجاء وجماعة وله كتاب «سوق العروس» فيه ألف وخمسمائة طريق. وحدث عنه أبو بكر محمد بن [عبد (٢)] الباقي، وإبراهيم بن أحمد الصيمريّ، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، ومحمد بن مسبح (٣) الفضي، وأبو القاسم خلف بن النحاس، والحسن بن عمر الطّبريّ وهو ابن العرجاء. وممّن قرأ عليه الحسن بن خلف بن بليمة، ومحمد بن إبراهيم بن نعم الخلف، ومنصور بن الخير، وآخرون. توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمكة. أورده الذهبي في «طبقات القراء».

стр. 342

٢٩٩ - عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري (١). المصريّ. الأندلسيّ الأصل، الإمام علم الدين، المعروف بالعراقيّ الشافعيّ، ولد بمصر سنة ثلاث وعشرين وستمائة. كان إماما فاضلا في فنون كثيرة، خصوصا التفسير، وكان أبوه من الأندلس، فقدم مصر، فولد ولده هذا بها، وقيل له العراقيّ نسبة إلى جده لأمه، وهو العراقي شارح «المهذب». أخذ الفقه عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وغيره، والحديث عن المنذري قراءة وسماعا، والأصلين عن التّلمسانيّ، والخسروشاهيّ (٢)، ومهر وبرع في فنون العلم، وتصدر بجامع مصر، ودرس المشهد الحسيني، ودرس الفقه بالقبة المنصورية وغيرها. وصنّف كتبا منها: في التفسير «الإنصاف في مسائل الخلاف بين الزمخشري وابن المنير» ونبّه على مواضع الاعتزال في «الكشاف» وصنف «مختصرا في أصول الفقه» وأملى في تفسير القرآن. قال الإسنوي: كان عالما فاضلا في فنون كثيرة، خصوصا التفسير، وفيه دعابة كثيرة مأثورة، قال: وشرح «التنبيه» شرحا متوسطا، رأيت منه جزءا من أوائل الكتاب وجزءا من آخره، وقد لا يكون أكمله.

стр. 343

وأقرأ الناس مدة طويلة حتى صاروا أئمة، وكتب بخطه كثيرا حتى كتب «حاوي الماوردي» مرات وأضر في آخر عمره. وقال ابن كثير في «طبقاته» نقلا عن بعضهم: إنه له مصنفات في التفسير والأصول، مات في يوم الثلاثاء سابع صفر سنة أربع وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. ومن شعره فيما رواه عنه أبو حيان، قال نظمت في النوم في قاضي القضاة ابن رزين وكان معزولا: يا سالكا سبل السعادة منهجا ... يا موضح الخطب البهيم إذا دجا يا ابن الذين رست قواعد مجدهم ... وثنا ثناهم عاطرا فتأرجا لا تيأسن من عود ما فارقته ... بعد السّرار يرى الهلال تبلجا وابشر ومرّح ناظرا فلقد ترى ... عما قليل في العدا متفرجا وترى وليك ضاحكا مستبشرا ... قد نال من تدميرهم ما يرتجي ٣٠٠ - عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل الإمام أبو القاسم إمام الدين الرافعي القزوينيّ الشافعي (١). صاحب «الشرح الكبير». قال أبو عبد الله محمد بن محمد الأسفراينيّ: كان أوحد عصره في العلوم الدينية، أصولا وفروعا، ومجتهد زمانه في المذهب، وفريد وقته في التفسير، كان له مجلس بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث.

стр. 344

صنف شرحا «لمسند الشافعي» وشرحا «للوجيز» وآخر أوجز منه، وكان زاهدا ورعا متواضعا، سمع الكثير. وقال النوويّ: إنه كان من الصالحين المتمكّنين، وكانت له كرامات كثيرة ظاهرة. وقال الإسنوي: كان إماما في الفقه، والتفسير، والحديث، والأصول، وغيرها. طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات، فلا يطلق نقلا عن أحد غالبا إلا إذا رآه في كلامه، فإن لم يقف عليه فيه عبّر بقوله: وعن فلان كذا، شديد الاحتراز أيضا في مراتب الترجيح. قال الذهبي: ويظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح «المسند». وقيل: إنه لم يجد زيتا للمطالعة في قرية بات بها فتألم، فأضاء له عرق كرمة فجلس يطالع ويكتب عليه. وله شعر حسن ذكر منه في «أماليه»: أقيما على باب الرحيم أقيما ... ولا تنيا في ذكره فتهيما هو الربّ من يقرع على الصّدق بابه ... يجده رءوفا بالعباد رحيما وله أيضا: الملك لله الّذي عنت الوجو ... هـ له وذلّت عنده الأرباب متفرد بالملك والسّلطان قد ... خسر الذين تجاذبوه وخابوا (١) دعهم وزعم الملك يوم غرورهم ... فسيعلمون غدا من الكذّاب

стр. 345

وله: تنبّه فحقّ أن يطول بحسرة ... تلهّف من يستغرق العمر نومه وقد نمت في عصر الشّبيبة غافلا ... فهبّ نصيح الشّيب قد جاء يومه توفي أواخر سنة ثلاث- أو أوائل سنة أربع- وعشرين وستمائة بقزوين قاله ابن الصلاح. وقال ابن خلكان. في ذي القعدة سنة ثلاث وعمره نحو ست وستين سنة. ومن تصانيفه: «العزيز في شرح الوجيز» و «الشرح الصغير» و «المحرّر» و «شرح المسند» وهو مجلدان ضخمان، و «التذنيب» مجلد لطيف، يتعلق بالوجيز كالدقائق على «المنهاج»، و «الأمالي في مجلد» و «أخطار الحجاز» و «الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة» وهو ثلاثون مجلسا، أملاها أحاديث بأسانيد عن أشياخه على سورة الفاتحة، وتكلم عليها. والرافعيّ منسوب إلى رافعان: بلدة من بلاد قزوين. قاله النووي. قال الإسنويّ: وسمعت قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ يقول: إن رافعان بالعجمي مثل الرافعيّ بالعربي، فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع، ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها رافعان ولا رافع. بل هو منسوب إلى جد له يقال له رافع. قال الإسنويّ: وحكى بعض الفضلاء عن شيخه قال: سألت القاضي مظفر الدين قاضي قزوين، إلى ماذا نسبة الرافعي؟ فقال: كتب بخطه وهو عندي في كتاب «التدوين في أخبار قزوين» أنه منسوب إلى رافع بن

стр. 346

خديج ﵁. وحكى ابن كثير قولا: أنه منسوب إلى أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ . ٣٠١ - عبد الكريم بن محمود بن مودود بن محمود بن بلدجي الموصليّ (١). أبو الفضل. الفقيه الإمام الحنفيّ المفسر. مولده سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بالموصل، ودرّس بالمشهد بعد محمود، فقيه عالم بالتفسير. ذكره القرشي هكذا ولم يؤرخ وفاته. ٣٠٢ - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد النّيسابوريّ الأستاذ أبو القاسم القشيريّ الملقّب زين الإسلام (٢). شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدّم الطائفة، الجامع بين أشتات العلوم. ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة. وسمع الحديث من أبي الحسين الخفّاف، وأبي نعيم الأسفراينيّ. وأبي بكر بن عبدوس المزكّيّ، وأبي نعيم أحمد بن محمد المهرجانيّ، وعلي بن أحمد

стр. 347

الأهوازيّ، وأبي عبد الرحمن السّلميّ، وابن باكويه الشّيرازيّ، والحاكم، وابن فورك (١)، والحسين بن بشران، وغيرهم. روى عنه ابنه عبد المنعم، وابن ابنه أبو الأسعد هبة الرحمن، وأبو عبد الله الفراويّ، وزاهر الشحّاميّ، وعبد الوهّاب بن شاه الشاذياخيّ (٢) ووجيه الشحّاميّ، وعبد الجبار الخواريّ (٣)، وخلق. وروى عنه من القدماء أبو بكر الخطيب، وغيره. واخذ الفقه عن أبي بكر محمد بن بكر الطوسي، وعلم الكلام عن الأستاذ أبي بكر بن فورك. واختلف يسيرا إلى الشيخ أبي إسحاق (٤). وأخذ التصوف عن أستاذه أبي عليّ الدقاق. وكان فقيها بارعا أصوليا، محقّقا متكلّما، سنيا محدّثا حافظا، مفسّرا، متفنّنا، نحويا لغويا، أديبا كاتبا شاعرا، مليح الخطّ جدا، شجاعا بطلا، له في الفروسية واستعمال السلاح الآثار الجميلة.

стр. 348

أجمع أهل عصره على أنه سيد زمانه، وقدوة وقته، وبركة المسلمين في ذلك العصر. قال الخطيب: حدّث ببغداد، وكتبنا عنه، وكان ثقة، وكان يعظ، وكان حسن الموعظة، مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعريّ، والفروع على مذهب الشافعي. وقال عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: الإمام مطلقا، الفقيه المتكلم الأصولي، المفسّر الأديب النحوي، الكاتب الشاعر، لسان عصره وسيّد وقته وسر الله بين خلقه، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة، ومقدّم الطائفة، ومقصود سالكي الطريقة، وبندار الحقيقة، وعين السادة، وحقيقة الملاحة، لم ير مثل نفسه، ولا رأى الراءون مثله، في كماله وبراعته، جمع بين علم الشريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة. أصله من ناحية إستوا، من العرب الذين وردوا خراسان، وسكنوا لنواحي، فهو قشيري الأب سلمي الأم (١)، وخاله أبو عقيل السلمي، من وجوه دهاقين ناحية إستوا. توفي أبوه وهو طفل، فوقع إلى أبي القاسم الأليماني، فقرأ الأدب والعربية عليه، بسبب اتصاله بهم، وقرأ على غيره، وحضر البلد، واتفق حضوره مجلس الأستاذ الشهيد أبي علي الحسن بن علي الدقاق، فاستحسن كلامه، وسلك طريق الإرادة، فقبله الأستاذ، وأشار عليه بتعلم العلم، فخرج إلى درس الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن بكر الطوسي. وشرع في الفقه حتى فرغ من التعليق، ثم اختلف بإشارته إلى الاستاذ الإمام أبي بكر بن فورك، وكان

стр. 349

المقدّم في الأصول، حتى حصلها وبرع فيها، وصار من أوجه تلامذته، وأشدّهم تحقيقا وضبطا، وقرأ عليه أصول الفقه، وفرغ منه، ثم بعد وفاة الأستاذ أبي بكر اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وقعد يسمع جميع دروسه، وأتى عليه أيام، فقال له الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع. وما توهم فيه ضبط ما يسمع، فأعاد عنده ما سمعه منه، وقرره أحسن تقرير من غير إخلال بشيء، فتعجب منه وعرف محله فأكرمه، وقال: ما كنت أدري انك بلغت هذا المحل، فلست تحتاج إلى درسي، يكفيك أن تطالع مصنفاتي وتنظر في طريقي، وأن أشكل عليك شيء طالعتني به، ففعل ذلك، وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك. ثم نظر بعد ذلك في كتب القاضي أبي بكر بن الطيّب، وهو مع ذلك يحضر مجلس الأستاذ أبي علي إلى أن اختاره لكريمته، فزوجها منه. وبعد وفاة الأستاذ عاشر أبا عبد الرحمن السلمي، إلى أن صار أستاذ خراسان وأخذ في التصنيف فصنف «التفسير الكبير» قبل العشر وأربعمائة، ورتب المجالس وخرج إلى الحج في رفقة، فيها أبو محمد الجويني، والشيخ أحمد البيهقي، وجماعة من المشاهير، فسمع معهم الحديث ببغداد، والحجاز من مشايخ عصره. وكان في علم الفروسية واستعمال السلاح وما يتعلق به من أفراد العصر، وله في ذلك الفن دقائق وعلوم انفرد بها. وأما المجالس في التذكير والقعود فيما بين المريدين وأسئلتهم عن الوقائع وخوصه في الأجوبة، وجريان الأحوال العجيبة، فكلها منه وإليه. أجمع أهل عصره على أنه عديم النظير فيها، غير مشارك في أساليب الكلام على المسائل؛ وتطييب القلوب؛ والإشارات اللطيفة المستنبطة من

стр. 350

الآيات والأخبار من كلام المشايخ؛ والرموز الدقيقة؛ وتصانيفه فيها المشهورة؛ إلى غير ذلك من نظم الأشعار اللطيفة على لسان الطريقة. ولقد عقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وكان يملي إلى سنة خمس وستين، يذنّب أماليه بأبياته، وربما كان يتكلم على الحديث بإشاراته ولطائفة. وله في الكتابة طريقة أنيقة رشيقة تفوق على النظم. وقد أخذ طريق التصوف عن الأستاذ أبي عليّ الدقّاق، وأخذها أبو عليّ عن أبي القاسم النّصر أباذيّ، والنصرآباذيّ عن الشّبليّ، والشّبليّ عن الجنيد، والجنيد عن السّريّ السقطيّ، والسّريّ عن معروف الكرخيّ، ومعروف عن داود الطائيّ، وداود لقي التابعين. هكذا كان يذكر إسناد طريقته. ومن جملة أحواله ما خصّ به من المحنة في الدّين والاعتقاد وظهور التعصب بين الفريقين، في عشر سنة أربعين إلى خمس وخمسين وأربعمائة، وميل بعض الولاة [إلى] (١) الأهواء، وسعي بعض الرؤساء والقضاة إليه بالتخليط، حتى أدى ذلك إلى رفع المجالس، وتفرق شمل الأصحاب، وكان هو المقصود من بينهم حسدا، حتى اضطرته الحال إلى مفارقة الأوطان، وامتد في أثناء ذلك إلى بغداد وورد على أمير المؤمنين القائم بأمر الله، ولقي فيها قبولا، وعقد له المجلس في منازله المختصة [به] (٢) وكان ذلك بمحضر ومرأى منه، ووقع كلامه في مجلسه الموقع، وخرج الأمر بإعزازه وإكرامه، وعاد إلى نيسابور، وكان يختلف منها إلى طوس بأهله وبعض أولاده، حتى طلع صبح

стр. 351

النوبة المباركة، دولة السلطان ألب أرسلان في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، فبقي عشر سنين في آخر عمره مرفها محترما، مطاعا معظما، وأكثر صفوه في آخر أيامه التي شاهدناه فيها أخيرا إلى أن تقرأ عليه كتبه وتصانيفه، والأحاديث المسموعة له، وما يؤول إلى نصرة المذهب. بلغ المنتمون إليه آلافا فأملوا بذكره وتصانيفه أطرافا. قال ابن السمعانيّ: سمعت أبا بشر مصعب بن عبد الرزاق بن مصعب المصعبيّ (١) بمرو، ويقول: حضر الأستاذ أبو القاسم مجلس بعض الأئمة الكبار، وكان قاضيا بمرو، وأظنه قال: القاضي علي الدهقان، وقت قدومه علينا، فلما دخل الأستاذ قام القاضي على رأس السرير، وأخذ مخدة كان يستند عليها على السرير، وقال لبعض من كان قاعدا على درجة المنبر: احملها إلى الأستاذ الإمام ليقعد عليها. ثم قال: أيها الناس إني حججت سنة من السنين، وكان قد اتفق أن حج تلك السنة هذا الإمام الكبير، وأشار إلى الأستاذ، وكان يقال لتلك السنة سنة القضاة، وكان حج تلك السنة أربعمائة نفس من قضاة المسلمين وأئمتهم من أقطار البلدان وأقاصي الأرض، فأرادوا أن يتكلم واحد منهم في حرم الله فاتفق الكلّ على الأستاذ أبي القاسم، فتكلم هو باتفاق منهم. وبلغنا أنه مرض للأستاذ أبي القاسم ولد مرضا شديدا، بحيث أيس منه، فشق ذلك على الأستاذ، فرأى الحق في المنام، فشكى إليه، فقال له الحق : أجمع آيات الشفاء واقرأها عليه، أو اكتبها في إناء واجعله فيه مشروبا واسقه إيّاه، ففعل ذلك، فعوفي الولد.

стр. 352

وآيات الشفاء في القرآن ست: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١). شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (٢). فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ (٣). وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٤). وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٥). قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ (٦). ورأيت كثيرا من المشايخ يكتبون هذه الآيات للمريض، ويسقاها في الإناء طلبا للعافية. ومن تصانيف الأستاذ «التفسير الكبير» وهو من أجود التفاسير، وأوضحها. و «الرسالة» المشهورة المباركة التي قيل فيها: ما تكون في بيت وينكب و «التحبير في التذكير»، و «آداب الصوفية» و «لطائف الإشارات»، وكتاب «الجواهر»، و «عيون الأجوبة في فنون الأسئلة» وكتاب «المناجاة» وكتاب «نكت أولي النهى» وكتاب «شجو القلوب» الكبير وكتاب «شجو القلوب» الصغير وكتاب «أحكام السّماع» وكتاب «الأربعين في الحديث» وغير ذلك. وخلّف من البنين ستة عبادلة، كلّهم من السيّدة الجليلة فاطمة بنت الأستاذ أبي علي الدّقاق.

стр. 353

ولما مرض لم تفته ولا ركعة قائما، بل كان يصلّي عن قيام إلى أن توفي ﵀ في صبيحة يوم الأحد، السادس عشر من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربعمائة، ودفن في المدرسة إلى جانب أستاذه أبي عليّ الدّقاق. قال أبو تراب المراغيّ: رأيته في النوم، فقال: أنا في أطيب عيش وأكمل راحة. وقال غيره: كانت له فرس يركبها، فلما مات امتنعت عن العلف، ولم تطعم شيئا، ولم تمكّن راكبا من ركوبها، ومكثت أياما قلائل على هذا بعده، إلى أن ماتت. ومن شعره: يا من تقاصر شكري عن أياديه ... وكلّ كل لسان عن معاليه (١) وجوده لم يزل فردا بلا شبه ... علا عن الوقت ماضيه وآتيه لا دهر يخلقه لا قهر يلحقه ... لا كشف يظهره لا ستر يخفيه لا عدّ يجمعه لا ضدّ يمنعه ... لا حد يقطعه لا قطر يحويه لا كون يحصره لا عون ينصره ... وليس في الوهم معلوم يضاهيه جلاله أزليّ لا زوال له ... وملكه دائم لا شيء يفنيه وقال: وإذا سقيت من المحبّة مصّة ... ألقيت من فرط الخمار خماري كم تبت قصدا ثم لاح عذاره ... فخلعت من ذاك العذار عذاري وقال: أيها الباحث عن دين الهدى ... طالبا حجّة ما يعتقده إن ما تطلبه مجتهدا ... غير دين الشافعي لا تجده

стр. 354

وقال: لا تدع خدمة الأكابر واعلم ... أن في خدمة الصّغار صغارا (١) وابغ من في يمينه لك يمن ... وترى في اليسار منه اليسارا وقال: جنّباني المجون يا صاحبيّا ... واتلوا سورة الصلاح عليّا (٢) قد أجبنا لزاجر العقل طوعا ... وتركنا حديث سلمى وميّا ومنحنا لموجب الشّرع نشرا ... وشرعنا لموجب اللهو طيّا ووجدنا إلى القناعة بابا ... فوضعنا على المطالع كيّا كنت في حرّ وحشتي لاختياري ... فتعوّضت بالرّضى منه فيا إنّ من يهتدي لقطع هواه ... فهو في العزّ حاز أوج الثّريّا والذين ارتووا بكأس مناهم ... فعلى الصّدّ سوف يلقون غيّا ٣٠٣ - عبد اللطيف بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنيّ الفاسي المكيّ الشافعيّ (٣). أبو الثناء نجم الدين أخو الحافظ تقي الدين، عني بالفقه والأصلين، والتفسير والعربية، والمعاني والبيان، والمنطق، وغير ذلك. ولازم العلامة عز الدين بن جماعة في هذه الفنون، وتفقه بالسراج بن الملقن، والبرهان الأبناسيّ، والجلال البلقيني، والوليّ العراقي، والنور البكريّ المعروف بابن فتيلة. وأخذ الأصول ودرس بالحرم الشريف، وأفتى، وسمع من ابن أبي المجد

стр. 355

الدمشقيّ. والبرهان الشاميّ، وابن الشيخة، وابن صديق، ومريم بنت الأذرعيّ. ودخل تونس من بلاد المغرب. وحدث بها، وعاد إلى القاهرة واستوطنها إلى أن توفي بها في يوم الخميس سادس جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة شهيدا بالطاعون. ٣٠٤ - عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة بن عباس بن مرداس السّلميّ أبو مروان الأندلسي (١). من الطبقة الأولى، الذين انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره، من أهل الأندلس. روى بالأندلس عن صعصعة بن سلام، والغازي بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن، ورحل سنة ثمان ومائتين، فسمع ابن الماجشون، ومطرّفا، وإبراهيم بن المنذر الحزاميّ، وعبد الله بن نافع الزبيري، وابن أبي أويس، وعبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن المبارك، وأصبغ بن الفرج، وأسد بن موسى، وجماعة سواهم. وانصرف إلى الأندلس سنة ست عشرة وقد جمع علما عظيما، فنزل بلده إلبيرة وقد انتشر سموّه في العلم والرواية، فنقله الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، ورتبه في طبقة المفتين فيها، فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة، وكان الذي بينهما سيئا جدا، ومات يحيى قبله، فانفرد
следующие страницы →