النوبة المباركة، دولة السلطان ألب أرسلان في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، فبقي عشر سنين في آخر عمره مرفها محترما، مطاعا معظما، وأكثر صفوه في آخر أيامه التي شاهدناه فيها أخيرا إلى أن تقرأ عليه كتبه وتصانيفه، والأحاديث المسموعة له، وما يؤول إلى نصرة المذهب.
بلغ المنتمون إليه آلافا فأملوا بذكره وتصانيفه أطرافا.
قال ابن السمعانيّ: سمعت أبا بشر مصعب بن عبد الرزاق بن مصعب المصعبيّ (١) بمرو، ويقول: حضر الأستاذ أبو القاسم مجلس بعض الأئمة الكبار، وكان قاضيا بمرو، وأظنه قال: القاضي علي الدهقان، وقت قدومه علينا، فلما دخل الأستاذ قام القاضي على رأس السرير، وأخذ مخدة كان يستند عليها على السرير، وقال لبعض من كان قاعدا على درجة المنبر:
احملها إلى الأستاذ الإمام ليقعد عليها. ثم قال: أيها الناس إني حججت سنة من السنين، وكان قد اتفق أن حج تلك السنة هذا الإمام الكبير، وأشار إلى الأستاذ، وكان يقال لتلك السنة سنة القضاة، وكان حج تلك السنة أربعمائة نفس من قضاة المسلمين وأئمتهم من أقطار البلدان وأقاصي الأرض، فأرادوا أن يتكلم واحد منهم في حرم الله فاتفق الكلّ على الأستاذ أبي القاسم، فتكلم هو باتفاق منهم.
وبلغنا أنه مرض للأستاذ أبي القاسم ولد مرضا شديدا، بحيث أيس منه، فشق ذلك على الأستاذ، فرأى الحق في المنام، فشكى إليه، فقال له الحق : أجمع آيات الشفاء واقرأها عليه، أو اكتبها في إناء واجعله فيه مشروبا واسقه إيّاه، ففعل ذلك، فعوفي الولد.
стр. 352
وآيات الشفاء في القرآن ست:
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١).
شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (٢).
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ (٣).
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٤).
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٥).
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ (٦).
ورأيت كثيرا من المشايخ يكتبون هذه الآيات للمريض، ويسقاها في الإناء طلبا للعافية.
ومن تصانيف الأستاذ «التفسير الكبير» وهو من أجود التفاسير، وأوضحها. و «الرسالة» المشهورة المباركة التي قيل فيها: ما تكون في بيت وينكب و «التحبير في التذكير»، و «آداب الصوفية» و «لطائف الإشارات»، وكتاب «الجواهر»، و «عيون الأجوبة في فنون الأسئلة» وكتاب «المناجاة» وكتاب «نكت أولي النهى» وكتاب «شجو القلوب» الكبير وكتاب «شجو القلوب» الصغير وكتاب «أحكام السّماع» وكتاب «الأربعين في الحديث» وغير ذلك.
وخلّف من البنين ستة عبادلة، كلّهم من السيّدة الجليلة فاطمة بنت الأستاذ أبي علي الدّقاق.
стр. 353
ولما مرض لم تفته ولا ركعة قائما، بل كان يصلّي عن قيام إلى أن توفي ﵀ في صبيحة يوم الأحد، السادس عشر من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربعمائة، ودفن في المدرسة إلى جانب أستاذه أبي عليّ الدّقاق.
قال أبو تراب المراغيّ: رأيته في النوم، فقال: أنا في أطيب عيش وأكمل راحة.
وقال غيره: كانت له فرس يركبها، فلما مات امتنعت عن العلف، ولم تطعم شيئا، ولم تمكّن راكبا من ركوبها، ومكثت أياما قلائل على هذا بعده، إلى أن ماتت.
ومن شعره:
يا من تقاصر شكري عن أياديه ... وكلّ كل لسان عن معاليه (١)
وجوده لم يزل فردا بلا شبه ... علا عن الوقت ماضيه وآتيه
لا دهر يخلقه لا قهر يلحقه ... لا كشف يظهره لا ستر يخفيه
لا عدّ يجمعه لا ضدّ يمنعه ... لا حد يقطعه لا قطر يحويه
لا كون يحصره لا عون ينصره ... وليس في الوهم معلوم يضاهيه
جلاله أزليّ لا زوال له ... وملكه دائم لا شيء يفنيه
وقال:
وإذا سقيت من المحبّة مصّة ... ألقيت من فرط الخمار خماري
كم تبت قصدا ثم لاح عذاره ... فخلعت من ذاك العذار عذاري
وقال:
أيها الباحث عن دين الهدى ... طالبا حجّة ما يعتقده
إن ما تطلبه مجتهدا ... غير دين الشافعي لا تجده
стр. 354
وقال:
لا تدع خدمة الأكابر واعلم ... أن في خدمة الصّغار صغارا (١)
وابغ من في يمينه لك يمن ... وترى في اليسار منه اليسارا
وقال:
جنّباني المجون يا صاحبيّا ... واتلوا سورة الصلاح عليّا (٢)
قد أجبنا لزاجر العقل طوعا ... وتركنا حديث سلمى وميّا
ومنحنا لموجب الشّرع نشرا ... وشرعنا لموجب اللهو طيّا
ووجدنا إلى القناعة بابا ... فوضعنا على المطالع كيّا
كنت في حرّ وحشتي لاختياري ... فتعوّضت بالرّضى منه فيا
إنّ من يهتدي لقطع هواه ... فهو في العزّ حاز أوج الثّريّا
والذين ارتووا بكأس مناهم ... فعلى الصّدّ سوف يلقون غيّا
٣٠٣ - عبد اللطيف بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنيّ الفاسي المكيّ الشافعيّ (٣).
أبو الثناء نجم الدين أخو الحافظ تقي الدين، عني بالفقه والأصلين، والتفسير والعربية، والمعاني والبيان، والمنطق، وغير ذلك.
ولازم العلامة عز الدين بن جماعة في هذه الفنون، وتفقه بالسراج بن الملقن، والبرهان الأبناسيّ، والجلال البلقيني، والوليّ العراقي، والنور البكريّ المعروف بابن فتيلة.
وأخذ الأصول ودرس بالحرم الشريف، وأفتى، وسمع من ابن أبي المجد
стр. 355
الدمشقيّ. والبرهان الشاميّ، وابن الشيخة، وابن صديق، ومريم بنت الأذرعيّ.
ودخل تونس من بلاد المغرب. وحدث بها، وعاد إلى القاهرة واستوطنها إلى أن توفي بها في يوم الخميس سادس جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة شهيدا بالطاعون.
٣٠٤ - عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة بن عباس بن مرداس السّلميّ أبو مروان الأندلسي (١).
من الطبقة الأولى، الذين انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره، من أهل الأندلس.
روى بالأندلس عن صعصعة بن سلام، والغازي بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن، ورحل سنة ثمان ومائتين، فسمع ابن الماجشون، ومطرّفا، وإبراهيم بن المنذر الحزاميّ، وعبد الله بن نافع الزبيري، وابن أبي أويس، وعبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن المبارك، وأصبغ بن الفرج، وأسد بن موسى، وجماعة سواهم.
وانصرف إلى الأندلس سنة ست عشرة وقد جمع علما عظيما، فنزل بلده إلبيرة وقد انتشر سموّه في العلم والرواية، فنقله الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، ورتبه في طبقة المفتين فيها، فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة، وكان الذي بينهما سيئا جدا، ومات يحيى قبله، فانفرد
стр. 356
عبد الملك بعده بالرئاسة، سمع منه ابناه محمد، وعبيد الله، وبقيّ بن مخلد، وابن وضّاح، والمغاميّ في جماعة وكان المغامي آخرهم موتا.
كان عبد الملك حافظا للفقه على مذهب مالك نبيلا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث ولا معرفة صحيحه من سقيمه.
وقال ابن مزين وابن لبابة: عبد الملك عالم الأندلس.
وسئل ابن الماجشون عن أعلم الرجلين: القروي التنوخيّ؛ أم الأندلسي السلميّ؟ فقال: السلمي مقدمه علينا أعلم من التنوخي منصرفه عنا. ثم قال للسائل: أفهمت؟
قال أحمد بن عبد البر كان جمّاعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيه البدن، نحويا عروضيا شاعرا، نسابة إخباريا، وكان أكثر من يختلف إليه الملوك وأبناؤهم وأهل الأدب، وكان لا يلي إلا معالي الأمور.
وكان ذابّا عن مذهب مالك، وقال بعضهم رأيته يخرج من الجامع وخلفه نحو ثلاثمائة نفر طالب حديث وفرائض وإعراب وفقه، وقد رتب الدول عنده كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ فيها عليه شيء إلا تواليفه، و «موطأ» مالك. وكان صوّاما قواما.
وقال المغامي: لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب لازدريت غيره، ولما نعي إلى سحنون استرجع، وقال: مات عالم الأندلس، بل والله عالم الدنيا.
وذكره ابن الفرضي في طبقات الأدباء فجعله صدرا فيهم، وقال: كان قد جمع إلى إمامته في الفقه التنجيح في الأدب والتفنن في ضروب العلم، وكان فقيها مفتيا، نحويّا لغويّا، نسّابة إخباريا، عروضيا فائقا، شاعرا محسنا مترسلا حاذقا مؤلفا متقنا، وذكر بعض المشايخ. أنه لما دنا من مصر، في
стр. 357
رحلته أصاب جماعة من أهلها بارزين لتلقي الرفقة على عادتهم. فكلما أطل عليهم رجل له هيئة ومنظر، رجحوا الظن به، وقضوا بفراستهم عليه، حتى رأوه، وكان ذا منظر جميل، فقال قوم: هذا فقيه. وقال آخرون: بل شاعر.
وقال آخرون. طبيب. فلما كثر اختلافهم تقدموا نحوه، وأخبروه باختلافهم فيه، وسألوه عما هو؟ فقال لهم كلكم قد أصاب، وجميع ما قدرتم أحسنه والخبرة تكشف الحيرة والامتحان يجلى عن الإنسان، فلما حط رحله ولقي الناس شاع خبره، فقصد إليه كل ذي علم يسأله عن فنه، وهو يجيبه جواب متحقق، فعجبوا من ثقوب علمه، وأخذوا عنه، وعطلوا [حلق (١)] علمائهم، وأثنى عليه ابن المواز بالعلم والفقه.
وقال العتبي: وذكر «الواضحة» رحم الله عبد الملك، ما أعلم أحدا ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه ولا لطالب أنفع من كتبه ولا أحسن من اختياره.
وألف كتبا كثيرة حسانا في الفقه، والتواريخ، والآداب، منها الكتب المسماة «بالواضحة» في السنن والفقه لم ير مثلها، وكتاب «إعراب القرآن» وكتاب «الحسبة في الأمراض» و «كتاب الفرائض» و «كتاب السخاء واصطناع المعروف» و «كتاب كراهية الغناء» و «كتاب النسب» و «كتاب النجوم» و «كتاب الجامع» وهو كتاب فيه مناسك النبي ﷺ و «كتاب الرغائب» و «كتاب الورع في المال وغيره» ستة أجزاء، وكتاب «العمل بالجوارح»، وكتاب «فضائل الصحابة» وكتاب «غريب الحديث» وكتاب «تفسير الموطأ» وكتاب «حروب الإسلام» وكتاب «المسجدين» وكتاب «سيرة الإمام في الملحدين» وكتاب «طبقات الفقهاء والتابعين» وكتاب «مصابيح الهدى».
стр. 358
قال بعضهم: قسم ابن الفرضي هذه الكتب وهذه الأسماء وهي يجمعها كتاب واحد، لأن ابن حبيب إنما ألف كتابه عشرة أجزاء، الأول «تفسير الموطأ حاشى الجامع» الثاني «شرح الجامع» الثالث والرابع والخامس في حديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وكتاب «مصابيح الهدى» جزء منها ذكر فيه من الصحابة والتابعين. والعاشر «طبقات الفقهاء» وليس فيها أكثر من الأول، وتحامل في هذا الشرح على أبي عبيد، والأصمعي، وانتحل كثيرا من كلام أبي عبيد، وكثيرا ما يقول فيه: أخطأ شارح العراقيين. وأخذ عليه فيه تصحيف قبيح، وهو أضعف كتبه.
قال بعضهم: قلت لعبد الملك: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف وخمسون كتابا.
وقال عبد الأعلى بن معلي: هل رأيت كتبا تحبب عبادة الله إلى خلقه، وتعرفهم به، ككتب عبد الملك بن حبيب، يريد كتبه في الرغائب والرهائب، ومنها كتب المواعظ سبعة، وكتب الفضائل سبعة، «فضائل النبي ﷺ وأصحابه» و «فضائل عمر بن عبد العزيز» و «فضائل مالك بن أنس» وكتاب «أخبار قريش وأنسابها» خمسة عشر كتابا و «كتاب السلطان» و «سيرة الإمام» ثمانية كتب، وكتاب «الباه والنساء» ثمانية كتب، وغير ذلك من كتب سماعه في الحديث والفقه، وتواليفه في الطبّ و «تفسيره» في القرآن ستون كتابا، و «كتاب القارئ» و «الناسخ والمنسوخ»، و «رغائب القرآن» و «كتاب الدهور والقدماء والمغازي والحدثان» خمسة وتسعون كتابا، وكتاب «مغازي رسول الله ﷺ » اثنان وعشرون كتابا.
وكان له قارورة قد أذاب فيها اللبان والعسل، يشرب منها كل غداة على الريق للحفظ.
стр. 359
توفي في ذي الحجة، سنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين، وقبره [بقرطبة (١)] بمقبرة أم مسلمة في قبلة مسجد الضيافة، وصلى عليه القاضي أحمد بن زياد، وقال: صلى عليه ابنه، رحمه الله تعالى.
٣٠٥ - عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد سراج (٢).
مولى بني أمية، من أهل قرطبة، يكنى: أبا مروان. إمام اللغة بالأندلس غير مدافع.
روى عن أبيه، والقاضي يونس بن عبد الله، وعن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الإفليلي، وأبي سهل الحراني، وأبي محمد مكّي بن أبي طالب المقرئ، وأبي عمرو السّفاقسيّ، وأبي مروان بن حيّان وغيرهم.
قال أبو علي: هو أكثر من لقيته علما بضروب الأدب، ومعاني القرآن، والحديث، وقرأ عليه أبو علي كثيرا من كتب اللغة، والغريب، والأدب وقيد ذلك كله عنه، وكانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أصحاب الآداب واللغات عليه، وكان وقور المجلس لا يجسر أحد على الكلام به لمهابته وعلو مكانته.
قال لنا القاضي أبو عبد الله بن الحاج ﵀: كان شيخنا أبو مروان بن سراج يقول: حدثنا، وأخبرنا، واحد. ويحتج بقول الله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٣) فجعل الحديث والخبر واحدا.
وذكره شيخنا أبو الحسن بن مغيث فقال: كان واسع المعرفة، حافل الرّواية، بحر علم، عالما بالتفاسير، ومعاني الحديث. أحفظ الناس للسان
стр. 360
العرب، وأصدقهم فيما يحمله، وأقومهم بالعربيّة والأشعار، والأخبار، والأنساب، والأيام. عنده يسقط حفظ الحفاظ، ودونه يكون علم العلماء، فاق الناس في وقته، وكان حسنة من حسنات الزمان، وبقيّة من الأشراف الأعيان.
مولده لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة أربعمائة، وتوفّي ﵀ ليلة عرفة، ودفن يوم عرفة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ودفن بالربض، ﵀ وإيّانا.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة».
٣٠٦ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الروميّ الأموي (١).
مولاهم. المكيّ، الإمام المجتهد الحافظ، فقيه الحرم. أبو اليد، ويقال:
أبو خالد، صاحب التصانيف «التفسير» وغيره، روى تفسيره عنه: حجاج ابن محمد المصّيصيّ (٢) الحافظ، سمعه منه في الإملاء.
حدّث عن أبيه، ومجاهد يسيرا، وعطاء بن أبي رباح فأكثر، وميمون بن مهران، وعمرو بن شعيب، ونافع، والزهريّ، وخلق كثير.
ولد سنة نيف وسبعين، وأدرك صغار الصحابة لكن لم يحفظ عنهم.
روى عنه: السفيانان، ومسلم بن خالد، وابن عليّة، وحجاج بن محمد، وأبو عاصم، وروح، ووكيع، وعبد الرزاق، وأمم سواهم.
стр. 361
قال أحمد بن حنبل. كان من أوعية العلم، وهو وابن عروبة أوّل من صنّف الكتب [بالحجاز (١)].
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحدا أحسن صلاة من ابن جريج، كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله، ويقال إن عطاء قيل له: من نسأل بعدك؟
قال: هذا الفتى إن عاش، يعني ابن جريج.
وقال يحيى القطّان: كان ابن جريج يرى المتعة تزوّج ستين امرأة.
وقال ابن المديني: لم يكن في الأرض أعلم بعطاء [من] (٢) ابن جريج، وقال: لم يسمع من الزهري، إنما أعطاني جزءا كتبته وأجازه لي، وقيل: سمع من مجاهد حرفين في القراءات.
وقال عبد الوهّاب بن همام: قال ابن جريج: لزمت عطاء ثمانية عشر عاما.
قال الواقدي: مات ابن جريج في أول ذي الحجة سنة خمسين ومائة.
وقال خالد بن نزار الأيليّ: خرجت بكتب ابن جريج، سنة خمسين ومائة لأوافيه، فوجدته قد مات.
وقال مؤمل بن إسماعيل: مات قبل الموسم سنة خمسين ومائة، وفيها أرّخه جماعة، ووهم ابن المديني حيث يقول: سنة تسع وأربعين، وكان ابن جريج قد قدم في آخر أيامه البصرة وحدّث بها.
له كتاب «السنن» يحتوي على مثل ما تحتوي عليه كتب السنن، مثل الطهارة والصلاة والزكاة، وغير ذلك.
стр. 362
٣٠٧ - عبد الملك بن علي.
قال الصّفدي: كان مؤدبا بهراة، قرأ عليه أكثر فضلائها.
وصنّف: «المحيط في اللغة»، «المنتخب من تفسير الرّمانيّ»، «الصفات والأدوات التي يبتدئ بها الأحداث». مات سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
٣٠٨ - عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع (١).
ابن مظهر (٢) - بضم الميم وسكون الظاء المعجمة وكسر الهاء- بن رباح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن قيس عيلان بن مضر الباهلي أبو سعيد الأصمعيّ البصريّ اللغويّ.
أحد أئمة اللغة والغريب والأخبار والملح والنوادر، روى عن أبي عمرو ابن العلاء، وقرّة بن خالد، ونافع بن أبي نعيم، وشعبة، وحماد بن سلمة وخلق.
قال عمر بن شبّة: سمعته يقول: حفظت ستة عشر ألف أرجوزة.
وقال الشافعي: ما عبّر أحد عن العرب بمثل عبارة الأصمعيّ.
стр. 363
قال ابن معين: ولم يكن ممّن يكذب، وكان من أعلم الناس في فنه.
وقال أبو داود: صدوق، وكان يتقي أن يفسّر الحديث، كما يتقي أن يفسّر القرآن.
وكان بخيلا ويجمع أخبار البخلاء.
وتناظر هو وسيبويه، فقال يونس: الحقّ مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه.
وكان من أهل السنة، ولا يفتي إلا فيما أجمع عليه علماء اللّغة، ويقف عما ينفردون عنه، ولا يجيز إلا أفصح اللغات.
وعنه أنه قال: حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي:
كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدا، فقال له: قم إلى هذا الفرس، وأمسك عضوا عضوا منه وسمّه، فقال: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال: قم يا أصمعيّ وافعل ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وجعلت أذكر عضوا عضوا، وأضع يدي عليه، وأنشد ما قالته العرب إلى أن بلغت حافره، فقال:
خذه، فأخذت الفرس وكنت إذا أردت أن أغيظه ركبته وأتيته.
صنّف: «غريب القرآن» «خلق الإنسان» «الأجناس» «الأنواء» «الهمز» «المقصور والممدود» «الصفات» «خلق الفرس» «الإبل» «الخيل» «الشاء» «الميسر والقداح» «الأمثال»
«فعل وأفعل» «الاشتقاق» «ما اتفق لفظه واختلف معناه» وغير ذلك.
ولم تبيضّ لحيته إلا لما بلغ ستين سنة.
روى له أبو داود والترمذيّ. ومات سنة ست عشرة- وقيل خمس عشرة- ومائتين، عن ثمان وثمانين سنة.
стр. 364
ومن شعره في جعفر البرمكيّ:
إذا قيل: من للنّدى والعلا ... من الناس؟ قيل الفتى جعفر
وما إن مدحت فتى قبله ... ولكن بني جعفر جوهر
٣٠٩ - عبد المحمود بن أحمد بن علي أبو محمد الفقيه الشافعي (١).
من أهل واسط، يعرف بابن جندي.
ولد بقرية تعرف بالحدّاديّة، وحفظ القرآن الكريم بها، وتفقه بواسط على أبي جعفر هبة الله بن يحيى بن البوقيّ، وسمع منه الحديث ومن غيره.
ونظر في العربية والنحو، وله معرفة حسنة بذلك وبالتفسير، وسمع بالبصرة من أبي جعفر المبارك بن محمد المواقيتي، وبالكوفة من أبي العباس أحمد بن يحيى بن ناقة، وبمكة شرفها الله تعالى من أبي محمد المبارك بن علي الطباخ.
ودرس الفقه بواسط، وذكر التفسير وأفتى، وقدم بغداد وجالس العلماء بها، وكتب عن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي شيئا من كتبه، وعاد إلى بلده عالما عاملا ناسكا حسن الطريقة.
توفي بواسط في ليلة الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة مسجد زنبور، وقد بلغ الستين أو أناف عليها.
ذكره ابن الدبيثي في «الذيل».
٣١٠ - عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن الفرج بن خلف الأنصاريّ الخزرجيّ (٢).
стр. 365
من أهل غرناطة. يعرف بابن الفرس، ويكنى أبا عبد الله. ولد آخر سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
وسمع جده أبا القاسم، وأباه أبا عبد الله، وتفقه به في الحديث، وكتب أصول الفقه والدين.
وسمع أبا محمد بن أيوب، وأبا الوليد بن الدبّاغ، وأبا الحسن بن هذيل. وأخذ عنه القراءات- وغيرهم.
وأجاز له طائفة كثيرة من أعيانهم، منهم أبو الحسن بن مغيث، وأبو القاسم بن بقي، وأبو الحسن بن شريح، وأبو بكر بن العربي، وأبو الحجاج القضاعي وأبو محمد الرشاطيّ.
ومن أهل المشرق أبو المظفر الشيبانيّ، وأبو سعيد الحلبيّ، وأبو عبد الله المازريّ (١).
وكان محققا للعلوم على تفاريعها، وأخذ في كل فنّ منها، وتقدّم في حفظ الفقه، والبصر بالمسائل. مع المشاركة في صناعة الحديث والعكوف عليها، وتميز في أبناء عصره بالقيام على الرأي والشفوف عليه.
سمعت أبا الربيع بن سالم يقول: سمعت أبا بكر بن أعبد- وناهيك به من شاهد في هذا الباب- يقول غير مرّة: ما أعلم بالأندلس أعلم بمذهب مالك من عبد المنعم بن الفرس بعد أبي عبد الله بن زرقون.
وبيته عريق في العلم والنباهة، له ولأبيه وجده رواية ودراية وجلالة، كان كلّ واحد منهم فقيها مشاورا عالما متفنّنا، وألف «كتابا في أحكام القرآن» جليل الفائدة، من أحسن ما وضع في ذلك، وله في الأبنية مجموع حسن.
стр. 366
حدث عنه جلة من شيوخنا وأكابر أصحابنا وغيرهم، وذكره أبو عبد الله التجيبيّ في مشيخته، وقال: لقيته بمرسية في سنة ست وستين وخمسمائة وقت رحلتي إلى أبيه، ورأيت من حفظه وذكائه وتفننه في العلوم ما عجبت منه، وكان يحضر معنا التدريس والإلقاء عند أبيه، فإذا تكلم أنصت الحاضرون لجودة ما ينصّه، ولإتقانه واستيفائه بجميع ما يجب أن يذكر في الوقت، وكان نحيف الجسم كثير المعرفة، وفي مثله يقول بعضهم:
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسم النحيل (١)
تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل
وكان شاعرا، وأنشدني من شعره كثيرا، واضطرب في روايته قبل موته بقليل، لاختلال أصابه من علة خدر، وطاولته فترك الأخذ عنه، إلى أن توفي وهو على تلك الحال عند صلاة العصر يوم الأحد الرابع من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
وقال أبو الربيع بن سالم الكلاعيّ في برنامجه: «كتاب أحكام القرآن» - لشيخنا القاضي أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم- كتاب حسن مفيد، جمعه ﵀ في ريعان الشبيبتين من طلبه وسنه، فللنشاط اللازم عن ذلك أثر في حسن ترتيبه وتهذيبه، قرأت عليه صدرا من أوله، وناولني جميعه في أصله، وأخبرني أنه فرغ من تأليفه بمرسية، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
стр. 367
ومن نظمه غ
ما بالنا متّهما ودنّا ... ونحن في ودّكم نقتتل
كأنّكم مثل فقيه رأى ... أن يترك الظاهر للمحتمل
٣١١ - عبد الواحد أبو محمد بن شرف الدين بن المنير المالكيّ (١).
هو ابن أخي القاضي ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير المتقدم ذكره.
كان هذا الرجل شيخ ثغر الإسكندرية، يلقب بعز القضاة. وكان فقيها فاضلا وعمّر وانتفع الناس به، أخذ الفقه عن عمّيه ناصر الدين، وزين الدين، وجمع «تفسيرا» حسنا في عشرة مجلدات، ويقرأ المواعيد على الناس، وله «ديوان مديح» في النبي ﷺ .
وأنشد عز القضاة لنفسه:
ألا فاسألوا [في] (٢)
الفضل من كان بارعا ... وفي العلم أفنى عمره باشتغاله
عن المرء يوصي قاصدا وجه ربه ... لزيد بما سمّاه من ثلث ماله
فإن يكن الموصى له متموّلا ... دفعنا له الموصى به بكماله
وإن يك ذا قلّ وفقر وفاقة ... حرمناه ذاك المال فأرث لحاله
أيحرم ذو فقير ويعطاه ذو غنى ... لعمرك ما رزق الفتى باحتياله
فلا تعتمد إلا على الله وحده ... ولا تستند إلّا لعزّ جلاله
توفي سنة ست وثلاثين وسبعمائة، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة.
стр. 368
٣١٢ - عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السّداد الشهير [بالبائع (١)] المالقيّ المالكيّ (٢).
كان فقيها نحويّا أصوليا حسن التعليم، نافعا منجبا، منقطع القرين، في الدين المتين، والصلاح والتواضع، وحسن الخلق.
سمع من أبي عمر عبد الرحمن بن حوط الله، وغيره من المشايخ.
وله تواليف في القراءات والفقه، و «شرح التيسير» وله شعر، توفي تمام خمسة وسبعمائة.
ذكره والذي قبله ابن فرحون.
٣١٣ - عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازيّ ثم المقدسي ثم الدمشقيّ الفقيه الزاهد أبو الفرج الأنصاري السعديّ العباديّ الخزرجيّ (٣).
شيخ الشام في وقته، تفقه ببغداد على القاضي أبي يعلى مدة، وقدم الشام فسكن بيت المقدس، ونشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، ثم أقام بدمشق فنشر المذهب، وتخرج به الأصحاب، وسمع بها من أبي الحسن السمسار، وأبي عثمان الصابوني، ووعظ، واشتهر أمره، وحصل له القبول التام.
وكان إماما عارفا بالفقه والأصول، شديدا في السنّة، زاهدا عارفا، عابدا متألها، ذا أحوال وكرامات.
стр. 369
يقال إنه اجتمع مع الخضر دفعتين (١)، وكان يتكلم في عدة أوقات على الخاطر.
قال أبو الحسين في «الطبقات»: وبلغني أن بعض السلاطين من المخالفين كان أبو الفرج يدعو عليه. ويقول: كم أرميه، ولا تقع الرمية به، فلما كان في تلك الليلة هلك ذلك المخالف فيها، قال أبو الفرج لبعض أصحابه: قد أصبت فلانا، وقد هلك، فأرخت [تلك الليلة. فلما كان بعد بضعة عشر يوما، ورد الخبر بوفاة ذلك الرجل في تلك (٢)] الليلة التي أخبر أبو الفرج بهلاكه فيها.
وكان أبو الفرج ناصرا لاعتقادنا، متجردا لنشره، مبطلا لتأويل أخبار الصفات.
قال ابن رجب: وقرأت بخط الناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج قال: حدّثنا الشريف الجواني النسّابة عن أبيه قال: تكلم الشيخ أبو الفرج في مجلس وعظه، فصاح رجل متواجد، فمات في المجلس، وكان يوما مشهودا، فقال المخالفون في المذهب: كيف نعمل إن لم يمت في مجلسنا أحد، وإلا كان وهنا؟ فعمدوا إلى رجل غريب، ودفعوا له عشرة دنانير فقالوا: احضر مجلسنا، فإذا طاب المجلس فصح صيحة عظيمة، ثم لا تتكلم حتى نحملك ونقول: مات! ونجعلك في بيت، فاذهب في الليل، وسافر عن البلد. ففعل، وصاح صيحة عظيمة، فقالوا: مات! فجاء رجل من الحنابلة، وزاحم حتى حصل تحته، وعصر على خصاه فصاح الرجل.
فقالوا: عاش! عاش! وأخذ الناس في الضحك، وقالوا: المحال ينكشف.
وللشيخ أبي الفرج تصانيف عدّة في الفقه والأصول.
стр. 370
منها: «المبهج» و «الإيضاح» و «التبصرة في أصول الدين» و «مختصر في الحدود» و «مختصر في أصول الفقه»، و «مسائل الامتحان».
قال ابن رجب: وقرأت بخط الناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب ابن الشيخ قال: سمعت والدي يقول: للشيخ أبي الفرج «كتاب الجواهر» وهو ثلاثون مجلدة يعني في التفسير. قال: وكانت بنت الشيخ تحفظه.
قال أبو يعلى بن القلانسي في «تاريخه» في حق الشيخ أبي الفرج:
كان وافر العلم، متين الدين، حسن الوعظ، محمود السمت.
توفي في يوم الأحد ثامن عشري ذي الحجة، سنة ست وثمانين وأربعمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير، وقبره مشهور ويزار.
٣١٤ - عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي ثم الدمشقي المعروف بابن الحنبلي (١).
الفقيه الواعظ المفسّر شيخ الإسلام أبو القاسم، كذا كناه ابن القلانسي في «تاريخه» وكناه المنذري: أبا البركات ابن شيخ الإسلام أبي الفرج الزاهد، شيخ الحنابلة بالشام في وقته.
توفي والده وهو صغير فاشتغل بنفسه، وتفقه وبرع، وناظر وأفتى، ودرس الفقه والتفسير ووعظ، واشتغل عليه خلق كثير.
وكان فقيها بارعا، وواعظا فصيحا، وصدرا معظما، ذا حرمة وحشمة وسؤدد ورئاسة، ووجاهة وجلالة، وهيبة.
وكان له بجامع [دمشق (٢)] مجلس يعقده للوعظ.
стр. 371
قال السمعاني: سمعت أبا الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقي- مذاكرة- يقول: سمعت الشيخ الإمام عبد الوهاب بن أبي الفرج الحنبلي الدمشقي بدمشق، ينشد على الكرسي في جامعها وقد طاب وقته:
سيّدي علل الفؤاد العليلا ... وأحيني قبل أن تراني قتيلا (١)
إن تكن عازما على قبض روحي ... فترفّق بها قليلا قليلا
قال ناصح الدّين عبد الرحمن بن نجم: كان وجيه الدين مسعود بن شجاع شيخ الحنفية بدمشق يذكر شرف الإسلام ويقول: كان يذكر مجلدة من التفسير في المجلس
الواحد ويثنى عليه.
من تصانيفه: «المنتخب في الفقه» في مجلدين، و «المفردات»، و «البرهان في أصول الدين» و «رسالة في الرد على الأشعرية».
وحدّث عن أبيه ببغداد ودمشق، وسمع منه ببغداد أبو بكر بن كامل، وناظر مع الفقهاء ببغداد في المسائل الخلافيات.
قال ابن النجار: وبنى بدمشق مدرسة داخل باب الفراديس، وهي المعروفة بالحنبلية.
توفي ﵀ ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير.
وذكره أبو المعالي بن القلانسي في «تاريخه» فقال كان على الطريقة المرضية؛ والخلال الرضية، ووفور العلم وحسن الوعظ، وقوة الدين، والتنزه عما يقدح في أفعال غيره من المتفقهين.
٣١٥ - عبد الوهاب بن عطاء العجليّ الخفاف (٢).
стр. 372
نزيل بغداد ويكنى أبا نصر. سمع من سعيد بن أبي عروبة، وحميد، والتيميّ.
وعنه أحمد، وإسحاق الكوسج، والحارث بن أبي أسامة.
قال أحمد: كان عالما بسعيد. صدوق ربما أخطأ، ووثقه ابن معين. مات ببغداد سنة أربع ويقال ست ومائتين، روى له مسلم والأربعة.
صنّف «التفسير» و «التاريخ» و «الناسخ والمنسوخ» و «السنن في الفقه».
٣١٦ - عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد الفارسي أبو محمد الفاميّ الشيرازي (١).
من أهل شيراز.
قدم بغداد والحسين الطبريّ يدرّس بالنّظامية، فتقرّر أن يدرّس كل واحد منهما يوما مناوبة.
وحدّث عن أبي بكر أحمد بن الحسين بن الليث الحافظ، ومحمد بن أحمد ابن عبدك الحبّال، وجماعة.
روى عنه عبد الوهاب الأنماطيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وغيرهما، وكان من أفقه أهل زمانه وأفضلهم.
وله كتاب «الآحاد» وقيل: إنه صنّف تأليفا، وإنه ألف «تفسيرا» ضمّنه مائة ألف بيت من الشواهد، وكان يملي الحديث، إلا أنه ربما صحف التصحيف الشنيع فردّ عليه فلم يرجع، وربما أسقط من الإسناد،
стр. 373
وحاصل أمره أنه ذو وهم بالغ في الكثرة، ولكل فنّ رجال يعرفونه، وهو لم يكن محدّثا، ولكنه كان لا يرى تنقيص نفسه فيدخل في الإملاء وقد كان غنيا عن ذلك.
ومن مصنّفاته كتاب «تاريخ الفقهاء».
قال فيه ابن السمعانيّ: [الفقهاء (١)] الشافعية، وكان له يد في المذهب، ونقل أن أبا زكريا يحيى بن أبي عمرو بن منده قال في «تاريخ أصبهان»: أبو محمد الفامي أحفظ من رأيناه لمذهب الشافعيّ. مات بشيراز في السابع والعشرين من شهر رمضان سنة خمسمائة.
٣١٧ - عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم بن بيرم بن بهرام بن بختيار ابن السلار (٢).
الشيخ أمين الدين أبو محمد، إمام مقرئ، محقق، كامل عارف صالح.
ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وتلا بالسبع على الشيخ مجير الدين محمد ابن عبد العزيز البياني وغيره، ولي المشيخة الكبرى بدمشق بعد وفاة ابن اللبان، وانتهت إليه مشيخة الإقراء بالشام، وكان إماما خيّرا ديّنا منقطع القرين، جامعا لفنون من العلم كالنحو والفقه والتفسير.
أخذ القراءة عنه جماعة كثيرون منهم ابن الجزري. توفي ليلة الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ودفن يوم الأربعاء بمقابر الصوفية جوار شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 374
ذكره ابن الجزري في «طبقات القراء».
٣١٨ - عبد بغير إضافة بن أحمد بن محمّد بن عبد الله بن غفير الإمام العلّامة الحافظ أبو ذرّ الهرويّ الأنصاريّ المالكيّ (١).
شيخ الحرم. سمع أبا الفضل بن خيرون، وبشر بن محمد المزني، وعدة بهراة. وأبا محمد بن حمّويه، وزاهر بن أحمد السرخي، وأبا إسحاق المستمليّ ببلخ، وأبا الهيثم الكشميهنيّ بمرو، وأبا بكر هلال بن محمد بن محمد، وشيبان بن محمد الضّبعيّ بالبصرة، وأبا الفضل الزهري، وأبا الحسن الدارقطنيّ، وأبا عمر بن حيويه ببغداد، وعبد الوهاب بن الحسين الكلابيّ بدمشق، وأبا مسلم الكاتب بمصر، وجاور بمكة.
روى عنه ولده عيسى، وعلي بن محمد بن أبي الهول، وموسى بن عيسى الصقلي، وعبد الله بن الحسن التنيسي، وأبو صالح النيسابوريّ المؤذن، وعلي ابن بكار الصوري، وأحمد بن محمد القزوينيّ، وأبو الطاهر إسماعيل بن سعيد النحوي، وأبو الحسين بن المهتدي بالله، وأبو الوليد الباجي، وعبد الله ابن سعيد النحوي، وعبد الخالق بن هارون السهمي، وأبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي، وأبو شاكر أحمد بن علي العثماني، وخلائق. وبالإجازة أبو بكر الخطيب، وأبو عمر بن عبد البر» وأحمد بن عبد القادر اليوسفي، وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون الخولاني. ولد أبو ذر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة تقريبا.
قال الخطيب: قدم أبو ذر بغداد وأنا غائب، فحدّث بها وحج وجاور، ثم تزوج في العرب، وسكن السّروات، فكان يحج كل عام ويحدّث ويرجع، وكان ثقة ضابطا دينا.
стр. 375
وقال أبو علي بن سكّرة: توفي في عقب شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
وقال الخطيب: في ذي القعدة.
قال أبو الوليد الباجي في كتاب «فرق الفقهاء» عند ذكر أبي بكر الباقلانيّ: لقد أخبرني أبو ذرّ وكان يميل إلى مذهبه فسألته: من أين لك هذا؟ قال كنت ماشيا مع الدارقطني، فلقينا القاضي أبا بكر، فالتزمه الدارقطني وقبّل وجهه وعينيه، فلما افترقنا قلت: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين، والذابّ عن الدين، القاضي أبو بكر بن الطيّب. فمن ذلك الوقت تكررت إليه.
قال الحسن بن بقي المالقيّ: حدثني شيخ قال لأبي ذر: أنت هرويّ، فمن أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعريّ؟ قال: قدمت بغداد، فذكر نحوا ممّا تقدم وقال: فاقتديت بمذهبه.
وقال عبد الغافر في «تاريخ نيسابور»: كان أبو ذرّ زاهدا ورعا، عالما، سخيا لا يدخر شيئا. وصار من كتاب مشيخة الحرم مشارا إليه في التصوف.
قال حاتم بن محمد: كان أبو ذر مالكيّا خيّرا فاضلا متقللا من الدنيا، بصيرا بالحديث وعلله وتمييز الرجال.
وله تواليف منها: كتابه الكبير في «المسند الصحيح المجرّد على البخاري ومسلم» وله أيضا «مستدرك» لطيف في مجلد على الصحيحين، يدل على حفظه و «كتاب الجامع» و «كتاب السنة والصفات» و «كتاب الدعوات» وكتاب «فضائل القرآن» وكتاب «فضائل العيدين» وكتاب
стр. 376
«دلائل النبوة» و «كتاب شهادة الزور» وكتاب «فضائل مالك بن أنس» و «مسانيد الموطآت» وكتاب «فضل يوم عاشوراء» وكتاب «كرامات الأولياء» و «كتاب الرؤيا» و «كتاب المنامات» و «كتاب المناسك» و «كتاب الربا واليمين الفاجرة» و «كتاب بيعة العقبة» وما روي في بسم الله الرحمن الرحيم، و «كتاب على شيوخه» اشتمل على نحو ألف ومائة اسم و «كتاب آخر في من لقيه ولم يأخذ عنه» وسكن الحرم إلى أن مات، نفعنا الله به.
٣١٩ - عبد بن حميد بن نصر (١).
الإمام الحافظ أبو محمد الكسّي بالكسر وتشديد المهملة، وينطق بها الناس بالفتح والمعجمة، وهو خطأ، أبو محمد مصنف «المسند» و «التفسير» وغير ذلك، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبّان وغير واحد.
رحل على رأس المائتين في شبيبته، فسمع يزيد بن هارون، ومحمد بن بشر العبديّ، وعلي بن عاصم، وابن أبي فديك، وحسين بن علي الجعفيّ، وأبا أسامة، وعبد الرزاق، وطبقتهم.
وحدث عنه مسلم، والترمذيّ، وإبراهيم بن خزيم (٢) الشّاشي، وابن حبّان وخلق، وعلق له البخاري في دلائل النبوّة في «صحيحه»، فسماه عبد الحميد، وكان من الأئمة الثقات. مات سنة تسع وأربعين ومائتين.
стр. 377
ذكر من اسمه عبيد الله مصغرا
٣٢٠ - عبيد الله بن إبراهيم بن أبي بكر النسائي التّفتازاني (١).
قال ابن السمعانيّ: كان إماما مفنّنا، مفسّرا محدّثا، واعظا، مشتغلا بالعبادة، يتولى الحرث والحصاد بنفسه، ويأكل من كدّه، سمع نصر الله الخشنيّ، وإسماعيل بن عبد الغافر، وصاعد بن سيّار الحافظ.
روى عنه عبد الرحيم بن السمعانيّ، وأبوه. مات في حدود سنة خمسين وخمسمائة.
٣٢١ - عبيد الله بن عبد الكريم بن بندار بن فروخ القرشي (٢).
مولاهم حافظ العصر أبو زرعة الرازي.
سمع أبا نعيم، وقبيصة، وخلاد بن يحيى، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبيّ، ومحمد بن سابق. وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر، وكان من أفراد الدهر حفظا وذكاء ودينا وإخلاصا وعلما وعملا.
حدث عنه من شيوخه حرملة، والترمذيّ وابن ماجة، والنسائيّ، وابن أبي داود، وأبو عوانة، وسعيد بن عمر اليربوعيّ، وأبو حاتم، ومحمد بن الحسين القطّان، وآخرون، وفي السابق واللاحق رواية إبراهيم بن أورمة الحافظ عن الفلّاس عن أبي زرعة الرازي.
قال البخاري: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أبو زرعة عندنا، فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ.
стр. 378
قال صالح بن محمد: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث، قلت:
تقدر أن تملي عليّ مائة ألف حديث من حفظك؟ قال: لا، ولكني إذا ألقي عليّ عرفت.
وعن أبي زرعة أن رجلا استفتاه أنه حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، قال: تمسّك بامرأتك.
عن ابن عقدة أنبأنا مطين عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة، وعن الصغاني قال: أبو زرعة عندنا يشبه بأحمد بن حنبل.
وقال علي بن الجنيد: ما رأيت أعلم من أبي زرعة. وقال يعلى الموصليّ:
كان أبو زرعة مشاهدته أكبر من اسمه، يحفظ الأبواب والشيوخ والتفسير.
وقال صالح جزرة: سمعت أبا زرعة يقول: أحفظ في القراءات عشرة آلاف حديث.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة.
وقال عبد الواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه.
وقال أبو حاتم: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، ولا أعلم من كان يفهم هذا الشأن مثله، وقلّ من رأيت في زهده. مات أبو زرعة في آخر يوم من سنة أربع وستين ومائتين وقد شاخ، ﵀ وإيانا.
٣٢٢ - عبيد الله بن عثمان بن عبيد الله اللّخمي البرجانيّ (١).
стр. 379
من أهل إشبيلية، يكنى أبا مروان. كان من أهل العلم بمعاني القرآن وقراءاته من أهل النحو والأدب، وممّن يقول الشعر الحسن، بليغ اللسان والقلم، حسن الخط، موصوفا بصحة العقل وقوة الفهم. وكان له حظ صالح من الفقه، أخذ عن أبي إسحاق بن الروح بونه، وغيره، بإشبيلية، وقرطبة.
أورده ابن بشكوال في «الصّلة»، ولم يؤرخ مولده ولا وفاته.
٣٢٣ - عبيد الله بن محمد بن جرو الأسديّ أبو القاسم النحويّ العروضيّ المعتزليّ (١).
قال ياقوت: من أهل الموصل، قدم بغداد وقرأ على شيوخها، وسمع من أبي عبيد الله المرزبانيّ، وأخذ الأدب عن الفارسيّ والرّمانيّ والسيرافيّ، وكان ذكيّا حاذقا، جيّد الخط، صحيح الضبط، عارفا بالقراءات والعربيّة، أمّ بعضد الدولة؛ وكان يلثغ بالراء غينا، فقال له الفارسيّ: ضع ذبابة القلم تحت لسانك لترفعه به، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ. بالراء، ففعل، فاستقام له إخراج الراء من مخرجها.
صنّف كتبا منها «تفسير القرآن العظيم» ذكر في بسم الله الرحمن الرحيم مائة وعشرين وجها، و «الموضّح في العروض»، و «والمفصح في القوافي»، و «الأمد في علوم القراءات». مات يوم الثلاثاء لأربع بقين من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
стр. 380
٣٢٤ - عبيد الله بن محمد بن مالك أبو مروان القرطبيّ الفقيه المالكيّ (١).
كان حافظا للفقه والحديث والتفسير، عالما بوجوه الاختلاف بين فقهاء الأمصار، متواضعا، كثير الورع مجاهدا، متبذّلا في لباسه، قانعا باليسير.
روى عن أبي بكر بن مغيث وغيره، وعنه أبو الوليد بن طريف، وصنف «مختصرا في الفقه» وله كتاب «ساطع البرهان» مات في جمادى الأولى سنة ستين وأربعمائة، وله ستون سنة.
من اسمه عثمان
٣٢٥ - عثمان بن الحسن بن عثمان بن أحمد بن الخطيب البغدادي (٢).
يكنى: أبا عمرو، ذكره أبو محمّد بن خزرج وقال: قدم علينا سنة سبع عشرة وأربعمائة بإشبيليّة فقرأنا عليه، وكان يروى عن أبي طاهر المقرئ البغدادي [قرأ عليه بالقراءات السبع. وروى عن جلة البغداديين] (٣) وغيرهم وكان مجوّدا للتلاوة محسنا، عالما بمعاني القرآن، وكان كبير السّن جدا.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة» ولم يؤرخ وفاته.
стр. 381
٣٢٦ - عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي (١).
مولاهم. القرطبيّ، الإمام العلم، المعروف في زمانه بابن الصيرفي، وفي زماننا بأبي عمرو الداني؛ لنزوله بدانية (٢).
ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قال: وابتدأت بطلب العلم في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ورحلت إلى المشرق سنة سبع وتسعين. فمكثت بالقيروان أربعة أشهر، أكتب.
ثم دخلت مصر في شوال من السنة، فمكثت بها سنة، وحججت ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع وتسعين.
وخرجت إلى الثغر سنة ثلاث وأربعمائة، فسكنت سرقسطة (٣) سبعة أعوام، ثم رحلت إلى قرطبة، قال: وقدمت دانية سنة سبع عشرة، فاستوطنها حتى مات.
وقرأ بالروايات على: عبد العزيز بن جعفر بن خواستي (٤) الفارسي،
стр. 382
وعلى: خلف بن إبراهيم بن خاقان، وأبي الفتح فارس بن أحمد، وأبي الحسن طاهر بن غلبون.
وسمع كتاب ابن مجاهد في اختلاف السّبعة، من أبي مسلم محمد بن أحمد الكاتب، بسماعه منه، وسمع الحديث من أبي مسلم، ومن أحمد بن فراس العبقسي، وعبد الرحمن بن أحمد الزاهد، وحاتم بن عبد الله البزاز، وأحمد بن فتح الرسّان، ومحمد بن خليفة بن عبد الجبار، وأحمد بن عمر بن محفوظ الحيري، وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس، وأبي الحسن علي بن محمد القابسي، وأبي عبد الله بن أبي زمنين، وعبد الوهاب بن منير المصري، وطائفة كبيرة.
قرأ عليه أبو بكر بن الفصيح، وأبو الزواد مفرج فتى إقبال الدولة، وأبو الحسين يحيى بن أبي زيد، وأبو بكر محمد بن المفرج، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن الدّش (١)، وأبو داود سليمان بن نجاح، وأبو عبد الله محمد ابن مزاحم، وأبو علي الحسين بن علي بن مبشر، وأبو القاسم خلف بن إبراهيم، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي، وخلق سواهم.
قال ابن بشكوال: كان أبو عمرو أحد الأئمة في علم القرآن رواياته وتفسيره ومعانيه وإعرابه، وجمع في ذلك تواليف حسانا مفيدة يطول تعدادها، وله معرفة بالحديث
وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته. وكان حسن الخط، جيد الضبط، من أهل الحفظ والذكاء والتفنن، ديّنا فاضلا ورعا سنيا.
وقال المغامي: كان أبو عمرو مجاب الدعوة مالكي المذهب.
стр. 383
قال الذهبي في «طبقات القراء»: وكتبه في غاية الحسن والإتقان، منها كتاب «جامع البيان في القراءات السبع وطرقها المشهورة والغربية» وكتاب «إيجاز البيان في قراءة ورش» مجلد، وكتاب «التلخيص في قراءة ورش» مجلد صغير، وكتاب «التيسير» مجلد، وكتاب «المقنع في رسم المصحف»، وكتاب «المحتوى في القراءات الشواذ»، وكتاب «الأرجوزة في أصول السنة» وكتاب «طبقات القراء وأخبارهم» في أربعة أسفار، وكتاب «الوقف والابتداء»، وغير ذلك. بلغني أن له مائة وعشرين مصنفا، ثم وقفت على أسماء مصنفاته في «تاريخ الأدباء» لياقوت الحموي؛ فإذا فيها كتاب «التمهيد» لاختلاف قراءة نافع عشرين جزءا، كتاب «الاقتصاد» في القراءات السبع مجلد، كتاب «اللامات والراءات» لورش مجلد، كتاب «الفتن» مجلد، كتاب «مذاهب القراء» في الهمزتين مجلد، كتاب «اختلافهم في الياءات» مجلد، كتاب «الفتح والإمالة» لأبي عمرو بن العلاء مجلد، ثم عامة تواليفه جزءا جزءا.
وكان بين الداني وابن حزم الظاهري منافرة عظيمة، أفضت إلى المهاجاة بينهما، ولكل واحد منهما في الآخر هجاء يقذع فيه، غفر الله لهما.
وقد روى عنه بالإجازة أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني، وأحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة المرسي (١).
[وبقي ابن أبي جمرة (٢)] هذا إلى بعد الثلاثين وخمسمائة ومن أرجوزته في السّنة:
стр. 384
كلم موسى عبده الكليما ... ولم يزل مدبرا حكيما (١)
كلامه وقوله قديم ... وهو فوق عرشه العظيم
والقول في كتابه المفصّل ... بأنه كلامه المنزّل
على رسوله النبي الصّادق ... ليس بمخلوق ولا بخالق
من قال فيه إنه مخلوق ... أو محدث فقوله مروق
أهون بقول جهم الخبيث ... وواصل وبشر المريسي
ومما يذكر من شعره:
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري على كل من يعزى إلى الأدب (٢)
لا شيء أبلغ من ذل يجرعه ... أهل الخساسة أهل الدين والحسب
القائمين بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزيغ والريب
توفي الحافظ أبو عمرو الداني بدانية يوم الاثنين منتصف شوال، سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن ليومه بعد العصر، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيّعه خلق عظيم، رحمه الله تعالى.
ذكره ابن فرحون باختصار، والذهبي في «طبقات القراء» مطولا، وهذا منه.
٣٢٧ - عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى (٣).
стр. 385
الإمام الحافظ المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو بن المفتي صلاح الدين الكردي الشهرزوريّ الشافعيّ.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وتفقه على والده بشهرزور، ثم اشتغل بالموصل، مدة، كرر جميع «المهذب» ولم يطر شاربه، ثم صار معيدا عند العماد بن يونس.
سمع من عبيد الله بن السمين، ونصر الله بن سلامة، ومحمود بن علي الموصليّ، وعبد المحسن بن الطوسيّ، وارتحل إلى بغداد فسمع من أبي أحمد بن سكينة، وعمر بن طبرزد، وبهمذان من أبي الفضل بن المعزّم، وبنيسابور من منصور، والمؤيد، وزينب وطبقتهم، وبمرو من أبي المظفر السمعاني، وجماعة.
وبدمشق من القاضي جمال الدين عبد الصّمد الحرستانيّ، والشيخ موفق الدّين المقدسيّ، والشيخ فخر الدين بن عساكر، وبحلب من أبي محمد بن علوان. وبحران من الحافظ عبد القادر.
ودرس بالمدرسة الصلاحيّة ببيت المقدس، فلما هدم المعظم سور البلد، قدم دمشق ودرس بالرواحية، ثمّ ولي مشيخة دار الحديث الأشرفيّة، ثم تدريس الشّامية الصّغرى.
وصنف «شرح مسلم» و «علوم الحديث» و «إشكالات على الوسيط» وغير ذلك، وأفتى وتخرّج به الأصحاب وكان من أعلام الدين.
قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وله مشاركة في عدّة فنون، وكانت فتاواه مسدّدة.
وقال أبو حفص بن الحاجب في «معجمه»: إمام ورع وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار
стр. 386
يضرب به المثل وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة، وكان وافر الجلالة، حسن البزّة، كثير الهيبة موقرا عند السلاطين والأمراء.
تفقه به الأئمة شمس الدين عبد الرحمن بن نوح، وكمال الدين سلار، وتقي الدين بن رزين القاضي، وغيرهم.
وحدّث عنه فخر الدين عمر الكرجيّ، ومجد الدين بن المهتار، والشيخ تاج الدين عبد الرحيم، والشيخ زين الدين الفارقيّ، والقاضي شهاب الدين الخويي والخطيب شرف الدين الفزاريّ، والشهاب محمد بن مشرف، والصدر محمد بن حسن الأرموي، والعماد بن البالسي، والشرف محمد بن الخطيب الآباري، وناصر الدين محمد بن المهتار، والقاضي أبو العباس أحمد ابن علي الخليلي، والشهاب أحمد بن العفيف وآخرون.
انتقل إلى الله تعالى في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكثر التأسّف لفقده، وحمل نعشه على الرءوس، وكان على جنازته هيبة وخشوع، فصلّوا عليه بجامع دمشق وشيّعوه إلى عند باب الفرج، ورجع الخلائق لمكان حصار الخوارزمية لدمشق، فخرج عشرة من خواصه مشمّرين ودفنوه بمقابر الصوفية، وقبره ظاهر يزار، وعاش ستا وثمانين سنة.
٣٢٨ - عثمان بن أبي شيبة الحافظ الكبير أبو الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الكوفيّ (١).
صاحب «المسند» و «التفسير» و «السنن» و «الفتن» سمع شريكا، وهشيما، وإسماعيل بن عيّاش، وابن المبارك، وطبقتهم.
стр. 387
وعنه الجماعة سوى الترمذي، وأبو يعلى، وأحمد بن الحسن الصوفيّ، وجعفر الفريابيّ، والبغويّ، وخلق كثير.
قال ابن معين: ثقة مأمون، وسئل عنه أحمد بن حنبل فقال: ما علمت إلا خيرا وقد أكثر عنه البخاري، وكان مزّاحا حتى فيما يتصحف من القرآن.
قال إبراهيم بن أبي طالب: جئته فقال: إلى متى لا يموت إسحاق بن راهويه! فقلت له: شيخ مثلك يتمنى هذا! فقال: دعني، فلو مات لصفا لي.
جرير بن عبد الحميد.
وعاش بعد إسحاق خمسة أشهر، ومات في أول سنة تسع وثلاثين ومائتين.
٣٢٩ - عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني (١).
واسم أبيه ميسرة، وقيل عبد الله. صدوق يهم كثيرا، ويرسل ويدلس من الطبقة الخامسة.
له كتاب «تنزيل القرآن» و «تفسيره» و «ناسخه ومنسوخه» رواية يونس بن راشد الحراني عنه. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، لم يصح أن البخاري أخرج له، لكن روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.
стр. 388
٣٣٠ - عطية بن الحارث أبو روق (١).
بفتح الراء وسكون الواو بعدها قاف الهزّاني بكسر الهاء وفتح الزاي المشددة الكوفي. صدوق من الطبقة الخامسة، صاحب «التفسير» روى له أبو داود، والنسائي، وابن
ماجة.
٣٣١ - عكرمة بن عبد الله الحبر العالم أبو عبد الله البربريّ ثم المدني الهاشميّ (٢).
مولى ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة وعقبة بن عامر، وأبي سعيد، وعدة، وروايته عن علي بن أبي طالب في «سنن النسائي». وذلك ممكن، لأن ابن عباس ملكه عند ما ولي البصرة لعلي.
حدث عنه خلائق منهم أيوب، وأبو بشر، وعاصم الأحول، وثور بن يزيد وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وعقيل بن خالد، وعباد بن منصور وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، وأفتى في حياة ابن عباس.
قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وكان ابن عباس يضع الكبل في رجلي على تعليم القرآن والسّنن.
قال عمرو بن دينار سمعت أبا الشعثاء يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، أعلم الناس.
وروى مغيرة عن سعيد بن جبير وقيل له: تعلم أحدا أعلم منك؟ قال:
نعم، عكرمة.
стр. 389
وعن الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. قال أيوب قال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فيفتتح لي خمسون بابا من العلم.
قال قرة بن خالد: كان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة.
وهو ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه، ولا ثبتت عنه بدعة، روى له الجماعة. مات ﵀ سنة أربع ومائة بالمدينة، وقيل بعد ذلك.
стр. 390
من اسمه علي
٣٣٢ - علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف بن سعيد (١).
الإمام أبو الحسن الحوفيّ تم المصريّ النحويّ الأوحد، من قرية شبرا من حوف بليس.
له «تفسير» جيد، سمّاه: «البرهان في تفسير القرآن»، وكتاب «إعراب القرآن» في عشر مجلدات، و «الموضح في النحو» وكتب أخر.
أخذ عن أبي بكر الأدفويّ، وكان حويّا قارئا وأخذ عنه خلق من المصريين. مات بكرة يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة.
٣٣٣ - علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر أبو الحسن القطّان (٢).
الإمام الحافظ القدوة، محدّث قزوين وعالمها، ولد سنة أربع وخمسين ومائتين، ورحل في هذا الشأن، وكتب الكثير.
سمع أبا حاتم الرازي، وإبراهيم بن ديزيل سيفنّة، ومحمد بن الفرج الأزرق، والقاسم بن محمد الدّلال، والحارث بن أبي أسامة، وأبا عبد الله ابن ماجة صاحب «السنن»، وإسحاق بن إبراهيم الدّبري، ويحيى بن عبدك القزويني وخلقا سواهم.