ومحاسنه ومناقبه أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، ذكر له ولده في «الطبقات الكبرى» ترجمة طويلة، في أكثر من أربعة كراريس، قال:
وكان شيخه ابن الرّفعة يعامله معاملة الأقران، ويبالغ في تعظيمه، ويعرض عليه ما يصنعه في «المطلب» وقال شيخه الدمياطي: إمام المحدّثين.
وقال ابن الرفعة: إمام الفقهاء، فلما بلغ ذلك الباجي فقال: وإمام الأصوليين وكان محققا مدققا نظارا جدليا، بارعا في العلوم، له في الفقه وغيره الاستنباطات الجليلة، والدقائق اللطيفة، والقواعد المحررة التي لم يسبق إليها.
وفي آخر عمره استعفى من القضاء، ورجع إلى مصر متضعفا، فأقام بها دون العشرين يوما، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة، ودفن بمقابر
الصوفية.
وصنف نحو مائة وخمسين كتابا مطولا ومختصرا، والمختصر منها لا بدّ وأن يشتمل على ما لا يوجد في غيره، من تحقيق وتحرير لقاعدة، واستنباط وتدقيق، منها «تفسير» القرآن العظيم، في ثلاث مجلدات، لم يكمل، و «الابتهاج في شرح المنهاج» وصل فيه إلى الطلاق، في ثلاث مجلدات، و «الرّقم الإبريزيّ في شرح مختصر التبريزي» و «نور الربيع في الكلام على ما رواه الربيع» و «السيف المسلول على من سب الرسول» و «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» و «رفع الشقاق في مسألة الطلاق» و «رد على الشيخ زين الدين بن الكتاني (١) في اعتراضاته على الروضة» و «الفتاوى»
стр. 422
في مجلدين، وفيه كثير من مصنفاته الصغار، و «نيل العلا في العطف بلا» و «الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص» و «التعظيم والمنة» في إعراب قوله تعالى (١). لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ «وكشف القناع في إفادة لو للامتناع» و «من أقسطوا ومن غلوا في حكم من يقول لو» و «الرفدة في معنى وحدة» و «كل وما عليه تدل» و «بيان الربط في اعتراض الشرط على الشرط» و «التهدّي إلى معنى التعدي» وغير ذلك. (٢)
ومن نظمه:
إنّ الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل.
حكم بحقّ أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل
وله:
قلبي ملكت فما له ... مرمى لواش أو رقيب
قد حزت من أعشاره ... سهم المعلّى والرقيب
يحييه قربك إن منن ... ت به ولو مقدار قيب
يا متلفي ببعاده ... عنّى أما خفت الرّقيب
٣٦١ - علي بن عثمان أبو الحسن قاضي القضاة الماردينيّ الحنفيّ (٣).
كان إماما في التفسير، والحديث، والفقه، والفرائض، والشعر، صنّف وأفتى، ودرّس وأفاد وأحسن، وكان ملازما للاشتغال والكتابة لا يمل من ذلك.
стр. 423
وسمع الحديث وقرأ بنفسه.
اختصر كتاب «الهداية» بكتاب سماه «الكفاية في مختصر الهداية» و «شرح الهداية» لم يكمله، وشرع ولده قاضي القضاة جمال الدين من حيث انتهى إليه والده و «اختصر علوم الحديث» لابن الصلاح، ووضع على «الكتاب الكبير» للبيهقي كتابا نفيسا نحوا من مجلدين (١)، وله «غريب القرآن» و «وتخريج أحاديث الهداية» و «مختصر المحصل» وأشياء كثيرة لم تكمل، وله نظم وسط. مات في يوم عاشوراء في سنة خمسين وسبعمائة.
ذكره القرشي.
٣٦٢ - علي بن عقيل الإمام أبو الوفاء البغداديّ الظفريّ الحنبليّ (٢).
العلّامة الجامع لأنواع العلوم، وشيخ الحنابلة، وصاحب كتاب «الفنون» الذي بلغ أربعمائة وسبعين مجلدا.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقرأ القراءات على أبي الفتح بن شيطا (٣)، قرأ عليه المبارك (٤) بن أحمد بن الإخوة، وكان إماما كبيرا متبحرا، مبرّزا في علوم، يتوقد ذكاء، وكان أنظر أهل زمانه.
قال السّلفيّ: ما رأت عيناي مثله، وما كان أحد يقدر [أن (٥)] يتكلم
стр. 424
معه لغزارة علمه وبلاغته، وحسن إيراده، وقوة حجته، انتهى. توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
ذكره ابن الجزري في «طبقات القراء».
٣٦٣ - علي بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن علي بن عبدوس الحراني (١).
الفقيه الحنبلي الزاهد، العارف الواعظ، أبو الحسن.
ولد سنة عشر- أو إحدى عشرة- وخمسمائة، على ما نقله القطيعي عن أبي المحاسن الدّمشقي عنه.
وسمع ببغداد بأخرة سنة أربع وأربعين من الحافظ أبي الفضل بن ناصر، وغيره.
وتفقه وبرع في الفقه والتفسير والوعظ، والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات.
وله «تفسير» كبير، وهو مشحون بهذا الفن، وله كتاب «المذهب في المذهب» ومجالس وعظية، فيها كلام حسن على طريقة كلام ابن الجوزي.
قرأ عليه قرينه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز، وجالسه الشيخ فخر الدين بن تيمية في أول اشتغاله، وقال عنه: كان نسيج وحده في علم التذكير، والاطلاع على علوم التفسير، وله فيه التصانيف البديعة، والمبسوطات الوسيعة.
وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الدمشقي بحران، سنة ثلاث وخمسين، وهو إمام الجامع بحران، من أهل الخير والصلاح والدين.
стр. 425
قال وأنشدني لنفسه:
سألت حبيبي وقد زرته ... ومثلي في مثله يرغب (١).
فقلت حديثك مستظرف ... ويعجب منه الذي يعجب
أراك مليحا ظريفا نظيفا ... فصيح الخطاب فما تطلب
فهل فيك من خلة تزدرى ... بها الصد والهجر قد يقرب
فقال أما قد سمعت المقال ... مغنيّة الحيّ ما تطرب
توفي في آخر يوم عرفة- وقيل: ليلة عيد النحر- سنة تسع وخمسين وخمسمائة بحران.
ذكره: ابن رجب.
٣٦٤ - علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح أبو الحسن الوزير (٢).
................ (٣)
له كتاب «معاني القرآن وتفسيره ومشكله» أعانه على عمله أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسين الخزاز النحوي ................ ................ .. (٤).
٣٦٥ - علي بن عيسى بن علي بن عبد الله أبو الحسن الرّماني النحويّ (٥).
стр. 426
وكان يعرف أيضا بالإخشيديّ وبالورّاق، وهو بالرّمانيّ أشهر، كان إماما في العربيّة، علّامة في الأدب في طبقة الفارسي والسّيرافي، معتزليا.
ولد سنة ست وسبعين ومائتين، وأخذ عن الزجّاج وابن السّراج وابن دريد.
قال أبو حيان التوحيديّ: لم يرد مثله قط علما بالنحو وغزارة بالكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل مع تأله وتنزّه ودين وفصاحة، وعفاف ونظافة، وكان يمزج النّحو بالمنطق، حتى قال الفارسي: إن كان النحو ما يقوله الرّمانيّ فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء.
قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السّيوطيّ ﵀ في ترجمة الرّمانيّ من «طبقات النحاة» عقب كلام الفارسي هذا ما نصه «قلت:
النحو ما يقوله الفارسيّ، ومتى عهد الناس أن النحو يمزج بالمنطق! وهذه مؤلفات الخليل وسيبويه ومعاصريهما ومن بعدهما بدهر لم يعهد فيها شيء من ذلك» انتهى.
وكان الرّماني متفنّنا في علوم كثيرة من القراءات، والفقه، والنحو، والكلام على مذهب المعتزلة.
صنّف الرماني: «التفسير»، و «الحدود الأكبر»، و «الأصغر»، و «شرح أصول ابن السراج» و «شرح موجزه»، و «شرح جمله»،
стр. 427
و «شرح سيبويه»، و «شرح مختصر الجرمي»، و «شرح الألف واللام للمازني»، و «شرح المقتضب»، و «شرح الصّفات» و «معاني الحروف» و «صنعه الاستدلال في الكلام»، و «إعجاز القرآن» وغير ذلك.
قال القفطي: له نحو مائة مؤلف، وكان مع اعتزاله شيعيا.
روى عنه هلال بن المحسّن، وأبو القاسم التّنوخي، والحسن بن علي الجوهري. ومات في حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وكانت ولادته في سنة ست وسبعين ومائتين.
٣٦٦ - علي بن فضّال بن علي غالب بن جابر (١).
من ذرية الفرزدق الشاعر أبو الحسن القيروانيّ المجاشعيّ التميمي الفرزدقيّ.
كان إماما في اللغة والنحو والتصريف والأدب والتفسير والسّير، ولد بهجر، وطوّف الأرض، وأقام بغزنة مدّة، وصادف بها قبولا، ورجع إلى العراق، وأقرأ ببغداد مدّة النحو واللغة، وحدّث بها عن جماعة من شيوخ المغرب.
قال هبة الله السّقطيّ: كتبت عنه أحاديث فعرضتها على بعض المحدّثين فأنكرها، وقال: أسانيدها مركّبة على متون موضوعة، فاجتمع به جماعة من المحدّثين وأنكروا عليه، فاعتذر، وقال: وهمت فيها.
قال عبد الغافر: ورد ابن فضّال نيسابور، فاجتمعت به، فوجدته بحرا في
стр. 428
علمه ما عهدت في البلديين ولا في الغرباء مثله، وكان حنبليّا يقع في كل شافعي.
صنّف «البرهان العميدي» في التفسير، عشرون مجلدا، «الإكسير في علم التفسير» خمسة وثلاثون مجلدا و «إكسير الذهب في صناعة الأدب» في خمس مجلدات «النكت في القرآن» «شرح معاني الحروف» «شرح عنوان الإعراب» وصنّف كتابا كبيرا في «بسم الله الرحمن الرحيم» و «الفصول في معرفة الأصول» و «الإشارة إلى تحسين العبارة» و «المقدمة» في النحو، كتاب «شرح معاني الحروف» كتاب «معارف الأدب» في النحو ثلاث مجلدات، كتاب «الدّول» في التاريخ ثلاثون مجلدا «العوامل والهوامل» في النحو «شرح عنوان الأدب» «العروض» «شجرة الذهب في معرفة أئمة الأدب».
مات ببغداد يوم الثلاثاء ثاني عشري ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
ومن شعره:
وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي (١)
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منّا قلوب ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
٣٦٧ - علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن خليل الشيحيّ (٢).
بمعجمة مكسورة ومثناة من تحت ساكنة ثم حاء مهملة نسبة إلى شيحة، قرية من عمل حلب. البغدادي الصّوفي، علاء الدين، خازن الكتب السّميساطية، واشتهر بالخازن بسبب ذلك.
стр. 429
ولد سنة ثمان وسبعين وستمائة ببغداد، وسمع بها من ابن الثعالبي، وقدم دمشق فسمع من القاسم بن مظفر، ووزيرة (١) بنت عمر، واشتغل كثيرا، وجمع تفسيرا كبيرا سماه «التأويل لمعالم التنزيل» و «شرح العمدة»، وهو الذي صنّف «مقبول المنقول» في عشر مجلدات، جمع فيه بين «مسند الإمام أحمد» و «مسند الشافعي» والستة، و «الموطأ»، والدارقطني، فصارت عشرة كتب. ورتبها على الأبواب، و «سيرة نبوية» مطوّلة: وكان حسن السّمت والبشر والتودد قاله: ابن رافع (٢): مات في آخر شهر رجب- أو مستهل شعبان- سنة إحدى وأربعين وستمائة بحلب.
وقال ابن قاضي شهبة: كان من أهل العلم، جمع وألف وحدّث ببعض مصنفاته.
٣٦٨ - علي بن محمد بن حبيب القاضي أبو الحسن الماورديّ البصري (٣).
стр. 430
أحد أئمة أصحاب الوجوه. قال الخطيب: كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعيين وله تصانيف عدّة في أصول الفقه وفروعه، وفي غير ذلك، وكان ولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد.
وقال الشيخ أبو إسحاق: تفقه على أبي القاسم الصيمريّ بالبصرة، وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الأسفراينيّ، ودرس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة، وله مصنفات كثيرة في الفقه وأصوله، والتفسير والأدب، وكان حافظا للذهبي.
وقال ابن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، مقدّما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن من العلم.
وذكره ابن الصلاح في «طبقاته»، واتهمه بالاعتزال في بعض المسائل بحسب ما فهمه عنه في تفسيره في موافقة المعتزلة فيها، ولا يوافقهم في جميع أصولهم، ومما خالفهم فيه أن الجنة مخلوقة. نعم يوافقهم في القول بالقدر وهي بليّة غلبت على البصريين.
قال ابن السّبكي: والصحيح أنه ليس معتزليا، ولكنه يقول بالقدر فقط.
وذكر ابن خلكان في «الوفيات» أنه لم يكن أبرز شيئا من مصنفاته في حياته وإنما أوصى [رجلا] (١) من أصحابه إذا حضره الموت أن يضع يده في يده، فإن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا، وإن رآه بسط يده فهي علامة قبولها فليخرجها فبسطها.
ومن تصانيفه «الحاوي» «تفسير القرآن» في ثلاث مجلدات سماه «النكت» «الأحكام السلطانية» «أدب الدنيا والدين» «الإقناع» في
стр. 431
الفقه، «مختصر» يشتمل على غرائب «قانون الوزارة» «سياسة الملك» وغير ذلك.
مات في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، بعد موت أبي الطيب بأحد عشر يوما، عن ست وثمانين سنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٦٩ - علي بن محمد بن عبد الله بن منظور القيسي (١).
من أهل إشبيلية، يكنى أبا الحسن.
قرأ القرآن على أبي العباس الباغاني المقرئ، وغيره. وكان من أهل العلم بالقرآن والفقه والعربية، وكانت فنون العربية أغلب عليه. وكان حسن السّمت من أهل العلم والفهم والضبط مات في المحرم سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة».
٣٧٠ - علي محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن غطّاس (٢) الإمام علم الدين أبو الحسن الهمداني (٣) السخاوي (٤).
стр. 432
المقرئ المفسر، النحويّ. شيخ القراء بدمشق في زمانه.
ولد بسخا من قرى أرض مصر الغربية في سنة ثمان- أو تسع وخمسين وخمسمائة، وقدم من سخا إلى القاهرة.
وسمع من الحافظ أبي الطاهر السّلفيّ، وأبي الطاهر بن عوف بالإسكندرية، وبمصر من أبي الجيوش عساكر بن علي، وهبة الله البوصيريّ، وإسماعيل بن ياسين.
وأخذ القراءات عن أبي القاسم الشاطبي، وأبي الجود غياث بن فارس اللخمي، وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي.
وأخذ بدمشق عن أبي اليمن الكندي لكن اقتصر على الشاطبي وأبي الجود في إسناد الروايات عنهما. لأن الشاطبي قال له فيما يقال: إذا مضيت إلى الشام فاقرأ على الكندي ولا ترو عنه، وقيل: بل رأى الشاطبي في النوم فنهاه أن يقرأ بغير ما أقرأه.
ثم تحول من مصر، وسكن دمشق، وأقرأ الناس بها عند قبر زكرياء ﵇ من جامع بني أمية، نيفا وأربعين سنة، فقرأ عليه خلق كثير بالروايات، منهم شهاب الدين أبو شامة، وشمس الدين أبو الفتح محمد بن علي بن موسى الأنصاري، وزين الدين عبد السلام الزواوي، ورشيد الدين أبو بكر بن أبي الدر، وتقي الدين يعقوب الجرائدي، وجمال الدين إبراهيم
стр. 433
الفاضلي، ورضي الدين جعفر بن دبوقا، وشهاب الدين محمد بن مزهر، وشمس الدين محمد الدمياطي، وقرأ عليه بشر كثير، ثم تركوا الفن كالجمال عبد الواحد بن كثير، ورشيد الدين إسماعيل الحنفي، وشمس الدين محمد ابن قايماز، والنظام محمد التبريزي ...
.... (١)
شرف الدين أبو محمد عبد الله الحسيني الحجازي يا مولانا ما أحسن قوله:
سيروا إلى الله عرجا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطال، فاستحسن ذلك وقال: ما سمعته إلا الساعة، ثم أطرق قليلا ورفع رأسه وقال: اكتب وأنشد لنفسه:
يا من يسوّف بالأعمال مرتقبا ... وقت الفراغ وقد ألهته أشغال
سر أعرجا أو كسيرا غير منتظر ... لصحة فمرجيّ ذاك بطّال
وقد نظم ذلك العارف بالله تعالى شرف الدين عمر بن الفارض ﵀، فأحسن ما شاء حيث يقول:
فسر زمنا وانهض كسيرا فخطك ال ... بطالة ما أخّرت عزما لصحة
وللشيخ علم الدين أيضا:
قد كنت منكم على بال فأين مضى ... عني ترفقكم بي يا مولينا
حاشاكم وجميل الصفح عادتكم ... أن تنقضوا بالوفا عاداتكم فينا
وله أبيات يمدح بها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب:
فيوسف يوسف في المأثرات وأيا ... م ابن أيوب أيام ابن يعقوب
حقيقة الملك إلا فيه تسمية ... شتان ما بين تحقيق وتلقيب
стр. 434
ومن غرائب الاتفاق أنه مدح السلطان صلاح الدين، ومدح الأديب رشيد الدين الفارقي، وبين وفاة الممدوحين مائة سنة.
وقال الشهاب أبو شامة شيخ وقته: توفي شيخنا علم الدين علامة زمانه، وآية أوانه [بمنزله] (١) بالتربة الصالحية، ودفن بسفح قاسيون، وكان على جنازته هيبة وجلالة وإخبات، ومنه استفدت علوما جمة، كالقراءات، والتفسير، وفنون العربية، وصحبته من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة، ومات وهو عني راض في ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
ذكره الشيخ تقي المقريزي في «المقفى».
٣٧١ - علي بن محمد بن علي السيد زين الدين أبو الحسن الحسيني الجرجانيّ الحنفي (٢).
عالم المشرق، ويعرف بالسيد الشريف، اشتغل ببلاده: وأخذ عن النور الطاوسي شرحه على «المنهاج» وشرحه للفظيه عن ولد مؤلفه مخلص الدين، وقدم القاهرة. وأخذ بها عن الشيخ أكمل الدين الحنفي وغيره، وأقام بسعيد السعداء أربع سنين ثم خرج إلى بلاد الروم، ثم لحق ببلاد العجم، ورأس هناك.
وقال فيه العيني (٣): كان عالم الشرق، علامة دهره، وكانت بينه وبين
стр. 435
السّعد التفتازاني مباحثات ومحاورات في مجلس تمرلنك، تكرر استظهار السيد فيها عليه غير مرّة، وآخر من علمته ممن حضرها وأتقنها العلاء الروميّ (١) وكان له أتباع يبالغون في تعظيمه ويفرطون في إطرائه كعادة العجم، وله تصانيف يقال إنها تزيد على الخمسين، انتهى.
ويقال: إنه حرر الرضى «شرح الحاجبية» وكان فيه سقم كثير، ومن تصانيفه «مقدمة في الآفاق وفي الأنفس» يعنى في تفسير قوله تعالى:
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) (٢).
«وشرح المواقف» للعضد و «شرح التجريد» للنصير الطوسيّ و «شرح القسم الثالث من المفتاح» و «حاشية الكشاف» لم تتم، وتصدى للإقراء والتصنيف والفتيا، وتخرج به أئمة.
مات- كما قال العفيف الجرهي (٣)، وأبو الفتوح الطاوسي في يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة ست عشرة وثمانمائة بشيراز.
قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين الأسيوطي في «طبقات النحاة»:
أفادني صاحبنا المؤرّخ شمس الدين بن عزم، أن مولد السيد بجرجان، سنة أربعين وسبعمائة.
٣٧٢ - علي بن محمد علي بن أحمد بن هارون العمرانيّ الخوارزميّ الحنفي أبو الحسن (٤).
стр. 436
يلقب حجة الأفاضل، وفخر المشايخ.
قال ياقوت: سيد الأدباء، وقدوة مشايخ الفضل، المحيط بأسرار الأدب، والمطّلع على غوامض كلام العرب. قرأ الأدب على الزمخشريّ وصار من أكبر أصحابه، وأوفرهم حظا من غرائب آدابه، لا يشقّ غباره في حسن الخطّ واللفظ، ولا يمسح عذاره في كثرة السماع والحفظ.
سمع الحديث من الزمخشريّ، والإمام عمر الترجماني، والحسن بن سليمان الخجنديّ، وعبد الواحد الباقرجي وغيرهم.
وكان ولوعا بالسماع كتوبا، وكان من العلم الغزير فيه دين وصلاح وزهد، وكان يذهب مذهب الرأي والعدل.
وجعل في آخر عمره أيّامه مقصورة على نشر العلم وإفادته لطالبيه، وفزع الناس إليه في حلّ المشكلات وشرح المعضلات، وهو مع العلم الغزير والفضل الكثير علم في الدين، والصلاح المتين، وآية في الزهد، معتزليّ.
صنّف «التفسير» و «اشتقاق الأسماء» و «المواضع والبلدان». مات سنة ستين وخمسمائة (١).
ومن شعره:
رأيتك تدّعي علم العروض ... كأنك لست منها في عروض (٢)
فكم تزري بشعر مستقيم ... صحيح في موازين العروض
كأنّك لم تحط مذ كنت علما ... بمخبون الضّروب ولا العروض
ومنه قصيدة يمدح بها النبي ﷺ :
стр. 437
أضاء برق وسجف الليل مسدول ... كما يهزّ اليماني وهو مصقول (١)
فهاج وجدي بسعدى وهي نائية ... عنّي وقلبي بالأشواق متبول
لم يبق لي مذ تولّى الظّعن باكرة ... صبر ولم يبق لي قلب ومعقول
مهما تذكّرتها فاض الجمان على ... خدّي حتّى نجاد السيف مبلول
ذكره الصفدي في «تاريخه»، والقرشي، وشيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطيّ في «طبقات النحاة».
٣٧٣ - علي بن محمد بن علي النيريزي (٢).
نسبة إلى نيريز- بنون مفتوحة ثم تحتانية- من قرى شيراز، أبو الحسن، كان من العلماء وله «تفسير»، ذكره ابن الفوطي في «الدرر الناصعة في شعراء المائة السابعة» وقال: مات سنة اثنتين [وخمسين (٣)] وستمائة وله أربع وثمانون سنة.
وذكره ابن الدّبيثي في «تاريخ واسط» وقال: إنه قدم عليهم وحدثهم عن عبد العزيز بن محمد الأدمي، وكان خطيب شيراز.
ذكره الحافظ ابن حجر في «تبصير المنتبه».
٣٧٤ - علي بن محمد بن علي بن عباس بن فتيان (٤) القاضي الإمام البارع علاء الدين علي المعروف بابن اللحام الحنبلي الدمشقي (٥).
стр. 438
برع في الفقه، والتفسير، والعربية، وغير ذلك. وأفتى ودرس ووعظ بجامع دمشق، وكان حسن الوعظ ديّنا خيّرا، وناب في الحكم بدمشق، فلما قدم تمرلنك إلى حلب، جفل فيمن جفل من الناس إلى القاهرة، فأكرمه الحنابلة وأجلوا قدره إلى أن مات الموفق أحمد بن نصر الله قاضي الحنابلة، عين المجد سالم، وابن اللحام هذا، فقال كل منهما: لا أصلح، وإنما يصلح هذا، فصرف الله ذلك عن ابن اللحام وابتلى به المجد سالم، وأعطى تدريس المدرسة المنصورية لابن اللحام، فمات بعد استقراره فيها بسبعة عشر يوما يوم عيد الفطر سنة ثلاث وثمانمائة.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٣٧٥ - عليّ بن محمد بن مهديّ أبو الحسن الطّبريّ (١).
تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري الشافعي، صحبه بالبصرة وأخذ عنه.
وكان من المبرّزين في علم الكلام والقوّامين (٢) بتحقيقه وله كتاب «تأويل الأحاديث المشكلات الواردة في الصفات» وكان مفتنّا في أصنام العلوم.
قال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الأسديّ: كان شيخنا وأستاذنا أبو الحسن علي بن مهدي الطبري الفقيه، مصنّفا للكتب، في أنواع العلم، حافظا للفقه، والكلام، والتفاسير، والمعاني، وأيّام العرب، فصيحا، مبارزا في النظر، ما شوهد في أيامه مثله، انتهى.
وترجمه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتاب «التبيين» ولم أر من ورّخ وفاته.
стр. 439
وله:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شأنه (١)
فإنما الدّنيا بسكانها ... وإنما المرء بإخوانه
اختصرته من «الطبقات الكبرى» لابن السّبكي.
٣٧٦ - علي بن محمد بن محمد بن وفاء أبو الحسن السكندريّ الأصل المصريّ الشاذليّ المالكي الصوفي (٢).
ويعرف كسلفه بابن وفاء، ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة.
كان على أحسن حال وأجمل طريقة، ولما بلغ سبع عشرة سنة جلس مكان أبيه وعمل الميعاد، وشاع ذكره وبعد صيته، وانتشر أتباعه، وذكر بمزيد اليقظة وجودة الذهن والترقي في الأدب والوعظ.
قال في «الإنباء»: كان أكثر أوقاته في الروضة، وكان يقظا حاد الذهن، اشتغل بالأدب والوعظ، وحصل له أتباع، وأحدث ذكرا بألحان وأوزان، وله نظم كثير. مات بمنزله في الروضة في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة ودفن عند أبيه بالقرافة.
وقال غيره: كان فقيها عارفا بفنون العلم بارعا في التصوّف حسن الكلام فيه، مستحضرا للتفسير، بل له «تفسير» ونظم و «ديوانه» متداول بالأيدي، رحمة الله عليه.
٣٧٧ - علي بن مرزوق بن عبد الله الشيخ أبو الحسن الردينيّ.
حفظ القرآن العظيم، وسمع الحديث، وكان فقيها عارفا بالتفسير، متخليا
стр. 440
للعبادة، أقام بمسجد سعد الدولة من الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل، ثم تحول منه إلى مسجد الرديني الموجود الآن بداخله قلعة الجبل، وكانت كلمته مقبولة عند الملوك، توفي سنة أربعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة قريبا من سارية شرقي قبر الكيزاني، وعرف قبره بإجابة الدعاء، وجرّب ذلك.
وفي كتاب «مصباح الدّياجي» أن معن بن زيد بن سليمان نام عند قبر الرديني، وكان عليه دين مبلغ عشرة آلاف درهم، فرآه في النوم، فشكى إليه ذلك، فقال: قل اللهم بما كان بينك وبين عبدك الرّديني، إلا ما قضيت ديني، فاستيقظ وسأل الله ذلك، فأتاه شخص وقال: أنت الذي شكوت للشيخ ثقل الدين؟ قال: نعم. فدفع إليه عشرة آلاف درهم.
وأنه بلغ الشيخ أبا عمرو عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلامة الحوفي الحنبلي، أن الرّديني ينكر على أصحابه، فعزم على أن يسير إليه في غدو معه جماعته، فلما كان في الليل وهو على سطح داره، إذا برجل سقط عليه من الهواء وقال: أنا الرديني، جئت إليك قبل أن تأتيني، فقال: إنما أكلم من يأتي على رجليه، وأما من أعطى هذه المكانة فلا أكلمه بما يكره. وتوفي أبو عمرو الحوفي سنة أربع وستين وخمسمائة وقد جاوز سبعين سنة.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٣٧٨ - علي بن المسلم بن محمد بن علي بن الفتح أبو الحسن السّلمي الدمشقي الشافعي الفرضيّ جمال الإسلام (١).
قال ابن عساكر: كان عالما بالتفسير والأصول والفقه والتذكير والفرائض والحساب، وتعبير المنامات، تفقه على القاضي أبي المظفر عبد الجليل بن عبد
стр. 441
الجبار المروزيّ، ثم على الفقيه نصر المقدسيّ ولازمه، وبرع في المذهب حتى أعاد للشيخ نصر، ولزم الغزاليّ مدّة مقامه بدمشق، ودرس في حلقة الغزالي بالجامع وكان يثني على علمه وفهمه.
قال الذهبي: وسمع من عبد العزيز الكتّاني، والفقيه نصر، وجماعة.
وبرع في الفقه وغيره.
وله مصنفات في الفقه والتفسير، وكان ثقة ثبتا، موفقا في الفتاوى، ملازما للتدريس والإفادة، حسن الأخلاق، يعقد مجلس التذكير ويظهر السنّة ويردّ على المخالفين.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: بلغني أن الغزالي قال: خلفت بالشام شابا إن عاش كان له شأن. قال فكان كما تفرّس فيه، ولي التدريس بالأمينيّة وهو أول من درس، وروى عنه الحافظ أبو القاسم بن عساكر، وابنه القاسم، والسّلفيّ، وبركات الخشوعيّ، وطائفة، آخرهم القاضي أبو القاسم الحرستانيّ.
وقد أملى عدة مجالس ولم يخلف بعده مثله، مات ساجدا في صلاة الفجر في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودفن بباب الصغير في الصفة التي فيها جماعة من الصحابة ﵃.
ومن تصانيفه: «كتاب أحكام الخناثي» مختصر، وهو تصنيف مفيد في بابه.
٣٧٩ - علي بن موسى بن يزداد أبو الحسن القمّي (١).
الفقيه الحنفي، إمام أهل الرأي في عصره بلا مدافعة ..
стр. 442
له مصنفات منها «أحكام القرآن» وهو كتاب جليل، وكتاب «نقض ما خالف فيه الشافعي العراقيين في أحكام القرآن» وكتاب «إثبات القياس والاجتهاد وخبر الواحد».
سمع محمد بن شجاع الثلجي، ومنه أبو بكر بن سعيد (١) بن نصر، وتخرج به جماعة من الكبار، وأملى بنيسابور. مات سنة خمسين وثلاثمائة، ﵀ وإيّانا.
٣٨٠ - علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن بن يحيى بن الحسن ابن موسى الشيخ الإمام نور الدين أبو الحسن البكري (٢).
من ولد أبي بكر الصّديق ﵁، المصري.
ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وسمع «مسند الشافعي» من وزيرة بنت المنجا، واشتغل وأفتى ودرّس، ولما دخل ابن تيميّة إلى مصر، قام عليه وأنكر ما يقوله وآذاه. وله كتاب «تفسير الفاتحة».
قال السبكي في «الطبقات الكبرى» وصنف «كتابا في البيان».
وكان من الأذكياء، سمعت الوالد يقول: إن ابن الرافعة أوصى بأن يكمل شرحه «الوسيط» وكان رجلا خيرا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر وقد واجه مرة الملك الناصر بكلام غليظ، فأمر السلطان بقطع لسانه، حتى شفع
стр. 443
فيه، فإنه قال له: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فقال له السّلطان وقد اشتدّ غضبه: أنا جائر؟ فقال: نعم. أنت سلطت الأقباط على المسلمين وقويت دينهم، فلم يتمالك السلطان أن أخذ السّيف وهمّ ليضربه، فبادر الأمير طغاي فأمسك بيده، فالتفت السّلطان إلى ابن مخلوف المالكي، وقال: يا قاضي، يتجرّأ عليّ هذا! ما الذي يجب عليه، فلم يقل شيئا.
وقال الإسنويّ: تحيا بمجالسته النفوس، ويتلقى بالأيدي فيحمل على الرءوس، تقمّص بأنواع الورع والتقى، وتمسّك بأسباب التقى فارتقى، كان عالما، صالحا نظارا، ذكيا، متصوفا، أوصى إليه ابن الرفعة بأن يكمل ما بقي من شرحه على «الوسيط» لما علم من أهليته لذلك دون غيره، فلم يتفق له ذلك، لما كان يغلب عليه من التّجلي والانقطاع، والإقامة بالأعمال الخيرية مقابل مصر، بسبب محنة حصلت له مع الملك الناصر، وأمر فيها بقطع لسانه، ثم شفع فيه، وتركه ومنعه من الإقامة بالقاهرة ومصر، إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ودفن بالقرافة.
٣٨١ - علي بن يوسف بن حريز بن معضاد بن فضل اللخمي الشطنوفي نور الدين أبو الحسن المقرئ النحوي. (١)
كذا ذكره الأدفوي، وقال: قرأ القراءات على التقي يعقوب بن بدران الجرائدي، والنحو على الضياء صالح بن إبراهيم الفارقي إمام جامع الحاكم، وسمع من النجيب، وتولى تدريس التفسير بالجامع الطولوني، وتصدر للإقراء بجامع الحاكم، وكان كثير من الناس يعتقده، والقضاة تكرمه.
مات بالقاهرة يوم السبت تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
стр. 444
وقال ابن مكتوم: كان رئيس المقرئين بالديار المصرية، ومعدودا في المشايخ من النحاة، وله اليد الطولى في علم التفسير، وعلق فيه تعليقا.
وله «كتاب في مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني» نفعنا الله ببركاته؛ في ثلاث مجلدات.
مولده في شوال سنة سبع وأربعين وستمائة.
أورده شيخنا في «طبقات النحاة».
تم الجزء الأول من كتاب طبقات المفسرين ويليه الجزء الثاني وأوله: من اسمه عمر
стр. 445
[الجزء الثانى]
[تتمة حرف العين]
من اسمه عمر
٣٨٢ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي ابن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو البركات الحسيني الكوفي الحنفي الزّيدي (١) قال السمعانيّ: شيخ كبير فاضل، له معرفة بالفقه، والحديث، واللغة، والتفسير والنحو، وله التصانيف الحسنة السائرة، سمعته يقول: أنا زيدي المذهب، لكني أفتي على مذهب السلطان، يعني مذهب أبي حنيفة ظاهرا، ومذهب زيد تديّنا.
وقال أبو طالب بن الهراس الدمشقي: إنه صرح له بالقول بالقدر وخلق القرآن، وقال الحافظ أبو الغنائم النّرسيّ: هو جاروديّ (٢) المذهب، لا يرى الغسل من الجنابة.
سمع الحديث من أبي بكر الخطيب، وأبي القاسم بن عساكر، وأبي موسى المدينيّ، مولده سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، ومات في شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 446
٣٨٣ - عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (١).
الإمام الحافظ، المفيد الواعظ، محدّث العراق أبو حفص البغدادي، صاحب «الترغيب» و «التفسير» الكبير، ألف جزء، و «المسند» ألف جزء وثلاثمائة جزء و «التاريخ» و «الزهد» مائة جزء، وغير ذلك.
ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وروى الحروف عن أبي بكر بن أبي داود، وأبي بكر بن مجاهد، وأبي بكر النقاش، وأحمد بن مسعود الزهري، بمصر.
سمع الباغندي، والبغوي، ومنه الماليني، والبرقاني، وجمع الأبواب والشيوخ، وصنف ثلاثمائة وثمانين مصنفا.
وقال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون، صنف ما لم يصنفه أحد إلا أنه لحّان ولا يعرف الفقه.
روى القراءة عنه الحسين بن الطّناجيري. مات في ذي الحجة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.
٣٨٤ - عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن سعيد الفارقيّ الفقيه النحويّ الشافعي الأديب الكاتب أبو القاسم رشيد الدين (٢).
قال الذّهبيّ: كانت له يد طولى في التّفسير والبيان والبديع واللغة،
стр. 447
انتهت إليه رئاسة الأدب، واشتغل عليه خلق من الفضلاء؛ وقد وزر وتقدم في دول، وأفتى وناظر، وبرع في البراعة والبلاغة والنّظم والنّثر. وكان حلو المحاضرة،
مليح النّادرة، يشارك في الأصول والطلب، وله في النّحو مقدّمتان.
سمع من ابن الزّبيديّ، وعبد العزيز بن باقا، وجماعة، ودرّس بالناصريّة مدّة، وبالظاهرية وانقطع بها وخنق فيها، وأخذ ذهبه في رابع المحرم سنة تسع وثمانين وستمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٣٨٥ - عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن محمد بن مسافر (١).
شيخ الاسلام، الحافظ الفقيه، البارع المجتهد ذو الفنون، سراج الدين أبو حفص الكناني البلقينيّ الشافعيّ، ولد بناحية بلقينة من قرى مصر في ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وقرأ بها القرآن.
وقدم إلى القاهرة صغيرا في سنة سبع وثلاثين، وسمع من ابن القماح، وابن عبد الهادي، وابن شاهد الجيش، وأحمد بن كشتغدي، وإسماعيل التفليسي، وأجاز له المزّيّ، وخلق.
وأخذ الفقه عن ابن عدلان، والتقى السّبكي، والنحو عن أبي حيان، وانتهت إليه رئاسة المذهب والافتاء. وولي قضاء الشام سنة تسع وستين عوضا عن تاج الدين السّبكي، فباشر دون السنة.
стр. 448
وولي تدريس الخشّابية، والتفسير بجامع ابن طولون، وبالظاهرية.
[وبرع (١)] في معرفة مذهبه، مع كثرة الحفظ للحديث أسانيد ومتونا، والتبحّر في علم التفسير، ومعرفة العربية واللغة، وغير ذلك من العلوم، وتخرج به أعيان العصر، ودارت على رأسه الفتوى عدة سنين، وقصد من أقطار الأرض للأخذ عنه، وبالفتاوى، وأتاه الناس من الهند واليمن وبغداد وخراسان وبلاد الروم والمغرب والشام والحجاز، وكان في الحفظ آية من خالقه تعالى.
ومن مصنفاته: «شرح البخاري» و «الترمذي» و «محاسن الاصلاح» و «تضمين ابن الصّلاح» و «التدريب» في الفقه ولم يكمله، و «حواشي الرافعي» و «الرّوضة» وغير ذلك. مات في ليلة الجمعة، ودفن من الغد وهو عاشر ذي القعدة سنة خمسين وثمانمائة، وله من العمر إحدى وثمانون سنة.
٣٨٦ - عمر بن عثمان بن الحسين بن شعيب أبو حفص الجنزيّ (٢).
الأديب. أحد الأعلام في الأدب والشعر، قال في «الوشاح»: هو إمام في النّحو والأدب، لا يشقّ غباره، ومع ذلك فقد تحلى بالورع ونزاهة النّفس.
وقال السّمعانيّ: أحد أئمة الأدب، لازم أبا المظفر الأبيورديّ (٣) مدة،
стр. 449
وذاكر الفضلاء، وبرع في العلم حتى صار علامة زمانه وأوحد عصره، وكان حسن السيرة.
صنف التصانيف وشاعت في الآفاق، وشرع في إملاء تفسير لو تم لم يوجد مثله. سمع «سنن النّسائيّ» من عبد الرحمن الدّونيّ.
قال الذهبيّ: روى عنه السّمعانيّ، وابنه عبد الرحيم. مات رابع عشر ربيع الآخر سنة خمسين وخمسمائة، وقد جاوز السبعين.
٣٨٧ - عمر بن عبد الرحمن بن عمر سراج الدين الفارسيّ الكنانيّ (١).
صاحب «الكشف على الكشاف» كان من صباه مشمرا ساق الجد في التحصيل، لا يفتر ساعة، وكان له حظ وافر من العلوم، سيما العربية.
قرأ على قوام الدين الشيرازي، وهو قرأ على القطب العالي. توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة عن سبع- أو ثمان- وثلاثين سنة.
٣٨٨ - عمر بن علي بن سليمان بن يعقوب بن عبد الحموي له تفسير في نحو الثلاثين مجلدا كان في ................ ... (٢)
٣٨٩ - عمر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن لقمان النسفيّ ثم السمرقنديّ الحنفيّ الإمام الزاهد نجم الدين أبو حفص (٣).
стр. 450
ولد بنسف في شهور سنة إحدى- أو اثنتين- وستين وأربعمائة.
وسمع أبا محمد إسماعيل بن محمد النّوحيّ النسفيّ، وأبا اليسر محمد بن الحسين البزدويّ، وأبا علي الحسن بن عبد الملك النسفيّ.
وروى عنه عمر بن محمد بن العقيليّ.
حكي أنه أراد أن يزور الزمخشريّ في مكة، فلما وصل إلى داره دق الباب ليفتحوه ويأذنوا له بالدخول، فقال الزمخشري: من ذا الذي يدق الباب؟ فقال: عمر. فقال جار الله: انصرف، فقال نجم الدين: يا سيدي، [عمر] (١) لا ينصرف، فقال جار الله: إذا نكر ينصرف.
قال السمعانيّ: فقيه فاضل، عارف بالمذهب والأدب، صنف التصانيف في الفقه، والحديث، و «نظم الجامع الصغير».
وأما مجموعاته في الحديث فطالعت منها الكثير وتصفحتها، فرأيت فيها من الخطأ وتغيير الأسماء وإسقاط بعضها شيئا كثيرا، وأراها غير محصورة، ولكن كان مرزوقا في الجمع والتصنيف.
كتب إليّ بالإجازة بجميع مسموعاته ومجموعاته، ولم أدركه بسمرقند حيّا، وحدثني عنه جماعة (٢) (قال: وإنما ذكرته في هذا المجموع لكثرة تصانيفه، وشيوع ذكره، وإن لم يكن إسناده عاليا، وكان ممن أحب الحديث وطلبه، ولم يرزق فهمه، وكان له شعر حسن مطبوع على طريقة الفقهاء والحكماء).
стр. 451
قال: وكان إماما فاضلا مبرّزا متفنّنا. صنف في كل نوع من العلم، في التفسير والحديث، والشروط، وبلغت تصانيفه المائة، ونظم «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن، وهو صاحب «القند في علماء سمرقند»، انتهى.
وهو أحد مشايخ صاحب «الهداية» قال: وسمعته يقول: أنا أروي الحديث عن مائة وخمسين شيخا.
قال الكتبي في «تاريخه»: ولعله صنف مائة مصنف، قدم بغداد، وحدث بكتاب «تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار» من جمعه، وروى فيه عن عامة مشايخه. توفي ليلة الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بسمرقند.
٣٩٠ - [عمر (١) بن محمد بن بجير الهمذاني السمرقندي.
الحافظ الإمام الكبير أبو حفص، محدث ماوراء النهر، وصاحب «الصحيح» و «التفسير» وغير ذلك.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان والده صاحب حديث ورحلة، يروي عن عارم وطبقته، فحرص على ولده أبي حفص وسفره إلى الأقاليم مرات.
سمع عيسى بن حماد زغبة، وبشر بن معاذ العقدي، وعمر بن علي الفلاس، وأحمد بن عبدة الضبي، ومحمد بن معاوية خال الدارميّ، وخلائق.
стр. 452
حدث عنه محمد بن صابر، ومحمد بن بكر الدهقان، ومحمد بن أحمد بن عمران الشاشي، ومحمد بن المؤدب]. ومعمر بن جبريل الكرميني، وأعين بن جعفر السمرقندي، وعيسى بن موسى الكسائي، وآخرون.
وقد دخل مصر، فصادف جنازة أحمد بن صالح المصري وشهدها.
قال أبو سعد الإدريسيّ: كان فاضلا خيّرا [ثبتا] (١) في الحديث، له العناية التامة في طلب الآثار والرحلة، وقد تفرد بحديث حسن، فقال:
حدثنا العباس بن الوليد الخلال حدثنا مروان بن محمد حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا (إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي ركعتان قبل صلاة الفجر). توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
٣٩١ - عمر بن محمد بن عبد الله بن [محمد بن] (٢) عبد الله بن نصر (٣).
بفتح النون والصاد المهملة.
أبو شجاع البسطاميّ ثم البلخيّ.
إمام مسجد راعوم: محدّث، رفيق الحافظ الكبير أبي سعد السمعانيّ وصديقه.
ولد سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وسمع ببلخ أباه، وأبا القاسم أحمد بن محمد الخليل، وإبراهيم بن الأصبهانيّ، وأبا جعفر محمد بن الحسين السّمنجانيّ، وعليه تفقه،
وأبا حامد بن محمد الشّجاعيّ، وأبا نصر محمد بن محمد الماهانيّ، وجماعة.
стр. 453
روى عنه أبو سعد السعانيّ، وابنه عبد الرحيم، وابن الجوزيّ، والافتخار عبد المطلب الهاشميّ، والشيخ تاج الدين الكنديّ، وأبو أحمد بن سكينة، وأبو الفتح المندائيّ، وأبو روح عبد المعز الهرويّ، وآخرون.
ذكره صاحبه ابن السمعانيّ، فقال: مجموع حسن وجملة مليحة، مفت مناظر، محدّث مفسّر، واعظ أديب، شاعر حاسب.
قال: وكان مع هذه الفضائل حسن السّيرة جميل الأمر، مليح الأخلاق، مأمون الصحبة، نظيف الظاهر والباطن، لطيف العشرة، فصيح العبارة، مليح الإشارة في وعظه، كثير النّكت والفوائد، وكان على كبر السّنّ حريصا على طلب الحديث والعلم، مقتبسا من كلّ أحد.
ثم قال: كتبت عنه الكثير بمرو، وهراة، وبخارى وسمرقند، وكتب عني الكثير وحصّل نسخة بهذا الكتاب، يعني «ذيل تاريخ بغداد».
وقال في موضوع آخر: لا نعرف للفضائل أجمع منه مع الورع التام.
وقال في «الذّيل»: كتب إليّ من بلخ أبياتا، وهي:
يا آل سمعان ما أسنى (١)
فضائلكم ... قد صرن في صحف الأيّام عنوانا
معاهدا ألفتها النازلون بها ... فما وهت بمرور الدّهر أركانا
حتى أتاها أبو سعد فشيّدها ... وزادها بعلو الشّأن تبيانا
كانوا ملاذ بني الآل فانقرضوا ... مخلّفين به مثل الذي كانا
كانوا عياضا فأهدوا من خلائقه ... إلى طبائعنا روحا وريحانا
لولا مكان أبي سعد لما وجدوا ... على مفاخرهم للناس برهانا
في أبيات أخر، يمدح بها «الذيل» ذكرها أبو سعد.
стр. 454
وحكي أن كلّا من أبي شجاع وأبي سعد [كان] (١) يسأل الله أن لا يسمعه نعي صاحبه، فماتا في شهرين، أبو شجاع ببلخ، وأبو سعد بمرو، ولم يسمع أحدهما نعى الآخر. توفي أبو شجاع ببلخ في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
أورده ابن السبكي في «الكبرى».
٣٩٢ - عمر بن محمد أبو حفص الشيخ شهاب الدين السّهرورديّ (٢).
صاحب «عوارف المعارف» وكتاب «بغية البيان في تفسير القرآن» وكتاب «المناسك» وكتاب «رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية».
وكان فقيها شافعيا، شيخا صالحا ورعا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عصره مثله.
وكان شيخ الشيخونية ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير، وله نفس مبارك، وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه.
وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون من البلاد صورة فتاوى، يسألونه عن شيء من أحوالهم، حتى إن بعضهم كتب إليه: يا سيّدي، إن
стр. 455
تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيّما أولى؟
فكتب جوابه: اعمل واستغفر الله من العجب، وله من هذا شيء كثير.
وكان قد صحب عمّه الشيخ نجيب الدين عبد القاهر زمانا، وعليه تخرج.
ومولده بسهرورد في أواخر رجب أو أوائل شعبان، والشك منه في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ببغداد، رحمه الله تعالى.
٣٩٣ - عمر بن مسلّم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم القرشي (١).
الملحي الأصل، الشافعي، الشيخ الإمام العلامة المفتي المفيد، زين الدين أبو حفص القبيباتي.
الفقيه، المحدّث، المفسّر، الواعظ.
مولده سنة أربع وعشرون وسبعمائة.
ورد دمشق بعد الأربعين، فنودي بالقبيباتي، وقرأ القرآن، واشتغل بالعلم، وكان هناك يشهد ويقرأ وينتفع الناس به.
قرأ الفقه على شرف الدين خطيب جامع جراح، وكان الشيخ علاء الدين بن حجي نازلا هناك، فأخذ عنه أيضا.
وأخذ الأصول عن البهاء الإخميميّ، واشتغل بالحديث، وكان يعمل
стр. 456
مواعيد نافعة، تفيد الخاصة والعامة، وانتفع به خلق كثير من العوام، وصار لديهم فضيلة، وأفتى، وتصدى للإفتاء والإفادة، ثم درّس بالمسرورية سنة سبع وسبعين، ثم صدر بالناصرية.
ووقع بينه وبين قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة سنة سبع وثمانين، وحصلت له محنة، وأخذت منه الناصرية، ورسم عليه بسبب المعلوم، ومنع من الإفتاء وذهب إلى مصر فردّ من الطريق وسجن بالقلعة، ثم اصطلح مع ابن جماعة، وعوضه بالأتابكية، ثم أخذت منه، فلما ولي ولده قضاء دمشق سنة إحدى وتسعين، ترك له الخطابة، وتدريس الناصريّة، والأتابكية، ثم فوض إليه دار الحديث الأشرفية، فلما كان في آخر أيام منطاش أخذت منه، واعتقل بالقلعة، فلما زالت دولة منطاش اعتقل مع ولده، وجرت لهما محن، وطلبت منهما أموال، فرهن الشيخ كتبا من كتبه على المبلغ المطلوب منهما، ومات في السجن.
قال ابن حجّي: برع في علم التفسير، وأما علم الحديث فكان حافظا عارفا بالرجال، سمع الكثير من شيوخنا، وله مشاركة في العربية.
قال ابن حبيب: كان عالما كبير القدر بين العلماء، والوجاهة بين الناس، مشهورا بالفضل، وعمل المواعيد، وإلقاء الدروس، وله معرفة تامة في علم التفسير، والحديث النبوي، والمواعظ، واللطائف.
أخذ العلم عن الأئمة الأكابر من أهل عصره، وسمع الحديث، ورواه، واستفاده وأفاد.
ورحل إلى البلاد، واستوطن دمشق وسكنها، وكان له تردد إلى الديار المصرية، وولي الوظائف الدينية وغيرها بدمشق، وما زال يجتهد في الاستكثار من دنياه الدنية، إلى أن انقضت مدته وأدركته المنية، انتهى.
стр. 457
وكان القاضي تاج الدين هو الذي أدخله بين الفقهاء، فقام عليه في محنته، وكان مشهورا بقوة الحفظ، إذا حفظ شيئا لا ينساه، كثير الإنكار على أرباب الشبه، شجاعا مقداما، كثير المساعدة لطلبة العلم، يقول الحق على من كان من غير مداراة ولا محاباة، ملك من نفائس الكتب شيئا كثيرا.
توفي يوم الجمعة ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة بقلعة دمشق، بسبب ولده ودخولهم في الدولة، ودفن بالقبيبات.
ذكره ابن المعتمد في «الذيل» على «طبقات» ابن السبكي.
стр. 458
ذكر من اسمه عمرو
٣٩٤ - عمرو بن بحر الجاحظ (١).
صاحب التصانيف التي منها كتاب «نظم القرآن» وكتاب «المسائل في القرآن».
روى عنه أبو بكر بن أبي داود فيما قيل، قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون، قال الذهبي: وكان من أئمة البدع، انتهى.
قال الجاحظ في كتاب البيان: «لما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبر به، وصرت إليه- وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها- قال لي: كان بعض من يرتضى عقله، ويصدّق خبره، خبّرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة، وكثرة الفائدة، فقلنا قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلى على العيان، وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه، ولا يفتقر إلى المحتجين [عنه]، وقد جمع استقصاء المعاني واستيفاء جميع الحقوق مع اللفظ [الجزل] (٢) والمخرج السهل، فهو سوقي ملوكيّ وعامي خاصي (٣).
стр. 459
وهذه والله صفة كتب الجاحظ كلها، فسبحان من أضله على علم.
قال المسعودي: «توفي سنة خمس وخمسين [ومائتين] (١) وقيل: سنة ست وخمسين، مات الجاحظ بالبصرة ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه، وحكى يموت بن المزرّع عن الجاحظ- وكان خاله- أنه دخل عليه أناس وهو عليل فسألوه عن حاله، فقال:
عليل من مكانين ... من الإفلاس، والدّين
ثم قال: أنا في علل متناقضة يتخوف من بعضها التلف، وأعظمها عليّ نيف وتسعون، يعني عمره» (٢).
وقال أبو العيناء قال الجاحظ: كان الأصمعي مانويا (٣) [فقال له العباس بن رستم: لا والله (٤)] ولكن نذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده وهي مخصوفة بحديد ويقول: نعم قناع القدريّ، نعم قناع القدري، فعلمت أنه يعنيك فقمت وتركته.
وروى الجاحظ عن حجاج الأعور، وأبي يوسف القاضي، وخلق كثير، وروايته عنهم في أثناء «كتابه في الحيوان» وحكى ابن خزيمة: أنه دخل عليه هو وإبراهيم بن محمود، وذكر قصة.
وحكى الخطيب بسند له: أنه كان لا يصلي. وقال الصولي: مات سنة خمسين ومائتين.
стр. 460
وقال إسماعيل بن محمد الصفار: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي فإنه أباه، وقال: هذا كذب، سمعت الحاكم عن عبد العزيز بن عبد الملك الأعور، قلت: ما علمت ما أراد بحديث فدك.
وقال الخطابي: هو مغموص في دينه.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني: أنه كان يرمى بالزندقة، وأنشد في ذلك أشعارا، وقد وقعت لي رواية ابن أبي داود عنه ذكرتها في غير هذا الموضع، وهي في الطيوريات.
قال ابي قتيبة في اختلاف الحديث: ثم نصير إلى الجاحظ، وهو أحسنهم للحجة استنارة، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويكمل الشيء وينقصه، فنجده مرة يحتج للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على أهل السنة، ومرة يفضل عليا، ومرة يؤخره، ويقول: قال رسول الله ﷺ كذا.
قال الجماز: ويذكر من الفواحش ما يجل رسول الله ﷺ عن أن يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه، فكيف في ورقة أو بعد سطر أو سطرين! ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فاذا صار للرد عليهم تجوّز للحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة، ويستهزئ بالحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم، وذكر الحجر الأسود، وأنه كان أبيض فسوّده المشركون، قال: وقد كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا، وأشياء من أحاديث أهل الكتاب.
وهو مع هذا أكذب الأمة، وأوضعهم لحديث، وأنصرهم لباطل.
وقال النديم: قال المبرد: ما رأت أحرص على العلم من ثلاثة، الجاحظ، واسماعيل القاضي، والفتح بن خاقان.