وسمع الحديث، واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ثم على مذهب أحمد بن حنبل.
وقرأ الأصول والمنطق على التاج التبريزي، وشارك في علم التفسير والبيان والموسيقى وكتب الخط الحسن، وحدث، وخرج له الشهاب أحمد بن أيبك الدمياطي أربعين حديثا حدث بها قبل موته، وأجيز بالإفتاء.
واختص بصحبة الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، فأخذ عنه معرفة الناس وأيامهم وطبقاتهم وأسماء الرجال.
وكان آية في معرفة فقه السلف ونقل مذاهبهم وأقوال الصحابة والتابعين، وهذا هو علمه، مع مشاركة جيدة في العربية وغيرها.
وكان له نظم جيد، وكان جهوريّ الصوت، له تقدّم في نقد الشعر وذوق معانيه اللطيفة، ويستحضر من مجون ابن الحجاج جملة، ومال في آخر أمره إلى مذهب أهل الظاهر، لملازمته النظر في كتب أبي محمد بن حزم.
وكان يؤثر مجالسة أهل العلم على مجالسة الأمراء، وكان لا يزال متيما هائما، يتعشق بعض الصّور، يذوب صبابة ووجدا، ويستحضر في هذه الحالة ما يناسبها من شعر الشريف الرّضي، ومهيار، ومتيّمي العرب كثيرا، ويراسل به ويعاتب.
وكان له إفضال كثير وصدقات ومعروف. قرئ عليه مرّة حساب شونته، فإذا فيه إنعام على أرباب الملهى بنحو ثلاثمائة إردب، فقال لأستاداره: ما هو قبيح من الله. تعطي
في رضا الشيطان هذا القدر! ثم أمره أن يخرج من الشونة ستمائة إردب يفرقها في الفقراء والأرامل، ففرقت من يومه.
وكان له جمال الموكب وجها وصباحة وقدا وشكلا، محبّبا، تامّ الخلق، حسن الخلق، لم يكن في زمانه أحسن وجها منه.
стр. 562
ومن شعره:
لما رأيت سلوى عزّ مطلبه ... عنكم وعقد اصطباري صار محلولا
دخلت بالرغم مني تحت طاعتكم ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا
ومنه:
ومن حيثما غيّبت عنّي ظاهرا ... وسرت على رغمي وفارقتني قسرا (١)
أقمت ولكني وعيشك آيس ... من الروح بعد الخلّ أن تسكن الصدرا
فكم عبرة للعين أجريتها دما ... وكم حرق في الصّدر أذكيتها جمرا
لعل الذي أضحى له الأمر كلّه ... على طول ما ألقاه يحدث لي أمرا
ومنه (٢):
بك استجار الحنبلي ... محمد بن جنكلي
فاغفر له ذنوبه ... فأنت ذو التفضل
ذكره المقريزي في «المقفى».
٤٧٠ - محمد بن حاتم بن ميمون السمين الحافظ الإمام أو عبد الله المروزي (٣).
سمع عبد الله بن إدريس، وسفيان بن عيينة، ووكيعا، والقطان، وأمثالهم.
وعنه مسلم، وأبو داود، والحسن بن سفيان، وأحمد بن الحسن الصوفي، وآخرون.
стр. 563
وثقه ابن عدي، والدارقطني.
قال محمد بن سعد: جمع كتابا في «تفسير القرآن» كتبه عنه الناس ببغداد وكان ينزل قطيعة الربيع.
وقال أبو حفص الفلاس: ليس بشيء.
قال الذهبي: وهذا جرح مردود. مات في آخر سنة خمس وثلاثين، ومائتين؛ ﵀.
٤٧١ - محمد بن الحسن بن إبراهيم الأسترآباذيّ، وقيل: الجرجاني، المعروف بالختن، الفقيه الشافعي (١).
كان فقيها فاضلا ورعا مشهورا في عصره، وله وجوه حسنة في المذهب، وكان مقدّما في الأدب ومعاني القرآن والقراءات، ومن العلماء المبرّزين في النظر والجدل، وكان كثير السماع والرحلة، وشرح كتاب «التلخيص» لأبي العباس بن القاص.
وتوفي بجرجان يوم عيد الأضحى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة.
والختن بفتح الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوق، وبعدها نون. وإنما قيل له ذلك لأنه كان ختن الفقيه أبي بكر الإسماعيلي.
стр. 564
قاله ابن خلكان:
٤٧٢ - محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد القمّيّ (١).
الشيعي ................ ........ (٢).
له «تفسير القرآن» «الجامع» في الفقه، على مذهبهم ... (٣).
٤٧٣ - محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حماميّ (٤) بن واسع بن وهب بن سلمة بن حاضر بن جشم بن ظالم بن حاضر بن أسد بن عدي بن مالك بن فهم (٥) بن غنم بن دوس بن عدثان ابن عبد الله بن زهير- ويقال زهران- بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الإمام أبو بكر الأزديّ اللغويّ الشافعيّ (٦).
стр. 565
مولده بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وقرأ على علمائها، ثم صار إلى عمان (١) فأقام بها إلى أن مات.
روى عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، وأبي حاتم السّجستانيّ، وأبي الفضل الرّياشيّ. وكان رأس أهل هذا العلم.
روى عنه خلق؛ منهم أبو سعيد السّيرافي، والمرزبانيّ، وأبو الفرج الأصبهاني.
وله شعر كثير، وروى من أخبار العرب وأشعارها ما لم يروه كثير من أهل العلم.
وقال أبو الطّيب اللغوي في «مراتب النحويين» عند ذكره ابن دريد:
هو الذي انتهت إليه لغة البصريين، وكان أحفظ الناس، وأوسعهم علما، وأقدرهم على الشعر، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر، وابن دريد، وتصدر ابن دريد في العلم ستين سنة (٢).
وكان يقال: ابن دريد أشعر العلماء.
قال الخطيب البغدادي: كان واسع الحفظ جدّا، تقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها، فيسابق إلى إتمامها ويحفظها.
وسئل عنه الدارقطني فقال: تكلموا فيه.
стр. 566
وقال ابن شاهين: كنا ندخل على ابن دريد فنستحي لما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفّى موضوع.
قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: قد تاب بعد ذلك، كما سيأتي.
وقال الخطيب: جاء إليه سائل فلم يكن عنده غير دنّ نبيذ، فأعطاه له، فأنكر عليه غلامه، فقال: لم يكن عندنا غيره، وتلا قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (١) فما تم اليوم حتى أهدي له عشرة دنان، فقال: تصدقنا بواحد، وأخذنا عشرة.
وقال الأزهريّ: وممّن ألف الكتب في زماننا فرمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ أبو بكر بن دريد، وقد سألت عنه إبراهيم بن عرفة، فلم يعبأ به، ولم يوثقه في روايته. وألفيته على كبر سنه سكران لا يكاد يفتر عن ذلك.
وقال غيره: أملى ابن دريد «الجمهرة» في فارس، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه، فلذلك تختلف النسخ، والنسخة المعوّل عليها هي الأخيرة، وآخر ما صح نسخة عبيد الله بن أحمد [فهي] حجة، لأنه كتبها من عدّة نسخ، وقرأها عليه.
وله من التصانيف «الجمهرة» في اللغة، «الأمالي»، «المجتني»، «اشتقاق أسماء القبائل»، «الملاحن»، «المقتبس»، «المقصور والمدود»، «الوشاح»، «الخيل» الكبير، «الخيل» الصغير، «الأنواء»، «غريب القرآن» لم يتم، «فعلت وأفعلت»، «أدب الكاتب»، «المطر»، «زوار (٢) العرب»، «السرج واللجام»، «تقويم اللسان» لم يبيض،
стр. 567
«المقصورة» مدح بها الأمير أبا العباس إسماعيل بن عبد الله بن ميكال رئيس نيسابور.
قال بعضهم: أملى ابن دريد الجمهرة من حفظه سنة سبع وتسعين ومائتين، فما استعان عليها بالنظر في شيء من الكتب، إلا في الهمزة واللفيف.
قال: وكفى عجبا أن يتمكن الرجل من علمه كل التمكن ثم لا يسلم مع ذلك من الألسن، حتى قيل فيه:
ابن دريد بقره ... وفيه عيّ وشره (١)
ويدعى من حمقه ... وضع كتاب الجمهرة
وهو كتاب العين إلا ... أنه قد غيّره
قال بعضهم: حضرنا مجلس ابن دريد، وكان يتضجّر ممن يخطئ في قراءته، فحضر غلام وضيء، فجعل يقرأ ويكثر الخطأ، وابن دريد صابر عليه، فتعجب أهل المجلس، فقال رجل منهم: لا تعجبوا، فإن في وجهه غفران ذنوبه، فسمعها ابن دريد، فلما أراد أن يقرأ، قال له: هات يا من ليس في وجهه غفران ذنوبه، فعجبوا من صحة سمعه، على كبر سنه.
وقال بعضهم فيه:
من يكن للظباء صاحب صيد ... فعليه بمجلس ابن دريد (٢)
إن فيه لأوجها قيّدتني ... عن طلاب العلا بأوثق قيد
стр. 568
مات يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، يوم مات عبد السلام الجبائي، فقيل: مات علم اللغة والكلام جميعا.
ورثاه جحظة بقوله:
فقدت بابن دريد كلّ منفعة ... لمّا غدا ثالث الأحجار والترب (١)
وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
ومن نظم ابن دريد في النرجس:
عيون ما يلم بها الرّقاد ... ولا يمحو محاسنها السّهاد (٢)
إذا ما الليل صافحها استهلّت ... وتضحك حين ينحسر السّواد
لها حدق من الذهب المصفّى ... صياغة من يدين له العباد
وأجفان من الدر استفادت ... ضياء مثله لا يستفاد
على قضب الزبرجد في ذراها ... لأعين من يلاحظها مراد
في «ربيع الأبرار» للزمخشري: جمع ابن دريد ثمانية أسماء في بيت واحد:
فنعم أخو الجليّ ومستنبط الندى ... وملجأ محزون ومفزع لاهث
قال ابن خالويه في شرح «المقصورة»: كان ببغداد الكرماني صاحب لغة، وكان يطعن على ابن دريد، وينقض عليه الجمهرة، فجاء غلام لابن دريد فجلس بحذائه في
الجامع، ونقض على الكرماني جميع ما نقضه على ابن دريد، فقال: اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو بكر بن دريد أعزه الله تعالى: عننت الفرس إذا حبسته بعنانه، فإن حبسته بمقوده فليس بمعنّ، قال الكرماني الجاهل: أخطأ ابن دريد، لأنه إن كان من عننت فيجب أن
стр. 569
يكون معنونا، وإن كان من أعننت فيجب أن يكون معنا، وأخطأ لكذا، وكذا، فوقف شاعر على الحلقة فقال اكتبوا:
أذللت كرمان وعرّضتها ... لجحفل مثل عديد الحصى
وابن دريد غرّة فيهم ... في بحره مثلك قد غوّصا
جثا على الركبة حتى إذا ... أحسن نزرا قعد القرفصا
والله إن عاد إلى مثلها ... لأصفعنّ هامته بالعصا
فلم يلتفت إلى الكرماني بعد ذلك.
قال ابن خالويه في «شرح المقصورة» حضرت ابن دريد، وقد ناول أبو الفوارس غلامه طاقة نرجس، فقال: يا بني ما أصنع بهذا اليوم! وأنشد:
صبا ما صبا حتى علا الشّيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد
أورده شيخنا في «طبقات النحاة».
٤٧٤ - محمد بن الحسن بن سليمان، أبو جعفر الزوزنيّ البحاث الشافعي (١).
أحد الفقهاء المبرّزين، قضاة المسلمين.
تولى القضاء بنواحي خراسان، وما وراء النهر.
كان من أساطين العلم، وكان من أقران الأودنيّ، وكان يكون بينهما من المنافرة في المناظرة ما يكون بين الأقران.
وذكر أن مصنفاته في التفسير، والحديث، والفقه، وأنواع العلوم، تزيد على المائة.
стр. 570
وقدم على الصاحب بن عباد، فارتضى تصرفه في العلم، وتفنّنه في أنواع الفضل، وعرض عليه القضاء على شرط انتحال مذهبه، يعني الاعتزال، فامتنع وقال: لا أبيع الدّين بالدنيا: فتمثل له الصاحب بقول القائل:
فلا تجعلني للقضاء فريسة ... فإن قضاة العالمين لصوص (١)
مجالسهم فينا مجالس شرطة ... وأيديهم دون الشّصوص شصوص
فأجاب البحاث بقوله بديهة:
سوى عصبة منهم تخصّ بعفة ... ولله في حكم العموم خصوص
خصوصهم زان البلاد وإنما ... يزين خواتيم الملوك فصوص
والقاضي أبو جعفر هذا هو جد القاضي أبي جعفر محمد بن إسحاق البحاثيّ، الأديب، شيخ الباخرزيّ، صاحب «دمية القصر» وكلاهما أديب.
وكان القاضي أبو جعفر الكبير، صاحب هذه الترجمة، مع علو مرتبته في العلم يحب منصب القضاء.
ومن شعره قصيدة قالها في الشيخ العميد أبي علي محمد بن عيسى، يخطب قضاء مدينة فرغانة ويصف الربيع:
اكتسب الأرض وهي عريانه ... من نشر نور الربيع ألوانه
واتّزرت بالنبات وانتشرت ... حين سقاها السحاب ألبانه
فالروض يختال في ملابسه ... مرتديا ورده وريحانه
تضاحكت بعد طول عبستها ... ضحك عجوز تعود بهتانه
كم سائل لحّ في مساءلتي ... عن حالتي قلت وهي وسنانه
قلب كسير فمن يجبّره ... قال نرى من يحبّ جيرانه
стр. 571
سوى الوزير الذي يلوذ به ... يخدم برد الغداة إيوانه
قلت متى قال قد أتى فدنا ... مفتتح العام كان إبانه
فقلت ماذا الذي تؤمله ... فقال أبشر قضاء فرغانه
ومن شعره، قال الباخرزيّ: وهو أبلغ ما سمعت في فنّه:
إن الخزائن للملوك ذخائر ... ولك المودّة في القلوب ذخائر
أنت الزمان فإن رضيت فخصبه ... وإذا غضبت فجدبه المتعاسر
فإذا رضيت فكل شيء نافع ... وإذا غضبت فكل شيء ضائر
وشعره كثير، وكذلك شعر حفيده أبي جعفر.
قال الحاكم: توفي ببخارى سنة سبعين وثلاثمائة.
٤٧٥ - محمد بن الحسن بن عبد الله السيد الشريف شمس الدين أبو عبد الله الحسيني الواسطي الشافعي (١).
نزيل الشامية الجوانية.
مولده سنة سبع عشرة وسبعمائة.
اشتغل وفضل ودرس بالصارمية، وأعاد بالشامية البرانية، وكتب الكثير نسخا وتصنيفا بخطه الحسن.
فمن تصنيفه مختصر «الحلية» لأبي نعيم، في مجلدات، سماه «مجمع الأحباب»، و «تفسير» كبير، وشرح «مختصر ابن الحاجب» في ثلاثة مجلدات، ينقل فيه كلام الأصفهاني صفحة فأكثر، وينقل من شرح القاضي تاج الدين فوائد، ويصرح بنقلها عنه، و «كتاب في أصول الدين» مجلد، و «كتاب في الرد على الإسنوي في تناقضه».
стр. 572
قال الحافظ شهاب الدين بن حجي: سمعته يعرض بعضه [على] (١) القاضي بهاء الدين أبي البقاء قبل سيره إلى مصر ويقرأ عليه فيه. قال:
وكان منجمعا عن الناس وعن الفقهاء خصوصا. توفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة، ودفن عند مسجد القدم.
ذكره ابن قاضي شهبة.
٤٧٦ - محمد بن الحسن بن علي أبو جعفر الطّوسي (٢).
فقيه الشيعة، مصنفهم.
كان ينتمي إلى مذهب الشافعي.
له مصنفات كثيرة في الكلام على مذهب الإمامية، وجمع «تفسير القرآن» وأملى أحاديث وحكايات تشتمل على مجلدين.
قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعي.
وقرأ الأصول والكلام على أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، فقيه الإماميّة.
وحدث عن هلال الحفار.
روى عنه ابنه أبو [علي (٣)] الحسن.
стр. 573
وقد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع القصر، واستتر هو خوفا على نفسه بسبب ما يظهر عنه من انتقاص السلف.
مات بمشهد علي من الكوفة في المحرم، ذكره النجّار في «الذيل»، وأرخه بعضهم سنة إحدى وستين وأربعمائة.
٤٧٧ - محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن داود بن عبد الله بن مقسم (١).
ومقسم هذا هو صاحب ابن عباس ﵁، أبو بكر العطار المقرئ النحوي.
قال ياقوت: ولد سنة خمس وستين ومائتين، وسمع أبا مسلم الكجّي، وثعلبا، ويحيى بن محمد بن صاعد.
وروى عنه ابن شاذان، وابن رزقويه.
وكان ثقة، من أعرف الناس بالقراءات، وأحفظهم لنحو الكوفيين، ولم يكن فيه عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع، واستخرج لها وجوها من اللغة، والمعنى، كقوله:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (٢)، قال: نجبا، بالباء، وشاع أمره، فأحضر إلى السلطان واستتابه، فأذعن بالتوبة، وكتب محضرا بتوبته. وقيل:
إنه لم ينزع عنها، كان يقرأ بها إلى أن مات.
стр. 574
وروى الخطيب عن بعضهم قال: رأيت في النوم أني أصلي مع الناس وابن مقسم يصلي مستدبرا القبلة، فأولته بمخالفته الأئمة فيما اختاره من القراءات (١).
وله من التصانيف «الأنوار في تفسير القرآن»، «المدخل إلى علم الشعر»، «الاحتجاج في القراءات»، «كتاب في النحو» كبير، «المقصور والممدود»، «المذكر والمؤنث»، «الوقف والابتداء»، «المصاحف»، و «عدد التمام»، «أخبار نفسه»، «مجالسات ثعلب»، «مفرداته»، «الموضح»، «الرد على المعتزلة»، «الانتصار لقراء الأمصار»، «اللطائف في جمع هجاء المصاحف»، وغير ذلك.
قال الداني: عالم بالعربية، حافظ للغة، حسن التصنيف، مشهور بالضبط والإتقان، إلا أنه سلك مسلك ابن شنبوذ، فاختار حروفا خالف فيها أئمة العامة، وكان يذهب إلى أن كل قراءة توافق خط المصحف فالقراءة بها جائزة، وإن لم تكن لها مادة.
مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٤٧٨ - محمد بن الحسن الأستاذ أبو بكر بن فورك- بضم الفاء وفتح الراء- الأصفهاني (٢).
стр. 575
قال ابن خلكان: هو المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ.
أقام بالعراق يدرس ثم توجه إلى الري، فسعت به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجه إليهم ففعل، وورد نيسابور فبنى له بها مدرسة ودارا، فأحيا الله تعالى به أنواعا من العلوم، وظهرت بركته على المتفقهة.
وبلغت مصنفاته في الأصلين، ومعاني القرآن، قريبا من مائة مصنف، ثم دعي إلى مدينة غزنة من الهند، وجرت له بها مناظرات عظيمة، فلما رجع إلى نيسابور، سمّ في الطريق، فمات سنة ست وأربعمائة، فنقل إلى نيسابور، فدفن بها.
٤٧٩ - محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن بندار بن طفيل أبو عبد الله المرادي.
يعرف بابن المؤذّن قال في «تاريخ غرناطة»: كان صاحب قدم في العربية، إماما في اللغة والأخبار، شاعرا مجيدا، حافظا للتفسير كاتبا وبقية من بقايا أهل الأدب، ذا نباهة وصدق، ومروءة وكرم وطيب نفس، وحسن عشرة، وسرعة إدراك، مع الدين المتين، والتواضع والوقار.
ولم يزل طول عمره على المطالعة والدرس والقراءة، لم يشغله عنها شيء على كبر سنه، لازم خاله أبا عبد الله بن سودة وتأدب عليه.
وقرأ بغرناطة على الأستاذ أبي محمد القرطبي، وأبي علي الرّنديّ، وغيرهما.
مات ليلة الأحد ثاني ذي الحجة سنة تسع وستين وستمائة عن نيّف وسبعين سنة.
стр. 576
ومن شعره:
عجبت لدوحة التفّاح أبدت ... جناها فوق أغصان نجوما ١١١
تخال جنانها والريح تسعى ... شياطينا فترسلها رجوما
أورده شيخنا في «طبقات اللغويين والنحاة».
٤٨٠ - محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي النّيليّ النحويّ (١).
أبو جعفر ابن أخي معاذ الهرّاء، سمي الرؤاسي لأنه كان كبير الرأس، وهو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو، وهو أستاذ الكسائي، والفراء، وكان رجلا صالحا.
وقال: بعث الخليل إليّ يطلب كتابي، فبعثت به إليه، فقرأه، فكل ما في كتاب سيبويه: «وقال الكوفي» فإنما عنى الرؤاسي هذا، وكتابه يقال له «الفيصل».
وقال المبرد: ما عرف الرؤاسي بالبصرة. وقد زعم بعض الناس أنه صنّف كتابا في النحو، فدخل البصرة ليعرضه على أصحابنا، فلم يلتفت إليه، ولم يجسر على إظهاره لما سمع كلامهم.
وقال ابن درستويه: زعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي ذكره الأخفش في آخر المسائل ويردّ عليه، هو الرّؤاسي.
وله من الكتب «معاني القرآن»، «الفيصل»، «التصغير»، «الوقف والابتداء» الكبير، «الوقف والابتداء» الصغير.
стр. 577
وذكره أبو عمرو الداني في «طبقات القراء»، وقال: روى الحروف عن أبي عمرو، وهو معدود في المقلين عنه، وسمع الأعمش؛ وهو من جلة الكوفيين.
وله اختيار في القراءة يروى.
سمع الحروف منه خلاد بن خالد المنقريّ، وعلي بن محمد الكنديّ.
وروى عنه الكسائي، والفراء.
وقال الزبيدي: كان أستاذ أهل الكوفة في النحو، أخذ عن عيسى بن عمر، وله «كتاب في الإفراد والجمع».
قال الصفدي: وله شعر مقبول، فمنه:
ألا يا نفس هل لك في صيام ... عن الدنيا لعلك تهتدينا
يكون الفطر وقت الموت منها ... لعلك عنده تستبشرينا
أجيبيني هديت وأسعفيني ... لعلك في الجنان تخلّدينا
أورده شيخنا في «طبقات النحاة».
٤٨١ - محمد بن الحسن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن [سند (١)] المقرئ المفسر الحافظ (٢).
стр. 578
كان إمام أهل العراق في القراءات والتفسير.
قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، وابن أبي مهران، وجماعة.
وقرأ عليه خلائق، منهم أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران، وأبو الحسن الحمامي، وجماعة.
وروى الحديث عن أبي مسلم الكجي، ومطين، والحسن بن سفيان، وآخرين.
وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وأبو أحمد الفرضيّ، وأبو علي بن شاذان، وجماعة.
ورحل وطوف من مصر إلى ما وراء النهر في لقي المشايخ.
وصنف التفسير، وسماه «شفاء الصدور» في نحو اثني عشر ألف ورقة، وله «الإشارة في غريب القرآن»، و «الموضح في معاني القرآن» و «دلائل النبوة»، و «القراءات» بعللها، وكتاب «العقل»، وكتاب «ضد العقل»، وكتاب «المناسك»، وكتاب «فهم المناسك»، وكتاب «أخبار القصاص»، وكتاب «ذم الحسد»، وكتاب «الأبواب في القرآن»، وكتاب «إرم ذات العماد»، وكتاب «المعجم» الأوسط، وكتاب «المعجم الأصغر»، وكتاب «المعجم الكبير في أسماء القراء وقراءاتهم»، وكتاب «السبعة بعللها» الكبير، وكتاب «السبعة الأوسط»، وكتاب «السبعة الأصغر»، وأشياء أخر.
ضعفه جماعة، قال البرقاني: كل حديث النقاش منكر.
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان يكذب في الحديث.
وقال الخطيب: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة.
стр. 579
وقال الذهبي: متروك. ليس بثقة على جلالته ونبله.
وقال هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش إشفاء الصدور ليس بشفاء الصدور.
قال الدارقطني في كتاب «التصحيف»: إن النقاش قال مرة: كسرى أبو شروان، جعلها كنية.
قال الحسن بن الفضل القطان: حضرت النقاش وهو يجود بنفسه، فجعل يحرك شفتيه، ثم ينادي بعلو صوته لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (١) يرددها ثلاثا، ثم خرجت نفسه. مولده سنة ست وستين ومائتين، ومات في بغداد يوم الثلاثاء ثالث شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
стр. 580
ذكره من اسم والده الحسين
٤٨٢ - محمد بن الحسين بن رزين بن موسى بن عيسى بن نصر الله بن هبة الله تقي الدين أبو عبد الله بن أبي علي بن أبي البركات العامري الحنفي (١) الشافعي.
قاضي القضاة، ولد بحماة في يوم الثلاثاء سادس شعبان سنة ثلاث وستمائة.
وتفقه على الشيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبي عمر، وعثمان بن علي بن عبد الرحمن بن الصلاح، وبه تخرّج وتميّز في حياته وسمع عليه الحديث، وعلي أبي الحسن علي محمد بن عبد الصمد السخاوي، وقرأ عليه القراءات، وسمع أيضا على أبي القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة، وكريمة بنت عبد الوهّاب القرشية، وجماعة.
وحدث عنه الحافظ شرف الدين الدمياطي، وبدر الدين محمد بن جماعة في عدة من أهل مصر، وحفظ في صباه «التنبيه»، و «الوسيط»، و «المفصل».
ورحل من حماة إلى حلب، فقرأ على الموفق، ورجع فتصدر للإقراء والتدريس، وعمره ثماني عشرة سنة.
стр. 581
وحفظ «المستصفى»، وكتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول، وبرع في علم التفسير، وشارك في الخلاف والمنطق والحديث والبيان، وصار من الفقهاء المقصودين للإفتاء.
وتخرّج عليه جماعة، منهم البدر محمد بن جماعة.
وقدم إلى دمشق فولي بها وكالة بيت المال في أيام الناصر صلاح الدين الأيوبي صاحب حلب ودمشق، وتدريس الشاميّة البرانية وغيرها.
ثم رحل إلى القاهرة في جفل التتار، سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأقام بها، وولي تدريس المدرسة الظاهرية عند فراغها في صفر سنة اثنتين وستين وستمائة، وفوض إليه قضاء القاهرة والوجه البحري، بعد وفاة قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز في شعبان سنة خمس وستين.
واستقر محيي الدين عبد الله بن عين الدولة في قضاء مصر والوجه القبلي، ثم صرف ابن عين الدولة عن قضاء مصر، وأضيف إلى ابن رزين في ثامن شهر ذي القعدة سنة ست وسبعين، فكمل له قضاء القضاة بديار مصر كلها، إلى أن عزل بصدر الدين عمر بن عبد الوهاب بن بنت الأعز في نصف جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين.
ثم أعيد إلى قضاء القضاة بعد عزل صدر الدين عمر بن بنت الأعز، في يوم السبت سادس عشري شهر رمضان سنة تسع وسبعين، فاستمر إلى أن مات وهو قاض في ليلة الأحد ثالث شهر رجب سنة ثمانين وستمائة بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة.
وكان فقيها عارفا بالأحكام، مدرسا بالمدرسة جوار قبر الشافعي من القرافة، وبالمدرسة الصالحية، والظاهرية، وكان يسكنها، وامتنع من أخذ الجامكيّة على القضاء تورعا وتدينا، وكانت الفتاوى ترد إليه من الأقطار
стр. 582
فيجيد الكتابة عليها، مع اليد الطولى في علم التفسير، وحسن السيرة في القضاء، وكانت علامته الحمد لله الكافي وحده.
وكان يذهب إلى الوجه الذي حكاه صاحب «التتمة» أن الرّشد صلاح المال فقط، ويرفع الحجر عمن بلغ رشيدا في ماله، وإن بلغ سفيها في دينه.
قال ابن الرفعة: سمعته في مجلس حكمه بمصر يصرّح باختياره، ويحكم بموجبه، ويستدل بإجماع المسلمين على جواز معاملة من يلقاه الغريب من أهل البلاد، مع أن العلم محيط بأن الغالب على الناس عدم الرشد في الدين، والرشد في المال، ولو كان ذلك مانعا من نفوذ التصرفات لم تجر الأقلام عليه.
وكانت العادة إذا جمع للواحد [بين] (١) قضاء مصر والقاهرة أن يتوجه يوم الاثنين ويوم الخميس إلى مصر، فيجلس بجامع عمرو بن العاص، لفصل القضاء بين الناس، ويحضر عنده فقهاء مصر، فكان ابن الرفعة يحضر عند ابن رزين إذا حضر إلى مصر من القاهرة.
ومن اختياراته أن من عزم على معصية قد فعلها ولم يتب منها، فإنه يؤاخذ بهذا العزم؛ لأنه إصرار.
ومنها [لو] (٢) وقفت مدرسة لم يجر أن يشترك اثنان في تدريسها، بل لا يكون إلا مدرس واحد، وله شعر.
ذكره الشيخ تقي الدين المقريزي في «المقفى».
стр. 583
٤٨٣ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب المروزيّ أبو عبد الله البنجديهيّ الزّاغوليّ الشافعيّ الحافظ (١).
ولد سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وتفقه على أبي بكر السّمعانيّ، والد أبي سعد، وعلى الموفّق [بن] (٢) عبد الكريم الهرويّ.
وسمع محيي السنّة البغويّ، وعيسى بن شعيب السجزيّ، وأبي الفتح نصر ابن إبراهيم الحنفيّ.
وحدّث عنه أبو سعد السّمعانيّ، وولده أبو المظفر.
قال أبو سعد: وكان عارفا بالحديث وطرقه، صالحا، حسن السيرة، خشن العيش، عارفا باللغة والحديث.
وله «قيد الأوابد» أربعمائة مجلد يشتمل على التفسير، والحديث، والفقه، واللغة. ومات في ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
وبنج ديه: بباء موحدة ونون وجيم ثم دال ثم ياء مثناة من تحت ثم هاء.
وزاغول: بفتح الزاي وضم الغين المعجمة ولام، قرية من أعمال بنج ديه من أعمال مرو الروذ.
ذكره ابن قاضي شهبة، ثم شيخنا في «طبقات الحفاظ».
стр. 584
٤٨٤ - محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزديّ أبا أبو عبد الرحمن (١).
السّلميّ جدا، لأنه سبط أبي عمرو إسماعيل بن نجيد السّلميّ، النّيسابوريّ بلدا.
كان شيخ مشايخ الصّوفية، وعالمهم بخراسان.
له اليد الطّولى في العلم الغزير، والتصوف، والسير على سنن السّلف.
سمع من أبي العباس الأصمّ، وأحمد بن علي بن حسنويه المقري، وأحمد ابن محمد بن عبدوس، ومحمد بن أحمد بن سعيد الرازيّ، صاحب ابن وارة، وأبي ظهير عبد الله بن فارس العمريّ البلخيّ، ومحمد بن المؤمّل الماسرجسيّ، والحافظ أبي عليّ الحسين بن محمد النّيسابوريّ، وسعيد بن القاسم البرذعيّ، وأحمد بن محمد بن رميح النسويّ، وجده أبي عمر.
وروى [عنه] (٢) الحاكم أبو عبد الله، وأبو القاسم القشيريّ، وأبو بكر البيهقيّ، وأبو سعيد بن رامش، وأبو بكر محمد بن يحيى المزكيّ، وأبو صالح المؤذّن، وأبو بكر بن خلف، وعلي بن أحمد المديني المؤذّن، والقاسم بن الفضل الثّقفيّ وخلق سواهم.
واختلف في مولده، فالمشهور أنه في رمضان سنة ثلاثين.
стр. 585
ذكره عبد الغافر الفارسي في «السّياق» فقال: شيخ الطريقة في وقته، الموفق في جميع علوم الحقائق، ومعرفة طريق التّصوّف، وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة في علم القوم، وقد ورث التصوف عن أبيه وجدّه، وجمع من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه، حتى بلغ فهرست تصانيفه المائة وأكثر.
وحدّث أكثر من أربعين سنة إملاء وقراءة.
وكتب الحديث بنيسابور، ومرو، والعراق، والحجاز.
وانتخب عليه الحفّاظ الكبار. توفي في شعبان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
قال الخطيب الحافظ: قال لي محمد بن يوسف النّيسابوريّ القطّان: كان السلمي غير ثقة، وكان يضع للصوفية.
قال الخطيب: قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك مجودا صاحب حديث.
قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في «الطبقات الكبرى»: قول الخطيب هو الصحيح، وأبو عبد الرحمن ثقة، ولا عبرة بهذا الكلام فيه.
قال: وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: كان، يعني السّلميّ، وافر الجلالة، له أملاك ورثها عن أمّه، وورثتها هي من أبيها.
وتصانيفه يقال: إنها ألف جزء، وله كتاب سماه «حقائق التفسير» ليته لم يصنّفه، فإنه تخريف وقرمطة، فدونك الكتاب فسترى العجب.
انتهى.
قال ابن السبكي مخاطبا لشيخه الذهبيّ: لا ينبغي أن تصف بالجلالة من تدّعى فيه التحريف والقرمطة، وكتاب «حقائق التفسير» المشار إليه قد كثر الكلام فيه، من قبل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات، ومحامل للصوفية، ينبو عنها ظاهر اللفظ.
стр. 586
٤٨٥ - محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله الإمام فخر الدين أبو عبد الله الحرّانيّ (١).
الفقيه، الحنبليّ، الواعظ المفسر. شيخ حرّان وعالمها وخطيبها.
ولد بها في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، فسمع بها الحديث من أبي طالب المبارك بن خضير، وأبي الفتح بن البطّيّ، وأبي بكر بن النقور، وسعد الله بن نصر الدّجاجيّ، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وأبي الفضل بن شافع، وعلي بن عساكر البطائحيّ، وأبي الحسين اليوسفيّ، وأخيه أبي نصر، وأبي الفتح بن شاتيل، وشهدة، وغيرهم.
وسمع بحران من أبي النجيب السّهرورديّ، وأبي الفتح أحمد بن أبي الوفاء، وأبي الفضل حامد بن أبي الحجر، وبالثلاثة.
تفقه ببغداد على أبي الفتح نصر بن المنّي، وأبي العباس بن بكروس.
وأخذ التفسير عن ابن أبي الحجر، ولازم أبا الفرج بن الجوزي ببغداد، وسمع منه كثيرا من مصنفاته، وقرأ عليه كتابه «زاد المسير في التفسير» قراءة بحث وفهم.
وقرأ الأدب على أبي محمد بن الخشاب، وبرع في الفقه والتفسير، وغيرهما.
ورجع إلى بلده، وجدّ في الاشتغال، ثم أخذ في التدريس، والوعظ، والتصنيف، وشرع في إلقاء التفسير بكرة كل يوم بجامع حران في سنة ثمان وثمانين، وواظب على ذلك حتى فسر القرآن خمس مرات، انتهى آخرها إلى
стр. 587
سنة عشر وستمائة وكان مجموع ذلك في ثلاث وعشرين سنة، ذكر ذلك في أول «تفسيره» الذي صنفه.
وكان ﵀ رجلا صالحا، تذكر له كرامات وخوارق، وولي الخطابة والإمامة بجامع حران، والتدريس بالمدرسة النورية بها، وبنى هو مدرسة بحران أيضا.
قال ابن حمدان الفقيه: كان شيخ حران، ومدرسها، وخطيبها، ومفسّرها، وكان مغري بالوعظ والتفسير، مواظبا عليهما.
وقال المنذريّ: كان عارفا بالتفسير، وله خطب مشهورة، وشعر، و «مختصر في الفقه»، وكان مقدما في بلده، وولي الخطابة بها، ووعظ ودرس بها، وحدّث ببغداد، وحران، قال: ولنا منه إجازة.
وله تصانيف كثيرة، منها: «التفسير الكبير» في مجلدات كثيرة، وهو تفسير حسن جدا، ومنها ثلاث مصنفات في المذهب، على طريقة البسيط، والوسيط، والوجيز [للغزالي (١)] أكبرها «تخليص المطلب في تلخيص المذهب»، وأوسطها «ترغيب القاصد في تقريب المقاصد» وأصغرها «بلغة الساغب وبغية الراغب» وله شرح «الهداية» لأبي الخطاب، ولم يتمه، وله «ديوان الخطب الجمعية» وهو مشهور، ومصنفات في الوعظ، و «الموضح في الفرائض».
قال الذهبي: كان إماما في التفسير، إماما في الفقه، إماما في اللغة.
أخذ العلم عنه جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغني خطيب حران، وابن أخيه المجد عبد السلام.
стр. 588
وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، منهم: ابن نقطة، وابن النجار، والشهاب الأبرقوهي، والجمال يحيى بن الصيرفي، والرشيد عمر بن إسماعيل الفارقي، وسبط ابن الجوزي، وغيرهم.
وروى عنه ابن عبد الدائم، وعبد الرحمن بن محفوظ الرسعني، وغيرهما.
توفي ﵀ يوم الخميس حادي عشر صفر، سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحرّان.
٤٨٦ - محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام أبو بكر الآجري المحوّليّ (١).
والمحوّل قرية غربي بغداد، أخباري صاحب تصانيف.
روى عن الزبير، والرمادي.
وعنه أبو عمر بن حيويه، وجماعة. مات سنة تسع وثلاثمائة.
قال الدارقطني: أخباري لين، انتهى. وقال الخطيب: كان أخباريا مصنفا حسن التأليف.
له من الكتب كتاب «الحاوي في علوم القرآن» سبعة وعشرون جزءا، كتاب «الحماسة»، كتاب «أخبار عبد الله بن جعفر بن أبي طالب»، كتاب، «الشعراء»، كتاب «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، كتاب «تفضيل السودان على البيضان»، «ذم الثقلاء»، «أخبار العرجي»، «أخبار عبد الله بن قيس الرقيات»، كتاب
стр. 589
«الشراب»، «كتاب المتيّمين المعصومين المتباعدين»، كتاب «الروضة»، كتاب «الجلساء والندماء»، كتاب «الهدايا»، كتاب «من غدر وخان» انتهى.
٤٨٧ - محمد بن خلف بن موسى الأوسي (١).
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
كان متكلما متحققا برأي الأشعري، ذاكرا لكتب الأصول والاعتقادات، مشاركا في الأدب، مقدما في الطّب.
روى عن ابن فرج مولى ابن الطلاع؛ وأبي علي الغساني. وأخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي.
روى عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الوليد بن خيرة، وجماعة كثيرة.
وله «النكت والأمالي في الرد على الغزالي»، و «الإفصاح والبيان في الكلام على القرآن»، و «الوصول إلى معرفة الله تعالى ونبوة الرسول» ﷺ ، و «رسالة البيان في حقيقة الإيمان»، و «الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء» الواقعة في الجزء الأول من مقدماته و «شرح مشكلة ما وقع في الموطأ وصحيح البخاري» و «كتاب في مداواة العين» وهو كتاب جم الفائدة.
توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
ذكره ابن فرحون في «طبقات المالكيّة».
٤٨٨ - محمد بن دليف أبو عبد الله.
مولى ابن عبدوس، صاحب وثّقه.
стр. 590
كان من أهل العلم، والفصاحة، والحفظ لمعاني القرآن وتفسيره، عابدا مجتهدا، حج وانصرف، فلزم السياحة والتبتل نحو عشرين عاما، ثم نكح أخيرا وجلس للناس يعلمهم ويحدثهم.
مات سنة خمس وثلاثين ثلاثمائة.
ذكره عياض في «المدارك».
٤٨٩ - محمد بن دينار الأحول ............. (١).
له كتاب «غريب القرآن» .............. (٢).
٤٩٠ - محمد بن زيد الواسطي (٣).
أحد المتكلمين على مذهب المعتزلة.
أخذ عن أبي علي الجبائي.
وصنف «إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه» وكتاب «الإمامة» جود فيه، ومات بعد أبي علي بأربع سنين، ذكره ابن النجار في «تاريخه».
وقال مسلمة بن قاسم: كان حنفي الفقه بغداديا. وعنه أخذ ابن بنت حامد الاعتزال.
وقال النديم: كان عالي الصوت، كثير الأصحاب، وكان خفيف الروح، وهجا نفطويه، فكان يقول: من أراد أن يتناهى في الجهل، فليقرأ الكلام على طريقة الناشي، والفقه على طريقة داود، والنحو على طريقة نفطويه، قال: وكان نفطويه يتكلم على طريقة الناشي، ويتفقه بمذهب داود، فأراد الواسطي بما قال، أنه تناهى في الجهل.
стр. 591
٤٩١ - محمد بن السائب بن بشر الكلبيّ أبو النّضر الكوفي (١).
النسابة المفسر.
روى عن الشعبي، وجماعة.
وعنه ابنه، وأبو معاوية، ويزيد، ويعلى بن عبيد، وخلق، متهم بالكذب، ورمي بالرفض.
قال البخاري: تركه القطان. وابن مهدي. قال مطين: مات سنة ست وأربعين ومائة.
أخرج له أبو داود في المراسيل والترمذي وابن ماجة في التفسير.
وله «تفسير» مشهور، و «تفسير الآي الذي نزل في أقوام بأعيانهم» و «ناسخ القرآن ومنسوخه».
٤٩٢ - محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين العلامة جمال الدين أبو عبد الله بن أبي الربيع البلخي الأصل المقدسي الحنفي المعروف بابن النقيب (٢).
ولد بالقدس في نصف شعبان، سنة إحدى عشرة وستمائة.
كان أحد الأئمة العلماء الزهاد، عابدا متواضعا، عديم التكلف، صرف همته أكثر دهره إلى التفسير، و «تفسيره» مشهور في نحو مائة مجلد.
стр. 592
سمع الحديث من أبي الفضل يوسف بن المخيلي، وغيره.
وحدّث، وقال الشعر على طريق التصوف، وله قصيدة في هذا المعنى سمّاها «منهاج العارف المتقي ومعراج السالك المرتقي» طويلة جدا، تدخل في أربعين ورقة.
وكان بعينيه ضعف، وقدم القاهرة، ودرّس بالعاشورية ثم تركها، وأقام بسطح الجامع الأزهر.
وكان أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، لا يخاف من ذي سطوة، أنكر على الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وقال له: أنت ظالم، لا تخف الله، فاحتمله وهابه وطلب رضاه.
ذكره الحافظ قطب الدين في «تاريخه»، والإربلي في «معجم شيوخه».
ثم إنه خرج من القاهرة قاصدا إلى القدس، فتوفي به في محرم سنة ثمان وتسعين وستمائة، عن سبع وثمانين سنة.
سمع منه البرزالي، وابن سامة، والذهبي.
٤٩٣ - محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الملك بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن خلف بن عبد الكريم أبو عبد الله بن أبي الربيع بن أبي عبد الله الحميري المعافري الشاطبي (١).
نزيل الاسكندرية. أحد أولياء الله تعالى، شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة، جمع بين العلم والعمل، والورع والزهد، والانقطاع إلى الله تعالى، والتخلي عن الناس، والتمسك بطريقة السلف.
стр. 593
قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع، على أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي، وأبي عبد الله الجنجاني.
وقرأ بدمشق على أبي الحسن بن باسويه الواسطي، وسمع عليه الحديث، ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب بن علي بن يوسف، خادم أضياف رسول الله ﷺ بين قبره ومنبره، سنة سبع عشرة وستمائة.
وسمع بدمشق على أبي القاسم [الحسين بن (١)] هبة الله بن صصري، وأبي المعالي أحمد بن الخضر بن هبة الله بن طاوس، وأبي الوفاء عبد الملك ابن عبد الوهّاب وغيره، وانقطع لعبادة الله تعالى في تربة الشيخ أبي العباس المرسي (٢) المعروف برباط سوار من الإسكندرية، وتلمذ للشاطبي تلميذ الراس.
صنف كتبا حسنة منها كتاب «المسلك القريب في ترتيب الغريب»، وكتاب «اللمعة الجامعة في العلوم النافعة» في تفسير القرآن العزيز، وكتاب «شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل»، وكتاب «المباحث السنية في شرح الحصرية»، وكتاب «الحرقة في إلباس الخرقة»، وكتاب «المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ
والمريد»، وكتاب «النبذ الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصّوفية» وكتاب «زهر العريش في تحريم الحشيش»، وكتاب «الزهر المضي في ترجمة الشاطبي»، وكتاب «الأربعين المضيّة في الأحاديث النبويّة».
ومولده بشاطبة سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ووفاته بالإسكندرية في يوم
стр. 594
السبت الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بتربة شيخه المجاورة لزاويته، رحمهما الله تعالى.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٤٩٤ - محمد بن سليمان بن داود بن عقبة بن رؤبة القزويني أبو جعفر المقرئ (١).
كبير في علوم القرآن، حدث عن يحيى بن عبدك، وروى عنه أبو يعقوب ابن مندة الكرجي.
صنف في القراءات كتابا مفيدا سمّاه «بالوافر»، روى فيه عن الفضل ابن شاذان المقرئ، وإبراهيم بن الحسين المعروف بابن ديزيل، وعلي بن محمد الطنافسي، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم.
سمع منه هذا الكتاب سنة خمس وتسعين ومائتين.
ذكره الرافعي في «تاريخ قزوين».
٤٩٥ - محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر، الحنفي نسبا، من بني حنيفة، العجليّ، الأستاذ الكبير أبو سهل الصّعلوكيّ الشافيّ (٢).
شيخ عصره، وقدوة أهل زمانه، وإمام وقته في الفقه، والتفسير، واللغة، والنحو، والشعر، والعروض، والكلام، والتصوف، وغير ذلك من أصناف العلم.
стр. 595
أجمع أهل عصره على أنه بحر العلم الذي لا ينزف.
ولد سنة ست وتسعين ومائتين.
وأول سماعه سنة خمس وثلاثمائة.
سمع ابن خزيمة، وعنه حمل الحديث، وأبا العباس السّرّاج، وأبا العباس أحمد بن محمد الماسرجسيّ، وأبا قريش محمد بن جمعة، وأحمد بن عمر المحمّدآباذيّ، وأبا محمد بن أبي حاتم، وإبراهيم بن عبد الصمد، وأبا بكر بن الأنباريّ، والمحامليّ، وغيرهم.
وتفقه على أبي إسحاق المروزيّ، وطلب العلم، وتبحّر فيه قبل خروجه إلى العراق بسنين.
قال الحاكم: لأنه ناظر في مجلس أبي الفضل البلعميّ، الوزير، سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وتقدّم في المجلس إذ ذاك، ثم خرج إلى العراق، سنة اثنتين وعشرين، وهو إذ ذاك أوحد بين أصحابه، ثم دخل البصرة ودرّس بها سنين، فلما نعي إليه عمه أبو الطيّب، وعلم أن أهل أصبهان لا يخلون عنه في انصرافه [خرج] (١) مختفيا منهم، فورد نيسابور في رجب سنة سبع وثلاثين، وهو على الرجوع إلى الأهل والولد والمستقرّ من أصبهان، فلما ورد جلس لمأتم عمّه ثلاثة أيام، فكان الشيخ أبو بكر بن إسحاق يحضر كل يوم، فيقعد معه، هذا مع قلة حركته، وكذلك كل رئيس ومرءوس، وقاض ومفت من الفريقين، فلما انقضت الأيام عقدوا له المجلس غداة كل يوم للتدريس والإلقاء، ومجلس النّظر عشيّة الأربعاء، واستقرّت به الدار، ولم يبق في البلد موافق ولا مخالف إلا وهو مقر له بالفضل والتّقدم، وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه أن ينقل من خلّفهم وراءه بأصبهان، [فأجاب (٢)] إلى ذلك، ودرّس، وأفتى، ورأس أصحابه بنيسابور اثنتين
стр. 596
وثلاثين سنة، وكان يسأل عن التحدّث فيمتنع أشدّ الامتناع إلى غرة رجب سنة خمس وستين وثلاثمائة، [سئل] (١) فأجاب للإملاء، وقعد للتحدّث عشيّة الجمعة.
قال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق الإمام غير مرّة، وهو يعوذ أبا سهل، وينفث على دعائه، ويقول: بارك الله فيك، لا أصابتك العين.
هذا في مجلس النظر عشيّة السبت للكلام، وعشية الثلاثاء للفقه.
قال: وسمعت أبا علي الأسفراينيّ يقول: [سمعت] (٢) أبا إسحاق المروزي يقول: ذهبت الفائدة من مجلسنا بعد خروج أبي سهل النيسابوري.
قال: وسمعت أبا بكر محمد بن علي القفال، الفقيه ببخارى يقول:
قلت للفقيه أبي سهل بنيسابور حين أراد مناظرتي: هذا ستر قد أسبله الله عليّ، فلا تسبق إلى كشفه.
قال: وسمعت أبا منصور الفقيه يقول: سئل أبو الوليد عن أبي بكر القفّال وأبي سهل، أيهما أرجح؟ فقال: ومن يقدر أن [يكون] (٣) مثل أبي سهل؟
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ: سمعت أبا بكر بن إشكاب يقول:
رأيت الأستاذ أبا سهل في المنام على هيئة حسنة لا توصف، فقلت: يا أستاذ، بم نلت هذا؟ فقال: بحسن ظنّي بربّي.
وحكي أن أبا نصر الواعظ، وكان حنفيا في زمان الأستاذ أبي سهل انتقل إلى مذهب الشافعيّ، فسئل عن ذلك فقال: رأيت النبي ﷺ في المنام مع أصحابه قاصدا لعيادة الأستاذ أبي سهل. وكان مريضا،
стр. 597
قال: فتبعته، ودخلت عليه معه، وقعدت بين يدي النبي ﷺ متفكرا، فقلت إن هذا إمام أصحاب الحديث، وإن مات أخشى أن يقع الخلل فيهم. فقال رسول الله ﷺ لي: لا تفكر في ذاك إن الله لا يضيّع عصابة أنا سيّدها.
صحب الأستاذ أبو سهل من أئمة التصوف المرتعش، والشّبليّ، وأبا علي الثقفيّ، وغيرهم.
وقال السّلميّ: سمعت أبا سهل يقول: ما عقدت لي على شيء قطّ، وما كان لي قفل ولا مفتاح، ولا صررت على فضّة ولا ذهب قط. توفي يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة. سنة تسع وستين (١) وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه أبو الطّيّب، ودفن في المجلس الذي كان يدرّس فيه.
قال الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن أبيّ الفراتيّ: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السّلميّ، يقول: قلت يوما للأستاذ أبي سهل، في كلام يجري بيننا: لم؟ فقال لي أما علمت أن من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدا.
قال: وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن، يقول: قال الأستاذ أبو سهل لي يوما:
عقوق الوالدين يمحوها الاستغفار، وعقوق الأستاذين لا يمحوها شيء.
قال عمر بن أحمد بن منصور: أنشدنا أبو سهل محمد بن سليمان الحنفيّ إملاء، أنشدنا أبو بكر بن الأنباريّ، أنشدنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... إلى إلفها شوقا وإنّي لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
стр. 598
قال: وأنشدنا الإمام أبو سهل لنفسه (١):
أنام على سهو وتبكي الحمائم ... وليس لها جرم ومنّي الجرائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاقلا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
قال الحاكم: سمعت الأستاذ أبا سهل، ودفع إليه مسألة، فقرأها علينا، وهي:
تمنّيت شهر الصوم لا لعبادة ... ولكن رجاء أن أرى ليلة القدر
فأدعو اله النّاس دعوة عاشق ... عسى أن يريح العاشقين من الهجر
فكتب أبو سهل في الحال:
تمنيت ما لو نلته فسد الهوى ... وحل به للحين قاصمة الظهر
فما في الهوى طيب ولا لذة سوى ... معاناة ما فيه يقاسى من الهجر
٤٩٦ - محمد بن سلّام- بالتشديد- بن عبد الله بن سالم الجمحيّ (٢).
مولى محمد بن زياد، مولى قدامة بن مظعون.
ذكره الزبيدي في الطبقة الخامسة من اللغويين البصريين، وقال: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين بالبصرة.
стр. 599
له «غريب القرآن» ................. (١)
٤٩٧ - محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون (٢) بن إبراهيم بن محمد بن مسلم أبو عبد الله القضاعي المصري.
الفقيه الشافعي، القاضي. (٣)
روى عن أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب، وأبي الحسن أحمد ابن عبد العزيز بن ثرثال، وأبي عبد الله محمد بن محمد بن الحسين بن عمر ابن حفص التنوخي اليمني، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن جهضم، وأبي القاسم بن الطبيز الحلبي، وأبي الحسن علي بن موسى بن السمسار الدمشقي.
وأبي العباس أحمد بن محمد الجيزي، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبي العباس أحمد بن محمد يحيى بن عبد الله بن أبي العوام السعدي، وغيرهم من شيوخ مكة والشام ومصر والواردين عليها.
قال في حقه السلفي: قاضي مصر، وقد خرج معظم شيوخه الذين رآهم سفرا وحضرا.
وله تآليف مفيدة، منها: «تفسير القرآن العظيم» في نحو أربعين مجلدة، و «الشهاب» و «مسنده»، و «دستور الحكم»، و «منثور الكلم» من كلام علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 600
وكان من الثقات الأثبات، كثير السماعات، شافعي المذهب والاعتقاد، مرضي الجملة عند الانتقاد.
وروى عنه أبو بكر الخطيب، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عبد الله الحميدي وأبو الفرج سهل بن بشر الأسفراينيّ، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الرازي، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس النسيب وغيرهم.
وقال ابن عساكر: ثقة أمين، قدم إلى دمشق مجتازا لبلاد الروم، رسولا من صاحب مصر.
وقال ابن ميسر: كان يحلف القضاة بمصر وأوّل من استحلفه من قضاة مصر، أبو محمد قاسم بن عبد العزيز النعمان، في ولايته الثانية من قبل المستنصر، سنة سبع وعشرين وأربعمائة، إلى أن صرف بأبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري، فأقره، واستمر يحلف من يلي القضاء حتى مات.
وقال ابن ماكولا: كان فقيها على مذهب الشافعي ﵀، متفننا في عدة علوم، وصنف وحدّث، ولم أر بمصر من يجري مجراه.
وسمع عليه أبو عبد الله الرازي، كتاب «المختلف والمؤتلف» أخبره به عن مصنفه عبد الغني بن سعيد، وكتاب «فضائل أبي حنيفة» النعمان بن ثابت، وروى تأليف أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى السعدي عرف بابن العوام، أخبره به عن أبي العباس أحمد بن محمد بن يحيى بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي العوام عن أبيه عن جده.
وقال ابن عساكر: سمعت أبا الفتح [نصر الله بن محمد الفقيه يقول: