وثلاثين سنة، وكان يسأل عن التحدّث فيمتنع أشدّ الامتناع إلى غرة رجب سنة خمس وستين وثلاثمائة، [سئل] (١) فأجاب للإملاء، وقعد للتحدّث عشيّة الجمعة.
قال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق الإمام غير مرّة، وهو يعوذ أبا سهل، وينفث على دعائه، ويقول: بارك الله فيك، لا أصابتك العين.
هذا في مجلس النظر عشيّة السبت للكلام، وعشية الثلاثاء للفقه.
قال: وسمعت أبا علي الأسفراينيّ يقول: [سمعت] (٢) أبا إسحاق المروزي يقول: ذهبت الفائدة من مجلسنا بعد خروج أبي سهل النيسابوري.
قال: وسمعت أبا بكر محمد بن علي القفال، الفقيه ببخارى يقول:
قلت للفقيه أبي سهل بنيسابور حين أراد مناظرتي: هذا ستر قد أسبله الله عليّ، فلا تسبق إلى كشفه.
قال: وسمعت أبا منصور الفقيه يقول: سئل أبو الوليد عن أبي بكر القفّال وأبي سهل، أيهما أرجح؟ فقال: ومن يقدر أن [يكون] (٣) مثل أبي سهل؟
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ: سمعت أبا بكر بن إشكاب يقول:
رأيت الأستاذ أبا سهل في المنام على هيئة حسنة لا توصف، فقلت: يا أستاذ، بم نلت هذا؟ فقال: بحسن ظنّي بربّي.
وحكي أن أبا نصر الواعظ، وكان حنفيا في زمان الأستاذ أبي سهل انتقل إلى مذهب الشافعيّ، فسئل عن ذلك فقال: رأيت النبي ﷺ في المنام مع أصحابه قاصدا لعيادة الأستاذ أبي سهل. وكان مريضا،
стр. 597
قال: فتبعته، ودخلت عليه معه، وقعدت بين يدي النبي ﷺ متفكرا، فقلت إن هذا إمام أصحاب الحديث، وإن مات أخشى أن يقع الخلل فيهم. فقال رسول الله ﷺ لي: لا تفكر في ذاك إن الله لا يضيّع عصابة أنا سيّدها.
صحب الأستاذ أبو سهل من أئمة التصوف المرتعش، والشّبليّ، وأبا علي الثقفيّ، وغيرهم.
وقال السّلميّ: سمعت أبا سهل يقول: ما عقدت لي على شيء قطّ، وما كان لي قفل ولا مفتاح، ولا صررت على فضّة ولا ذهب قط. توفي يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة. سنة تسع وستين (١) وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه أبو الطّيّب، ودفن في المجلس الذي كان يدرّس فيه.
قال الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن أبيّ الفراتيّ: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السّلميّ، يقول: قلت يوما للأستاذ أبي سهل، في كلام يجري بيننا: لم؟ فقال لي أما علمت أن من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدا.
قال: وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن، يقول: قال الأستاذ أبو سهل لي يوما:
عقوق الوالدين يمحوها الاستغفار، وعقوق الأستاذين لا يمحوها شيء.
قال عمر بن أحمد بن منصور: أنشدنا أبو سهل محمد بن سليمان الحنفيّ إملاء، أنشدنا أبو بكر بن الأنباريّ، أنشدنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... إلى إلفها شوقا وإنّي لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
стр. 598
قال: وأنشدنا الإمام أبو سهل لنفسه (١):
أنام على سهو وتبكي الحمائم ... وليس لها جرم ومنّي الجرائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاقلا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
قال الحاكم: سمعت الأستاذ أبا سهل، ودفع إليه مسألة، فقرأها علينا، وهي:
تمنّيت شهر الصوم لا لعبادة ... ولكن رجاء أن أرى ليلة القدر
فأدعو اله النّاس دعوة عاشق ... عسى أن يريح العاشقين من الهجر
فكتب أبو سهل في الحال:
تمنيت ما لو نلته فسد الهوى ... وحل به للحين قاصمة الظهر
فما في الهوى طيب ولا لذة سوى ... معاناة ما فيه يقاسى من الهجر
٤٩٦ - محمد بن سلّام- بالتشديد- بن عبد الله بن سالم الجمحيّ (٢).
مولى محمد بن زياد، مولى قدامة بن مظعون.
ذكره الزبيدي في الطبقة الخامسة من اللغويين البصريين، وقال: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين بالبصرة.
стр. 599
له «غريب القرآن» ................. (١)
٤٩٧ - محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون (٢) بن إبراهيم بن محمد بن مسلم أبو عبد الله القضاعي المصري.
الفقيه الشافعي، القاضي. (٣)
روى عن أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب، وأبي الحسن أحمد ابن عبد العزيز بن ثرثال، وأبي عبد الله محمد بن محمد بن الحسين بن عمر ابن حفص التنوخي اليمني، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن جهضم، وأبي القاسم بن الطبيز الحلبي، وأبي الحسن علي بن موسى بن السمسار الدمشقي.
وأبي العباس أحمد بن محمد الجيزي، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبي العباس أحمد بن محمد يحيى بن عبد الله بن أبي العوام السعدي، وغيرهم من شيوخ مكة والشام ومصر والواردين عليها.
قال في حقه السلفي: قاضي مصر، وقد خرج معظم شيوخه الذين رآهم سفرا وحضرا.
وله تآليف مفيدة، منها: «تفسير القرآن العظيم» في نحو أربعين مجلدة، و «الشهاب» و «مسنده»، و «دستور الحكم»، و «منثور الكلم» من كلام علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 600
وكان من الثقات الأثبات، كثير السماعات، شافعي المذهب والاعتقاد، مرضي الجملة عند الانتقاد.
وروى عنه أبو بكر الخطيب، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عبد الله الحميدي وأبو الفرج سهل بن بشر الأسفراينيّ، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الرازي، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس النسيب وغيرهم.
وقال ابن عساكر: ثقة أمين، قدم إلى دمشق مجتازا لبلاد الروم، رسولا من صاحب مصر.
وقال ابن ميسر: كان يحلف القضاة بمصر وأوّل من استحلفه من قضاة مصر، أبو محمد قاسم بن عبد العزيز النعمان، في ولايته الثانية من قبل المستنصر، سنة سبع وعشرين وأربعمائة، إلى أن صرف بأبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري، فأقره، واستمر يحلف من يلي القضاء حتى مات.
وقال ابن ماكولا: كان فقيها على مذهب الشافعي ﵀، متفننا في عدة علوم، وصنف وحدّث، ولم أر بمصر من يجري مجراه.
وسمع عليه أبو عبد الله الرازي، كتاب «المختلف والمؤتلف» أخبره به عن مصنفه عبد الغني بن سعيد، وكتاب «فضائل أبي حنيفة» النعمان بن ثابت، وروى تأليف أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى السعدي عرف بابن العوام، أخبره به عن أبي العباس أحمد بن محمد بن يحيى بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي العوام عن أبيه عن جده.
وقال ابن عساكر: سمعت أبا الفتح [نصر الله بن محمد الفقيه يقول:
стр. 601
سمعت أبا الفتح نصر بن إبراهيم الزاهد (١)] يقول: قدم علينا القاضي أبو عبد الله القضاعي رسولا من المصريين إلى الروم، فذهبت ولم أسمع منه، ثم إني رويت عنه بالإجازة يعني أنه لم يرضه في أول أمره، لدخوله في الولاية من قبل المصريين.
وقال أبو بكر محمد بن شافع الصنوبري: سمعت القاضي أبا عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي يقول: لما دخلت على ملك الروم أليون رسولا من قبل المستنصر بالله وأحضرت المائدة، فلما رفعت جعلت ألتقط الفتات، فأمر الفراش أن يحضر أخرى ففعل، فقال لي الملك: أصب منه فإنك لم تشبع، فقلت: بلغني مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال:
(من التقط ما يسقط من المائدة برىء من الحمق والفقر) فأمر الخازن في الحال بإحضار ألف دينار، فقلت: صدق رسول الله ﷺ فاستغنيت وبرئت من الحمق.
وذكر ابن عساكر أن القضاعي توفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وهو وهم، إنما كانت وفاته ليلة الجمعة سابع عشر من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة بمصر. ودفن على شفير الخندق، وقبره يزار ويتبرك به.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٤٩٨ - محمد بن سيف (٢) الأزديّ الحدّاني، بضم المهملة وتشديد الدال أبو رجاء البصريّ (٣).
ثقة من الطبقة السادسة، روى عن أبي بريدة، وطائفة.
стр. 602
وعنه شعبة، وابن عليّة، ويزيد بن زريع.
أخرج له النسائي، وأبو داود في «المراسيل».
له «تفسير».
٤٩٩ - محمد بن طاهر بن محمد الحسن بن الوزير (١).
الأديب المذكّر المفسر.
كان كثير العلوم فصيحا.
سمع عبد الله بن محمد بن الشّرقيّ، وأبا حامد بن بلال. وأبا علي الثقفيّ، وأقرانهم. توفي في شهر رمضان، سنة خمس وستين وثلاثمائة.
وكان أولا حنفيا، ثم تحول شافعيا.
٥٠٠ - محمد بن طيفور الغزنويّ أبو عبد الله السجاونديّ (٢).
المفسر، المقرئ، النحويّ، له «تفسير» حسن، وكتاب «علل القراءات» في عدة مجلدات، وكان من كبار المحققين.
وذكره القفطيّ مختصرا وقال: كان في وسط المائة السادسة.
وذكره ياقوت فقال: أبو المحامد الملقب شمس العارفين، ترجمه أبو الحسن البيهقي في «الوشاح»، وأورد له:
أزال الله عنكم كل آفه ... وسد عليكم سبل المخافة (٣)
ولا زالت نوائبكم لديكم ... كنون الجمع في حال الإضافة
стр. 603
٥٠١ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس أبو الفضل البزّار البغدادي (١).
إمام فاضل، درس على القاضي أبي الحسن بن القصّار، والقاضي ابن نصر.
وكان من حفاظ القرآن ومدرسيه، وإليه انتهت الفتيا في الفقه على مذهب مالك في زمانه ببغداد، وكان القاضي الدامغاني يجيز شهادته.
وكان فقيها أصوليّا، وله تعليق حسن مشهور في الخلاف، درس عليه القاضي أبو الوليد الباجي ببغداد، وحدّث عنه هو وأبو بكر الخطيب. توفي سنة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
ذكره ابن فرحون.
٥٠٢ - محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي الثلج (٢) - بمثلثة وجيم- البغدادي أصله من الري. صاحب أحمد، يروي عن يزيد بن هارون، وعدة.
وعنه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وآخرون.
من الطبقة الحادية عشرة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين، له «تفسير».
٥٠٣ - محمد بن عبد الله بن أشتة اللوذريّ أبو بكر الأصبهانيّ (٣).
أستاذ كبير، وإمام شهير، ونحوي محقق ثقة، سكن مصر.
قال الدّاني: ضابط مشهور مأمون ثقة، عالم بالعربية، بصير بالمعاني،
стр. 604
حسن التصنيف. قرأ على أبي بكر بن مجاهد، ومحمد بن أحمد بن الحسن الكسائي الأخير، ومحمد بن يعقوب المعدل، وأبي بكر النقاش، وغيرهم.
قرأ عليه خلف بن إبراهيم، وعبد الله بن محمد الأندلسي، وعبد المنعم بن غلبون، ومحمد بن عبد الله المؤدب، وخلف بن قاسم وغيرهم.
له كتاب «رياضة الألسنة» في إعراب القرآن ومعانيه، و «كتاب المصاحف»، وكتاب «المحبّر». قال ابن الجزري في «طبقات القراء»:
كتاب جليل يدلّ على عظم مقداره، وكتاب «المفيد في الشاذ». مات بمصر ليلة الأربعاء لثلاث بقيت من شعبان سنة ستين وثلاثمائة.
ذكره ابن الجزري ثم شيخنا «في طبقات النحاة».
٥٠٤ - محمد بن عبد الله بن بهادر (١).
الإمام العالم العلامة المصنف المحرر بدر الدين أبو عبد الله المصري الزركشيّ الشافعي.
مولده سنة خمس وأربعين وسبعمائة، أخذ عن الإسنويّ، ومغلطاي، وابن كثير والأذرعيّ، والسراج البلقينيّ.
ورحل إلى حلب، فأخذ عن الشهاب الأذرعي، وسمع الحديث بدمشق سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة من الصلاح بن أبي عمر، وابن أميلة، ومن غيرهما.
وكان فقيها أصوليا مفسّرا أديبا فاضلا في جميع ذلك، ودرّس وأفتى، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصّغرى، وكان منقطعا إلى الاشتغال بالعلم، لا يشتغل عنه بشيء، وله أقارب يكفونه أمر دنياه.
стр. 605
وله تصانيف كثيرة في عدّة فنون، منها «الخادم على الرافعي والرّوضة» وشرح «المنهاج»، و «الديباج»، وشرح «جمع الجوامع» وشرح «البخاري» «والتنقيح» عليه، وشرح «العمدة»، وشرح «التنبيه»، و «البحر في الأصول»، في ثلاثة أجزاء، جمع فيه جمعا كثيرا لم يسبق إليه، و «سلاسل الذهب» في الأصول، و «البرهان في علوم القرآن»، و «القواعد في الفقه»، و «أحكام المساجد» و «تخريج أحاديث الرافعيّ»، و «تفسير القرآن العظيم» وصل فيه إلى سورة مريم، و «النّكت على ابن الصّلاح».
وخطه ضعيف جدا، قلّ من يحسن استخراجه. توفي يوم الأحد ثالث شهر رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة الأمير بكتمر الساقي، رحمهما الله تعالى.
٥٠٥ - محمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن الحسين بن الفهم المعروف بابن صبر أبو بكر الحنفي الفقيه (١).
ولي القضاء بعسكر المهدي، وكان معتزليّا مشهورا به، رأسا في علم الكلام، خبيرا بالتفسير.
وله كتاب «عمدة الأدلة» وله كتاب «التفسير» ما تمه. مات ببغداد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة.
ولبشر بن هارون فيه:
قل للدعيّ إلى صبر ... وهب ادعيت فمن صبر (٢)
وإذا تطيلس للقضا ... فمرحبا بأبي العرر
فقضاؤه شر القضا ... إذا قضى عمى البصر
стр. 606
٥٠٦ - محمد بن عبد الله بن خلف أبو بكر الأنصاري البلنسي (١) مقرئ حاذق نحويّ.
قال الذهبي في «طبقات القراء»: أخذ القراءات عن أبي العطاء بن نذير، وأبي عبد الله بن نوح الغافقي. وأتقن العربية، ثم تزهد وأقبل على العلم، وتحقق بالتفسير وأقرأ القراءات.
وله كتاب «نسيم الصبا في الوعظ» على طريقة الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، و «كتاب في الخطب».
توفي في رجب سنة أربعين وستمائة، وله ست وستون سنة، وازدحم الخلق على نعشه حتى كسروه.
٥٠٧ - محمد بن عبد الله بن سليمان أبو سليمان السعديّ (٢).
قال ياقوت: ذكر في كتاب الشام وقال: هو المفسّر.
صنّف كتبا في التفسير، منها: «مجتبى التفسير» جمع فيه الصّغير والكبير، والقليل والكثير مما أمكنه، وكتاب «الجامع الصّغير في مختصر التفسير».
وكتاب «المهذب في التفسير».
سمع ببغداد أبا علي الصواف، وأبا بكر الشافعي، وأبا عبد الله المحامليّ، ودعلجا، ونظراءهم.
وكان شافعيّا أشعريا، كثير الاتباع للسنّة، حسن التكلم في التفسير.
٥٠٨ - محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرميّ (٣).
стр. 607
مطيّن. الحافظ، محدث الكوفة.
حطّ عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحط هو على ابن أبي شيبة، وآل أمرهما إلى القطيعة، ولا يعتد بحمد الله بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض.
قال الحافظ ابن حجر في «اللسان»: مطيّن، وثقه الناس وما أصغوا إلى ابن أبي شيبة. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين، وقد أنكر موسى بن هارون الحافظ أيضا على مطين أحاديث، لكن ظهر الصّواب مع مطيّن.
له من التصانيف «المسند»، «التفسير»، «السنن»، «الأدب».
٥٠٩ - محمد بن عبد الله بن عمرو أبو جعفر الهروي (١).
الفقيه صاحب «التفسير» .......... (٢).
مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
٥١٠ - محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المرّي الإمام أبو عبد الله الألبيري المعروف بابن أبي زمنين (٣).
من المفاخر الغرناطية، ولد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان من كبار المحدّثين والعلماء الراسخين، عارفا بمذهب مالك، بصيرا به، وأجلّ أهل وقته قدرا في العلم والرواية، والحفظ للرأي والتمييز للحديث، والمعرفة باختلاف العلماء، متفننا في العلم والآداب، مضطلعا بالإعراب، قارضا
стр. 608
للشعر، متصرّفا في حفظ المعاني والأخبار، مع التنسك والزاهد والاستنان بسنن الصالحين، أمة في الخير، عالما عاملا، متبتلا متقشفا، دائم الصلاة والبكاء، واعظا مذكرا بالله، فاشي الصدقة معينا على النائبة مواسيا بجاهه وماله، مجانبا للسلطان، ذا لسان وبيان تصغى إليه الأفئدة، ما رئي بعده مثله.
تفقه بقرطبة عند أبي إبراهيم، وسمع منه ومن وهب بن مسرة، وأحمد ابن مطرف، وابن الشاط، وأبان بن عيسى، وغيرهم.
وكان من كبار الفقهاء والمحدّثين والراسخين في العلم، وكان متفننا في الأدب وله قرض في الشعر، إلى زهد وورع واقتفاء لآثار السلف.
وكان حسن التأليف، مليح التصنيف: مفيد الكتب، ككتابه في «تفسير القرآن» و «المعرب» في المدوّنة وشرح مشكلها والتفقه في نكت منها مع تحرير للفظها، وضبط لروايتها ليس في مختصراتها مثله باتفاق، وكتاب «المنتخب في الأحكام» الذي ظهرت بركته، وطار شرقا وغربا ذكره، وكتاب «المهذب في اختصار شرح ابن مزين للموطأ» و «كتابه المشتمل على أصول الوثائق» وكتاب «مختصر تفسير ابن سلام للقرآن» وكتاب «حياة القلوب في الرقائق والزهد» وكتاب «النصائح المنظومة» من شعره، وكتاب «أنس المريدين في الزهد» وكتاب «المواعظ المنظومة في الزهد» وكتاب «آداب الإسلام» وكتاب «أصول السنّة» وكتاب «قدوة القارئ» وكتاب «منتخب الدعاء» وغير ذلك.
روى عنه أبو عمرو الداني، وأبو عمر بن الحذاء. وطائفة. توفي بإلبيرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
وزمنين بفتح الزاي المعجمة وكسر النون ثم ياء ساكنة بعدها نون، وسئل لم قيل لهم بني زمنين: فلم يعرف ذلك.
стр. 609
٥١١ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد الإمام أبو بكر بن العربيّ المعافريّ الأندلسيّ الإشبيلي (١).
الحافظ. ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، أحد الأعلام، ولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وأبوه أبو محمد من فقهاء بلدة إشبيلية ورؤسائها.
سمع ببلده من أبي عبد الله بن منظور، وأبي محمد بن خزرج، وبقرطبة من أبي عبد الله محمد بن عتاب، وأبي مروان بن سراج، وحصلت له عند العبادية أصحاب إشبيلية رئاسة ومكانة، فلما انقضت دولتهم خرج إلى الحج مع ابنه القاضي أبي بكر يوم الأحد مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وسن القاضي أبي بكر إذ ذاك نحو سبعة عشر عاما. وكان القاضي قد تأدب ببلده، وقرأ القراءات فلقي بمصر أبا الحسن الخلعيّ، وأبا الحسن بن مشرف، ومهديا الوراق، وأبا الحسن بن داود الفارسيّ.
ولقي بالشام أبا نصر المقدسيّ، وأبا سعيد الزنجانيّ، وأبا حامد الغزاليّ، وأبا سعيد الرهاويّ، وأبا القاسم بن أبي الحسن المقدسيّ، والإمام أبا بكر الطرطوشيّ، وبه تفقه، وأبا محمد هبة الله بن أحمد الأكفانيّ، وأبا الفضل ابن الفرات الدمشقيّ.
ودخل بغداد فسمع بها أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفيّ المعروف بابن الطيوريّ، ومن أبي الحسن علي بن أيوب البزاز- بزاءين معجمتين- ومن أبي بكر بن طرخان، ومن النقيب الشريف أبي الفوارس
стр. 610
طراد بن محمد الزينبيّ، وجعفر بن أحمد السراج، وأبي الحسن بن عبد القادر، وأبي زكريا التبريزيّ، وأبي المعالي ثابت بن بندار الحماميّ بتخفيف الميم، ونصر بن البطر، في آخرين.
وحج في موسم سنة تسع وثمانين، وسمع بمكة من أبي عبد الله الحسين ابن علي الطبريّ (١)، وغيره.
ثم عاد إلى بغداد ثانية، وصحب أبا بكر الشاشيّ، وأبا حامد الطوسيّ، وأبا بكر الطرطوشيّ، وغيرهم من العلماء والأدباء، فأخذ عنهم الفقه والأصول، وقيّد الشعر، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن من هؤلاء وغيرهم.
ثم صدر عن بغداد إلى الأندلس، فأقام بالإسكندرية عند أبي بكر الطرطوشي، فمات أبوه بها في سنة ثلاث وتسعين.
ثم انصرف هو إلى الأندلس سنة خمس وتسعين، فقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها، والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، نافذا (٢) في جميعها حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، وأحد من بلغ مرتبة الاجتهاد، وأحد من انفراد بالأندلس بعلو الإسناد، صارما في أحكامه، ويجمع إلى ذلك كله آداب
стр. 611
الأخلاق مع حسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود.
ورحل إليه، للسّماع والأخذ عنه.
وتصانيفه كثيرة حسنة مفيدة منها: «أحكام القرآن» وكتاب «المسالك في شرح موطّإ مالك» وكتاب «القبس» على موطأ مالك بن أنس و «عارضة الأحوذيّ على كتاب الترمذيّ» و «القواصم والعواصم» و «المحصول» في أصول الفقه و «سراج المريدين»، وكتاب «المتوسط» (١) وكتاب «المشكلين» (٢)، و «شرح حديث أم زرع» وكتاب «الناسخ والمنسوخ» وكتاب «القانون في تفسير الكتاب العزيز» وكتاب «معاني الأسماء الحسنى» وكتاب «الإنصاف في مسائل الخلاف» عشرين مجلدا، وكتاب «شرح حديث الإفك» وكتاب «شرح حديث جابر في الشفاعة» وكتاب «ستر العورة» وكتاب «أعيان الأعيان» وله غير ذلك من التواليف.
وقال في كتابه القبس إنه ألف كتابه المسمى «أنوار الفجر في تفسير القرآن» في عشرين سنة، ثمانين ألف ورقة، وتفرقت بأيدي الناس.
قال الشيخ برهان الدين فرحون: وأخبرني الشيخ الصالح أبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن البرغواطيّ في سنة إحدى وستين وسبعمائة بالمدينة النبوية؛ قال أخبرني الشيخ الصالح يوسف الحزّام المغربي بثغر الإسكندرية في سنة ستين وسبعمائة، قال: رأيت تأليف القاضي أبي بكر بن العربي في تفسير القرآن؛ المسمى «أنوار الفجر» كاملا في خزانة الملك العادل أمير
стр. 612
المسلمين أبي عنان فارس بن السلطان أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن يوسف بن عبد الحق، وكان السلطان أبو عنان إذ ذاك بمدينة مراكش؛ وكانت له خزانة كتب يحملها معه في الأسفار، وكنت أخدمه مع جماعة في حزم الكتب ورفعها، فعددت أسفار هذا الكتاب فبلغت عدته ثمانين مجلدا، ولم ينقص من الكتاب المذكور شيء. قال أبو الربيع: وهذا المخبر يعني يوسف، ثقة صدوق، رجل صالح، كان يأكل من كده.
قال ابن خلكان في كتاب «الوفيات» في معنى عارضة الأحوذيّ:
العارضة، القدرة على الكلام. والأحوذيّ: الخفيف في الشيء لحذقه.
وقال الأصمعيّ: الأحوذي، المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شيء.
قال القاضي عياض: واستقضى أبو بكر ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، يؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه، وكان فصيحا أديبا، شاعرا، كثير الخبر (١)، مليح المجلس.
وممن أخذ عنه القاضي عياض، وأبو زيد السهيلي، وأحمد بن خلف الطلاعي، وعبد الرحمن بن ربيع الأشعري، والقاضي أبو الحسن الخلعي، وخلائق.
وروى عنه بالإجازة في سنة ست عشرة وستمائة أبو الحسن علي بن أحمد الشقوري، وأحمد بن عمر الخزرجي التاجر، وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة منصرفة من مراكش، وحمل ميتا إلى مدينة فاس، ودفن بها خارج باب المحروق.
стр. 613
وأما معنى «عارضة الأحوذي» فالعارضة: القدرة على الكلام، يقال:
فلان شديد العارضة، إذا كان ذا قدرة على الكلام. والأحوذيّ: المشمر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عليه منها شيء، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وفي آخره ياء مشدودة.
٥١٢ - محمد بن عبد الله بن محمد ظفر المكي الصّقلي (١).
حجة الدين أبو جعفر النحوي اللغوي المالكي.
ولد بمكة، ثم قدم مصر في صباه، ولقي أبا بكر الطرطوشي بالإسكندرية، ولقي بالأندلس أبا بكر بن العربي، وأبا مروان الباجي، وأبا الوليد الدباغ، وابن مسرة.
وقصد بلاد إفريقية، وأقام بالمهدية مدة، وشاهد بها حروبا من الفرنج وأخذت من المسلمين وهو هناك، ثم انتقل إلى صقليّة، ثم إلى مصر، ثم قدم حلب، وأقام بمدرسة ابن أبي عصرون، وصنف بها تفسيرا كبيرا، ثم جرت فتنة بين الشّيعة وأهل السنة، فنهبت كتبه فيما نهب، فقدم حماة، فصادف قبولا، وأجري له راتب، وصنف هناك تصانيفه.
وكان رجلا صالحا ورعا زاهدا، مشتغلا بما يعينه. وله شعر حسن.
وكان أعلم باللغة من النحو، وأقام بحماة إلى أن مات بها سنة خمس وستين وخمسمائة.
وله من الكتب «ينبوع الحياة في التفسير» «التفسير الكبير» الاشتراك اللغوي «الاستنباط المعنوي» «سلوان المطاع» «القواعد والبيان في النحو»
стр. 614
«الرد على الحريري في درة الغواص» «أساليب الغاية في أحكام آية» «المطول في شرح المقامات» «التنقيب على ما في المقامات من الغريب» «ملح اللغة فيما اتفق لفظه واختلف معناه على حروف المعجم» «خير البشر بخير البشر» «نجباء الأنباء» «معاتبة الجريء على معاقبة البريء» «إكسير كيمياء التفسير» «أرجوزة في الفرائض والولاء» وغير ذلك.
ومن شعره:
ببسم الله يفتتح العليم ... وبالرّحمن يعتصم الحليم (١)
وكيف يلومني في حسن ظنّي ... بربي لائم وهو الرحيم!
وأنشد له ابن خلكان:
جعلتك في قلبي فهل أنت عالم ... بأنك محمول وأنت مقيم (٢)
ألا إن شخصا في فؤادي محله ... واشتقاقه، شخص على كريم
وأورد له في «الخريدة»:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر منه نصيبه (٣)
ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يرتجيه نصيبه
٥١٣ - محمد عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي أبو عبد الله (٤).
العلامة شرف الدين النحوي الأديب الزاهد المفسر المحدّث الفقيه الأصولي.
стр. 615
قال ياقوت: أحد أدباء عصرنا، ومن أخذ من النحو والشعر بأوفر نصيب، وضرب فيه بالسهم المصيب، وخرج التخاريج، وتكلم على «المفصّل» للزمخشري، وأخذ عليه عدة مواضع، بلغني أنها سبعون موضعا، أقام على خطئها البرهان واستدل على سقمها بالبيان.
وله عدة تصانيف.
رحل إلى خراسان، ووصل إلى مرو الشاهجان، ولقى المشايخ، وقدم بغداد، وأقام بحلب ودمشق، ورأيته بالموصل ثم حج ورجع إلى دمشق، فأقام على الإقراء ثم أنتقل إلى مصر- وأنا بها- سنة أربع وعشرين وستمائة، ولزم النسك والعبادة والانقطاع.
أخبرني أن مولده سنة سبعين وخمسمائة، وأنه قرأ القرآن على ابن غلبون وغيره، والنحوي على أبي الحسن علي بن يوسف بن شريك الداني، والطيب ابن محمد بن الطيب النحوي، والشلوبيني، والتاج الكندي، والأصول على إبراهيم بن دقماق، والعميدي، والخلاف على معين الدين الجاجرمي.
وسمع الحديث الكثير بواسط من ابن عبد السميع، ومن ابن الماندائي مشيخته، وبهمذان من جماعة، وبنيسابور «صحيح مسلم» من المؤيد الطوسي، وجزءا [من] (١) ابن نجيد، ومن منصور بن عبد المنعم الفراوي، وزينب الشعرية، وبهراة من أبي روح الهروي، وبمكة من الشريف يونس بن محمد الهاشمي.
وكان نبيلا ضريرا، يحل بعض [مشكلات] (٢) إقليدس، ويحفظ «صحيح مسلم» مجردا عن السند.
صنّف «الضوابط النحوية في علم العربية» و «الإملاء على
стр. 616
المفصل»، و «تفسير القرآن» قصد فيه ارتباط الآي بعضها ببعض، وكتابا «في أصول الفقه والدين» و «كتابا في البديع والبلاغة» انتهى كلام ياقوت ملخصا.
وقال ابن النجّار في «تاريخ بغداد»: هو من الأئمة الفضلاء في فنون العلم والحديث والقراءات والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله قريحة حسنة، وذهن ثاقب، وتدقيق في المعاني، ومصنفات في جميع ما ذكرنا، وله النظم والنثر الحسن.
وقال الفاسي (١) في «تاريخ مكة»: له تصانيف، منها «التفسير الكبير» يزيد على عشرين جزءا، و «الأوسط» عشرة، و «الصغير» ثلاثة، و «مختصر مسلم» و «الكافي في النحو» في غاية الحسن، وله التعاليق الرائعة في كل فنّ.
قال: وهو الشيخ الإمام العالم الزاهد، فخر الزمان، علم العلماء، زين الرؤساء، إمام النظّار، رئيس المتكلّمين، أحد علماء الزّمان المتصرف أحسن التصرف في كل فنّ، أصله من مرسية، لم يزل مشتغلا من صغره إلى كبره.
وله المباحث العجيبة، والتصانيف الغربية، وجمع الأقطار في رحلته، ارتحل إلى غرب بلاده ثم الأندلس، والديار المصرية، والشام والعراقين والعجم، وناظر وقرأ وأقرأ، واستفاد وأفاد، ولم يزل يقرئ ويدرّس حيث حل، ويقرّ له بعلمه وفضله في كل محلّ، وجاور بمكة كثيرا. سمع منه الحفاظ والأعيان من العلماء، وبالغوا في الثّناء
عليه، وآخر من روى عنه أيوب الكحّال بالسماع، وأحمد بن علي الجزريّ بالإجازة، وذكره القطب اليونينيّ في «ذيل المرآة» وأثنى عليه؛ وقال كان مالكيّا.
لكن ذكره التاج السّبكي في «طبقات الشافعية»، وذكره الحافظ شرف
стр. 617
الدين الدّمياطيّ (١) في «معجمه»، وترجمه بالنحو والأدب والفقه والحديث والتفسير والزهد. وذكر أن مولده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة، ومات متوجها إلى دمشق (٢) بين العريش والزعقا، يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة.
وقال الذهبيّ: سمع «الموطأ» بالمغرب بعلوّ من الحافظ أبي محمد عبد الله بن عبيد الله الحجريّ، وسمع من عبد المنعم بن الفرس.
روى عنه المحبّ الطبريّ، والشرف الفزاريّ، ومحمد بن يوسف بن المهتار.
ومن شعره:
قالوا محمد قد كبرت وقد أتى ... داعي المنون وما اهتممت بزاد (٣)
قلت: الكريم من القبيح لضيفه ... عند القدوم مجيئه بالزّاد
قال ياقوت: وأنشدني لنفسه وقد تماروا عنده في الصفات فقال:
من كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتباع المصطفى فيما أتى
ذاك السّبيل المستقيم وغيره ... سبل الغواية والضلالة والردى
فاتبع كتاب الله والسّنن التي ... صحت فذاك إذا اتبعت فهو الهدى
ودع السؤال بكم وكيف فإنه ... باب بحر ذوي البصيرة للعمى
الدين ما قال الرسول وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا
стр. 618
وله
قالوا فلان قد أزال بهاءه ... ذاك العذار وكان بدر تمام (١)
فأجبتهم بل زاد نور بهائه ... وكذا تزايد فيه فرط غرامي
واستقصرت ألحاظه فتكا بها ... فأتى العذار يمدها بسهام
وله. والبيت الثاني تضمين لغيره:
دخلت هراة أستفيد علومها ... فألقيت من فيها حمير الورى فهما
يمرّون بي لا يعرفون مكانتي ... كأنّي دينار يمرّ به أعمى
٥١٤ - محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد العبدري (٢) يكنى أبا بكر كان عالما بالقراءات، ذاكرا للتفسير، حافظا للفقه واللغات والآداب، شاعرا محسنا، كاتبا بليغا، مبرّزا في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعا، فكه المحاضرة، ظريف الدّعابة.
روى عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح، وعبد الرحمن بن بقي، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، ولازمه عشر سنين، ويونس ابن مغيث، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن عتاب، وسمع أبا بحر الأسدي وغيرهم.
روى عنه أبو البقاء يعيش بن القديم، وأبو زكريّا المرجيقيّ وغيرهما.
ودخل غرناطة. وصنّف شرحين على «الجمل»: كبيرا، وصغيرا، وشرح أبيات «الإيضاح» للفارسي، وشرح «مقامات الحريري»، وصنف «مشاحذ الأفكار فيما أخذ على النظّار»، وشرح «معشراته الغزلية» و «مكفراته الزهدية»، وغير ذلك.
стр. 619
وكان يحضر مجلس عبد المؤمن مع جملة العلماء، ويبدي ما عنده من المعارف؛ إلى أن أنشد في المجلس أبياتا كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد بن تيسيت، وهي:
أبا قاسم والهوى جنّة ... وها أنا من مسّها لم أقق
تقحّمت جاحم نار الضّلوع ... كما خضت بحر دموع الحدق
أكنت الخليل، أكنت الكليم! * أمنت الحريق، أمنت الغرق! فهجره عبد المؤمن، ومنعه من الحضور في مجلسه، وصرف بنيه عن القراءة عليه، وسرى ذلك في أكثر من كان يتردد عليه؛ على أنه كان في المرتبة العليا من الطّهارة والعفاف. مات بمراكش يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة وقد قارب السبعين.
ومن شعره:
توسّلت يا ربي بأني مؤمن ... وما قلت إني سامع ومطيع (١)
أيصلى بحر النار عاص موحد ... وأنت كريم والرسول شفيع
وله أيضا
لا تكترث بفراق أوطان الصبا ... فعسى تنال بغيرهن سعودا (٢)
فالدر ينظم عند فقد بحاره ... بجميل أجياد الحسان عقودا
أورده ابن فرحون، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
٥١٥ - محمد بن عبد الله أبو بكر البردعي (٣) قال النديم في «الفهرست»: رأيته في سنة أربعين وثلاثمائة، وكان بي
стр. 620
آنسا، يظهر مذهب الاعتزال، وكان خارجيا وأحد فقهاء الشراة.
وقال لي: إنه له في الفقه عدة كتب، وذكر بعضها، وهو كتاب «المرشد» في الفقه، كتاب «الرد على المخالفين» في الفقه، كتا «تذكرة الغريب» في الفقه، كتاب «التبصر للمتعلمين»، كتاب «الاحتجاج على المخالفين»، كتاب «الجامع» في أصول الفقه، كتاب «الدعاء» كتاب «الناسخ والمنسوخ» في القرآن، كتاب «الأذكار والتحكيم»، كتاب «السنة والجماعات»، كتاب «الإمامة»، كتاب «نقض كتاب ابن الراوندي في الإمامة»، كتاب «تحريم المسكر»، كتاب «الرد على من قال بالمتعة»، كتاب «الناكثين، كتاب «الأيمان والنذور».
٥١٦ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الإمام الحافظ فقيه عصره أبو عبد الله المصري (١).
ولد منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائة.
وروى عن ابن وهب، وأبي ضمرة، وابن أبي فديك، والشافعي، وأشهب، وأبي القاسم، وإسحاق بن الفرات، وشعيب بن الليث، وحرملة بن عبد العزيز، وعدّة.
وتفقه بأبيه، وبالشافعي.
روى عنه النسائي وابن خزيمة، وابن صاعد، وأبو بكر بن زياد، والأصم وأبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، وأبو جعفر الطبري، وخلق. وثقه النّسائي. وقال مرة: لا بأس به.
стр. 621
وقال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، أحد فقهاء مصر من أصحاب مالك.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: حمل في المحنة إلى ابن أبي داود فلم يجبه، فرده. وانتهت إليه الرئاسة بمصر في العلم.
وقال ابن خزيمة: أما الإسناد فلم يكن يحفظه. قال ابن حارث: كان من العلماء الفقهاء، مبرزا من أهل النظر والمناظرة والحجة فيما يتكلم فيه ويتقلده من مذهبه، وإليه كانت الرحلة من المغرب والأندلس في العلم والفقه.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيها نبيلا جميلا وجيها في زمنه.
وقال فيه ابن القاسم: إن قبل محمد لعلما، وإليه انتهت الرئاسة بمصر.
وقال ابن أبي دليم: كان فقيه مصر في عصره على مذهب مالك، وصحب الشافعي ورسخ في مذهبه، وربما تخير قوله عند ظهور الحجة، وكان أفقه أهل زمانه. وناظره ابن ملول صاحب سحنون، فقال لمن معه:
صاحبكم أعلم من سحنون، ثقة فاضل، عالم متواضع صدوق.
قال محمد بن فطيس: لقيت في رحلتي نحو مائتي شيخ، ما رأيت فيهم مثل محمد بن عبد الحكم.
وله تواليف كثيرة في فنون العلم، والرد على المخالفين، كلها حسان، ككتاب «أحكام القرآن» كبير، وكتاب «الوثائق والشروط» وكتاب «مجالسة» أربعة أجزاء، وكتاب «الرد على الشافعي»، وكتاب «الرد على أهل العراق»، وكتابه الذي زاد فيه على مختصر أبيه، وكتاب «أدب القضاة»، وكتاب «الدعوى والبينات» وكتاب «السبق والرمي» وكتاب «اختصار كتب أشهب»، وكتاب «الرد على بشر المريسي»، وكتاب «النجوم»، وكتاب «الكفالة»، وكتاب «الرجوع عن الشهادة»، وكتاب «المولدات».
стр. 622
قال ابن حارث: وأراها مؤلفة عليه، لأنها مسائل منثورة لم تضم لثقات كالأسمعة، وكان محمد يقول: التوقر في النزهة مثل التبذل في الحفلة.
وذكر أنه ضرب في المحنة بالقرآن، وكان يفتى فيمن حلف بالمشي إلى مكة بكفارة يمين، وحكى ذلك عن ابن القاسم أنه أفتى به ابنه.
وذكر عنه أن قوما استشاروه في الحج أو الجلوس إلى السماع، فأشار على بعضهم بالحج، وعلى بعضهم بالجلوس، فسئل عن ذلك. فقال: رأيت عند الذين أمرتهم بالجلوس فهما، ورأيت الآخرين بخلافهم، ولهذا الأمر فرسان.
وسئل كيف يعزى الرجل في أمّة النصرانية فقال: يقال له: الحمد لله على ما قضى، قد كنا نحب أن تموت على الإسلام، ويسرك الله بذلك.
وسئل أيضا عن القريب النصراني يموت للمسلم، كيف يعزى عنه فقال: يقول: إن الله قد كتب الموت على خلقه، والموت حتم على الخلق كلهم. توفي في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائتين، وقيل سنة تسع.
٥١٧ - محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن بن حمزة أبو الفتح الأسمندي السمرقندي المعروف بالعلاء العالم (١).
قال ابن النجار وابن السمعاني: كان فقيها مناظرا بارعا، له الباع الطويل في علم الجدل، من فحول الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة.
ورد بغداد حاجّا سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وحدث بها عن عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري، وعلي بن عمر الخراط، وتفقه على السيد الإمام الأشرف.
стр. 623
له «تعليقة» مشهورة في مجلدات، وصنف في الخلاف، وأملى «التفسير»، وشرح «عيون المسائل» لأبي الليث في مجلد.
وروى عنه أبو المظفر السمعاني.
ولد بسمرقند سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
وتنسك، وترك المناظرة، واشتغل بأنواع الخير، إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
٥١٨ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد العلامة أبو عبد الله البخاري (١).
المفسر، العلاء، الملقب بالزاهد الحنفيّ.
قال السمعاني: كان إماما مفننا مذكرا أصوليا متكلما، قيل إنه صنف في «التفسير» كتابا أكثر من ألف جزء أملاه في آخر عمره ولكنه كان مجازفا متساهلا.
تفقه بأبي نصر أحمد بن عبد الرحمن الريغذموني (٢)، وحدث عنه.
كتب إلي بالإجازة، ولم ألحقه ببخاري، لأنه توفي ليلة الاثنين الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وخمسمائة.
أخذ عنه صاحب «الهداية» وغيره.
٥١٩ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي أبو عمر النسوي الشافعي (٣) الملقب أقضى القضاة.
стр. 624
ولد سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وكان يعرف بالقاضي الرئيس.
ذكره كل واحد من عبد الله بن محمد الجرجاني في «طبقات الشافعية» وأبي سعيد السمعاني في «الذيل»، ومحمود الخوارزمي في «تاريخ خوارزم».
قال الجرجانيّ: هو قاضي القضاة بخوارزم، وفراوة، ونسا.
أخذ الفقه ببلده عن القاضي الحسن الدّامانيّ (١) النسويّ.
ثم رحل إلى العراق، وحصّل العلم.
وولاه أمير المؤمنين، القائم بأمر الله القضاء بالنواحي المذكورة، ولقبه بأقضى القضاة.
صنّف كتبا في الفقه، والتفسير، حسن السّيرة في القضاء، مرضي الطريقة.
وقال ابن السمعانيّ: هو المعروف بالقاضي الرئيس، كان من أكابر أهل عصره فضلا وحشمة وقبولا عند الملوك.
بعث رسولا إلى دار الخلافة ببغداد، من جهة الأمير طغرلبك.
وله آثار وجدت بخراسان وخوارزم، وولي قضاءها مدّة، وبنى مدرسة.
سافر الكثير، وسمع بنيسابور الإمام أبا إسحاق الأسفراينيّ، وبجرجان أبا معمر الإسماعيليّ.
وبمصر أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف الفراء.
وبدمشق أبا الحسن علي بن موسى السّمسار.
стр. 625
وبمكة أبا ذر الهرويّ.
وأملى المجالس، وتكلم على الأحاديث.
روى عنه أبو عبد الله الفراوي، وعبد المنعم القشيري، وغيرهم.
وقال الخوارزمي: فاق أهل عصره فضلا، وإفضالا، وتقدم على أبناء دهره رتبة، وجلالة، وحشمة، ونعمة، وقبولا، وإقبالا، له الفضل الوافر في العلوم الدينية، وأنواعها الشّرعية، وكان لغويا، نحويا، مفسرا، مدرسا، فقيها، مفتيا، مناظرا، شاعرا، محدثا.
إلى أن قال: وكان سلاطين السّلجوقية يعتمدونه فيما يعنّ لهم من المهمات.
وذكر أن السلطان ملك شاه بن ألب رسلان استحضره بإشارة نظام الملك من خوارزم إلى أصبهان وجهزه إلى الخليفة ليخطب له ابنته، فلما مثل بين يدي الخليفة، وضعوا له كرسيا جلس عليه، والخليفة على السّرير، فلما فرغ من إبلاغ الرسالة نزل عن الكرسي، وقال: هذه الرسالة، وبقيت النصيحة لا تخلط بيتك الطاهر النبويّ بالتّركمانية.
فقال الخليفة: سمعنا رسالتك، وقبلنا نصيحتك.
فرجع عن حضرة الخلافة، وقد بلغ الوزير نظام الملك الخبر قبل وصوله إليه، فلما وصل إلى أصبهان، قال له: دعوناك من خوارزم لإصلاح أمر أفسدته.
فقال: قال رسول الله ﷺ : (الدّين النّصيحة) وأنا لا أبيع الدّين بالدنيا. ولم تنتقص حشمته بذلك.
ومن شعره.
من رام عند الإله منزلة ... فليطع الله حق طاعته
وحق طاعاته القيام بها ... مبالغا فيه وسع طاقته
стр. 626
وله أيضا:
اتّخذ طاعة الإله سبيلا ... تجد الفوز بالجنان وتنجو
واترك الإثم والفواحش طرّا ... يؤتك الله ما تروم وترجو
وكان أبو القاسم محمود الزمخشريّ، يحكى: أنه كان لا يذكر أحدا إلا بخير، وأنه ذكر له فقيه كثير المساوي، فقال: «لا تقولوا ذلك فإنه يتعمم حسنا» يعني به لم يجد وصفا جميلا إلا حسن عمته، فذكره.
توفي في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
ذكره ابن السبكي في «الكبرى».
محمد (١) بن عبد الرحمن بن نصير أبو بكر الحنفي الفقيه (٢).
صاحب تصانيف، لكنه معتزلي جلد، انتهى.
وناب هذا الرجل في القضاء عن ابن معروف، فقيل: اسم أبيه عبد الله ابن جعفر بن محمد بن الحسين بن الفهم.
صنف «التفسير» وغيره.
وكان بصيرا بالكلام على طريقة أبي هاشم الجبائي. مات في أواخر سنة ثمانين وثلاثمائة.
ذكره في «لسان الميزان».
٥٢٠ - محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي (٣).
стр. 627
الإمام العالم العلامة المتفنن، الجامع بين المعقول والمنقول، القائم بلواء مذهب مالك ببغداد.
ولد سنة إحدى وسبعمائة، وكان فاضلا في الفقه، متقنا للأصول والجدل والمنطق والعربية، إماما في علومه لا يجارى.
رحلة للطلاب، ولي قضاء بغداد والحسبة بها، وكانت له هيبة عظيمة، وهمة سرية، ومكارم أخلاق، وكان مدرس المدرسة المستنصريّة.
وله تواليف، منها: «شرح الإرشاد» لوالده في مذهب مالك، وشرح «مختصر ابن الحاجب» الفقهي، و «الأصلي»، و «تفسير» كبير.
قال الشيخ برهان الدين بن [فرحون (١)] بلغني قديما قبل وفاته بنحو خمس عشرة سنة، أنه وصل فيه إلى سورة تبارك.
وله «تعليقة» في علم الخلاف، وله «أجوبة اعتراضات لابن الحاجب». توفي سنة ست وسبعين وسبعمائة.
٥٢١ - محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الزمرديّ (٢) الشيخ شمس الدين بن الصائغ (٣) الحنفيّ (٤) النحويّ.
قال الحافظ ابن حجر: ولد قبل سنة عشر وسبعمائة واشتغل بالعلم، وبرع في اللغة والنحو والفقه، وأخذ عن الشهاب بن المرحّل، وأبي حيان، والقونويّ، والفخر الزيلعيّ.
стр. 628
وسمع الحديث من الدبوسيّ، والحجّار، وأبي الفتح اليعمريّ.
وكان ملازما للاشتغال، كثير المعاشرة للرؤساء، كثير الاستحضار، فاضلا بارعا، حسن النظم والنثر [قوي] البادرة، دمث الأخلاق.
ولي قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، ودرس بالجامع الطولونيّ وغيره.
وله من التصانيف: «شرح المشارق» في الحديث، «شرح ألفية ابن مالك»، في غاية الحسن والجمع والاختصار، «الغمز على الكنز»، «التذكرة» عدة مجلدات في النحو، «المباني في المعاني»، الثمر الجني في الأدب السنيّ»، «المنهج القويم» في القرآن العظيم، «نتائج الأفكار»، «الرقم على البردة»، «الوضع الباهر في رفع أفعل الظاهر»، «اختراع الفهوم لاجتماع العلوم»، «روض الأفهام في أقسام الاستفهام»، وغير ذلك.
وله «حاشية على المغني» لابن هشام، وصل فيها إلى أثناء الباء الموحدة، وافتتحها بقوله: الحمد لله الذي لا مغني سواه.
أخذ عنه العلامة عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة. ومات في حادي عشر شعبان سنة ست وسبعين وسبعمائة، وخلف ثروة واسعة.
قال الشيخ علاء الدين علي بن عبد القادر المقريزي: رأيته في النوم بعد موته، فسألته ما فعل الله بك؟ فأنشدني:
الله يعفو عن المسيء إذا ... مات على توبة ويرحمه (١)
ومن نظمه:
стр. 629
لا تفخرنّ بما أوتيت من نعم ... على سواك وخف من كسر جبّار (١)
فأنت في الأصل بالفخار مشتبه ... ما أسرع الكسر في الدنيا لفخار
٥٢٢ - محمد بن عبد الرحمن بن الفضل بن الحسين أبو بكر التميمي الجوهري (٢).
الخطيب. صاحب التفاسير، والقراءات، كذا قاله فيه أبو نعيم.
سمع أبا الخليفة، وعبدان الأهوازي، وجماعة. وعنه أبو نعيم، وغيره.
قال ابن الجزري في «طبقات القراء»: وروى القراء عرضا عن محمد ابن أحمد بن الحسن الأشناني الكسائي، ويعقوب بن إبراهيم.
روى القراءة عنه عرضا أبو الحسين علي بن محمد الخبازي، وعبد الله بن محمد الذارع. مات بعد الستين وثلاثمائة.
٥٢٣ - محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن عياض أبو عبد الله المخزومي الشاطبي المنتشي (٣).
كان إماما في التفسير والقراءات، مقدّما في البلاغة، مشاركا في أشياء.
أخذ القراءات عن ابن أبي داود، وابن شفيع، وجماعة. وسمع ابن سكرة، وغيره.
وتصدر للإقراء بشاطبة، فأخذ عنه الناس. مات سنة تسع عشرة وخمسمائة.
٥٢٤ - محمد بن عبد الرحيم بن الطيب أبو العباس القيسي (٤) الضرير.
مقرئ المغرب.
стр. 630
قال الذهبي في «طبقات القراء»: ولد في حدود الثلاثين وستمائة بالجزيرة الخضراء.
وقرأ القرآن على خطيبها أبي عبد الله الركيني، وعلي أبي عبد الله الشريشي السماتي، عن أبي عمرو بن عظيمة صاحب شريح.
ثم تحول إلى سبتة، فأكرمه أميرها أبو القاسم محمد بن أبي العباس العزفي (١)، فلمّا جاء رمضان سأله أن يقرأ السيرة على الناس، فصار يدرس كل يوم ميعادا منها ويورده.
وكان من أسرع الناس حفظا، وأحسنهم صوتا، وكان إليه المنتهى في العصر في معرفة القراءات وضبطها وأدائها، كان يحفظ «التيسير» و «الكافي» لابن شريح، وكان عارفا بالتفسير والعربية والحديث، حمل عنه أهل سبتة. وتوفي في رمضان سنة إحدى وسبعمائة.
٥٢٥ - محمد بن عبد الكريم بن الفضل القزوينيّ (٢) والد الإمام الرّافعيّ. روى عن أبي البركات الفراويّ، وعبد الخالق الشحّاميّ، وسعد الخير محمد بن طراد الزينبيّ، وغيرهم.
وتفقه ببلده على ملكداد بن علي وغيره.
وببغداد على أبي منصور الرّزّاز.
وبنيسابور على محمد بن يحيى.
وقد ترجمه ولده في كتابه «الأمالي» وقال: خص بالصلابة في الدين، والبراعة في العلم، حفظا، وضبطا، وإتقانا، وبيانا، وفهما، ودراية.
стр. 631
قال: وأقبلت عليه المتفقّهة بقزوين، فدرّس، وأفاد، وصنف في الحديث، والتفسير، والفقه.
وكان جيد الحفظ.
سمعته يقول: سهرت البارحة، مفكرا فيما أحفظ من الأبيات المفردة، والمقطوعات خاصة، فذكر آلافا.
قال: وحكى لي الحسين بن عبد الرحيم المؤذن، وهو رجل صالح، أن والدي خرج ليلة لصلاة العشاء، وكانت ليلة مظلمة، فرأيت نورا، فحسبت أن معه سراجا، فلما وصل إلي لم أجد معه شيئا، فذكرت له ذلك، فلم يعجبه وقوفي على حاله، وقال لي: أقبل على شأنك.
وفي ترجمة ولده الإمام عبد الكريم ما يشبه هذه الحكاية.
قال ابن السبكي: فلعل نوع هذه الكرامة في الوالد والولد. توفي في شهر رمضان، سنة ثمانين وخمسمائة، وهو في عشر السبعين.
ذكره ابن قاضي شهبة.
٥٢٦ - محمد بن عبد الملك بن سليمان بن أبي الجعد التستري الحنبلي يكنى أبا بكر (١).
قدم الأندلس تاجرا سنة ثلاثين وأربعمائة (٢).
ذكره الخزرجي وقال: كان خيرا، متدينا، قوي النفس، متسننا، مؤتما بأحمد بن حنبل، ودائنا بمذهبه.
وروايته واسعة عن شيوخ جلة بالعراق وخراسان.
стр. 632
وكان عالما بفنون علم القرآن، من قراءات، وإعراب، وتفسير.
ولد بتستر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وكان ممتعا قوي الأعضاء مصححا.
هذه الترجمة من كتاب «الصلة» لابن بشكوال.
٥٢٧ - محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر بن محمد الكرجي، بالجيم الشافعي أبو الحسن بن أبي طالب (١).
ولد سنة ثمان وخمسين واربعمائة.
وسمع الحديث من مكّي بن علان الكرجي، وأبي القاسم علي بن أحمد ابن الرزاز، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان الكاتب، وأبي الحسن بن العلاف وغيرهم.
روى عنه ابن السمعاني، وأبو موسى المديني، وجماعة.
وصنف تصانيف في المذهب، والتفسير.
وله كتاب «الذرائع في علم الشرائع».
قال ابن السمعاني فيه: أبو الحسن من أهل الكرج، رأيته بها، إمام ورع، عالم، عاقل، فقيه، مفت، محدّث، شاعر، أديب، [له (٢)] مجموع حسن.
أفنى عمره في جمع العلم ونشره.
стр. 633
وكان شافعي المذهب إلا أنه كان لا يقنت في صلاة الفجر.
وقد ذكر في كتاب «الذرائع» أنه أخذ الفقه عن أبي منصور محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني، عن الإمام أبي بكر عبيد الله بن أحمد الزّاذقانيّ، عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني.
قال السمعاني: وله قصيدة بائية في السنة، شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف، تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره في الكرج.
قال ابن السبكي: ثبت لنا بهذا الكلام، إن [ثبت أن (١)] ابن السمعاني قاله، أن لهذا الرجل قصيدة في الاعتقاد على مذهب السلف، موافقة للسنة، وابن السمعاني كان أشعريّ العقيدة، فلا يعترف بأن القصيدة على السنة واعتقاد السلف إلا إذا وافقت ما يعتقد أنه كذلك، وهو رأي الأشعري. توفى الكرجيّ سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
٥٢٨ - محمد بن عبد الواحد بن محمد الطبري أبو طاهر المفسّر (٢).
روى عن الخليلي الحافظ، وعبد الجبار (٣) بن محمد بن ماك.
له كتاب «التفريد في فضائل التوحيد».
ذكره الرافعي في «تاريخ قزوين» ولم يؤرخ مولده ولا وفاته.
٥٢٩ - محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن يزيد بن أبي السكن الجبّائيّ البصري أبو علي (٤).
стр. 634
رأس المعتزلة وشيخهم وكبيرهم، ومن انتهت إليه رياستهم، كان رأسا في الفلسفة والكلام.
أخذ عن أبي [يوسف (١)] يعقوب الشحام البصري، وغيره.
وله مقالات وتصانيف، منها: «التفسير»، و «متشابه القرآن».
وكان من رأيه: تقديم أبي بكر على عمر، وعثمان، والوقوف عن أبي بكر، وعلي وتوفي في شوال سنة ثلاث وثلاثمائة، وله ثمان وستون سنة.
أخذ عنه ابنه أبو هاشم، والشيخ أبو الحسن الأشعري، ثم أعرض الأشعري عن طريق الاعتزال وتاب منه.
وذكر النديم له سبعين تصنيفا، منها «الرد على الأشعري في الرواية» وهو من العجائب؛ لأن الأشعري كان من تلامذته ثم خالفه، وصنف في الرد عليه فنقض هو بعض تصانيفه.
وله «الردّ على أبي الحسن الخياط»، والصالحي، والجاحظ، والنظام، والبرذعي، وغيرهم من المعتزلة مما خالفهم فيه.
٥٣٠ - محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكافي بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد سعد الدين أبو بكر (٢).
وأبو اليمن، وأبو المعالي، وأبو سعيد.
ويقال في اسمه: سعيد الأنصاري، الدمشقي، الشيرازي الأصل، ابن الحنبلي، الواعظ، الأطروش.
أخذ عن أبيه، وأبي محمد عبد الغني المقدسي، وأبي اليمن زيد الكندي،
стр. 635
وقرأ عليه القراءات السّبع، وقرأ [على (١)] أبي البقاء العكبري شرحه «لمقامات الحريري».
وأخذ عن أبي الفرج بن الجوزي، وحفظ الكثير، وعرف التفسير.
وقدم مصر، ودخل الأندلس سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وعبر سبتة، وتكلم في الوعظ بجامعها أشهرا، وجال في الأندلس، ورجع إلى سبتة، وتوجه إلى أزمور، وقدم مراكش.
وهو يعظ في كل ذلك. فيفتتح مجلسه بالتفسير بعد الخطبة والدعاء وشيء من أخبار الصالحين، ومن كلام ابن الجوزي، ويختم بفصل من السّير.
ومجالسه على التوالي، يبدأ اليوم من حيث انتهى بالأمس، وكلامه في ذلك متقن، يشهد بحسن تقدّمه، ولم يكن عنده كتاب يسعده، ليذكر ما كان بسبيله سوى خطب من كلام ابن الجوزي في سفر بخطه، مع تأليف له سماه «مصباح الواعظ» يتضمن ذكر من وعظ من الصدر الأول وما ينبغي للواعظ ويلزمه.
وكان يشارك في الطب وغيره، وكان شديد الصمم، لا يكاد يسمع شيئا البتة، إنما يخاطب بالكتابة، فيجيب بالعين والإشارة.
وكان شافعي المذهب، مستحسن المنزع، لولا حرص كان فيه من باب التكسب، ومع ذلك فقد كان من حسنات وقته. مات بالقرب من مراكش في رجب سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وترك ثلاثمائة وستين دينارا.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٣١ - محمد بن عبدوس بن أحمد بن الجنيد أبو بكر المقرئ، المفسّر، الواعظ، النيسابوري.