قال: وأقبلت عليه المتفقّهة بقزوين، فدرّس، وأفاد، وصنف في الحديث، والتفسير، والفقه.
وكان جيد الحفظ.
سمعته يقول: سهرت البارحة، مفكرا فيما أحفظ من الأبيات المفردة، والمقطوعات خاصة، فذكر آلافا.
قال: وحكى لي الحسين بن عبد الرحيم المؤذن، وهو رجل صالح، أن والدي خرج ليلة لصلاة العشاء، وكانت ليلة مظلمة، فرأيت نورا، فحسبت أن معه سراجا، فلما وصل إلي لم أجد معه شيئا، فذكرت له ذلك، فلم يعجبه وقوفي على حاله، وقال لي: أقبل على شأنك.
وفي ترجمة ولده الإمام عبد الكريم ما يشبه هذه الحكاية.
قال ابن السبكي: فلعل نوع هذه الكرامة في الوالد والولد. توفي في شهر رمضان، سنة ثمانين وخمسمائة، وهو في عشر السبعين.
ذكره ابن قاضي شهبة.
٥٢٦ - محمد بن عبد الملك بن سليمان بن أبي الجعد التستري الحنبلي يكنى أبا بكر (١).
قدم الأندلس تاجرا سنة ثلاثين وأربعمائة (٢).
ذكره الخزرجي وقال: كان خيرا، متدينا، قوي النفس، متسننا، مؤتما بأحمد بن حنبل، ودائنا بمذهبه.
وروايته واسعة عن شيوخ جلة بالعراق وخراسان.
стр. 632
وكان عالما بفنون علم القرآن، من قراءات، وإعراب، وتفسير.
ولد بتستر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وكان ممتعا قوي الأعضاء مصححا.
هذه الترجمة من كتاب «الصلة» لابن بشكوال.
٥٢٧ - محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر بن محمد الكرجي، بالجيم الشافعي أبو الحسن بن أبي طالب (١).
ولد سنة ثمان وخمسين واربعمائة.
وسمع الحديث من مكّي بن علان الكرجي، وأبي القاسم علي بن أحمد ابن الرزاز، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان الكاتب، وأبي الحسن بن العلاف وغيرهم.
روى عنه ابن السمعاني، وأبو موسى المديني، وجماعة.
وصنف تصانيف في المذهب، والتفسير.
وله كتاب «الذرائع في علم الشرائع».
قال ابن السمعاني فيه: أبو الحسن من أهل الكرج، رأيته بها، إمام ورع، عالم، عاقل، فقيه، مفت، محدّث، شاعر، أديب، [له (٢)] مجموع حسن.
أفنى عمره في جمع العلم ونشره.
стр. 633
وكان شافعي المذهب إلا أنه كان لا يقنت في صلاة الفجر.
وقد ذكر في كتاب «الذرائع» أنه أخذ الفقه عن أبي منصور محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني، عن الإمام أبي بكر عبيد الله بن أحمد الزّاذقانيّ، عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني.
قال السمعاني: وله قصيدة بائية في السنة، شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف، تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره في الكرج.
قال ابن السبكي: ثبت لنا بهذا الكلام، إن [ثبت أن (١)] ابن السمعاني قاله، أن لهذا الرجل قصيدة في الاعتقاد على مذهب السلف، موافقة للسنة، وابن السمعاني كان أشعريّ العقيدة، فلا يعترف بأن القصيدة على السنة واعتقاد السلف إلا إذا وافقت ما يعتقد أنه كذلك، وهو رأي الأشعري. توفى الكرجيّ سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
٥٢٨ - محمد بن عبد الواحد بن محمد الطبري أبو طاهر المفسّر (٢).
روى عن الخليلي الحافظ، وعبد الجبار (٣) بن محمد بن ماك.
له كتاب «التفريد في فضائل التوحيد».
ذكره الرافعي في «تاريخ قزوين» ولم يؤرخ مولده ولا وفاته.
٥٢٩ - محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن يزيد بن أبي السكن الجبّائيّ البصري أبو علي (٤).
стр. 634
رأس المعتزلة وشيخهم وكبيرهم، ومن انتهت إليه رياستهم، كان رأسا في الفلسفة والكلام.
أخذ عن أبي [يوسف (١)] يعقوب الشحام البصري، وغيره.
وله مقالات وتصانيف، منها: «التفسير»، و «متشابه القرآن».
وكان من رأيه: تقديم أبي بكر على عمر، وعثمان، والوقوف عن أبي بكر، وعلي وتوفي في شوال سنة ثلاث وثلاثمائة، وله ثمان وستون سنة.
أخذ عنه ابنه أبو هاشم، والشيخ أبو الحسن الأشعري، ثم أعرض الأشعري عن طريق الاعتزال وتاب منه.
وذكر النديم له سبعين تصنيفا، منها «الرد على الأشعري في الرواية» وهو من العجائب؛ لأن الأشعري كان من تلامذته ثم خالفه، وصنف في الرد عليه فنقض هو بعض تصانيفه.
وله «الردّ على أبي الحسن الخياط»، والصالحي، والجاحظ، والنظام، والبرذعي، وغيرهم من المعتزلة مما خالفهم فيه.
٥٣٠ - محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكافي بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد سعد الدين أبو بكر (٢).
وأبو اليمن، وأبو المعالي، وأبو سعيد.
ويقال في اسمه: سعيد الأنصاري، الدمشقي، الشيرازي الأصل، ابن الحنبلي، الواعظ، الأطروش.
أخذ عن أبيه، وأبي محمد عبد الغني المقدسي، وأبي اليمن زيد الكندي،
стр. 635
وقرأ عليه القراءات السّبع، وقرأ [على (١)] أبي البقاء العكبري شرحه «لمقامات الحريري».
وأخذ عن أبي الفرج بن الجوزي، وحفظ الكثير، وعرف التفسير.
وقدم مصر، ودخل الأندلس سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وعبر سبتة، وتكلم في الوعظ بجامعها أشهرا، وجال في الأندلس، ورجع إلى سبتة، وتوجه إلى أزمور، وقدم مراكش.
وهو يعظ في كل ذلك. فيفتتح مجلسه بالتفسير بعد الخطبة والدعاء وشيء من أخبار الصالحين، ومن كلام ابن الجوزي، ويختم بفصل من السّير.
ومجالسه على التوالي، يبدأ اليوم من حيث انتهى بالأمس، وكلامه في ذلك متقن، يشهد بحسن تقدّمه، ولم يكن عنده كتاب يسعده، ليذكر ما كان بسبيله سوى خطب من كلام ابن الجوزي في سفر بخطه، مع تأليف له سماه «مصباح الواعظ» يتضمن ذكر من وعظ من الصدر الأول وما ينبغي للواعظ ويلزمه.
وكان يشارك في الطب وغيره، وكان شديد الصمم، لا يكاد يسمع شيئا البتة، إنما يخاطب بالكتابة، فيجيب بالعين والإشارة.
وكان شافعي المذهب، مستحسن المنزع، لولا حرص كان فيه من باب التكسب، ومع ذلك فقد كان من حسنات وقته. مات بالقرب من مراكش في رجب سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وترك ثلاثمائة وستين دينارا.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٣١ - محمد بن عبدوس بن أحمد بن الجنيد أبو بكر المقرئ، المفسّر، الواعظ، النيسابوري.
стр. 636
إمام فاضل في القراءات، عالم بمعاني القرآن.
سمع السري بن خزيمة، وأبا عبد الله البوشنجي، وتلا على حمدون المقرئ، وأبي الحسن بن شنبوذ.
سمع منه الحاكم، وأثنى عليه. ومات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
٥٣٢ - محمد بن عثمان بن أبي شيبة أبو جعفر العبسيّ الكوفي الحافظ (١).
سمع أباه، وابن المديني، وأحمد بن يونس، وخلقا.
وعنه النجاد، والشافعي (٢) البزار، والطبراني.
وكان عالما بصيرا بالحديث والرجال.
له تواليف مفيدة، منها: كتاب «فضائل القرآن» وثقه صالح جزرة.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا، وهو على ما وصف لي عبدون لا بأس به.
وأما عبد الله بن أحمد بن حنبل، فقال: كذاب.
وقال ابن خراش: كان يضع الحديث.
وقال مطيّن: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون.
وقال البرقاني: لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه. مات سنة سبع (٣).
стр. 637
له «تاريخ كبير» وله معرفة وفهم، وقال أبو نعيم بن عدي: رأيت كلا منه ومن مطيّن يحط أحدهما على الآخر.
قال لي مطين: من أين لقى محمد بن عثمان (١) ابن أبي ليلى؟ فعلمت أنه يحمل عليه، فقلت له: ومتى مات محمد؟ قال: سنة أربع وعشرين، فقلت لابني: أكتب هذا، فرأيته قد ندم. فقال: مات بعد هذا بسنتين، ورأيته قد غلط في موت ابن أبي ليلى.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كتب عنه أصحابنا.
٥٣٣ - محمد بن عثمان بن مسبح أبو بكر الملقب بالجعد الشيبانيّ النحويّ (٢).
أحد أصحاب ابن كيسان. كان من العلماء الفضلاء.
له من التصانيف: «معاني القرآن»، «غريب القرآن»، «الناسخ والمنسوخ»، «القراءات»، «المختصر في النحو»، «المقصور والممدود»، «المذكر والمؤنث»، «العروض»، «الفرق»، «الألفات»، «خلق الإنسان»، «الهجاء» (٣).
٥٣٤ - محمد بن عزيز أبو بكر السجستانيّ العزيزيّ (٤).
стр. 638
بزائين (١) معجمتين، كما ذكره الدّارقطنيّ، وابن ماكولا، وقيل: الثانية مهملة؛ نسبة لبني عزرة؛ وردّ بأنّ القياس فيه العزريّ.
كان أديبا فاضلا متواضعا.
أخذ عن أبي بكر بن الأنباريّ، وصنّف «غريب القرآن» المشهور فجوّده.
ويقال: إنه صنّفه في خمس عشرة سنة، وكان يقرأه على شيخه ابن الأنباري ويصلح فيه مواضع، ورواه عنه ابن حسنون، وغيره. مات سنة ثلاثين وثلاثمائة.
وقال ابن النجار في ترجمته: كان عبدا صالحا، روى عنه «غريب القرآن» أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان المعروف بابن بطة العكبري، وأبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الوزّان، وأبو أحمد عبد الله ابن حسنون المقرئ وغيرهم.
قال: والصحيح في اسم أبيه عزير، آخره راء، هكذا رأيته بخط ابن ناصر الحافظ، وبخط غير واحد من الذين كتبوا كتابه [عنه] وكانوا متقنين.
قال: وذكر لي شيخنا أبو محمد بن الأخضر أنه رأى نسخة لغريب القرآن، بخط مصنفه، وفي آخرها، «وكتب محمد بن عزير» بالراء المهملة.
انتهى.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
стр. 639
٥٣٥ - محمد بن علي بن أحمد بن محمد الإمام أبو بكر الأذفوي (١).
بضم الهمزة وسكون الذال (٢) المعجمة وفاء، مدينة حسنة بالقرب من أسوان، المصري المقرئ النحوي المفسر.
أخذ القراءات عن أبي غانم المظفر بن أحمد بن حمدان، وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم بن جامع، ومن سعيد بن السّكن، والعباس بن أحمد، وكان من أهل العلم والصلاح والدين والأدب، وكان يبيع الخشب، وكان سيد أهل عصره بمصر، أخذ عنه جماعة.
وله كتاب «تفسير القرآن» سماه «الاستغناء» في مائة وعشرين مجلدا، صنفه في اثنتي عشرة سنة.
قال الذهبي: منه نسخة بمصر بوقف القاضي الفاضل عبد الرحيم.
وقال الدّاني: انفرد بالإمامة في دهره في قراءة نافع، رواية ورش، مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وتمكّنه من علم العربية، وبصره بالمعاني.
روى عنه القراءة جماعة من الأكابر، منهم: محمد بن الحسين [بن (٣)] النعمان، والحسن بن سليمان، وعبد الجبار بن أحمد الطّرسوسيّ، وابنه أبو
стр. 640
القاسم أحمد بن أبي بكر الأذفوي، وعتبة بن عبد الملك، وأبو الفضل الخزاعي.
ولد سنة خمس وثلاثمائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع في صفر، وهو أصح.
ومات يوم الخميس سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعمر خمسا وثمانين سنة، وقبره ظاهر بالقرافة يزار، ﵀ وإيانا.
٥٣٦ - محمد بن علي بن إسماعيل الإمام أبو بكر الشّاشي الفقيه الشافعي المعروف بالقفّال (١) الكبير.
أحد أعلام المذهب، وأئمة المسلمين.
ولد سنة إحدى وتسعين ومائتين، ومات بالشاش سنة خمس وستين، وقيل سنة ست وستين وثلاثمائة.
وسمع من أبي بكر بن خزيمة، ومحمد بن جرير، وأبي القاسم البغوي، وأبي عروبة الحرّانيّ، وعبد الله المدائنيّ، ومحمد بن محمد الباغنديّ، وطبقتهم.
قال الشيخ أبو إسحاق: درس على ابن سريج، وجرى عليه الرافعي في «التذنيب» قال ابن الصلاح: الأظهر عندنا أنه لم يدرك ابن سريج، وهو الذي ذكره المطوعي في كتابه، يعني أن ابن سريج مات قبل دخوله بغداد.
стр. 641
وإنما أخذ عن أبي الليث الشالوسي، عن ابن سريج.
كان إمام عصره بما وراء النهر، فقيها، محدثا، مفسرا، أصوليا، لغويا، شاعرا، لم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله في وقته.
رحل إلى خراسان والعراق والشام، وسار ذكره، واشتهر اسمه.
صنف في القرآن «التفسير الكبير»، و «دلائل النبوة»، و «محاسن الشريعة»، و «أدب القضاء» جزء كبير، وله «كتاب حسن في أصول الفقه»، وله «شرح الرسالة».
قال الحاكم: كان أعلم أهل ماوراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلة في طلب الحديث.
وقال الشيخ أبو إسحاق: له مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول من صنف الجدل من الفقهاء، وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر.
وقال النووي: القفال هذا هو الكبير، يتكرر ذكره في التفسير، والحديث، والأصول، والكلام، بخلاف القفال الصغير المروزي، فإنه يتكرر في الفقه خاصة.
وقال الذهبي: سئل أبو سهل الصعلوكيّ عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: قدّسه من وجه ودنّسه من وجه، أي دنسه من جهة نصرة مذهب الاعتزال.
روى عنه الحاكم، وابن منده، والحليميّ، وأبو عبد الرحمن السلمي وجماعة.
ونقل عنه الإمام الرازي في «تفسيره» كثيرا مما يوافق مذهب المعتزلة.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: بلغني أنه كان مائلا عن الاعتدال قائلا بالاعتزال في أول مرة، ثم رجع إلى مذهب الأشعريّ.
стр. 642
قال الشيخ تاج الدين السبكي في «الطبقات الكبرى»: وهذه فائدة جليلة، انفرجت بها كربة عظيمة، وحسيكة في الصدر جسيمة؛ وذلك أن مذاهب تحكى عنه في الأصول، لا تصح إلا على قواعد المعتزلة، وطالما وقع البحث في ذلك حتى توهم أنه معتزليّ، واستند المتوهم إلى ما نقل أنّ أبا الحسن الصّفار، قال: سمعت أبا سهل الصعلوكيّ، سئل عن تفسير القفّال، فقال ما حكاه ابن عساكر، وتبين لنا بها أن ما كان من هذا القبيل، كقوله: يجب العمل بالقياس عقلا، وبخبر الواحد عقلا، وأنحاء ذلك، فالذي نراه أنه لما ذهب إليه كان على ذلك المذهب، فلما رجع لا بد أن يكون قد رجع عنه، فاضبط ذلك.
قال: وقد ذكر الشيخ أبو محمد في «شرح الرسالة» أن القفال أخذ علم الكلام عن الأشعري، وأن الأشعري كان يقرأ عليه الفقه، كما كان هو يقرأ عليه الكلام، وذلك لا شك فيه، كذلك ويدل على أنه أشعري، وكأنه لما رجع عن الاعتزال، أخذ في تلقي علم الكلام عن الأشعري، فقرأ عليه على كبر السن، لعليّ رتبة الأشعري، ورسوخ قدمه في الكلام.
ومن نظم القفّال فيما رواه البيهقي عن عمر بن قتادة، قال: أنشدنا أبو بكر القفّال لنفسه:
أوسع رحلي على منزلي ... وزادي مباح على من أكل (١)
نقدّم حاضر ما عندنا ... وإن لم يكن غير بقل وخل
فأمّا الكريم فيرضى به ... وأما البخيل فمن لم أبل
٥٣٧ - محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني أبو جعفر الباقر (٢).
стр. 643
سمع جابر بن عبد الله، وأبا مرّة مولى عقيل بن أبي طالب، وعبيد الله بن أبي رافع، وسعيد بن المسيب، ويزيد بن هرمز.
روى عنه أبو إسحاق الهمذاني، ومكحول بن راشد، ومعمر بن يحيى، وابنه جعفر، والأوزاعي، وعمرو بن دينار. ولد سنة ست وخمسين، ومات سنة سبع عشرة ومائة.
له «تفسير» رواه عنه زياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي الأعمى، رئيس الجارودية الزيدية من الرافضة.
٥٣٨ - محمد بن علي بن شهراسوب (١) بن أبي نصر [أبو (٢)] جعفر السروريّ المازندرانيّ رشيد (٣) الدين.
أحد شيوخ الشيعة.
اشتغل بالحديث، ولقي الرجال، ثم تفقه وبلغ النهاية في فقه أهل مذهبه، ونبغ في الأصول حتى صار رحلة، ثم تقدم في علم القراءات، والغريب، والتفسير، والنحو.
كان إمام عصره، وواحد دهره، والغالب عليه، علم القرآن والحديث.
وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنة في تصانيفه، في تعليقات الحديث ورجاله ومراسيله، ومتفقه ومفترقه، إلى غير ذلك من أنواعه، واسع العلم، كثير الفنون.
стр. 644
مات في شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
قال ابن أبي طيّ: ما زال الناس بحلب لا يعرفون الفرق بين ابن بطّة الشيعي، وبين ابن بطّة الحنبلي، حتى قدم الرشيد فقال: ابن بطّة الحنبلي، بالفتح، والشيعي بالضم.
٥٣٩ - محمد بن علي عبد القوي بن عبد الباقي بن أبي اليقظان بن أبي الحصيب (١) - بالحاء المهملة- محيي الدين أبو عبد الله التنوخي المعري الدمشقي الحنفي (٢).
ولد بدمشق سنة سبع وأربعين وستمائة.
سمع من عثمان بن [علي] (٣) خطيب القرافة، والعماد بن الحرستاني، وإبراهيم بن خليل الأدمي، وخرج له الحافظ أبو محمد الدمياطي مشيخة.
وكان كثير المطالعة والإشغال والاشتغال، فاضلا في النحو والفقه، مشهورا بالعلم، عارفا بالتفسير وغيره من العلوم، زاهدا.
وكان معيدا بعدة مدارس من القاهرة، ومات بها ليلة الأحد ثامن عشر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ودفن بالقرافة.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٤٠ - محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى بن عبد الرحيم الدكاليّ المغربي الأصل الإمام شمس الدين أبو امامة المعروف بابن النقاش (٤).
стр. 645
قال في «الدرر»: ولد في نصف رجب سنة عشرين- وقال العراقيّ:
سنة ثلاث، وابن رافع خمس وعشرين- وسبعمائة.
حفظ «الحاوي» الصغير، وكان يقول: إنّه أوّل من حفظه بالديار المصرية.
واشتغل على الشيخ شهاب الدين الأنصاري، والشيخ تقي الدين السبكيّ.
وأخذ القراءات عن الشيخ برهان الدين الرّشيديّ، والعربية عن أبي حيّان، وغيره.
وتقدم في الفنون، وحصل، ودرس، وأفتى، وتكلم على الناس، وكان من الفقهاء المبرزين، والفصحاء المشهورين، وله نظم ونثر حسن.
وحصل له بمصر رئاسة عظيمة، وشاع ذكره في الناس، ودرس بعدة مدارس، وبعد صيته.
وورد الشام في أيام السبكي، وجلس بالجامع ووعظ بجنان ثابت، ولسان فصيح من غير تكلف، فعكف الناس عليه.
وله مصنفات منها شرح «التسهيل» وشرح «العمدة» في ثمان مجلدات، شرح «ألفية ابن مالك» وكتاب «النظائر والفروق»، و «خرج أحاديث الرافعي»، وله «تفسير» مطول جدا، التزم أن لا ينقل فيه حرفا عن أحد.
قال ابن كثير: كان فقيها، نحويا، شاعرا، واعظا، له يد طولى في فنون، وقدرة على السجع. وكان يقول: الناس اليوم رافعية لا شافعية، ونووية لا نبوية، انتهى.
قال ابن قاضي شهبة في «الطبقات»: وآخر هذا الكلام منكر، ومما نقل من الزركشي (١)، أنه صنف كتابا سماه «اللاحق السابق».
стр. 646
وقال الصفدي: قدم دمشق فأكرمه السبكي وعظمه، وصحب الأمراء، ثم صحب الناصر حسنا إلى أن أبعده عنه الهرماس بسبب أنه أفتى فتيا تخالف مذهب الشافعي، فشنع عليه، وعقد له مجلس بالصالحيّة بحضرة القاضي عز الدين بن جماعة، ومنع من الفتيا قال: ومات في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبعمائة عن تسع وثلاثين.
وقال ابن حبيب: عن ثلاث وأربعين.
وهو والد [الشيخ زين الدين (١)] أبي هريرة الخطيب.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٤١ - محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن العربي الحاتمي (٢).
الصوفي الفقيه الظاهري، المحدّث، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عديّ ابن حاتم.
ولد بمرسية في شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة.
وسمع بقرطبة من الحافظ أبي القاسم خلف بن بشكوال، وغيره.
وبإشبيلية من أبي بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي، وقرأ عليه القرآن الكريم بالقراءات السبع، وبكتاب «الكافي» لأبي عبد الله محمد بن شريح الرعيني المقرئ في مذاهب القراء السبعة المشهورين، وحدثه به عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني عن أبيه.
стр. 647
وقرأ أيضا بالكتاب المذكور على أبي القاسم عبد الرحمن بن غالب الشراط القرطبي، وحدثه به عن ابن المؤلف.
وسمع على قاضي مدينة فاس أبي محمد عبد الله التادلي كتاب «التبصرة» في مذاهب القراء السبعة، لأبي محمد مكي بن أبي طالب المقرئ عن أبي بحر سفيان عن المؤلف.
وسمع على القاضي أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي جمرة كتاب «التيسير» في مذاهب القراء السبعة لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني عن أبيه عن المؤلف، وسمع على القاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون الأنصاري، وعلى أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي، وعلى عبد الصّمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني. وعلى يونس بن أبي الحسن العباسي نزيل مكة، وعلى المكين بن شجاع زاهر بن رستم الأصبهاني إمام المقام، وعلي بن البرهان نصر بن أبي الفتوح بن علي وسالم ابن رزق الله الأفريقي، ومحمد بن أبي الوليد بن أحمد بن شبل، وأبي عبد الله ابن عيشون.
وأجازه جماعة كثيرة منهم الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر، وأبو الطاهر السلفي، وأبو الفرج بن الجوزي.
وقدم إلى مصر. وأقام بالحجاز مدة. ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، ومات بدمشق في ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون.
قال ابن الأبار: من أهل إشبيلية، وأصله من سبتة.
وقال أبو جعفر بن الزبير: أظنه من أهل المريّة.
وقال ابن النجار: أقام بإشبيلية إلى سنة ثمان وتسعين، ثم دخل بلاد المشرق.
стр. 648
وقال ابن الأبار: أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة، ثم رحل إلى المشرق حاجا، فأدى الفريضة ولم يعد بعدها إلى الأندلس.
وقال أبو محمد المنذري: ذكر أنه سمع بقرطبة من أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال وجماعة سواه، وسمع بإشبيلية من أبي بكر محمد بن خلف بن صاف، وأنه سمع بمكة وبغداد والموصل وغيرها من جماعة، وطاف البلاد، وسكن بلاد الروم مدة، وجمع مجاميع في الطريقة.
وقال ابن الأبار: وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني، وسمع «صحيح مسلم» مع شيخنا أبي الحسن بن أبي نصر في شوال سنة ست وستمائة، وكان يحدث بالإجازة العامة عن السلفي ويقول بها، وبرع في علم التصوف، وله في ذلك مصنفات جليلة طويلة كثيرة، لقيه جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه.
وقال أبو جعفر بن الزبير: وجال في بلاد المشرق، وأخذ في رحلته، وألف في التصوف وما يرجع إليه، وفي التفسير وفي غير ذلك، تواليف لا يأخذها الحصر منها «الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل»، وكتاب «كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى» وكتاب «الإعلام بإشارات أهل الإلهام» إلى ذلك، وله شعر وتصرف في فنون من العلم، وتقدم في علم الكلام والتصوف.
وقال ابن الدّبيثي: قدم بغداد في سنة ثمان وستمائة، وكان يومأ إليه بالفضل والمعرفة، والغالب عليه طريق أهل الحقيقة، وله قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلام على لسان أهل التصوف، ورأيت جماعة يصفونه بالتقدم والمكانة عند جماعة من أهل هذا الشأن بدمشق، وبلاد الشام والحجاز، وله أصحاب وأتباع، ووقفت له على مجموع من تأليفه وقد ضمّنه منامات رأى
стр. 649
فيها رسول الله ﷺ وما سمعه منه، ومنامات قد حدث بها عمن رآه ﷺ ، فكتب عني شيئا من ذلك، وعلقت عنه منامين فحسب.
وقال ابن النجار: وكان قد صحب الصوفية، وأرباب القلوب، وسلك طريق الفقر، وحج وجاور، وصنف كتبا في علوم القوم، وفي أخبار مشايخ المغرب وزهادها، وله أشعار حسنة، وكلام مليح، اجتمعت به بدمشق في رحلتي إليها. وكتبت عنه شيئا من شعره، ونعم الشيخ هو: ذكر لي أنه دخل بغداد في سنة إحدى وستمائة، فأقام بها اثني عشر يوما، ثم دخلها ثانيا حاجا مع الركب في سنة ثمان وستمائة.
وأنشدني لنفسه:
أيا حائرا ما بين علم وشهوة ... ليتصلا ما بين ضدين من وصل (١)
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ... يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل
وسألته عن مولده فقال: في ليلة الاثنين سابع عشر رمضان سنة ستين وخمسمائة بمرسية من بلاد الأندلس.
وقال ابن مسدي: وكان يلقب بالقشيري، لقب غلب عليه لما كان يشير من التصوف إليه، وكان جميل الجملة والتفصيل، محصلا لفنون العلم أخصّ تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدم الذي لم يسبق.
سمع ببلده من أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون القاضي، ومن الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن الجد، وأبي الوليد جابر بن أبي أيوب الحضرمي.
стр. 650
وبسبتة من أبي محمد بن عبيد الله، وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه، وأبو جعفر بن مضاء واختصّ بنجبة بن يحيى، فقرأ عليه القرآن بالروايات.
وسمع بمرسية من القاضي أبي بكر بن أبي جمرة (١)، وغيره، وذكر أنه لقي عبد الحق بن عبد الرحمن ببجانة وفي ذلك نظر.
وذكر الشيخ محيي الدين في إجازته للملك المظفر غازي بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب [ما معناه أو نصه (٢)]، ومن شيوخنا المحدّث أبو محمد عبد الحق بن عبد الله الأزدي الإشبيلي ﵀ حدثني بجميع مصنفاته في الحديث، وعين لي من أسمائها «تلقين المبتدي» و «الأحكام الصغرى» و «الوسطى» و «الكبرى» وكتاب «التهجد» وكتاب «العاقبة» ونظمه ونثره، وحدثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم، عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه.
وذكر الشيخ محيي الدين: أن الحافظ السلفي أجاز له، وأحسبها الإجازة العامة.
وله تواليف، وكان مقتدرا على الكلام ولعله ما سلم من الكلام.
وكان ﵀ ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات.
قال ابن النجار: توفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن يوم الجمعة بجبل قاسيون، واتفق أنه لما أقام ببلاد الروم ركبه ذات يوم الملك وقال: هذا بدعوة الأسود،
стр. 651
فسئل عن ذلك، فقال: خدمت بمكة بعض الصّلحاء، فقال لي يوما: الله يذل لك أعزّ خلقه، وأمر له ملك الروم مرة بدار تساوي مائة ألف درهم، فلما نزل بها وأقام بها مرّ به في بعض الأيام سائل، فقال له: شيء لله، فقال:
ما لي غير هذه الدار، خذها لك، فتسلمها السائل وصارت له.
وقد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، أنه قال عن ابن العربي:
هذا شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يرى تحريم فرج، وأنه سئل عن كذبه، فقال: كان ينكر تزويج الإنس بالجن، ويقول: الجن روح لطيف، والإنس جسم كثيف لا يجتمعان، ثم زعم أنه تزوج امرأة من الجن وأقامت معه مدة ثم ضربته بعظم جمل فشجته، وأرانا شجّة بوجهه وقد برئت.
ويقال أيضا إنه خرج هو وابن سراقة العامري من باب القراديس بدمشق، فقال: بعد كذا وكذا ألف سنة، يخرج ابن العربي وابن سراقة من هذا الباب على هذه الهيئة.
وقال في حقه شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي: له توسع وذكاء، وقوة خاطر، وحافظة، وتدقيق في التصوف، وتواليف جمة في العرفان، لولا شطحه في كلامه وشعره، ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخير.
وقال القطب اليونيني في ذيل «مرآة الزمان» عن ابن عربي، وكان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء.
وحكى ابن سودكين عنه: أنه كان يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همّته في الحضور في مناماته، بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما، كما كان يحكم عليه يقظة، فإذا حصل للعبد هذا الحضور وصار خلقا
стр. 652
له، وجد ثمرة ذلك في البرزخ، وانتفع به جدا، فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر، فإنه عظيم الفائدة بإذن الله.
وقال: إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك.
وقال: ينبغي للسالك متى خطر له أن يعقد على أمر، أو يعاهد الله تعالى عليه، أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته، فإن يسّر الله فعله فعله، وإن لم ييسّر الله فعله، يكون مخلصا من نكث العهد، ولا يتصف بنقض الميثاق.
وقال: بلغني في مكة عن امرأة من أهل بغداد، أنها تكلمت فيّ بأمور عظيمة، فقلت: هذه جعلها الله سببا لخير وصل إليّ فلأكافئنها، وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما أعتمر في رجب يكون لها وعنها، ففعلت ذلك، فلما كان الموسم استدل عليّ رجل غريب. فسأله الجماعة عن قصده. فقال:
رأيت بالينبع في الليلة التي بت فيها، كأنّ آلافا من الإبل، أوقارها المسك والعنبر والجوهر، فعجبت من كثرته ثم سألت لمن هو؟ فقيل: هو لمحمد بن عربي، يهديه إلى فلانة، وسمّى تلك المرأة ثم قال: وهذا بعض ما تستحق.
قال ابن عربي: فلما سمعت الرّؤيا واسم المرأة، ولم يكن أحد من خلق الله علم مني ذلك، علمت أنه تعريف من جانب الحق، وفهمت من قوله:
إن هذا بعض ما تستحق، أنها مكذوب عليها، فقصدت المرأة وقلت:
أصدقيني، وذكرت لها ما كان من ذلك، فقالت: كنت قاعدة قبالة باب البيت وأنت تطوف، فشكرك الجماعة التي كنت فيهم، فقلت في نفسي:
اللهمّ إني أشهدك قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما، وأتصدق فيهما، قال: فعلمت أن الذي وصل منها إلى بعض ما تستحقه، فإنها سبقت بالجميل والفضل المتقدم.
стр. 653
٥٤٢ - محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الفخار الجذاميّ (١).
الأركشي المولد والمنشأ، المالقيّ الاستيطان، الشّريشيّ التدرب والقراءة، الإمام أبو بكر.
قال في «تاريخ غرناطة» كان متفنّنا عالما بالفقه والعربيّة والقراءات والأدب الحديث، خيّرا صالحا، شديد الانقباض، ورعا، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم، قليل الرياء والتصنّع، عظيم الصبر.
خرج من بلده أركش حين استولى عليها العدوّ، فاستوطن شريش وقرأ بها العربية والأدب على الأستاذ أبي الحسن بن إبراهيم السّكوني، وأبي بكر محمد بن محمد الديباج وغيرهما، ولحق بالجزيرة الخضراء لما استولى العدو على شريش، فأخذ بها عن أبي عبد الله بن خميس وغيره.
ثم أخذ عن أبي الحسين بن أبي الرّبيع وغيره بسبتة، والأبذيّ، وابن الصائغ بغرناطة، ثم استوطن مالقة وسمع بها على أبي عمر بن حوط الله، وتصدر للإقراء، فكان يدرّس من صلاة الصبح إلى الزوال، ويقرأ القرآن، ويفتي النّساء بالمسجد إلى بعيد العصر، ويأتي الجامع الأعظم بعد المغرب فيفتي إلى العشاء الآخرة، ولا يقبل من أحد شيئا، ووقعت له مشاحنات [مع] فقهاء بلده في فتاوى، وعقدت له مجالس، وشهر فيها، وبالغ الناس في تعظيمه.
وقد أخذ عن أبي يعقوب المحاسني، وأبي الحسن علي بن عيسى المعروف بابن ميتوان، والمحدث الحافظ أبي محمد الكماد، وغيرهم من الأئمة الجلة ممن يطول تعدادهم.
стр. 654
وكان مغري بالتأليف، ألف نحو الثلاثين تأليفا في فنون مختلفة، منها:
كتاب «تحبير الجمان في تفسير أم القرآن»، و «انتفاع الطلبة النبهاء في اجتماع السبعة القراء» و «الأحاديث الأربعون فيما ينتفع به القارءون والسامعون»، وكتاب «منظوم الدرر في شرح كتاب المختصر»، وكتاب «نصح المقالة في شرح الرسالة» وكتاب «الجواب المختصر المروم في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الروم»، وكتاب «استواء النهج في تحريم اللعب بالشطرنج»، وكتاب «النصل المنتضى المهزوز في الرد على من أنكر صيام يوم النيروز» وكتاب «تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر وقتها المختار على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتدار»، وكتاب «إرشاد السالك في بيان إسناد زياد عن مالك» وكتاب «الجوابات المجمعة على السؤالات المنوعة» وكتاب «إملاء الدول في ابتداء مقاصد الجمل» و «شرح مشكلات سيبويه» سماه «أجوبة الإقناع والاحتساب في مشكلات مسائل الكتاب» وشرح قوانين الجزولية سماه «منهج الضوابط المقسمة في شرح قوانين المقدمة» وكتاب «التوجيه الأوضح الأسمى في حذف التنوين من حديث أسما» وكتاب «التكملة والتبرية في إعراب البسملة والتصلية» وكتاب «سح مزنة الانتخاب في شرح خطبة الكتاب» و «اللائح المعتمد عليه في الرد على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه» وغير ذلك.
ومن نظمه:
أنظر إلى ورد الرياض كأنه ... ديباج خدّ في بنان زبرجد
قد فتّحته نضارة فبدا له ... في القلب رونق صفرة كالعسجد
حكت الجوانب خدّ حب ناعم ... والقلب يحكي قلب صبّ مكمد
مات رحمه الله تعالى بمالقة سنة ثلاث وسبعمائة.
ذكره ابن فرحون، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
стр. 655
٥٤٣ - محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن مهرايزد النحوي (١) المعلم الأصبهاني الأديب، أبو مسلم.
صنف «تفسيرا» كبيرا في عشرين مجلدا، وكان عارفا بالنحو غاليا في الاعتزال.
روى عن ابن المقرئ «مسند» ابن وهب رواية حرملة عنه، وهو آخر من حدث عنه. مولده سنة ست وستين وثلاثمائة ومات سنة تسع وخمسين وأربعمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٤٤ - محمد بن عليّ بن محمد البلنسي الغرناطي (٢).
قال في «تاريخ غرناطة»؛ قائم على العربيّة والبيان، ذاكر لكثير من المسائل، حافظ متقن، حسن الإلقاء، عفيف النشأة، مكب على العلم، مع زمانة أصابت يمناه، لازم ابن الفخّار، ومهر في العربيّة.
وصنّف «الاستدراك على التعريف والإعلام للسهيلي»، و «تفسيرا كبيرا».
وجرت له منحة مع السلطان، ثم صفح عنه لحسن تلاوته.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة». ولم يؤرخ وفاته.
٥٤٥ - محمد بن علي بن ممويه أبو بكر الأصبهاني (٣).
الواعظ، المفسر، المعروف بالحمّال، كان ملك العلماء في وقته بأصبهان.
مات سنة أربع عشرة وأربعمائة.
стр. 656
٥٤٦ - محمد بن علي بن يحيى بن يوسف بن الحسين بن محمد بن عبيد الله بن هبيرة أبو الرضا النسفي ثم البغدادي (١).
قال ابن النجار: كان صالحا فاضلا خبيرا بالتفسير والنحو والأدب.
حدث عن طراد، وابن البطر.
روى عنه أبو محمد بن الخشاب النحوي، وغيره. مات في محرم سنة سبع عشرة وخمسمائة.
٥٤٧ - محمد بن عليّ المصريّ أبو عبد الله.
قال الخزرجيّ في «طبقات أهل اليمن»: كان فقيها فاضلا، عارفا بالنحو، والفقه، واللغة، والحديث، والتفسير والقراءات.
أعاد بالمؤيديّة بتعز، ودرّس بالمجاهدية بها. ومات سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٤٨ - محمد بن أبي عليّ بن أبي نصر فخر الدين أبو عبد الله النوقاني (٢).
الفقيه الشافعي الأصولي، كان له يد طولى في التفسير، والفقه، والجدل، كثير العبادة والصلاح.
تفقه على الإمام محمد بن يحيى، وقدم بغداد ودرّس وناظر، وتولى تدريس مدرسة أم الخليفة النّاصر. مات بالكوفة في صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
стр. 657
٥٤٩ - محمد بن علي- ويقال يعلى- بن محمد بن وليد بن عبيد المعافري (١).
ويعرف بالجوزي (٢): من أهل إشبيلية، وأصله من قرطبة، خرج جده محمد منها في فتنة البربر، يكنى بأبي بكر، وبأبي عبد الله. وهو خال القاضي أبي الفضل عياض.
سمع بسبتة من أبي علي بن خالد، ومروان بن سمحون، وغيرهما.
ودخل إلى بلاد إفريقية فدرس على عبد العزيز الديباجي، وروى عنه كتبه وغيرها.
وصنف في «التفسير» كتابا حسنا، مات قبل إكماله، وصنف في علم التوحيد، وكان متفننا في العلوم، ومن أهل البلاغة والشعر.
وله:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم ارعوى ثم انتهى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
مولده بسبتة في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي يوم الجمعة لتسع بقين من صفر سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
ذكره ابن بشكوال في «الصلة».
٥٥٠ - محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي (٣).
стр. 658
الإمام العلامة سلطان المتكلمين في زمانه، فخر الدين، أبو عبد الله القرشي البكري التيميّ، من ذرية أبي بكر الصديق ﵁، الطبرستاني الأصل، ثم الرازي، ابن
خطيبها.
المفسّر، المتكلم. إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، وأحد المبعوثين على رأس المائة السادسة لتجديد الدين.
ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة ثلاث، اشتغل أولا على والده ضياء الدين عمر، وهو من تلامذة البغوي، ثم على الكمال السمناني، وعلى المجد الجيلي، صاحب محمد بن يحيى، وأتقن علوما كثيرة، وبرز فيها، وتقدّم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد، وصنف في فنون كثيرة؛ وكان له مجلس كبير للوعظ يحضره الخاص والعام، ويلحقه فيه حال ووجد.
وجدت بينه وبين جماعة من الكرامية مخاصمات وفتن، وأوذي بسببهم، وآذاهم وكان ينال منهم في مجلسه، وينالون منه.
وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم، وقيل:
إنه كان يحفظ «الشامل» لإمام الحرمين في الكلام، وقيل إنه ندم على دخوله في علم الكلام.
قال ابن الصلاح: أخبرني القطب الطوغاني (١) مرتين: أنه سمع الإمام
стр. 659
فخر الدين يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى.
وروى عنه أنه قال: لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أصحّ الطرق طريقة القرآن، اقرأ في التنزيه وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ (١) وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٢) وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٣).
واقرأ في الإثبات الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٤)، يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ (٥) إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ (٦) واقرأ في أن الكل من الله، قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٧).
ثم قال: وأقول من صميم القلب من داخل الرّوح، إني مقرّ بأنّ ما هو الأكمل الأفضل الأجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه.
وكانت وفاته بهراة في يوم الاثنين يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة.
قال أبو شامة: وبلغني أنه خلف من الذهب ثمانين ألف دينار سوى الدواب والعقار وغير ذلك.
نقل عنه النووي في «الروضة» في موضع واحد في القضاء، وفي الكلام على ما إذا تغير اجتهاد المفتي.
ومن تصانيفه «التفسير الكبير» لكنه لم يكمل، كذا في مختصر «تاريخ
стр. 660
الذهبي» سماه «مفاتيح الغيب»، وكتاب «المحصول»، وكتاب «المنتخب»، وكتاب «نهاية العقول»، وكتاب «البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان»، وكتاب «المباحث العمادية في المطالب المعادية»، وكتاب «تأسيس التقديس» في تأويل الصفات، وكتاب «إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار»، وكتاب «الزّبدة» وكتاب «المعالم في أصول الدين»، و «المعالم في أصول الفقه»، و «شرح أسماء الله الحسنى»، وكتاب «شرح الإشارات»، وكتاب «الملخص» في الفلسفة، وشرح «المفصّل للزمخشري»، وشرح نصف «الوجيز للغزالي»، و «شرح سقط الزّند» لأبي العلاء، وكتاب «إعجاز القرآن» وصنّف في الطب «شرح كليات القانون»، وله مصنف في «مناقب الإمام الشافعي»، وكتاب «المطالب العالية» في ثلاثة مجلدات، ولم يتمه، وهو من آخر تصانيفه، وكتاب «الملل والنحل» وغير ذلك.
ورزق سعادة في مصنفاته، وانتشرت في الآفاق، وأقبل الناس على الاشتغال بها.
وقال ابن السبكي في «الطبقات الكبرى»: وكان يفتي مع ابن عبد السلام، واختصر المذهب في كتاب سماه «الهادي».
ومن شعره:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال (١)
وأرواحنا في غفلة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
وكم قد رأينا من جبال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
стр. 661
٥٥١ - محمد بن عمر بن سعيد الباهلي البصري.
من كبار المعتزلة، كان له مجلس يقصّ فيه، وكان رقيق العبارة. مات سنة ثلاثمائة، مولده بالبصرة ومنشؤه بها.
كان حسن الاضطلاع بصناعة الكلام على مذهب البصريين، وحكي أن أبا علي كان يحضر مجلسه.
له من الكتب «الأصول في التوحيد»، «إعجاز القرآن». وغير ذلك (١).
٥٥٢ - محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد ابن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهريّ السبتيّ المالكي أبو عبد الله محبّ الدين يعرف بابن رشيد (٢).
قال في «تاريخ غرناطة»: كان مضطلعا بالعربيّة واللغة والعروض، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، كثير السّماع، عالي الإسناد، صحيح النّقل، تامّ العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا، محققا فيها، ذاكرا للرجال، فقيها، أصيل النّظر، ذاكرا للتّفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة، بارع الخط، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، مبذول الجاه، كهفا لأصناف الطلبة.
стр. 662
قرأ [على] (١) ابن أبي الربيع (٢) وحازم القرطاجني، ورحل فأخذ بمصر، والشّام، والحرمين؛ عن جماعة منهم الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطي، وأبي اليمن بن عساكر، والقطب القسطلّانيّ (٣)، وغيرهم مما ضمّن رحلته التي سماها «ملء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الرّحلة إلى مكة وطيبة»، وهي ستّ مجلدات مشتملة على فنون.
وأقرأ بغرناطة فنونا من العلم، وولي الإمامة والخطابة بجامعها الأعظم.
مولده سنة سبع وخمسين وستمائة بسبتة، ومات بفاس في المحرم سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وقال الصلاح الصفدي: له مصنّفات، منها: «تلخيص القوانين في النحو» وشرح «التّجنيس لحازم» و «حكم الاستعارة» و «إفادة النّصيح في رواية الصحيح» و «إيضاح المذاهب فيمن يطلق عليه اسم الصاحب» و «جزء في مسألة العنعنة» و «المحاكمة بين الإمامين» وغير ذلك.
وله:
هنيئا لعيني أن رأت عين أحمد ... فيا سعد جدي قد ظفرت بمقصدي
وقبّلتها أشفي الغليل فزاد بي ... فيا عجبا زاد الظما عند موردي (٤)
وله في مزدلفة:
стр. 663
ما اسم لأرض فريد ... وإن تشأ فهو جمع
وفيه للفعل وقف ... وفيه للحرف رفع
وفيه للجمع صرف ... وفيه للصّرف منع
ذكره ابن فرحون، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٥٣ - محمد بن عمر بن يوسف الإمام أبو عبد الله القرطبي (١) الأنصاريّ، المقرئ، المالكي، الزاهد. ويعرف في الأندلس بابن مغايظ بالغين والظاء المعجمتين.
قال الذهبي: كان إماما صالحا، زاهدا مجوّدا للقراءات، عارفا بوجوهها، بصيرا بمذهب مالك، حاذقا بفنون العربيّة، وله يد طولى في التفسير.
ولد بالأندلس، ونشأ بفاس، وحجّ وسمع بمكة من عبد المنعم الفراويّ، وبالإسكندرية من ابن موقا، وبمصر من البوصيريّ، والأرتاحيّ، وأبي القاسم ابن فيّره الشاطبي، ولازمه مدّة، وقرأ عليه القراءات، وجلس بعد موته مكانه، ولم يسمع أحد من الشاطبي الرائية كاملة فيما نعلم سواه وسوى التجيبي، وله فيها أبيات انفرد بروايتها عنه، وكذلك في الشاطبية بيتان:
أحدهما في البقرة، والآخرة في الرعد.
وأقرأ القرآن والحديث، وجاور بالمدينة الشريفة وشهر بالفضل والصلاح والورع، ونوظر عليه في كتاب سيبويه.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ، والشهاب القوصي، وجماعة آخرهم الحسن سبط زيادة.
стр. 664
ولد سنة سبع أو ثمان وخمسين وخمسمائة، ومات بمصر في مستهل صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بالقرافة.
٥٥٤ - محمد بن عمران بن موسى الجوريّ الأديب النحوي (١).
كان أديبا فاضلا.
سمع أبا بكر بن دريد، وأبا الفضل حماد بن مدرك، [وعبد الله بن] جعفر بن درستويه، وغيرهم.
وعنه الحاكم، وقال: كان من الأدباء المتقنين، علامة في معرفة الأنساب، وعلوم القرآن. مات في شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
٥٥٥ - محمد بن عمر الإمام أبو بكر السّيغيّ (٢).
ويقال: بالصاد، المفسر، مصنف كتاب «التلخيص» في اللغة، ذكره صاحب القاموس.
والسّيغي بكسر أوّليه، وآخره غين معجمة نسبة إلى سيغ، ناحية بخراسان.
٥٥٦ - محمد بن عوض بن خضر جلال الدين الكرماني (٣).
كان ذا معرفة بالتفسير، والعربية؛ والمنطق، وغير ذلك.
تصدى للإفادة، وجاور بمكة سنين، ثم انتقل إلى اليمن، ونال قربا ونفعا من صاحبها الملك الناصر، فاشتهر ذكره، وأخذ عنه الطلبة، وأدركه الأجل بعدن، في ذي القعدة سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
стр. 665
وكان كثير الميل لتصوف الشيخ محيي الدين بن عربي، ويدعي القدرة للانتصار له.
ذكره الحافظ تقي الدين الفاسي في كتابه «تعريف ذوي العلا بمن م يذكره الذهبي في سير النبلا».
٥٥٧ - محمد بن عون بن داود السّيرافي (١).
لقبه مشليق. عن عبد الواحد بن غياث، وعبد الرحمن بن المتوكل وغيرهما.
وعنه الإسماعيلي في معجمه، قال: وكان ينسب إلى التفسير، ولم يكن في الحديث بذاك.
ذكره في «لسان الميزان».
٥٥٨ - محمد بن عيسى الإمام العالم المفتي شمس الدين السلسلي (٢) المصري.
سمع من عبد الرحيم بن أبي اليسر، كما حكاه ابن رافع عن بعض الطلبة، وحفظ «التنبيه» و «الألفية» واشتغل بالعربية وغيرها كثيرا، وتصدر بجامع دمشق، وشغل به، وتولي مشيخة الخانقاه الشهابية بدمشق.
قال ابن رافع: علق في «التفسير» شيئا.
وذكره ابن حجيّ فقال: صاحبنا وشيخنا، كان رجلا فاضلا في العربية يشغل بالجامع تحت [قبة (٣)] النسر، وله عمل جيد في الفقه وغيره.
стр. 666
وكان الفقهاء من أصحابه ورفقاؤه والطلبة يترددون إليه، ويحبونه وينشرحون لحديثه وكان عزبا، وهو رجل جيد، له عبادة من صيام وصدقة، ويزور مقابر الباب الصغير في كل سبت، لا يترك [ذلك] صيفا ولا شتاء.
وكان كثير المطالعة والمذاكرة والاشتغال بمنزله والجامع، وله «سؤالات في العربية»، سأل عنها الشيخ الإمام تقي الدين السبكيّ فأجابه، وله «أرجوزة في التصريف» وكتب على «المنهاج» في الفقه. توفي ليلة ثالث عشر ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة بالخانقاه الشهابية من مرض طال به، ودفن بالباب الصغير، وقد جاوز الخمسين.
ذكره ابن المعتمد في «الذيل على طبقات السبكي».
٥٥٩ - محمد بن الفضل البلخي الإمام أبو بكر المفسّر (١).
توفي سلخ سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. كذا ذكره الذهبي. ثم قال بعد ذلك: محمد بن الفضل بن محمد بن جعفر بن صالح أبو بكر، يعرف بميرك البلخي المفسر المعروف بالرّوّاس.
صنف «التفسير الكبير» وروى عن أحمد بن محمد بن نافع، ومحمد بن علي بن عنبسة. روى عنه: علي بن محمد بن حيدر وغيره. ومات سنة خمس عشرة- أو ست عشرة- وأربعمائة.
وقال القرشي في «طبقات الحنفية»: له كتاب «الاعتقاد» في اعتقاد أهل السنة. صنفه لمحمود بن سبكتكين «ذكر فيه أن العلم أفضل من العقل، ومن قال: إن العقل أفضل من العلم فهو معتزلي. قال: لأن العلم حاجة والعقل كالآلة.
стр. 667
قال: وقال الذهبي في «العبر» (١): وفيها يعني سنة تسع عشرة وثلاثمائة، مات محمد بن الفضل البلخي الزاهد أبو عبد الله. نزيل سمرقند، وكان إليه المنتهى في الوعظ والتذكير. يقال: إنه مات في مجلسه أربعة أنفس، صحب أحمد خضرويه البلخي، وهو آخر من روى عن قتيبة، وقد أجاز لأبي بكر بن المقرئ، انتهى.
وقال في «الرسالة» في آخر باب حفظ قلوب المشايخ: سمعت الأستاذ أبا علي يقول: لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد، دعا عليهم فقال:
اللهم امنع عنهم الصدق، فلم يخرج من بلخ بعده صديق.
٥٦٠ - محمد بن فضيل بن غزوان- بفتح المعجمة وسكون الزاي- أبو عبد الرحمن الضبي الحافظ مولاهم الكوفي (٢).
سمع أباه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغير واحد.
روى عنه محمد بن نمير، وإسحاق الحنظلي، وابن أبي شيبة، ومحمد بن سلام وقتيبة، وعمران بن ميسرة، وعمرو بن علي، وعبد الله بن عامر، وأبو كريب، ومحمد بن طريف، وواصل بن عبد الأعلى. وزهير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، وأحمد الوكيعي، وعبد العزيز بن عمر بن أبان.
صدوق عارف، رمي بالتشيع، من الطبقة التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومائة، خرج له الجماعة.
стр. 668
وله من الكتب «التفسير» «الطهارة» «الصلاة» «الصيام» «الزكاة» «السنن» على ترتيب أبواب الفقه «الدعاء» «المناسك» «الزهد».
٥٦١ - محمد بن القاسم بن شعبان (١) بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن الصيقل بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أبو إسحاق (٢).
كذا حكى عنه أبو القاسم بن سهل الحافظ. وذكر أنه نسب له نفسه كذا، يقال: إن عمارا من عنس بنون، وعنس من مذحج، ويعرف بابن القرطي.
كان رأس فقهاء المالكية بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم من الخبر، والتاريخ، والأدب، إلى التدين والورع.
وكان ﵀ يلحن، ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية، كثير الحديث، مليح التأليف، شيخ الفتوى حافظ البلد، وإليه انتهت رئاسة المالكيين
بمصر.
ووافق موته دخول بني عبيد الروافض، وكان شديد الذم لهم، وكان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر، فكان ذلك.
وكان أبو الحسن القابسي يقول فيه: إنه لين الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست
стр. 669
مما رواه ثقات أصحابه واستقر من مذهبه.
وألف كتاب «الزاهي الشعباني» المشهور في الفقه، وكتابا في «أحكام القرآن» وكتاب «مختصر ما ليس في المختصر» وكتاب «جماع النسوان» وكتاب «مواعظ ذي النون (١) الإخميمي» وكتاب «النوادر» وكتاب «الأشراط» وكتاب «المناسك» وكتاب «السنن قبل الوضوء».
وتوفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ودفن يوم الأحد وقد جاوز ثمانين سنة، وصلى عليه الفقيه أبو علي الصيرفي وخلق عظيم.
ذكره ابن فرحون.
والقرطي بضم القاف وسكون الراء وطاء مهملة، قال السمعاني: نسبة إلى القرط.
وقال الرشاطيّ (٢): هذه النسبة في القبائل في كلب من قضاعة، وفي مهرة، وفي كلاب بن قيس عيلان.
٥٦٢ - محمد بن القاسم بن محمد بن بشّار بن الحسن بن بيان بن
стр. 670
سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة، الإمام أبو بكر بن الأنباري (١).
المقرئ، النحوي «النحوي، الحنبلي، البغدادي. صاحب التصانيف.
ولد يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين.
وروى القراءة عن أبيه، وإسماعيل القاضي، وسليمان بن يحيى الضبي، وأحمد بن سهل الأشناني، وإدريس بن عبد الكريم، ومحمد بن هارون التمّار، وطائفة وقرأ على بعضهم. وسمع من الكديمي (٢)، والبزاز.
روى عنه عبد الواحد بن أبي هاشم، وأبو الفتح بن بدهن، وأحمد بن نصر الشّذائي، وأبو علي القاليّ، وصالح بن إدريس، والحسين بن خالويه، وأبو عمر بن حيويه، والدارقطني، وابن أخي ميمي، وخلق كثير، ومن آخرهم محمد بن أحمد أبو مسلم الكاتب.
روى عنه الداني كتاب «الوقف والابتداء»، وكان صدوقا فاضلا ديّنا خيّرا من أهل السنة.