وكان الفقهاء من أصحابه ورفقاؤه والطلبة يترددون إليه، ويحبونه وينشرحون لحديثه وكان عزبا، وهو رجل جيد، له عبادة من صيام وصدقة، ويزور مقابر الباب الصغير في كل سبت، لا يترك [ذلك] صيفا ولا شتاء.
وكان كثير المطالعة والمذاكرة والاشتغال بمنزله والجامع، وله «سؤالات في العربية»، سأل عنها الشيخ الإمام تقي الدين السبكيّ فأجابه، وله «أرجوزة في التصريف» وكتب على «المنهاج» في الفقه. توفي ليلة ثالث عشر ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة بالخانقاه الشهابية من مرض طال به، ودفن بالباب الصغير، وقد جاوز الخمسين.
ذكره ابن المعتمد في «الذيل على طبقات السبكي».
٥٥٩ - محمد بن الفضل البلخي الإمام أبو بكر المفسّر (١).
توفي سلخ سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. كذا ذكره الذهبي. ثم قال بعد ذلك: محمد بن الفضل بن محمد بن جعفر بن صالح أبو بكر، يعرف بميرك البلخي المفسر المعروف بالرّوّاس.
صنف «التفسير الكبير» وروى عن أحمد بن محمد بن نافع، ومحمد بن علي بن عنبسة. روى عنه: علي بن محمد بن حيدر وغيره. ومات سنة خمس عشرة- أو ست عشرة- وأربعمائة.
وقال القرشي في «طبقات الحنفية»: له كتاب «الاعتقاد» في اعتقاد أهل السنة. صنفه لمحمود بن سبكتكين «ذكر فيه أن العلم أفضل من العقل، ومن قال: إن العقل أفضل من العلم فهو معتزلي. قال: لأن العلم حاجة والعقل كالآلة.
стр. 667
قال: وقال الذهبي في «العبر» (١): وفيها يعني سنة تسع عشرة وثلاثمائة، مات محمد بن الفضل البلخي الزاهد أبو عبد الله. نزيل سمرقند، وكان إليه المنتهى في الوعظ والتذكير. يقال: إنه مات في مجلسه أربعة أنفس، صحب أحمد خضرويه البلخي، وهو آخر من روى عن قتيبة، وقد أجاز لأبي بكر بن المقرئ، انتهى.
وقال في «الرسالة» في آخر باب حفظ قلوب المشايخ: سمعت الأستاذ أبا علي يقول: لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد، دعا عليهم فقال:
اللهم امنع عنهم الصدق، فلم يخرج من بلخ بعده صديق.
٥٦٠ - محمد بن فضيل بن غزوان- بفتح المعجمة وسكون الزاي- أبو عبد الرحمن الضبي الحافظ مولاهم الكوفي (٢).
سمع أباه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغير واحد.
روى عنه محمد بن نمير، وإسحاق الحنظلي، وابن أبي شيبة، ومحمد بن سلام وقتيبة، وعمران بن ميسرة، وعمرو بن علي، وعبد الله بن عامر، وأبو كريب، ومحمد بن طريف، وواصل بن عبد الأعلى. وزهير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، وأحمد الوكيعي، وعبد العزيز بن عمر بن أبان.
صدوق عارف، رمي بالتشيع، من الطبقة التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومائة، خرج له الجماعة.
стр. 668
وله من الكتب «التفسير» «الطهارة» «الصلاة» «الصيام» «الزكاة» «السنن» على ترتيب أبواب الفقه «الدعاء» «المناسك» «الزهد».
٥٦١ - محمد بن القاسم بن شعبان (١) بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن الصيقل بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أبو إسحاق (٢).
كذا حكى عنه أبو القاسم بن سهل الحافظ. وذكر أنه نسب له نفسه كذا، يقال: إن عمارا من عنس بنون، وعنس من مذحج، ويعرف بابن القرطي.
كان رأس فقهاء المالكية بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم من الخبر، والتاريخ، والأدب، إلى التدين والورع.
وكان ﵀ يلحن، ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية، كثير الحديث، مليح التأليف، شيخ الفتوى حافظ البلد، وإليه انتهت رئاسة المالكيين
بمصر.
ووافق موته دخول بني عبيد الروافض، وكان شديد الذم لهم، وكان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر، فكان ذلك.
وكان أبو الحسن القابسي يقول فيه: إنه لين الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست
стр. 669
مما رواه ثقات أصحابه واستقر من مذهبه.
وألف كتاب «الزاهي الشعباني» المشهور في الفقه، وكتابا في «أحكام القرآن» وكتاب «مختصر ما ليس في المختصر» وكتاب «جماع النسوان» وكتاب «مواعظ ذي النون (١) الإخميمي» وكتاب «النوادر» وكتاب «الأشراط» وكتاب «المناسك» وكتاب «السنن قبل الوضوء».
وتوفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ودفن يوم الأحد وقد جاوز ثمانين سنة، وصلى عليه الفقيه أبو علي الصيرفي وخلق عظيم.
ذكره ابن فرحون.
والقرطي بضم القاف وسكون الراء وطاء مهملة، قال السمعاني: نسبة إلى القرط.
وقال الرشاطيّ (٢): هذه النسبة في القبائل في كلب من قضاعة، وفي مهرة، وفي كلاب بن قيس عيلان.
٥٦٢ - محمد بن القاسم بن محمد بن بشّار بن الحسن بن بيان بن
стр. 670
سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة، الإمام أبو بكر بن الأنباري (١).
المقرئ، النحوي «النحوي، الحنبلي، البغدادي. صاحب التصانيف.
ولد يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين.
وروى القراءة عن أبيه، وإسماعيل القاضي، وسليمان بن يحيى الضبي، وأحمد بن سهل الأشناني، وإدريس بن عبد الكريم، ومحمد بن هارون التمّار، وطائفة وقرأ على بعضهم. وسمع من الكديمي (٢)، والبزاز.
روى عنه عبد الواحد بن أبي هاشم، وأبو الفتح بن بدهن، وأحمد بن نصر الشّذائي، وأبو علي القاليّ، وصالح بن إدريس، والحسين بن خالويه، وأبو عمر بن حيويه، والدارقطني، وابن أخي ميمي، وخلق كثير، ومن آخرهم محمد بن أحمد أبو مسلم الكاتب.
روى عنه الداني كتاب «الوقف والابتداء»، وكان صدوقا فاضلا ديّنا خيّرا من أهل السنة.
стр. 671
وكان يملي في ناحية وأبوه مقابلة، وكان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن، وكان يملي من حفظه، لا من كتاب.
ومرض يوما فعاده أصحابه، فرأوا من انزعاج والده عليه أمرا عظيما فطيبوا نفسه، فقال: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون؟ وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا.
وكان مع حفظه زاهدا متواضعا، حكى الدّارقطنيّ أنه حضره في إملاء فصحف اسما في إسناد. قال الدارقطني: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته [وهم (١)] فلمّا
انقضى المجلس تقدمت إليه، وذكرت له ذلك، وانصرفت. ثم حضرت المجلس الآتي فقال للمستملي: عرّف الجماعة أنّا صحّفنا الاسم الفلانيّ لما أملينا كذا في المجلس الماضي، ونبّهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال.
وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها.
وقال أبو الحسن العروضي: اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنباري عند الرّاضي بالله على الطعام- وكان الطبّاخ قد عرف ما يأكل- فكان يطبخ له قليّة، يابسة، قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه، وهو يعالج تلك القليّة، ثم فرغنا وأتينا بحلواء، فلم يأكل منها، وقمنا إلى الخيش، فنام بين الخيشين، ونمنا نحن في خيشين ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان العصر قال لغلام: الوظيفة فجاءه بماء من الحب (٢) وترك المزمّل بالثلج، فغاظني ذلك، فصحت، فأمر الراضي بإحضاري، وقال: ما قصّتك؟ فأخبرته، وقلت: هذا
стр. 672
يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنه يقتلها، ولا يحسن عشرتها، فضحك. وقال: يا أبا بكر لم تفعل هذا؟ فقال: أبقي على حفظي، قلت له: قد أكثر الناس في حفظك، فكم تحفظ؟ قال ثلاثة عشر صندوقا.
قال: وسألته يوما جارية المراضي عن [شيء] (١) في تعبير الرؤيا، فقال:
أنا حاقن، ثم مضى من يومه، فحفظ كتاب الكرمانيّ، وجاء من الغد وقد صار معبّرا للرؤيا وكان يأخذ الرطب فيشمّه، ويقول: إنّك لطيّب، ولكن أطيب منك ما وهب الله لي من العلم.
ولما مرض مرض الموت، أكل كلّ شيء كما يشتهي، وقال: هي علّة الموت.
وقال الخطيب: ورأى يوما بالسوق جارية حسناء، فوقعت في قلبه، فذكرها للراضي، فاشتراها وحملها إليه، فقال لها: اعتزلي إلى الاستبراء، قال: وكنت أطلب مسألة، فاشتغل قلبي، فقلت للخادم: خذها وامض بها، فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام، فقالت له: دعني أكلّمه بحرفين، فقالت له: أنت رجل لك محلّ وعقل، وإذا أخرجتني ولم تبيّن ذنبي ظنّ الناس فيّ ظنا قبيحا، فقال لها: مالك عندي ذنب غير أنّك شغلتني عن علمي، فقالت: هذا سهل، فبلغ الرّاضي، فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرّجل (٢).
قال الزبيديّ: وكان شحيحا، وما أكل له أحد شيئا قط، وكان ذا يسار وحال واسعة ولم يكن له عيال.
стр. 673
ووقف عليه رجل يوما، فقال له: أجمع أهل سبع فراسخ على شيء، فأعطني درهما حتى أفارق الإجماع، فقال له: ما هذا الإجماع؟ فقال [على] أنّك بخيل، فضحك ولم يعطه شيئا.
وأملى كتبا كثيرة، منها «غريب الحديث»، «الهاءات» في كتاب الله ، «الأضداد» في النحو، «المشكل» في معاني القرآن لم يتمه، «المذكر والمؤنث»، «الزاهر»، «أدب الكاتب». «المقصور والممدود»، «الواضح في النحو»، «الموضح فيه»، «الهجاء»، «اللامات»، «شرح شعر الأعشى» «شرح شعر النابغة»، «شرح شعر زهير»، كتاب «الألفات»، «نقض مسائل ابن شنبوذ»، «المفضليات»، «إيضاح الوقف والابتداء»، «الكافي في النحو»، «السبع الطوال» صنعته، «الرد على من خالف مصحف عثمان»، «شعر الراعي» صنعته، وله مجالسات لغة ونحو وأخبار. ومات ليلة الأضحى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ببغداد.
ومن شعره:
إذا زيد شرا زاد صبرا كأنّما ... هو المسك ما بين الصّلاية والفهر (١)
لأنّ فتيت المسك يزداد طيبه ... على السّحق والحر اصطبارا على الضر
ذكره أبو يعلى في «طبقات الحنابلة»، ثم الذهبي في «طبقات القراء»، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٦٣ - محمد بن أبي القاسم بن بابجوك (٢) زين المشايخ أبو الفضل
стр. 674
الخوارزمي البقّالي (١).
النحوي الملقب بالآدمي، لحفظه «كتاب الآدمي» في النحو.
قال ياقوت: كان إماما في الأدب وحجة في لسان العرب، أخذ اللغة والإعراب عن الزّمخشريّ وخلفه في حلقته، وسمع الحديث منه ومن غيره.
وكان جمّ الفوائد حسن الاعتقاد، كريم النفس نزيه العرض غير خائض فيما لا يعنيه، له يد في الترسل ونقد الشعر.
له من التصانيف: «تفسير القرآن» سماه مفتاح التنزيل، وكتاب «إعجاز القرآن»، و «شرح الأسماء الحسنى» و «تقويم اللسان في النحو» وكتاب «الإعجاب في الإعراب»، وكتاب «الهداية (٢) في المعاني والبيان» وكتاب «منازل العرب ومياهها» وغير ذلك. مات في سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين وخمسمائة عن نيف وسبعين سنة.
٥٦٤ - محمد بن أبي القاسم بن عبد السلام بن جميل أبو عبد الله الربعي التونسي المالكي (٣).
العلامة القاضي الأوحد المتفنن المفتي، الملقب شمس الدين.
مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة بمدينة تونس، سمع الحديث من جماعة
стр. 675
بها وبالقاهرة، كأبي المحاسن يوسف بن يوسف بن أحمد بن محمود الدمشقي اليغموري المعروف بالحافظ، وقاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم ابن عبد الواحد المقدسي الحنبلي.
وتولى نيابة الحكم بالحسينية بالقاهرة مدة، وتولى قضاء الإسكندرية سنة سبع وسبعمائة، ثم عزل ورجع إلى القاهرة فأقام يشغل بها في العلوم.
وكان إماما مفنّنا، فقيها، مفسرا، بارعا في فنونه، أصوليا، عالما، ذا سكون وعفة وديانة، سريع الدمعة، وله كتاب «مختصر التفريع».
قال ابن فرحون: قال شيخنا عفيف الدين المطري: أنشدنا القاضي شمس الدين بن جميل، قال: أنشدني ظهير الدين قاضي إخميم:
ولو أني جعلت أمير جيش ... لما قاتلت إلا بالسّؤال
لأن الناس ينهزمون منه ... وقد صبروا لأطراف العوالي
توفي في شهر صفر سنة خمس عشرة وسبعمائة ودفن بالقرافة.
٥٦٥ - محمد بن قرقماس الحنفي الشيخ ناصر الدين الأديب الشاعر.
ولد سنة اثنتين وثمانمائة. (١)
وتلا بالسبع على الشيخ محمود الفوال.
واشتغل بالنحو والمعاني والبيان وعلم الحرف على علامة الزمان عز الدين محمد بن جماعة.
واشتغل في المنطق والجدل والأصلين والفقه على الشيخ عز الدين عبد السلام البغدادي وغيره، ومال إلى الأدب وعلم الحرف وصار له فيهما ذكر.
وكان منجمعا عن الناس، ملازما للكتابة، بحيث أن أكثر رزقه منها،
стр. 676
وكان له تهجد في الليل، وتلاوة كثيرة، ومحاضرة حسنة، وله خط فائق، وشكله في غاية النضرة والبهجة، وله سمت حسن.
وله مصنفات كثيرة منها: «تفسير القرآن الكريم» سماه «فتح الرحمن» وهو ممزوج، و «زهرة الربيع في البديع» وشرحه، سماه «الغيث المريع»، ومجاميع وغير ذلك. مات في شوال سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة.
ومن شعره:
ما أكرم الله مولانا وأحلمه ... على العصاة تعالى الله عن مثل (١)
اقطع يصل وادع يسمع استزده يزد ... وتب يتب واعصه يستر وسل ينل
وله أيضا:
للحظ من قد رمى قلبي وقامته ... وخدّه وثنايا ثغره العطر
رشق بلا أسهم طعن بلا أسل ... نار بلا شعل زهر بلا شجر
وله:
يا حبّذا زمن الربيع وروضه ... ونسيمه الخفاق بالأغصان
زمن يريك النجم فيه يانعا ... والشمس كالدينار في الميزان
٥٦٦ - محمد بن محمد بن أحمد بن هميماة- بضم الهاء وفتح الميم- أبو نصر الرّامشيّ (٢).
ابن بنت أبي نصر منصور بن رامش من أهل نيسابور.
стр. 677
ولد سنة أربع وأربعمائة.
وسمع الحديث من أصحاب العباس الأصم، ورحل في طلب القراءات والحديث، فسمع بنيسابور أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن السراج، وأبا الحسن علي بن محمد الطّرازي، وأبا عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدّينوري، وبالحجاز أبا الحسن بن صخر، وبالرملة وتنيس ومعرة النعمان ودمشق من جماعة.
وكان مبرزا في القراءات وعلوم القرآن، وكان له حظ صالح من النحو والعربية عقد له مجلس الإملاء بنيسابور، وأملى في المدرسة النظامية، وحمل عنه الكثير.
قال السمعاني: سافر إلى العراق، والحجاز، والشام، وديار مصر، وقرأ بمعرة النعمان على أبي العلاء.
روى عنه أبو القاسم زاهر بن طاهر، وجماعة.
قال عبد الغافر الفارسي: برز في القراءات وعلوم القرآن، وكان له حظ صالح من النحو، وهو إمام في فنه، وله شعر كثير، سمع الحديث سفرا وحضرا.
توفي يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وأربعمائة بنيسابور.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٦٧ - محمد بن محمد بن أيوب القطواني الإمام أبو محمد (١).
стр. 678
قال ابن السمعاني: كان مفتيا واعظا مفسّرا مات سنة ست وخمسمائة.
وهو أستاذ الولوالجيّ (١) لما ورد سمرقند اختص به، وتفقه عليه، بعد ان تفقه ببلخ على أبي بكر القزاز، وببخارى على البرهان.
ذكره القرشي في «طبقات الحنفية».
٥٦٨ - محمد بن محمد بن زكريا النيسابوري أبو سعيد (٢).
كان فقيها، مفسّرا، ثقة في الرواية.
قدم قزوين غازيا، روى عنه الخليليّ في مشيخته.
توفي بعد التسعين وثلاثمائة.
ذكره الرافعي في «تاريخ قزوين».
٥٦٩ - محمد بن محمد بن عرفة بن حماد الورغميّ (٣) - بفتح الواو وسكون الراء المهملة وغين معجمة وتشديد الميم- التونسي المالكي أبو عبد الله (٤).
الإمام العلامة المقرئ، الفروعي، الأصولي، البياني، المنطقي، شيخ الشيوخ، وبقية أهل الرسوخ.
ولد بتونس سنة ست عشرة وسبعمائة.
стр. 679
وقرأ بالروايات على أبي عبد الله محمد بن محمد بن حسن بن سلمة وغيره، وسمع من الوادي آشي «الصحيحين»، ومن الإمام أبي عبد الله محمد ابن عبد السلام الهواري «الموطأ»، وأخذ عنه الفقه والأصول.
وتفقه أيضا بأبي عبد الله محمد بن هارون، ومحمد بن حسن الزبيدي، وأبي عبد الله الأيلي ونظرائهم، وتفرّد بشيخوخة العلم والفتوى في المذهب.
وله التصانيف العزيزة، والفضائل العديدة، وانتشر علمه شرقا وغربا، فإليه الرحلة في الفتوى والاشتغال بالعلم والرواية، حافظا للمذهب ضابطا لقواعده، إماما في علوم القرآن، مجيدا في التفسير، والعربية، والأصلين، والفرائض والحساب، وعلم المنطق، والمعاني والبيان، وغير ذلك.
وله في ذلك تواليف مفيدة، تخرج بين يديه جلّة من العلماء الأعلام وقضاة الإسلام، فعن رأيه تصدر الولايات، وبإشارته تعين الشهود للشهادات، ولم يرض لنفسه الدخول في الولايات، بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدّر لتجويد القراءات.
اجتمع على اعتقاده ومحبته الخاصة والعامة، ذا دين متين، وعقل رصين، وحسن إخاء وبشاشة وجه للطلاب، صائم الدهر، لا يفتر عن ذكر الله وتلاوة القرآن إلا في أوقات الاشتغال، منقبضا عن مداخلة السلاطين، لا يرى إلا في الجامع أو في حلقة التدريس، لا يغشى سوقا ولا مجتمعا، ولا مجلس حاكم إلا أن يستدعيه السلطان في الأمور الدينية، كهفا للواردين عليه من أقطار البلاد، يبالغ في برهم والإحسان إليهم وقضاء حوائجهم.
وقد خوله الله من رئاسة الدين والدنيا ما لم يجتمع لغيره في بلده، له أوقاف جزيلة في وجوه البرّ وفكاك الأسرى، رأسا في العبادة والزهد والورع، ومناقبة عديدة وفضائله كثيرة.
стр. 680
وله تواليف منها: «تقييده الكبير في المذهب» في نحو عشرة أسفار جمع فيه ما لم يجتمع في غيره، أقبل الناس على تحصيله شرقا وغربا.
وله في «أصول الدين» تأليف عارض به كتاب «الطوالع» للبيضاوي، واختصر كتاب «الحوفي» اختصارا وجيزا.
وله «تأليف» في المنطق، ونظم «قراءة يعقوب» وغير ذلك.
وأقام والده بالمدينة النبوية على منهاج الصالحين والسلف الماضين.
قال ابن فرحون: توفي فيما أظن سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ودفن بالبقيع. وحج الشيخ أبو عبد الله في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فتلقاه العلماء وأرباب المناصب بالإكرام التام، واجتمع بسلطان مصر الملك الظاهر فأكرمه، وأوصى أمير الركب بخدمته.
قال ابن فرحون: ولما زار [المدينة النبوية (١)] نزل عندي في البيت، وكان يسرد الصوم في سفره.
قال أبو حامد بن ظهيرة في «معجمه»: ولم يكن بالمغرب من يجري مجراه في التحقيق، ولا من اجتمع له من العلوم ما اجتمع له.
وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر.
وكانت وفاته ليلة الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانمائة ولم يخلف بعده مثله.
стр. 681
ومن شعره:
بلغت الثمانين بل جزتها (١) * وهان على النفس صعب الحمام
وأمثال عصري مضوا دفعة ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
٥٧٠ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن الجعفريّ التونسي (٢).
أبو عبد الله ركن الدين بن القوبع. بضم (٣) القاف فيما اشتهر على الألسنة وقيل هو بفتحها، وهو طائر، المالكيّ النحويّ.
قال الصّفدي: ولد بتونس في رمضان سنة أربع وستين وستمائة، وقرأ النحو على يحيى بن الفرج بن زيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس.
وقدم سنة تسعين، فسمع بدمشق من ابن القواس، وأبي الفضائل بن عساكر وجماعة، ودرس بالمنكوتمرية، وأعاد بالناصريّة وغيرها، ودرّس الطب بالمارستان المنصوري، وكان يتوقّد ذكاء، ومهر في الفنون حتى إذا [صار] يتحدّث في شيء من العلوم تكلم في دقائقه وغوامضه، حتى يقول القائل: إنه أفنى عمره في ذلك.
وقال ابن سيد الناس: لما قدم قعد في سوق الكتب- والشيخ بهاء الدين بن النحاس هناك- ومع المنادي ديوان ابن هانئ، فنظر فيه القوبع، فترنم بقوله:
стр. 682
فتكات لحظك أم سيوف أبيك ... وكئوس خمرك أم مراشف فيك (١)
فقرأه بالنصب في الجميع، فقال له ابن النحاس: يا مولانا هذا نصب كثير فقال له بنترة (٢): أنا أعرف الذي تريد من رفعها، على أنها أخبار لمبتدءات مقدّرة، والذي ذهبت أنا إليه أغزل وأمدح؛ وتقديره: «أقاسي فتكات لحظك» فقال له: وأيش هو النّحو في الدنيا حتى يذكر.
وكانت فيه بادرة وحدّة، وكان يتردّد إلى الناس من غير حاجة إلى أحد، ولا سعى في منصب، وناب في الحكم بالقاهرة ثم تركه، وقال: يتعذر فيه براءة الذمة.
وجاء إليه إنسان يصحّح عليه في «أمالي القالي» فكان يسابقه إلى ألفاظ الكتاب، فبهت الرجل، فقال له: لي عشرون سنة ما كرّرت عليه.
وكان كثير التلاوة، حسن الصّحبة، كثير الصدفة سرّا، ولا يخل (٣) بالمطالعة في «الشفاء» لابن سينا كل ليلة، مع سآمة (٤) وملل، ويلثغ بالراء همزة.
صنّف تفسير سورة «ق» في مجلد، و «شرح ديوان المتنبي». ومات بالقاهرة في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وله شعره:
стр. 683
تأمّل صحيفات الوجود فإنّها ... من الجانب السّامي إليك رسائل (١)
وقد خطّ فيها إن تأمّلت خطّها ... ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٧١ - محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان بن عبد العزيز البعليّ المولد، الشافعيّ الشيخ شمس الدين بن الموصليّ (٢).
ولد سنة تسع وتسعين وستمائة، وقرأ القرآن العظيم على الشجاع عبد الرحمن بن علي خادم الشرف اليونينيّ، وعلى ابن أخيه محمد الأعرج ببعلبك، وسمع الحديث [من القطب اليونيني، وعلى شمس الدين محمد بن أبي الفتح الحنبلي (٣)] والعفيف إسحاق بن يحيى الآمدي، والجمال يوسف المزّي، والذهبي، ويوسف العزازي، والبدر بن مكي، ومحيي الدين بن جهبل في آخرين.
وتفقه على شرف الدين البارزيّ بحماة، وعلى البدر محمد التبريزيّ قاضي بعلبك، وجماعة.
وأخذ العربية عن المجد البعليّ، وابن مكيّ.
وصنف: «غاية الإحسان في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (٤)» وكتاب «بهجة المجالس ورونق المجالس» خمس مجلدات، يتضمن الكلام على آيات وغيرها، وكتاب «المنهاج» في الفقه
стр. 684
للنووي، وكتاب «الدر المنتظم في نظم أسرار الكلم» وهو نظم كتاب «فقه اللغة» للثعالبي.
وكان إماما في الفقه واللغة العربية، ماهرا في النظم والنثر إنشاء وخطبا، يكتب الخط المليح.
وأقام بطرابلس الشام زمانا، وسكن دمشق أعواما، وتصدر بالجامع الأموي للإفادة، وقدم القاهرة وتوفي بطرابلس عن خمس وسبعين سنة (١)، سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٧٢ - محمد بن عبد النور الحميري التونسي المالكي (٢).
كان من صدور العلم المبرّزين.
أخذ عن القاضي الإمام العالم أبي القاسم بن زيتون، والقاضي الخطيب أبي محمد بن برطلة الأزدي.
وله تفنن [في سائر العلوم، وله تصانيف في عدة علوم، واختصر (٣)] تفسير الإمام فخر الدين بن الخطيب في سبعة أسفار اختصارا حسنا. سماه «نفحات الطيب في اختصار تفسير ابن الخطيب» وله على «الحاصل» تقييد كبير في سفرين، وله في الفقه كتاب جمع فيه فتاوى على طريقة أحكام ابن سهل، سماه: «الحاوي في الفتاوي»، وله غير ذلك.
стр. 685
وكان بالحياة عام ستة وعشرين وسبعمائة.
ذكره ابن فرحون رحمه الله تعالى.
٥٧٣ - محمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي الشيخ الإمام العلامة صدر الدين [بن (١)] شمس الدين الروّاسي (٢).
بفتح المهملة وتشديد الواو وآخره مهملة، العكاشي، الأسدي، القرشي، الشّقّانيّ- بكسر المعجمة وتشديد القاف وآخره نون- الإسفرايني.
من بلاد خراسان.
الشافعي مذهبا، السهروردي، القادري تصوفا.
والروّاسي نسبة إلى شخص من أجداده.
ولد في صفر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بشقان، قصبة من بلاد خراسان، وحفظ القرآن، وتلا بالعشر على المولى يوسف الهروي، تلميذ العلامة شمس الدين بن الجزري.
وأخذ الفقه في مذهب الشافعي عن خاله الشيخ محمد الروّاسي، والمولى سعد الدين الفارسي، تلميذ السيد الشريف.
وفقه الحنفية عن خاله المذكور، وسمع الحديث من والده، ومن الشمس الجزري والزين الخافي (٣).
стр. 686
وأخذ التفسير عن خاله، والسعد المذكورين أولا، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، عنهما.
وأصول الفقه عن خاله، وكذا أصول الدين، والمنطق، والهيئة، عن خاله، والسعد، وانتفع بهما كثيرا في غير ذلك من العلوم.
قال البقاعي: لقيته يوم الأحد رابع عشر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثمانمائة بالمدرسة الباسطية جوار المسجد الحرام، فإذا هو شيخ حسن الهيئة، منور الشيبة، جميل المرأى، ظاهر البشاشة، عذب الكلام، واضح الفضيلة في عدة فنون فسمعت من لفظه في ذلك المجلس «رسالته في الرد على الملاحدة» المسماة «منهج اقتصاد الاعتقاد».
وصنّف تصانيف منها: «الفتوحات الرجبية» تشمل على تحقيقات في معاني بعض الآيات والأحاديث وأقوال بعض المشايخ، فاضت على قلبه في خلوة اختلاها ومنها «الواردات الرجبية» تشتمل على مثل ذلك في خلوة أخرى، ومنها «ضوابط العبادات» تشتمل على الحكم في كون الصلوات خمسا، وكون الأوقات كذلك، وكون الصبح ركعتين، والظهر أربعا، ونحو ذلك، وكذا في الطهارة والزكاة والحج وغير ذلك من أبواب الفقه، ومنها «تصحيح القراءة» يشتمل على الرد على من أنكر على بعض تلامذته القراءة بما زاد على «الشاطبية» وبيّن طرقا غيرها بأسانيدها واعترض على بعض حروف في طرق الشاطبية، ومنها «الرسالة العلمية» تشتمل على أقسام تعاريف العلم، بما في ذلك من الاعتراضات والأجوبة وبيان القيود، وترجيح ما هو مرجح منها، أوصلها إلى نيف وثلاثين تعريفا، ومنها «الحاشية على أوائل الحاوي» في الفقه، ومنها «حواش على أوائل البيضاوي»، ومنها رسالة سماها «منهج اقتصاد الاعتقاد في رد مذهب الإلحاد» في نحو نصف كراس.
стр. 687
قال البقاعي: سمعتها جميعها من لفظه أول يوم اجتمعت [به] (١) كما مضى، وهي في غاية الإيجاز والإبداع، كتبها مجيبا لسؤال البدر محمود بن عبيد الله، لما أرسله الظاهر جقمق إلى حلب، لقتل من يعثر عليه من النسيمية الذين ظهروا هناك سنة ثمان وأربعين، ومنها «رسالة في ثماني عشرة مسألة» كل مسألة من علم، ومنها «النكت
القرآنية على سورة ق»، ومنها «الرسالة الفتحية في تفسير أوائل سورة الفتح».
قال البقاعي: هكذا أملاني. وقال: وغير ذلك بكثرة.
٥٧٤ - محمد بن محمد بن علي الكاشغريّ النحوي اللغوي (٢).
قال الجنديّ في «تاريخ اليمن»: كان ماهرا في النحو، واللغة، والتفسير، والوعظ، صوفيا.
أقام بمكة أربع عشرة سنة، وصنف فيها كتابا سماه «مجمع الغرائب ومنبع العجائب» في أربعة مجلدات، واختصر «أسد الغابة»، وقدم اليمن.
وكان حنفيا فتحول شافعيا، وقال: رأيت القيامة قامت والناس يدخلون الجنة فعبرت مع زمرة، فجذبني شخص، وقال: يدخل الشّافعية قبل أصحاب أبي حنيفة، فأردت أن أكون مع المتقدمين. مات سنة خمس وسبعمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٧٥ - محمد بن محمد بن محمد تاج الدين (٣).
стр. 688
أبو المحامد البخاري الزندني- بزاي ونونين- مقرئ المشرق، إمام، واعظ مقرئ، ناقل.
تلا بالصحيح والشاذ على محمد بن محمد بن الجنبذي (١). وأخذ الحديث والتفسير عن حافظ الدين البخاري.
قرأ عليه أبو حنيفة الأنزاري، وكتب عنه أبو العلاء الفرضي. وقال: له معرفة تامة بروايات القراء وطرقهم في السبع والشواذ، عارف بعلل القراءات، وبفنون، قرأ عليه كثير من الناس، ولم يؤرخ وفاته.
قال ابن الجزري في «طبقات القراء»: وأظنه بقي إلى قريب السبعمائة، بل تجاوزها.
٥٧٦ - محمد بن محمد بن ظفر المنعوت حجة الإسلام (٢).
برهان الدين أبو هاشم، وأبو عبد الله بن أبي محمد المكي الأصل، المغربي المنشأ، نزيل حماة الصقلي.
ولد بصقلية، وقدم إلى مصر، وتنقل في البلاد، وسكن في آخر عمره مدينة حماة وبها مات في سنة خمس وستين وخمسمائة.
وله من المصنفات كتاب «ينبوع الحياة» في تفسير القرآن الحكيم، وكتاب «فوائد الوحي الموجز إلى فرائد الوحي المعجز» وكتاب «المنشي في الفقه» على مذهب مالك بن أنس، وكتاب «أساليب الغاية في أحكام
стр. 689
آية»، وكتاب «التشحين في أصول الدين»، وكتاب «معاتبة الجريء على معاقبة البريء» في اعتقاد أبي حنيفة والأشعري، وكتاب «العادات» في الاعتقاد أيضا، وكتاب «الجنة» في اعتقاد أهل السنة، وكتاب «خير البشر بخير البشر»، وكتاب «ملح اللغة فيما اتفق لفظه واختلف معناه على حرف المعجم»، وكتاب «إبهام الخواص في إبهام الخواص» في بيان غلط أبي محمد الحريري، وكتابان في «مقامات الحريري» أحدهما كبير، والآخر صغير، وكتاب «كشف الكسف في نقض الكتاب المسمى بالكشف»، وكتاب «غرر أنباء نجباء الأبناء»، وكتاب «مالك الأذكار في مسالك الأفكار»، وكتاب «سلوان المطاع في عدوان الاتباع» (١)، وكتاب «الخوذ الواقية والعوذ الراقية»، وكتاب «نصائح الذكرى» وكتاب «إكسير كيمياء التفسير»، وكتاب «البرهانية في شرح الأسماء الحسنى»، وكتاب «الاشتراك اللغوي والاستنباط المعنوي» وكتاب «الإنباء عن الكتاب المسمى بالإحياء»، وكتاب «الإشارة إلى علم العبارة»، وكتاب «القواعد والبيان» مختصر في النحو.
وكان قصير القامة، ذميم الخلقة، إلا أنه كان صبيح الوجه.
واجتمع مع الشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وتناظرا في اللغة والنحو، فوقف في مسائل نحوية، وكان حاله في اللغة قريبا، فقال:
الشيخ تاج الدين أعلم مني بالنحو، وأنا أعلم منه باللغة، فقال الكندي:
الأول مسلّم، والثاني ممنوع.
واجتمع بالحافظ أبي طاهر السلفي وروى عنه، وعن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي.
стр. 690
وصنف كتاب «سلوان المطاع» في إبان مقامه بصقلية سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: وأخبرني الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف بن حمزة الأنصاري القرطبي المعروف بالعابد أنه وقف على نسخة من «سلوان المطاع»، تصنيف ابن ظفر بمكة وعليها خطه، موقوفة في رباط الخليفة في نظر القطب القسطلاني، تكون في مقدار هذه التي بأيدي الناس مرتين، وفي أولها أن ملكا حسن السيرة، مظنون حسن السريرة، أمرني أن أصنّف له كتابا يكون لهمومه شافيا، ولدمنة وكليلة قافيا، فأجبته لذلك مكافيا، وذكر نسبه واسمه.
وله شعر جيد منه:
حملتك في قلبي فهل أنت عالم ... بأنك محمول وأنت مقيم (١)
ألا إنّ شخصا في فؤادي محلّه ... وأشتاقه شخص عليّ كريم
[ومن شعره (٢)]:
يقول المنجم لا تسر فإنّ ... ك إن سرت لاقيت شرّا (٣)
فإن كان يعلم أني أسير ... فقد جاء بالنهي لغوا وهذرا
وإن كان يجهل أني أسير ... فجهل العواقب أولى وأحرى
وله:
أيها المستجيش [ألسنة (٤)] الوعاظ ... قد أسهبوا وما أيقظوكا (٥)
стр. 691
هاك بيتا يغنيك عن كل سجع ... وقريض كانوا به وعظوكا
لا تشاغل بالناس عن ملك النا ... س فلولا نعماه ما لحظوكا
[وقال (١)]:
بباء براءة عند الغلو ... وسين سروري بالمعرفة (٢)
وبالميم من مرحي عند ما ... تبشرني آية أو صفه
أقل عبدك المذنب المستجير ... بعفوك من سوء ما أسلفه
ولم يزل ﵀ يكابد الفقر طول عمره، وزوج ابنته من الضرورة بغير كفء فسافر بها وأباعها (٣) في البلاد.
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٧٧ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن بنان- بضم الباء الموحدة وفتح النون وبعد الألف نون أخرى- القاضي الأجل ذو الرئاستين أثير الدين أبو الطاهر (٤).
ابن القاضي الأجل ذي الرئاستين أبي الفضل، المعروف بالأثير بن بنان، الأنباري الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، الكاتب.
ولد بالقاهرة في سنة سبع وخمسمائة، وقرأ القرآن الكريم على أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئة، وسمع من والده القاضي أبي الفضل محمد،
стр. 692
ومن القاضي أبي الحسن محمد بن هبة الله بن الحسن بن عرس بضم المهملة، وأبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني، وأبي البركات محمد ابن حمزة بن أحمد العرقي.
وحدّث فسمع منه جماعة بمصر وبغداد، وكتب الكثير.
ولي النظر في الدولة أيام بني عبيد، ثم تنقلت به الخدم الديوانية بتنيس والإسكندرية وغير ذلك في الأيام الصلاحية.
وكان من رؤساء المصريين وأكابرهم وفضلائهم، وعنده أدب وترسل وخط حسن، وكان القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني يغشى بابه ويمتدحه، ويفتخر بالوصول إليه، والمثول بين يديه، فلما زالت دولة بني عبيد على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ ولي الإسكندرية وتنيس وغير ذلك، إلى أن قال القاضي الفاضل لصلاح الدين: هذا رجل كبير يصلح أن يجري عليه ما يكفيه، ويقعد في منزله، ففعل ذلك.
ثم إنه توجه إلى اليمن، ووزر لسيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وأرسله إلى الديوان العزيز برسالة، فدخل بغداد في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وعظم وبجل، وكان يروي «صحاح» الجوهري في اللغة عن أبي البركات الرقي، عن ابن القطاع، فسمع عليه أولاد أمير المؤمنين وخلق كثير، وشهر الكتاب ببغداد، ولم يكن شهيرا، وكتب به عدة نسخ، وشاع بالموصل.
وحدث أيضا «السيرة» لابن هشام، ثم إنه عاد إلى القاهرة، وصار في ضنك من العيش وعليه دين كبير، وعجز عن نفقته، وآل به الحال إلى أن حبس بالجامع الأزهر على الدين، وكان ينتقص القاضي الفاضل ويراه بالعين الأولى، ويحدث الناس بأنه كان من أقل أتباعه، والفاضل يقصر عنه، فيقصر الناس في حقه مراعاة للقاضي الفاضل، وكان بعض أصحاب
стр. 693
الدّين رجلا أعجميا أحمق كثير الشر، فصعد إليه سطح الجامع الأزهر، وسفه عليه وقبض على لحيته وضربه، ففر من بين يديه، وألقى نفسه من سطوح الجامع إلى سطوح دكاكين الوراقين، وكانت يومئذ بجانب الجامع، فتهشم وحمل إلى داره، فبقي أياما ومات، فسير له القاضي الفاضل خمسة عشر دينارا ليجهزه بها ولده، ولم يصل عليه، ولا شيع جنازته، فأنكر ذلك عليه.
واتفق أن الفاضل مات بعده فجأة بعد ثلاثة أيام، فعد هذا أعجب من حال جرير والفرزدق، فإنه كان بينهما ستة أشهر، وكان بين هذين الرجلين ثلاثة أيام، فليعتبر العقلاء بذلك.
وكان الأثير فاضلا جليلا نبيلا عالما أديبا بليغا، وله شعر مليح، وترسل فائق، وتقدم في الكتابة، ونال الرئاسة الخطيرة، وتمكن التمكن الكثير.
وصنف كتاب «تفسير القرآن الكريم»، وكتاب «المنظوم والمنثور»، قال فيه العماد الكاتب: له شعر كالسحر، ونثر كنظم الدرر.
ومن شعره يصف مغارة في جبل:
وشاهقة خضت حشا الجو مرتقى ... تشير إلى زهر الكواكب من عل (١)
محاسنها شتى ولكن أخصها ... وآثرها ذكرى حبيب ومنزل
جداول تجري باللجين فتارة ... تسح وأجداث تريني موئلي
وقال المنذري عن أبي الحسن علي المقدسي: سماعه صحيح، إلا أنه كان يتشيع.
وكانت وفاته بالقاهرة ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، وكان رجلا طوالا دقيقا أسمر.
стр. 694
ذكره المقريزي في «المقفى».
٥٧٨ - محمد بن محمد بن محمد العلامة أبو الفضائل الحنفي عرف البرهان النسفي (١).
صاحب التصانيف الكلامية الخلافية، مولده سنة ستمائة تقريبا، ولخص «تفسير القرآن» للإمام فخر الدين، وله «مقدمة في الخلاف» مشهورة تحفظ.
أجاز للبرزالي الحافظ، وكتب بخطه الملقب بالبرهان النسفي. مات سنة سبع وثمانين وستمائة، ودفن تحت قبة مشهد الإمام أبي حنيفة ﵁ بالخيزرانية [رحمه
الله تعالى (٢)].
٥٧٩ - محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزالي (٣) البغدادي (٤).
الفقيه الحنبلي، الأصولي، الأديب، شمس الدين أبو عبد الله ابن الإمام أبي الفضل.
قرأ الفقه على الشيخ تقي الدين الزريراني، وكان إماما عالما متقنا بارعا في الفقه والأصلين، والأدب، والتفسير، وغير ذلك.
وله نظم حسن، وخط مليح، ودرس بالمستنصرية بعد شيخه الزريراني، وكان من فضلاء أهل بغداد، وكذلك كان ولده أبو الفضل إماما عالما مفتيا صالحا.
стр. 695
توفى أبو عبد الله بن البرزالي في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ببغداد.
ذكره ابن رجب.
٥٨٠ - محمد بن محمود بن أحمد البابرتي الشيخ أكمل الدين الحنفي (١).
ولد سنة بضع عشرة وسبعمائة.
وأخذ عن أبي حيّان، والأصفهاني، وسمع الحديث من الدلاصي، وابن عبد الهادي، وقرّره شيخون في مشيخة مدرسته، وعظم عنده جدا وعند من بعده بحيث كان الظاهر برقوق يجيء إلى شبّاك الشيخونية فيكلمه وهو راكب وينتظره حتى يخرج فيركب معه.
وكان علامة، فاضلا، ذا فنون، وافر العقل، قوي النفس، عظيم الهيئة، مهيبا عرض عليه القضاء مرارا فامتنع.
وله من التصانيف «التفسير»، «شرح المشارق»، «شرح مختصر ابن الحاجب»؛ «شرح عقيدة الطوسي»، «شرح الهداية في الفقه»، «شرح ألفية ابن معطي في النحو»، «شرح المنار»، «شرح البزدوي»، «شرح التلخيص في المعاني».
قال الحافظ ابن حجر؛ وما علمته حدث بشيء من مسموعاته. مات ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان سنة ست وثمانين وسبعمائة، وحضر جنازته السلطان فمن دونه، ودفن بالشيخونية.
ذكره شيخنا في «طبقات النحاة».
стр. 696
٥٨١ - محمد بن محمود بن عبد الله شمس الدين النيسابوري (١).
قدم إلى القاهرة، وناب عن عمه قاضي القضاة جلال الدين جار الله الحنفي في الحكم، وتقلد مشيخة الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء، وولي إفتاء دار العدل، وعدة تداريس، وتصدى للإشغال عدة سنين في فقه الحنفية، وفي النحو، والتفسير، والأصول.
وكان مليح الشكل، جميل الصورة، دمث الأخلاق، بشوشا، هيّئا حسن اللقاء، متوددا إلى أصحابه، منجمعا عن الناس، صدرا من صدور الحنفية، ومفخرا من مفاخر مصر. مات يوم الأحد سابع عشري جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ذكره المقريزي في بعض تراجمه من شيوخه.
٥٨٢ - محمد- وقيل محمود- بن الإمام العلامة قطب الدين أبو عبد الله الرازي. (٢)
المعروف بالقطب التحتانيّ. تمييزا له عن قطب آخر كان ساكنا معه بأعلى المدرسة الظاهرية.
أحد أئمة المعقول، اشتغل في بلاده بالعلوم العقلية وأتقنها، وشارك في العلوم الشرعية، وجالس العضد وأخذ عنه؛ ثم قدم دمشق واشتغل بها في العقليات، وأقام بها إلى أن توفي.
ذكره ابن السبكي في «الطبقات الكبرى» وقال: إمام مبرز في
стр. 697
المعقولات، اشتهر اسمه، وبعد صيته، ورد إلى دمشق سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبحثنا معه فوجدناه إماما في المنطق والحكمة، عالما بالتفسير، والمعاني والبيان، مشاركا في النحو، يتوقد ذكاء.
وقال الإسنوي في «طبقاته»: كان ذا علوم متعددة، وتصانيف مشهورة.
وقال ابن كثير: كان أحد المتكلمين العالمين بالمنطق وعلوم الأوائل، قدم دمشق من سنوات، وقد اجتمعت به فوجدته لطيف العبارة عنده ما يقال، وله مال وثروة، انتهى.
وسأل الشيخ تقيّ الدين السبكي عن حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) فأجابه السبكي، فنقض هو ذلك الجواب وبالغ في التحقيق، فأجابه السبكي، وأطلق لسانه فيه، ونسبه إلى عدم فهم مقاصد الشرع والوقوف مع ظواهر قواعد المنطق. توفى في ذي القعدة سنة ست وستين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون.
ومن تصانيفه «شرح الحاوي» في أربع مجلدات، قال ابن رافع: ولم يكمله، و «حواشي على الكشاف» وصل فيها إلى سورة طه، و «شرح المطالع» و «الشمسية» كلاهما في المنطق، وشرح «الإشارات» لابن سينا وغير ذلك.
ذكره ابن قاضي شهبة، ثم شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٨٣ - محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل السّدي (١).
стр. 698
بضم المهلة والتشديد. وهو الأصغر، كوفي، متهم بالكذب، من الطبقة الثامنة، وهو صاحب «التفسير» يروى عن يحيى بن عبيد الله والكلبي.
وعنه هشام بن عبيد الله، ومحمد بن عبيد المحاربي.
٥٨٤ - محمد بن المستنير أبو علي النحويّ المعروف بقطرب (١).
لازم سيبويه، وكان يدلج إليه، فإذا خرج رآه على بابه، فقال: ما أنت إلا قطرب ليل! فلقّب به.
وأخذ عنه عيسى بن عمر، وكان يرى رأي المتعزلة النظامية، فأخذ عن النّظّام مذهبه، واتصل بأبي دلف العجليّ، وأدّب ولده، ولم يكن ثقة.
قال ابن السّكّيت: كتبت عنه قمطرا، ثم تبينت أنه يكذب في اللغة، فلم أذكر عنه شيئا.
وله من التصانيف: «معاني القرآن» لم يسبق إلى مثله، وعليه احتذى الفراء، «الاشتقاق»، «القوافي»، «المثلث»، «النوادر»، «الصفات»، «الأصوات»، العلل في النحو، «الأضداد»، «الهمز»، «خلق الإنسان»، «خلق الفرس»، «إعراب القرآن»، «المصنف الغريب» في اللغة، كتاب «الرد على الملحدين في متشابه القرآن»، كتاب «غريب الآثار»، كتاب «فعل وأفعل»، «الأزمنة» وغير ذلك. مات سنة ست ومائتين.
стр. 699
ومن شعره:
إن كنت لست معي فالذكر منك معي ... يراك قلبي وإن غيّبت عن بصري (١)
فالعين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النّظر
أورده شيخنا في «طبقات النحاة».
٥٨٥ - محمد بن مسلم- بتشديد اللام- بن سعيد بن عمر بن بدر الدمشقي الشيخ زين الدين القرشي (٢).
كان بارعا في التفسير، يحفظ المتون، ويعرف أسماء الرجال، ويشارك في العربية. كثير الإقبال على الاشتغال والطالعة لا يمل، مشهورا بقوة الحفظ وعدم النسيان، والقيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت له سمعة وصيت.
ولد في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وتعانى عمل المواعيد، وتصدر للتدريس والإفتاء. مات في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.
ذكره شيخنا في «طبقات الحفاظ».
٥٨٦ - محمد بن منصور بن إبراهيم أبو بكر القصري البغدادي (٣).
المقرئ المفسر.
قرأ بالروايات على ابن سوار، وثابت بن بندار.
стр. 700
وأقرأ طائفة، وكان رأسا في التفسير، والقراءات، له حلقة بجامع المنصور.
قال أبو محمد بن الخشاب: من سمع بالسلف فرأى القصرى فكأنه قد رآهم.
مات في شعبان سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وله سبعون سنة.
ذكره الذهبي في «طبقات القراء».
٥٨٧ - محمد بن منصور بن الحسن أبو سهل البرجي الأصبهاني العروضي (١).
بفتح العين وضم الراء وسكون الواو وضاد معجمة، نسبة إلى علم العروض الذي يعرف [به (٢)] موزون الشعر من مكسوره، عن الحافظ أبي نعيم وغيره، صنف كتاب «غريب القرآن».
٥٨٨ - محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله بن المجيد الإمام الكبير أبو بكر بن الإمام أبي المظفر بن الإمام أبي منصور بن السّمعانيّ (٣).
الشافعي، الفقيه، الأديب، المحدّث، الحافظ، الواعظ، الخطيب، المبرّز
стр. 701
في علم الحديث، رجالا، وأسانيد، ومتونا، وغير ذلك، جامع لأشتات العلوم.
وهو أبو الحافظ الكبير، تاج الإسلام أبي سعيد عبد الكريم بن محمد، وكان هو أيضا يلقّب تاج الإسلام.
مولده في سنة ست وستين وأربعمائة.
سمع والده أبا المظفّر، وعبد الواحد بن أبي القاسم القشيريّ، ونصر الله ابن أحمد الخشناميّ، وأسعد بن مسعود العتبيّ، وأبا الحسن عليّ بن محمد العلّاف، ومحمد بن عبد الكريم بن حشيش الحافظ، وأبا الغنائم النّرسيّ (١) الحافظ، وغيرهم، بمرو، ونيسابور، والرّيّ، وهمذان، وبغداد، والكوفة، وأصبهان، ومكة وغيرها.
روى عنه السلفيّ وأبو الفتوح الطّائي وغيرهما.
ذكره عبد الغافر في «السياق»، وقال فيه: الإمام، ابن الإمام، شاب نشأ في عبادة الله، وفي التحصيل من صباه، إلى أن أرضى أباه، حظي من الأدب، والعربية، والنحو، وثمرتها، نظما ونثرا، بأعلى المراتب.
ينفث إذا خط بأقلامه عقد السحر، وينظم من معاني كلامه عقود الدر، متصرفا في الفنون [بما] (٢) يشاء كيف يشاء، مطيعا له على البديهة الإنشاء، ثم برع في الفقه، مستدرا أخلافه من أبيه، بالغا في المذهب من الخلاف أقصى مراميه، وزاد على أقرانه وأهل عصره، بالتبحر في علم الحديث، ومعرفة الرجال والأسانيد، وما يتعلق من الجرح والتعديل،
стр. 702
والتحريف، والتبديل، وضبط المتون، والمشكلات من المعاني، مع الإحاطة بالتواريخ، والأنساب.
وطرّز أكمام فضله بمجالس تذكيره، الذي تتصدع صم الصخور عند تحذيره، وتتجمع أشتات العظام النخرة عند تبشيره، وصغى آذان الحفظة لمجاري نكته، وتختطف الملائكة لفاظة إشاراته من شفته، ويخترق حجب السبع الشداد صواعد دعواته ويطفئ أطباق الجحيم سوابق عبراته، وهو مع ذلك متخلق بأحسن الأخلاق، متمكن بتواضعه
وتودده من الأحداق، رافل جلابيب أهل الصفا، مراع لعهود الإسلام (١) بحسن الوفا، مجموع له الأخلاق الحميدة، ثابت له الحقوق الأكيدة. خلف أباه ببلدته، في مجالس التدريس، والنظر، والتذكر، وزاد عليه في الخطابة والقبول التام بين الخاص والعام، وصبر على مكابدة الخصوم اللد، ومقاومة المعاندين والمخالفين، ونفق سوق تقواه وورعه عند الملوك والأكابر، حتى عظموا خدمته وتبركوا به، وبنصحه، وكلامه، وصار قطب قطره، حشمة، وحرمة، وجاها، ومنزلة، مستغنيا بكفافه، وما آتاه الله من غير منة مخلوق، عن التعرض لمنال شيء من الحطام قاصرا همه وأيامه على الإفادة، ونشر العلم، مد الله في عزيز أنفاسه، وأبقاه حجة على العلماء. هذا آخر كلام عبد الغافر.
قال الحافظ أبو سعيد: أملى والدي ﵀ مائة وأربعين مجلسا، في غاية الحسن والفوائد، بجامع مرو، واعترف له بأنه لم يسبق إلى مثلها، وصنف تصانيف في الحديث.
وكان يملي في مجلس وعظه الأحاديث بأسانيدها، فاعترض عليه بعض المنازعين، وقال: محمد السمعانيّ يصعد المنبر، ويعد الأسامي، ونحن لا نعرف، ولعله يضعها في الحال، وكتب هذا الكلام في رقعة، وأعطيت له،
стр. 703
بعد أن صعد المنبر، فنظر فيها، وروى حديث: (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) بنيف وتسعين طريقا، ثم قال: إن لم يكن في هذا البلد أحد يعرف الحديث، فنعوذ بالله من المقام في بلد ما فيها من يعرف الحديث، وإن كان فليكتب عشرة أحاديث بأسانيدها، ويترك اسما أو اسمين من كل إسناد، ويخلط الأسانيد بعضها ببعض، فإن لم أميز بينها، وأضع كل اسم منها مكانه، فهو كما يدّعيه.
وفعلوا ذلك امتحانا، فرد كل اسم إلى موضعه، وطلب القراء الذين يقرءون في مجلسه، في ذلك اليوم شيئا، فأعطاهم الحاضرون ألف دينار.
وللإمام أبي بكر شعر كثير، ويحكى أنه غسل قبل موته جميع المسودات التي فيها شعره، فلم يوجد له إلا ما كان على ظهور الدفاتر والأجزاء.
ويحكى أن شخصا كتب إليه رقعة، وفيها أبيات شعر، وأراد جوابها، فقال: أما الأبيات فقد أسلم شيطان شعري، فلا جواب لها.
ومن مليح شعره:
أقلي النهار إذا أضاء صباحه ... وأظل أنتظر الظلام الدامسا (١)
فالصبح يشمت في فيقبل ضاحك ... والليل يرثي لي فيدبر عابسا
ومنه:
وظبي فوق طرف ظل يرمي ... بسهم اللحظ قلب الصب طرفه
يؤثر طرفه في القلب ما لا ... يؤثر في الحصى والتّرب طرفه
ومنه، ما أورده ولده أبو سعد، في كتاب «التحبير» في ترجمة أبي حامد
стр. 704
أحمد بن عبد الله الفازيّ، المعروف بالأوحد، وذكر أنه قال في قرية فاز، إحدى قرى طوس:
نزلنا بقعة تدعى بفاز ... فكان ألذّ من نيل المفاز
وقست إلى ثراها كلّ أرض ... فكانت كالحقيقة في المجاز
قال الحافظ أبو سعد: من عجيب ما اتّفق، أن آخر مجلس أملاه، كان افتتاحه بقوله ﷺ : (إنّ أمامكم عقبة كئودا، لا يجوزها المثقّلون، فأنا أحبّ أن أتخفف لتلك العقبة).
وكان قد وصل في التفسير، الذي يذكره في مجلس الوعظ إلى قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (١) الآية.
وتوفى عقب ذلك، ابن ثلاث وأربعين سنة، في يوم الجمعة، ثاني صفر سنة عشر وخمسمائة رحمه الله تعالى.
ذكره ابن السبكي في «الكبرى».
٥٨٩ - محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الإمام الحافظ البارع النسابة أبو بكر الحازميّ الهمذانيّ (٢).
صاحب كتاب «الناسخ والمنسوخ» وكتاب «عجالة المبتدى» في
стр. 705
الأنساب، و «المؤتلف والمختلف» في أسماء البلدان، وإسناد أحاديث «المهذب» للشيخ أبي إسحاق إملاء لم يتم.
ولد الحازمي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت السجزي حضورا، ومن شهردار بن شيرويه الديلمي، وأبي زرعة المقدسي، والحافظ أبي العلاء الهمذاني، ومعمر بن الفاخر.
وقدم بغداد فسمع من أبي الحسين عبد الحق بن يوسف، وعبد الله بن عبد الصمد العطار، وبالموصل من الخطيب أبي الفضل الطوسي، وبواسط من أبي طالب المحتسب، وبالبصرة من محمد بن طلحة المالكي، وبأصبهان من أبي الفتح الخرقي. وكتب الكثير وصنّف وجوّد.
قال الدّبيثي: قدم بغداد وسكنها، وتفقه بها على مذهب الشافعي، وجالس العلماء، وتميز وفهم، وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله، مع زهد وتعبّد ورياضة وذكر، صنّف في الحديث عدة مصنفات، وأملى عدة مجالس، وكان كثير المحفوظ، حلو المذاكرة، يغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام.
وذكره ابن النجار فقال: كان من الأئمة الحفاظ، العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله.
قال: وكان ثقة نبيلا زاهدا عابدا ورعا ملازما للخلوة والتصنيف وبث العلم، أدركه أجاله شابا.
قال: وسمعت محمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول: ما رأيت شابا أحفظ منه.
وقال: وسمعت بعض الأئمة يذكر أن الحازمي كان يحفظ كتاب «الإكمال» في المؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة.