واشتغل بالتصنيف في علوم القرآن والأدب، فزادت تصانيفه على خمسين مصنفا منها «تفسير عشرة دواوين للعرب» و «إعراب القرآن» جلب فيه الأقاويل وحشد الوجوه، ولم يذهب في ذلك مذهب الاختيار والتقليد.
وكتاب «معاني القرآن» وكتاب «الناسخ والمنسوخ» وهو كتاب حسن وكتاب «الكافي في علم العربية» وهو مختصر وكتاب «المقنع» ذكر فيه اختلاف البصريين والكوفيين و «شرح المعلقات» و «شرح المفضليات» و «شرح أبيات الكتاب» و «كتاب الاشتقاق» و «كتاب الأنواء» و «كتاب تفسير أسماء الله » أحسن فيه، ونزع في صدره بالاتباع للسنة والانقياد للآثار، وكتاب «أخبار الشعراء» وكتاب «أدب الكتّاب» وكتاب «أدب الملوك» وكتاب «التفاحة» في النحو، وغير ذلك.
قال الزّبيدي: وكان واسع العلم غزير الرواية، ولم يكن له مشاهدة، وإذا خلا بقلمه جوّد وأحسن، وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر، ويناقشهم عما أشكل عليه في تأليفاته، وكان يحضر حلقة ابن الحداد الشافعي، وكانت لابن الحداد ليلة في كل جمعة، يتكلّم فيها عنده في مسائل الفقه على طرائق النحو، وكان لا يدع حضور مجلسه تلك الليلة. قال:
وحدّثني قاضي القضاة المنذر بن سعيد قال: أتيت ابن النحاس في مجلسه فألفيته يملي في أخبار الشعراء في شعر قيس بن معاذ المجنون، حيث يقول:
خليليّ هل بالشام عين حزينة ... تبكّي على نجد لعلّي أعينها (١)
قد اسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوّقة باتت وبات قرينها
فلما بلغ هذا الموضع قلت: باتا يفعلان ماذا؟ قال لي: وكيف [تقول
стр. 72
أنت؟] (١) فقلت: «بانت وبان قرينها» فسكت، قال القاضي: فما زال يستقلني بعدها حتى منعني كتاب «العين»، وكنت قد ذهبت إلى الانتساخ من نسخته؛ فلما قطع بي قيل لي: أين أنت من أبي العباس بن ولّاد فقصدته، فلقيت رجلا كامل العلم والأدب. حسن المروءة. وسألته الكتاب فأخرجه إلي. ثم تندم أبو جعفر بن النحاس حين بلغه إباحة أبي العباس كتابه لي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه. قال: وكان أبو جعفر لئيم النفس، شديد التقتير على نفسه، وكان ربما أهديت إليه العمامة يقطّعها على ثلاث عمائم، وكان يلي شرى حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها على أهل معرفته.
وتوفي بمصر لخمس خلون من ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
وذكر الوزير أبو الحسن علي بن يوسف القفطيّ: أن ابن النحاس جلس على درح المقياس بمصر على شاطئ النيل في مدة زيادته، ومعه كتاب في العروض، وهو يقطّع بحرا منه، فسمعه بعض العوام، فقال هذا يسحر النيل، حتى لا يزيد، فتغلوا الأسعار، ثم دفعه برجله، فذهب في المد، فلم يوقف على خبره.
وذكره الداني في طبقات القراء، فقال: روى الحروف عن أبي الحسن ابن شنبوذ، وأبي بكر الداجوني، وأبي بكر بن يوسف. وسمع الحسن بن غليب، وبكر بن سهل.
قال عبد الرحمن بن أحمد بن يونس: كان عالما بالنحو حاذقا، وكتب الحديث [وخرج إلى العراق] (٢) ولقي أصحاب المبرد.
٦٤ - أحمد بن محمد بن أيوب أبو بكر الفارسي (٣).
стр. 73
الواعظ المفسر، نزيل نيسابور، كان يحضر مجلسه نحو عشرة آلاف، أخذ عنه أبو عبد الله الحاكم، مات سنة أربع وستين وثلاثمائة.
٦٥ - أحمد بن محمد بن حنبل (١).
ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان بن عبد الله بن أنس ابن عرف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر (٢) بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵊، الشيباني المروزي، نزيل بغداد، أبو عبد الله أحد الأئمة، حافظ فقيه، حجة زاهد ورع، وهو رأس الطبقة العاشرة.
ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ومات سنة إحدى وأربعين [ومأتين] (٣) وله سبع وسبعون سنة.
قال ابن الجوزي في مناقبه في الباب السابع والعشرين منها ذكر مصنفاته: كان الإمام أحمد ﵁ لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة ولنقلت عنه كتب. فكانت تصانيفه المنقولات؛ فصنف «المسند» وهو إحدى وثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما (٤).
стр. 74
قال ولده عبد الله: وصنف أبي «المسند» سنة ثمانين، و «التفسير» وهو مائة ألف وعشرون ألفا. و «الناسخ والمنسوخ» و «التاريخ» و «حديث شعبه»، و «المقدم والمؤخر في القرآن»، و «جوابات القرآن»، و «المناسك الكبير والصغير» و «العلل» و «الزهد» و «المسائل» و «الفضائل» و «الفرائض» و «الايمان». و «الرد على الجهمية» و «الأشربة». و «طاعة الرسول» وأشياء أخر.
وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله تعالى إلى حسن قصده فنقلت ألفاظه وحفظت، فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنعوا وجمعوا.
قال حنبل بن إسحاق: جمعنا أحمد بن حنبل أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ [فارجعوا إليه] (١) فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
٦٦ - أحمد بن محمد بن خالد البرقي (٢).
من برقة من قرى قم، وأصله كوفي من كبار الرّافضة.
له تصانيف جمة أدبية، منها «فضائل القرآن» و «اختلاف الحديث» و «العيافة والقيافة» وأشياء كثيرة. وكان في زمن المعتصم، وعد النديم في الفهرست شيئا كثيرا منها ويقال: إنها تحتوي على سبعين كتابا، ويقال:
ثمانين.
стр. 75
٦٧ - أحمد بن محمد بن رستم الطّبري (١).
ويعد في طبقة أبي يعلى بن أبي زرعة.
له من الكتب كتاب «غريب القرآن» و «المقصور والممدود» و «المذكر والمؤنث» و «صورة الهمز» و «التصريف» و «النحو».
٦٨ - أحمد بن محمد بن سعيد بن إسماعيل الحافظ أبو سعيد بن الشيخ أبي بكر ابن الشيخ الزاهد أبي عثمان الحيري النيسابوري الشافعي (٢).
سمع أبا عمرو والخفاف، وعبد الله بن شيرويه، والحسن بن سفيان، والهيثم بن خلف الدّوريّ، وحامد بن شعيب، والقاسم بن الفضل الرازي، وطبقتهم، بخراسان، والعراق، والجبال، وكان ذا أموال وحشمة وفضائل.
روى عنه الحاكم كثيرا وقال: صنف «التفسير الكبير»، و «الصحيح المخرج على كتاب مسلم» وغير ذلك قال: ولما خرج إلى بغداد خرج بعسكر كثير وأموال واجتمع عليه ببغداد خلق كثير مجاهدون، وكان من محبّته للحديث يكتب. بخطّه ويسمع، إلى أن استشهد بطرسوس في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وله خمس وستون سنة.
стр. 76
٦٩ - أحمد بن محمّد بن سلامة بن عبد الملك أبو جعفر الأزديّ الحجريّ المصريّ الطّحاويّ الحنفي (١).
وطحا من قرى مصر، الإمام العلامة الحافظ، سمع هارون بن سعيد الأيليّ، وعبد الغنيّ بن رفاعة، ويونس بن عبد الأعلى، وعيسى بن مثرود، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر وطبقتهم.
روى عنه أحمد بن القاسم الخشّاب، وأبو الحسن محمّد بن أحمد الإخميميّ، ويوسف الميانجيّ (٢)، وأبو بكر بن المقرئ، والطبرانيّ، وأحمد ابن عبد الوارث الزجّاج، وعبد الغني بن محمد الجوهري قاضي الصعيد، ومحمد بن بكر بن مطروح، وآخرون.
خرج إلى الشام سنة ثمان وستين ومائتين فتفقّه بالقاضي أبي خازم (٣) وبغيره.
قال ابن يونس: ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف بعده مثله.
قال أبو إسحاق الشيرازيّ في الطبقات: انتهت إلى أبي جعفر رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر أحمد بن عمران وأبي
стр. 77
خازم القاضي، وغيرهما، وكان أولا شافعيا يقرأ على المزنيّ، فقال له يوما:
والله لا جاء منك شيء؛ فغضب من ذلك، وانتقل إلى ابن أبي عمران، فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيا لكفّر عن يمينه.
وذكر أبو يعلى الخليليّ (١) في كتاب «الإرشاد» في ترجمة المزنيّ أنّ الطحاوي وكان ابن أخت المزني، وأن أحمد بن محمد الشّرطيّ (٢) قال: قلت للطحاويّ: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة؛ فلذلك انتقلت إليه انتهى، وناب في القضاء عن أبي عبيد (٣) الله محمد بن عبدة قاضي مصر بعد السبعين ومائتين، وترقت حاله. فحدث أنه حضر رجل معتبر عند القاضي محمد بن عبدة فقال: أيش روى أبو عبيدة بن عبد الله عن أمّه عن أبيه؟ [فقلت حدثنا بكار بن قتيبة أنبأنا أبو أحمد أنبأنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن أبي عبيدة عن أمه عن أبيه (٤)] أن رسول الله ﷺ قال:
(إنّ الله تعالى ليغار للمؤمن فليغر) وحدثنا به إبراهيم بن أبي داود حدثنا سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان موقوفا، قال: فقال لي الرّجل: تدري ما تقول، تدري ما تتكلم به؟ قلت: ما الخبر؟ قال: رأيتك العشية مع
стр. 78
الفقهاء في ميدانهم وأنت الآن في ميدان أهل الحديث، وقل من يجمع ذلك، فقلت. هذا من فضل الله وإنعامه.
صنف أبو جعفر كتاب «الشروط الكبير»، و «الشروط الصغير»، و «المختصر الكبير»، «المختصر الصغير»، «شرح الجامع الكبير» لمحمد بن الحسن، «شرح الجامع الصغير»، و «المحاضر والسجلات»، وكتاب «الوصايا»، وكتاب «الفرائض»، وكتاب «شرح مشكل أحاديث رسول الله ﷺ » وكتاب «نقض كتاب المدلسين على الكرابيسي» و «كتاب أحكام القرآن» وكتاب «شرح معاني الآثار»، وكتاب «العقيدة»، وكتاب «التسوية بين حدثنا وأخبرنا» صغير، وكتاب «الاختلاف بين الفقهاء» و [هو] (١) كتاب كبير لم يتمّه، والذي خرج منه نحو ثمانين كتابا على ترتيب كتب الاختلاف على الولاء، وكتاب «معاني الآثار».
وهو ابن أخت المزنيّ وأما ابن أبي عمران الحنفي فكان قاضي الدّيار المصرية بعد القاضي بكار.
قال ابن يونس. مات أبو جعفر في مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة عن بضع وثمانين سنة.
٧٠ - أحمد بن محمد بن شارك أبو حامد الهروي الشافعي (٢).
مفتي هراة، وأديبها، وعالمها، ومفسرها، ومحدّثها في زمانه، سمع الحسن
стр. 79
ابن سفيان، وأبا يعلى الموصلي، وعنه أبو عبد الله الحاكم. مات بهراة سنة خمس- وقيل ثمان- وخمسين وثلاثمائة.
٧١ - أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن الحسن المالكي أبو الفضل تاج الدين بن أبي عبد الله بن أبي محمد الجذاميّ الإسكندري الإمام المتكلم الشاذلي (١).
كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وحديث، ونحو وأصول وفقه، وغير ذلك.
وله تواليف مفيدة، وكان ﵀ متكلما على طريقة أهل التصوف، واعظا، انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه، وكان شاذلي الطريقة، ينتمي إلى الشيخ أبي الحسن ﵀، وكان أعجوبة زمانه في كلام التصوف.
قدم القاهرة، وتكلم بالجامع الأزهر وغيره فوق كرسي بكلام يروح النفوس على طريقة القوم، مع إلمام بآثار السلف، ومشاركة في الفضائل، فأحبه الناس وكثرت أتباعه، وكان رجلا صالحا له ذوق، وعليه سيما الخير.
توفي بالمدرسة المنصورية في القاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة، ودفن بالقرافة، وتردد الناس لزيارة قبره تبركا به، وعملوا عند قبره في كل ليلة حادي عشر جمادى من كل سنة مجتمعا يقرءون فيه القرآن ويطعمون الطعام، فيحشر الناس من أكثر الجهات لشهود هذا المحيا.
ومن مصنفاته كتاب «التّنوير في إسقاط التدبير» وكتاب «الحكم»
стр. 80
وكتاب «لطائف المنن» وكتاب «المرقى إلى القدس الأبقى» و «مختصر تهذيب المدوّنة» للبرادعي في الفقه.
واجتمع ثلاثة بالقاهرة، فقال أحدهم. أنا لو سلمت من العائلة [لتجردت] (١)، وقال الثاني: أنا أصلي وأصوم وما علي من أثر الفلاح ذرّة.
وقال ثالثهم؛ وهو محمّد بن نصر بن سلامة الصواف: أنا صلاتي ما ترضي نفسي. فكيف ترضي الله ثم قاموا إلى مجلسه فتكلم في الوعظ، ثم قال: ومن الناس من يقول
وتكلم على ما قالوه.
ومن شعره:
مرادي منك نسيان المراد ... إذا رمت السبيل إلى الرشاد
فإن تدع الوجود فلا تراه ... وتصبح مالكا حبل اعتمادي
إلى كم غفلة عني وإني ... على حفظ الرعاية والوداد
وودّي فيك لو تدري قديم ... ويوم البت تشهد بانفراد
وهل ربّ سواي فترتجيه ... غدا ينجيك من كرب شداد
فوصف العجز عم الكون طرّا ... فمفتقر لمفتقر ينادي
وبي قد قامت الأكوان طرّا ... وأظهرت المظاهر من مراد
أفي داري وفي ملكي وفلكي ... توجه للسّوى وجه اعتمادي
وها خلعي عليك فلا تزلها ... ومن وجه الرجاء عن العباد
ووصفك فالزمنه وكن ذليلا ... ترى مني المنى طوع القياد
وكن عبدا لنا والعبد يرضى ... بما تقضي الموالي من مراد
стр. 81
٧٢ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى بن لب بن يحيى أبو عمر المعافريّ المالكي الحافظ الطّلمنكيّ (١).
من طلمنكة، بفتح الطاء واللام والميم وسكون النون وفتح الكاف وهاء ساكنة من ثغر الأندلس الشرقي، نزيل قرطبة.
سمع بها من القلعيّ، وابن عون الله، وغيرهما. ورحل إلى المشرق فلقي جماعة: الدّمياطي، وابن غلبون، وعنه أخذ القراءة، وأبا القاسم الجوهري، وأبا بكر الأدفويّ.
ودخل إفريقية فأخذ عن ابن أبي زيد.
روى عنه ابن عبد البر، وابن حزم وطائفة. وكان حبرا في علوم القرآن، قراءاته وإعرابه، وناسخه ومنسوخه، وأحكامه ومعانيه، ذا عناية تامّة بالآثار ومعرفة الرّجال، حافظا للسّنن، عارفا بأصول الدّيانات، عالي الأسناد شديدا في ذات الله قامعا لأهل الأهواء والبدع.
وله تواليف جليلة ككتاب «الدليل إلى معرفة الجليل» مائة جزء، كتاب في «تفسير القرآن» نحو هذا، وكتابه في «الوصول إلى معرفة الأصول» وكتاب «البيان في إعراب القرآن». و «فضائل مالك» و «رجال الموطأ» و «الرد على ابن مسرّة» و «رسالة في أصول الديانات» إلى أهل أشبونة (٢) وهي جيدة، وغير ذلك.
стр. 82
سكن قرطبة وأقرأ بها. ثمّ سكن المريّة ثم مرسية ثم سرقسطة. ثم رجع إلى بلده طلمنكة، فبقي بها إلى أن مات في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ومولده سنة أربعين وثلاثمائة.
قال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصّلة: أخبرنا أبو القاسم بن بقي الحجاريّ قال: خرج علينا أبو عمر الطّلمنكي يوما ونحن نقرأ عليه فقال:
اقرءوا وأكثروا فإني لا أتجاوز هذا العام فقلنا له: ولم؟ قال: رأيت البارحة في منامي منشدا ينشدني يقول:
اغتنموا البر بشيخ ثوى ... يفقده السّوقة والصيد
قد ختم العمر بعيد مضى ... ليس له من بعده عيد
قال فتوفي في ذلك العام، ﵀ وإيانا.
٧٣ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبيد العبدي المؤدّب الهرويّ الفاشانيّ (١).
صاحب كتاب «الغريبين» كان من العلماء الأكابر. قرأ على أبي سليمان الخطابيّ وأبي منصور الأزهري. (٢)
وكتابه المذكور جمع فيه بين غريب القرآن الكريم والحديث النبوي، وسار
стр. 83
في الآفاق، وهو من الكتب النافعة (١). وله أيضا كتاب «ولاة هراة».
روى عنه عبد الواحد المليحيّ (٢) وأبو بكر الأردستانيّ. وكانت وفاته شهر رجب سنة إحدى وأربعمائة.
٧٤ - أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي الحنبليّ المقرئ الأصوليّ النحويّ شهاب الدين أبو العباس (٣).
ابن الشيخ تقيّ الدّين أبي عبد الله، ولد سنة سبع- أو ثمان- وأربعين وستمائة.
وقال البرزالي: سنة تسع وأربعين. أظنه بقاسيون.
وسمع من خطيب مردا حضورا، ومن ابن عبد الدائم، وجماعة.
وارتحل إلى مصر بعد الثمانين، فقرأ بها القراءات، على الشيخ حسن الراشدي، وصحبه إلى أن مات، وقرأ الأصول على الإمام شهاب الدين القرافي المالكيّ، والعربية على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وبرع في ذلك، وتفقه في المذهب، لعله على ابن حمدان.
وقدم دمشق بعد التسعين، فأقرأ بها القراءات، ثم تحول إلى حلب، فأقرأ بها أيضا، ثم استوطن بيت المقدس، وتصدّر لإقراء القرآن، والعربية.
стр. 84
وصنف «شرحا كبيرا للشاطبية»، و «شرحا آخر للرائية في الرسم» و «شرحا لألفية ابن معط» قال ابن رجب: ولا أدري أكمله أم لا؟
وصنف «تفسيرا» وأشياء في القراءات.
قال الذهبي في طبقات القراء: هو صالح متعفف، خشن العين، جمّ الفضائل، ماهر بالفن، قلّ من رأيت بعد رفيقه مجد الدين- يعني التونسي- مثله.
وذكره في معجم شيوخه أيضا، فقال: كان إماما مقرئا بارعا فقيها متقنا، نحويا، نشأ إلى اليوم في صلاح ودين وزهد، سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت إليه مشيخة بيت المقدس.
وذكره البرزاليّ في تاريخه، وذكر: أنه حج وجاور بمكة، قال: وكان رجلا صالحا، مباركا عفيفا منقطعا، يعد في العلماء الصالحين الأخيار، قرأت عليه بدمشق والقدس، عدة أجزاء.
وتوفي بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن في اليوم المذكور بمقبرة ماملا، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب، في سادس عشر الشهر. وذكر الذهبي: أنه مات فجأة، نفعنا الله به.
٧٥ - أحمد بن محمد بن عماد بن علي الشيخ الإمام العلامة أبو العبّاس المصريّ القرافيّ المعروف بابن الهائم (١).
стр. 85
ولد في سنة ست وخمسين أو سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بالقرافة الصغرى، وسمع من التقي بن حاتم، والجمال الأميوطيّ والعراقيّ، وغيرهم.
وتفقه على شيخ الإسلام سراج الدين البلقينيّ واشتغل كثيرا، وبرع في الفقه والعربية، وتقدّم في الفرائض والحساب ومتعلقاتهما على أهل عصره.
وارتحل إلى بيت المقدس، فانقطع هناك به للتدريس والإفتاء، وناب هناك في تدريس الصلاحية، وكان حبرا مهابا معظّما قوالا بالحق.
وله عدة تواليف انتفع الناس بها، وصار عليها المعول وهي «الفصول المهمة في علم مواريث الأمّة»، و «المعونة في الحساب الهوائي» و «مختصرها» و «المبدع» و «[اللمع] (١) المرشدة في صناعة الغبار» ومختصرها، المسمى «نزهة النظار في صناعة الغبار» و «مختصر تلخيص ابن البناء المسمّى بالحاوي» و «شرح الياسمينية في الجبر
والمقابلة»، «منظومة لاميّة في الجبر» من بحر البسيط، وأخرى لاميّة من الطويل تسمى «بالمقنع» وشرحها الكبير المسمى «بالممتع» ومختصره المسمّى «بالمشرع» و «ترغيب الرائض في علم الفرائض». والألفية فيه المسمّاة «بالكافية» و «النفحة القدسية» و «غاية السول في الإقرار بالدين المجهول» و «نظم قواعد الإعراب لابن هشام» المسمّى «بتحفة الطلاب» و «شرحه» في مطوّل ومختصر و «القواعد الحسان فيما يتقوم به اللسان» المشهور «بالسماط» و «نظمه في قصيدة ميمية» من بحر البسيط، وسماه «نظم السماط» وعدتها ثلاثمائة وخمسون بيتا و «شرحها» و «خلاصة الخلاصة في النحو» و «مختصر اللمع للشيخ أبي إسحاق في الأصول» و «تحقيق المعقول والمنقول في نفي الحكم الشرعي عن الأفعال قبل بعثة الرسول» و «المغرب من
стр. 86
استحباب ركعتين قبل المغرب» و «جزء في صيام ستة أيام من شوال» و «التحرير بدلالة نجاسة الخنزير» و «نزهة النفوس في بيان حكم التعامل بالفلوس» و «اللمع في الحث على اجتناب البدع» و «التبيان في تفسير غريب القرآن» و «دفع الملام عن القائل باستحباب القيام».
والذي لم يكمل فكثير منها: «شرح الجعبرية في الفرائض» و «شرح كفايته» وقد قارب الفراغ وهو ثلاثة أجزاء ضخمة، و «العقد النضيد في تحقيق كلمة التوحيد» كتب منه ثلاثين كراسا، و «تحرير القواعد العلائية وتمهيد المسالك الفقهية» و «البحر العجاج في شرح المنهاج» لو كمل لكان قريبا من ثلاثين مجلدة، وشرح الخطبة منه في عشرين كراسا في قطع الكامل من مسطرة خمسة وعشرين، و «قطعة جيّدة من التفسير» إلى قوله تعالى:
(فأزلّهما الشّيطان عنها) (١) و «إبراز الخفايا في فن الوصايا» و «العجالة في حكم استحقاق الفقهاء أيام البطالة» و «تعاليق على مواضع من الحاوي» وغير ذلك.
أجاز للحافظ ابن حجر كما ذكره في معجمه وإنبائه، وقال: اجتمعت به في بيت المقدس، وسمعت من فوائده.
ومات في العشر الأخير من جمادى الآخرة، كما قاله المقريزي والحافظ ابن حجر في أنبائه، وقال في معجمه: في رجب سنة خمس عشرة وثمانمائة ببيت المقدس، بعد ان أثكل ولده محمّد، وكان نادرة عصره، فصبر واحتسب، فرحمهما الله وإيانا.
٧٦ - أحمد بن محمد بن عمر الإمام العلامة الزاهد زين الدّين أبو نصر، وقيل أبو القاسم العتّابيّ البخاريّ الحنفيّ (٢).
стр. 87
أحد من سار ذكره.
من تصانيفه «الزيادات» الكتاب المشهور، رواها عنه جماعة منهم حافظ الدين، وشمس الأئمة الكردري، وغيرهما، و «جوامع الفقه»، أربع مجلدات. و «شرح الجامع الصغير»، و «تفسير القرآن العظيم»، لازمه الكردريّ.
مات يوم الأحد وقت الظهر سنة ست وثمانين وخمسمائة ببخاري، ودفن «بكلاباذ» (١)، بمقبرة القضاة السبعة، وأحدهم أبو زيد الدّبّوسيّ.
والعتّابيّ: نسبة إلى «دار عتّاب» محلة ببخارى.
ذكره القرشيّ في طبقات الحنفية.
٧٧ - أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن إدريس بن عبد الله بن ورد التميميّ (٢).
من أهل المرية يكنى أبا القاسم ويعرف بابن ورد.
قال الملاحي: كان من جلة العلماء الفقهاء المحدّثين، وقال ابن الزبير كذلك، وزاد أنّه كان موفور الحظ من الأدب والنحو والتاريخ، متقدّما في علم الأصول والتفسير حافظا متفنّنا.
انتهت الرئاسة في مذهب مالك إليه وإلى القاضي أبي بكر بن العربي في وقتهما، لم يتقدمهما بالأندلس أحد في ذلك بعد وفاة القاضي أبي الوليد بن رشد.
стр. 88
ونقل أن أبا عمر بن عات قال: حدّثت أن القاضي أبا بكر بن العربيّ اجتمع بابن ورد وسهرا ليلة واحدة في التناظر والتذاكر، فكانا عجبا، يتكلم أبو بكر فيظن السامع أنه ما ترك شيئا إلا أتى به، ثم يجيبه أبو القاسم بأبدع الجواب ينسى السامع ما سمع قبله، وكانا أعجوبتي دهرهما، وكان له مجلس يتكلم فيه على الصّحيحين، ويخص الأخمسة بالتفسير.
روى عن أبي علي الغسانيّ، وأبي الحسين بن سراج، وأبي بكر بن سابق الصّقليّ، وأبي محمد عبد الله بن فرح المعروف بابن الغسّال الزاهد، وغيرهم من الجلة.
روى عنه أبو جعفر بن الباذش، وابن حكم، وابن رفاعة وغيرهم. توفي سنة أربعين وخمسمائة.
٧٨ - أحمد بن محمد بن الفضل أبو بكر الخطيبي القزويني (١).
سمع بها الحديث وبالريّ، وكان له حظ من الفقه والتفسير، واللغة والنحو والشروط، صالح، ويقرأ عليه كل من هذه الفنون وهو ملازم مسجده، وكان ينظم الشعر. والقضاة يثقون بخطه وبجرحه وتعديله، ويعتمدون قوله.
سمع سنن ابن ماجة من الإمام ملكداد بن علي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
ذكره الرافعي في «تاريخ قزوين»، وقال: وأجاز له عامة شيوخ والدي.
стр. 89
٧٩ - أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد أبو العباس بن الخروبيّ الأنصاريّ الأندلسيّ الوادي آشي (١).
روى عن أبي بحر سفيان بن العاصي، وأبي بكر بن غالب بن عطية، وأبي الحسين شريح، وأبي علي الصّدفيّ، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وابن خيرة، وعبد الحق بن غالب بن عطية، وأجازه المازريّ.
وروى عنه أبو الخطاب بن واجب، وعبد المنعم بن الفرس، وأبو ذرّ الخشنيّ وأبو عبد الله الأندرشي وجماعة أجلاء فضلاء.
وكان فقيها عارفا متقنا للقراءات وأصول الفقه وعلم الكلام، حسن القيام على تفسير القرآن العظيم، محدثا رواية مكثرا، حسن المشاركة في كثير من فنون العلم، يغلب عليه حفظ اللغة والآداب، مقدما في كل ما ينتحله، موفور الحظ من علم العربية، يقرض يسيرا من الشعر، واستقضى ببلده فشكر. توفي سن اثنتين وعشرين وخمسمائة.
٨٠ - أحمد بن محمد بن المظفر بن المختار أبو العباس.
الفقيه الرازيّ الحنفيّ الصوفيّ المفسر.
قال القرشي: قدم دمشق وكان يفسر القرآن على المنبر بجامعها، ثم رحل منها متوجها إلى بلاد الروم، وتولى بها القضاء والتدريس، وسمع الحديث الكثير من أبي المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراويّ، وبدمشق من أبي اليمن الكنديّ، وأبي المعالي محمد بن موهوب بن البناء وغيرهما.
стр. 90
ومن نظمه:
تفقد السّادات خدامهم ... مكرمة لا ينقص السّؤددا
هذا سليمان على ملكه ... قد قال ما لي لا أرى الهدهدا
٨١ - أحمد بن محمد بن مكّي بن ياسين المخزوميّ الشيخ العلامة نجم الدين أبو العباس القموليّ (١).
المصري الشافعي، اشتغل إلى أن برع، وأفتى وصنّف، وولي قضاء قوص ثم إخميم ثم أسيوط والمنية والشرقية والغربية، ثم ولي نيابة الحكم بالقاهرة وحسبة مصر مع الوجه القبلي، ودرّس بالفخرية بالقاهرة، وبالفائزية بمصر.
وشرح «الوسيط» شرحا مطوّلا، أقرب تناولا من «المطلب»، وأكثر فروعا، وإن كان كثير الاستمداد منه.
قال الإسنويّ: لا أعلم كتابا في المذهب أكثر مسائل منه، وسماه «البحر المحيط في شرح الوسيط» ثم لخص أحكامه خاصة «كتلخيص الرّوضة» من الرافعي سماه «جواهر البحر» و «شرح كافية ابن الحاجب في النحو» شرحا مطولا، و «شرح الأسماء الحسنى» في مجلد، وكمل «تفسير الإمام فخر الدّين» (٢).
قال السّبكي في الطبقات الكبرى: كان من الفقهاء المشهورين،
стр. 91
والصّلحاء المتورعين، يحكى أن لسانه كان لا يفتر عن قول: «لا إله إلا الله» ولم يبرح يفتي ويدرّس ويصنف ويكتب.
وكان الشيخ صدر الدين بن الوكيل يقول فيما نقل لنا عنه: ليس بمصر أفقه من القموليّ.
وقال جعفر الأدفويّ، قال: لي أربعون سنة أحكم ما وقع لي حكم خطأ ولا مكتوب فيه خلل. وكان مع جلالته في الفقه عارفا بالنحو والتفسير.
مولده سنة ثلاث وخمسين وستمائة، ومات يوم الأحد ثامن رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة عن ثمانين سنة ودفن بالقرافة.
وقمولا: بفتح القاف وضم الميم وإسكان الواو بلده في البر الغربيّ من الأعمال القوصية، قريبة من قوص.
٨٢ - أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار بن أبي بكر بن علي أبو العبّاس المنعوت بناصر الدين المعروف بابن المنيّر الجروي الجذاميّ الإسكندرانيّ المالكيّ (١).
ولد سنة عشرين وستمائة، كان إماما بارعا في الفقه، ورسخ فيه وفي الأصلين والعربية وفنون شتى، وله اليد الطولي في علم النظر وعلم البلاغة والإنشاء، وكان متبحرا في العلوم مدققا فيها، له الباع الطويل في علم التفسير والقراءات، وكان علامة الإسكندرية وفاضلها.
стр. 92
وولي نظر الأحباس والمساجد وديوان النظر، ثم القضاء نيابة عن القاضي ابن التّنسيّ في سنة إحدى وخمسين وستمائة، ثم ولى القضاء استقلالا وخطابتها في سنة اثنتين وخمسين، ثم عزل عن ذلك، ثم ولي ثم عزل، وكان خطيبا مصقعا.
سمع من أبيه ومن أبي بحر عبد الوهاب بن رواح بن أسلم الطوسي بسماعه من السلفيّ.
قال ابن قريش (١): وخرجت له مشيخته وقرأتها عليه.
روى عنه أبو حيان وغيره، وتفقه بجماعة اختص منهم بالإمام العلامة أبي عمرو بن الحاجب وتفنن به، وفيه يقول:
لقد سئمت حياتي اليوم لولا ... مباحث ساكن الإسكندريّة (٢)
كأحمد سبط أحمد حين يأتي ... بكل غريبة كالعبقريّة
تذكرني مباحثه زمانا ... وإخوانا لقيتهم سريّة
زمانا كان الابياري فيه ... مدرسنا وتغبطنا البريّة
مضوا فكأنهم إما منام ... وإما صبحة أضحت عشيّة
وقوله سبط أحمد أشار به إلى جده لأمه، وهو كمال الدين الإمام أحمد ابن فارس.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد [بقوص وابن المنير بالإسكندرية (٣)]
стр. 93
[وسأله ابن دقيق العيد (١)] يوما عن الحجّة في كون عمل أهل المدينة حجّة، فقال. وهل يتّجه غير هذا! وذكر كلاما طويلا، فلم يتكلم الشيخ معه، فلمّا خرج سئل عن ترك الكلام معه، فقال: رأيت رجلا لا ينتصف منه إلا بالإساءة إليه.
وله تصانيف حسنة جليلة مفيدة، منها: «تفسير القرآن العظيم» سماه «البحر الكبير في نخب التفسير» واعترض عليه في هذه التسمية بأن البحر الكبير مالح، وأجيب عن ذلك بأنه محل العجائب والدرر، ومنها «الانتصاف من الكشّاف» ألفه في عنفوان الشبيبة، وكتب له عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام بالثناء عليه، وكذا الإمام شمس الدين الخسروشاهيّ، أحد شيوخ الشيخ شهاب الدين القرافي، وغيرهما من العلماء.
ومنها «المقتفى في آية الإسراء» وهو كتاب نفيس، فيه فوائد جليلة واستنباطات حسنة، وله «اختصار التهذيب» من أحسن مختصراته، وله على تراجم البخاري «مناسبات» وله «ديوان خطب» مشهور بديع، يسمى «عقود الجواهر على أجياد المنابر» وله «مناقب الشيخ أبي القاسم القبّاري» وأراد أن يصنّف في الردّ على الأحياء فخاصمته أمه، وقالت له:
فرغت من مضاربة الأحياء وشرعت في مضاربة الأموات! فتركه.
وله شعر لطيف، وذكر في ديباجة تفسيره أنه لم يجتمع بأبي عمرو بن الحاجب حتى ضغط مختصريه في الفقه والأصول، وأجازه ابن الحاجب بالإفتاء. ومات- قيل مسموعا- في يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
٨٣ - أحمد بن محمد بن موسى بن أبي عطاء أبو بكر القرشي (٢).
стр. 94
مولاهم الدّمشقي المفسّر، روى عن بكّار بن قتيبة، وعبد الله بن الحسين المصّيصيّ، وعنه أبو هاشم المؤدّب، وعبد الوهاب الكلابيّ، وغيرهما. مات سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
٨٤ - أحمد بن محمد بن هاشم الجلفريّ.
بضم الجيم وسكون اللام وفتح الفاء وراء، نسبة إلى «جلفر» إحدى قرى مرو، صاحب «التفسير».
سمع مغيث بن بدر، وعنه خارجة ............... (١)
٨٥ - أحمد بن المعذّل (٢).
من الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره ولم يسمع منه، من أهل العراق.
هو أحمد بن المعذّل بن غيلان بن الحكم العبديّ، يكنى أبا الفضل، بصري، وأصله من الكوفة.
وهو: الفقيه المتكلم من أصحاب عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن مسلمة، كان مفوّها ورعا، متبعا للسنة.
قال القاضي عياض: وسمع أيضا من إسماعيل بن أبي أويس، وبشر ابن عمر، وغيرهما، وعليه تفقه جماعة من كبار المالكية، كإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأخيه حماد، ويعقوب بن شيبة، وسمع منه ابنه محمد بن أحمد، وعبد العزيز بن إبراهيم البصريّ، وغيرهم.
قال أبو عمر الصدفيّ: هو ثقة. وأثنى عليه أبو حاتم.
стр. 95
وقال أبو سليمان الخطّابيّ: أحمد بن المعذّل، مالكيّ المذهب، يعدّ في زهاد أهل البصرة وعلمائها.
وقال أبو خليفة الفضل [بن] (١) الحباب الجمحيّ القاضي، لأبي بكر النقّاش: أحمدنا يعني ابن المعذّل: أفضل من أحمدكم، يعني أحمد بن حنبل، قيل: وكان ابن المعذّل من العلماء الأدباء الفصحاء النظار، فقيها بمذهب مالك، ذا فضل ووصل وورع ودين وعبادة ليلا، له أشعار ملاح.
وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكان أحمد يقول له: أنت كالإصبع الزائدة، إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت، فأجابه عبد الصمد:
أطاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنة
كأن لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنة
وينظر نحوي إذا زرته ... بعين حماة إلى كنه
وكان أحمد من الأبهة والتمسك بالمنهاج، والتجنب للعيب، وعدم التعرض لما في أيدي الناس، والزهد فيه على غاية، وكان من أفصح الناس وأبلغهم وأنسكهم وأصمتهم، حتى نسب بذلك إلى الكبر.
وكان يسمى الراهب لفقهه ونكسه، لم يكن المالك بالعراق أرفع منه، ولا أعلى درجة ولا أبصر بمذهب أهل الحجاز، منه.
وقال أحمد بن المعذّل: دخلت المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون، برجل ليخصّني ويعني بي، فلما فاتحني قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع. معك من الحذاء والسقاء ما تأكل به لب الشجر، وتشرب به صفو
стр. 96
الماء، وكان يذهب إلى البادية ويكتب عن الأعراب، وقيل إنه توفي وقد قارب الأربعين سنة.
قال القاضي عياض في أول المدارك: كثير من يقول أحمد بن المعدّل بدال مهملة وصوابه معجمة، انتهى، وبما ضبطه القاضي عياض، ضبطه الدارقطنيّ وغيره.
قال في الصحاح: ورجل معذّل لإفراطه في الجود، شدّد للكثرة.
ولابن المعذّل كتاب «فضائل القرآن» و «أحكام القرآن».
٨٦ - أحمد بن مغيث بن أحمد بن مغيث أبو جعفر الصدفيّ الطّليطلي المالكيّ (١).
كان من أهل البراعة والفهم والرئاسة في العلم، متفنّنا، عالما بالحديث وعلله، وبالفرائض والحساب واللغة والنحو، وله يد طولى في التفسير.
وله كتاب «المقنع في عقد الشروط». مات في صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وولد سنة ست وأربعمائة.
٨٧ - أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهانيّ (٢).
الحافظ الكبير، الثبت العلامة، صاحب «التفسير» و «التاريخ» وغير ذلك.
стр. 97
روي عن أبي سهل بن زياد القطّان، وميمون بن إسحاق، وعبد الله بن إسحاق الخراسانيّ، ومحمد بن عبد الله بن علم الصفّار، وإسماعيل الخطبيّ، ومحمد بن علي بن دحيم الشيبانيّ، وأحمد بن عبد الله بن دليل، وإسحاق بن محمد بن علي الكوفيّ، ومحمد بن أحمد بن علي الأسواريّ، وأحمد بن عيسى الخفاف، وأحمد بن محمد بن عاصم الكرّانيّ، وطبقتهم.
روى عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده، وأخوه عبد الوهاب، وأبو الخير محمد بن أحمد بن ررا (١)، وأبو منصور محمد بن شكرويه، وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن سليم، وأبو عبد الرحمن الثقفيّ الرئيس، وأبو مطيع محمد بن عبد الواحد المصريّ، وأحمد بن عبد الرحمن الذكوانيّ، وهو راوي التفسير عنه، وخلق كثير.
وعمل «المستخرج على صحيح البخاريّ» وكان قيّما بمعرفة هذا الشأن، بصيرا بالرجال، طويل الباع، مليح التصانيف.
ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ومات لست بقين من رمضان سنة عشر وأربعمائة.
٨٨ - أحمد بن ناصر بن طاهر العلامة برهان الدين أبو المعالي الشريف الحسينيّ الحنفيّ (٢).
ذكره البرزاليّ فقال: كان إماما علّامة زاهدا عابدا مفتيا، وعنده انقطاع وعبادة وزهد ومعرفة بالتفسير والفقه والأصول.
صنّف «تفسيرا» في سبع مجلدات، و «كتابا في أصول الدين» فيه سبعون مسألة.
стр. 98
توفي في شوال سنة تسع وثمانين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية.
٨٩ - أحمد بن يحيى بن زيد بن سيّار الشّيبانيّ مولاهم الإمام العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس ثعلب (١).
إمام الكوفيين فيهما، ولد سنة مائتين، وابتدأ بالطلب في العربية والشعر واللغة سنة ست عشرة، وحفظ كتب الفرّاء فلم يشذ عنه منها حرف، وعني بالنحو أكثر من غيره، فلما أتقنه أكبّ على الشّعر والمعاني والغريب. ولازم ابن الأعرابيّ بضع عشرة سنة.
وسمع من إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ومحمد بن سلّام الجمحيّ، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، وعليّ بن المغيرة الأثرم. وسلمة بن عاصم، وخلق سواهم.
وروي عنه محمد بن العباس اليزيديّ، والأخفش الأصغر، ونفطويه، وأبو عمر الزّاهد وجمع.
قال بعضهم: إنما فضل أبو العباس أهل عصره بالحفظ للعلوم التي تضيق عنها الصدور.
وقال ثعلب: كنت أصير إلى الرّياشي لأسمع منه، فقال لي يوما وقد قرئ عليه:
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين صغير سنّي
كيف تقول: بازل أو بازل؟ فقلت: أتقول لي هذا في العربية؟ إنما
стр. 99
أقصدك لغير هذا، يروى بالرفع على الاستئناف والنصب على الحال والخفض على الإتباع. فاستحيا وأمسك.
قال: وكان محمد بن عبد الله بن طاهر يكتب ألف درهم واحدة، بالهاء، فإذا مرّ به ألف درهم واحد أصلحه واحدة، وكان كتّابه يهابون أن يكلّموه في ذلك، فقال يوما: أتدري لم عمل الفرّاء كتاب البهاء؟ قلت لا.
قال: لعبد الله أني، بأمر طاهر جدّي، قلت له: إنه قد عمل له كتبا منها كتاب «المذكر والمؤنث»، قال: وما فيه؟ قلت: مثل ألف درهم واحد، ولا يجوز واحدة، فتنبه وأقلع.
قال أبو الطيّب اللّغويّ: كان ثعلب يعتمد على ابن الأعرابيّ في اللغة وعلى سلمة (١) عن عاصم في النحو، ويروى عن ابن نجدة كتب أبي زيد، وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبي نصر كتب الأصمعي، وعن عمرو ابن أبي عمرو كتب أبيه.
وكان ثقة متقنا يستغني بشهرته عن نعته، وكان ضيّق النفقة مقترا على نفسه، وكان بينه وبين المبرّد منافرة، فقيل له قد هجاك المبرد، فقال:
بماذا؟ فقيل: بقوله:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصبّ (٢)
لو أخذ النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
فقال: أنشدني من أنشده أبو عمرو بن العلاء:
يشتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا (٣)
ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعض الكلب إن عضّا
стр. 100
وقال أبو بكر بن مجاهد: قال ثعلب يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، وأصحاب الحديث بالحديث ففازوا، وأصحاب الفقه بالفقه ففازوا؛ واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي؟
فانصرفت من عنده، فرأيت النبي ﷺ تلك الليلة فقال لي:
أقرئ أبا العباس مني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل.
قال أبو عبد الله الروذباريّ، العبد الصالح، أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وقال أبو عمر الزاهد: سئل ثعلب عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له:
أتقول: لا أدري، وإليك تضرب أكباد الإبل من كلّ بلد! فقال: لو كان لأمّك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت.
صنف «المصون في النحو»، «اختلاف النحويين»، «معاني القرآن»، «معاني الشعر»، «القراءات»، «التصغير»، «الوقف والابتداء»، «الهجاء»، «الأمالي»، «غريب القرآن»، «كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف»، «ما يجرى وما لا يجرى»، «الأمثال»، «الإيمان والدواهي»، «استخراج الألفاظ من الأخبار»، «المسائل»، «حدّ النحو»، «تفسير كلام ابنة الخسّ»، «المجالسات»، «الفصيح» - وقيل هو للحسن بن داود الرّقيّ، وقيل: ليعقوب ابن السّكيت- وله أشياء أخر.
وثقل سمعه بأخرة، ثم صمّ، فانصرف يوم الجمعة من الجامع بعد العصر وإذا بدوابّ من ورائه، فلم يسمع صوت حافرها، فصدمته فسقط على رأسه في هوّة من الطريق، فلم يقدر على القيام، فحمل إلى منزله.
ومات فيه ثاني يوم السبت لعشر خلون- وقيل لثلاث عشرة بقيت-
стр. 101
من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين، وخلّف كتبا تساوي جملة وألفي دينار وواحدا وعشرين ألف درهم، ودكاكين تساوي ثلاثة آلاف دينار؛ فردّ ماله على ابنته.
ورثاه بعضهم بقوله:
مات ابن يحيى فماتت دولة الأدب ... ومات أحمد أنحى العجم والعرب (١)
فإن تولّى أبو العبّاس مفتقدا ... فلم يمت ذكره في النّاس والكتب
وذكره الداني في طبقات القرّاء فقال: روى القراءة عن سلمة بن عاصم عن أبي الحارث، عن الكسائيّ عن الفراء، وله كتاب حسن فيها.
روى القراءة عنه ابن مجاهد وابن الأنباريّ وغيرهما.
وذكره الذهبي في طبقات الحفاظ، وقال: إنما أخرجته في هذا الكتاب لأنه قال: سمعت من القواريريّ مائة ألف حديث.
وقال الخطيب: كان ثعلب ثقة حجّة ديّنا صالحا مشهورا بالحفظ.
٩٠ - أحمد بن يوسف بن أصبغ بن خضر الأنصاريّ المالكيّ (٢).
من أهل طليطلة؛ يكنى أبا عمر.
سمع من أبيه يوسف بن أصبغ، وعبد الرحمن بن محمد بن عبّاس.
وكان ماهرا في الحديث، والتفسير، والفرائض. وشوور في الأحكام.
وكانت له رحلة إلى المشرق وحج فيها، وولي القضاء بطليطلة وكان مرضيا.
стр. 102
توفيّ بقرطبة في شعبان سنة تسع وسبعين وأربعمائة (١)، ﵀ وإيانا.
٩١ - أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع بن حسين (٢).
الإمام العلامة الزاهد الكبير موفق الدين أبو العباس الموصلي الكواشي الشيباني الشافعي المفسّر.
نزيل الموصل، ولد بكواشة. وهي قلعة من أعمال الموصل، سنة تسعين- أو إحدى وتسعين- وخمسمائة.
اشتغل وبرع في القراءات والتفسير والفضائل، وقرأ على والده، وقدم دمشق فأخذ عن السخاوي وغيره، وحج وزار بيت المقدس، ورجع إلى بلده وتعبد.
قال الذهبي: وكان منقطع القرين عديم النظير زهدا وصلاحا وتبتّلا وصدقا واجتهادا، وكان يزوره السلطان فمن دونه فلا يعبأ بهم ولا يقوم لهم، ولا يقبل لهم شيئا، وله كشف وكرامات، وأضر قبل موته بنحو من عشر سنين.
قال الذهبي: وبلغنا أنه اشترى قمحا من قرية الجابية (٣) لكونها من فتوح عمر ﵁، ثلاثة أمداد وحملها إلى الموصل، فزرعها بأرض البقعة، وخدمها بيده، ثم حصدها وتقوت منه.
стр. 103
وخبأ بذرا ثم زرعه فنما وكثر، إلى أن بقي يدخل عليه من ذلك القمح ما يقوم به وبجماعة من أصحابه.
قال الشيخ تقي الدين أبو بكر المقصّاتي: قرأت على الشيخ موفق الدين تفسيره، فلما بلغت إلى والفجر منعني من إتمام الكتاب، وقال أنا أجيزه لك، ولا تقول قرأته كله على المصنف، يعني أن للنفس في ذلك حظا.
قال: وغبت عنه سنة ونصفا، فجئت ودققت الباب، وكان قد أضرّ فجاء ليفتح وقال: من، ذا أبو بكر، فاعتددتها له كرامة.
صنف «التفسير الكبير»، و «التفسير الصغير» وجوّد فيه الإعراب، وحرّر أنواع الوقوف، وأرسل منه نسخة إلى مكة والمدينة والقدس.
قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في «طبقات النحاة» في ترجمته: وعليه اعتمد الشيخ جلال الدّين المحليّ في «تفسيره»، واعتمدت عليه أنا في تكملته مع «الوجيز» و «تفسير البيضاويّ» و «ابن كثير».
وأشهر [من] (١) أخذ عنه القراءات محمد بن عليّ بن خروف الموصلي، وتقيّ الدين المقصّاتي نائب الخطابة بدمشق. مات بالموصل في سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة.
٩٢ - أحمد بن يوسف بن محمد بن عبد الدائم الحلبيّ (٢).
شهاب الدين أبو العبّاس المقرئ النحويّ الشافعيّ نزيل القاهرة المعروف بالسّمين.
قرأ النحو على أبي حيّان، والقراءات على ابن الصّائغ، وسمع الحديث
стр. 104
من يونس الدّبوسيّ، وولي تدريس القراءات والنحو بالجامع الطولونيّ، والإعادة بالشافعيّ، وناب في الحكم بالقاهرة وولي نظر الأوقاف.
وصنف تصانيف حسنة، منها؛ «تفسير القرآن» مطوّل وقد بقي منه أوراق قلائل في عشرين سفرا، و «إعراب القرآن» سمّاه «الدّر المصون» في أربعة أجزاء ألفه في حياة شيخه أبي حيّان إلا أنه زاد عليه، وناقشه في مواضع مناقشة حسنة، و «أحكام القرآن» وشرح «التسهيل» شرحا مختصرا من شرح أبي حيّان وشرح «الشاطبيّة».
قال الإسنويّ: كان فقيها بارعا في النحو والتفسير وعلم القراءات ويتكلم في الأصول خيّرا ديّنا، مات في جمادى الآخرة، وقيل: في شعبان سنة ست وخمسين وسبعمائة.
٩٣ - أبو أحمد بن جزيّ الكلبيّ المالكيّ (١).
كان شيخا جليلا ورعا زاهدا عابدا متقلّلا من الدنيا، وكان فقيها مفسّرا.
وله «تفسير القرآن العزيز». توفي في حدود العشرين وستمائة.
٩٤ - أحمشاد (٢) بن عبد السلام بن محمود- وهو فرد- ابن عبد السلام بن محمود (٣).
أبو المكارم الغزنويّ الحنفيّ الفقيه الواعظ.
стр. 105
قال القرشيّ: ذكره العماد أبو عبد الله محمد بن محمد الكاتب في الخريدة من جمعه، فقال: كان من فحول العلماء، شاهدته بأصبهان في سنة نيف وأربعين وخمسمائة.
وكان عالما بتفسير كتاب الله تعالى، ويعقد مجلس الوعظ بجامع أصبهان في كل يوم أربعاء، ويتكلم على التوحيد باللفظ السديد.
ورحل من أصبهان إلى العسكر، وتولى قضاء «أرأسة» «وخيرة». ومات سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
من اسمه إسحاق
٩٥ - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر.
الإمام الحافظ الكبير المجتهد أبو يعقوب التميميّ الحنظليّ المروزي (١).
نزيل نيسابور وعالمها، بل هو شيخ أهل المشرق، ويعرف بابن راهويه صاحب «المسند» و «السنن» و «التفسير» المشهور، الذي رواه عنه محمد ابن يحيى بن خالد المروزيّ المشعرانيّ بفتح الميم والمهملة، بينهما معجمة ساكنة.
ولد إسحاق سنة ست وستين ومائة، وقيل: سنة إحدى وستين، وسمع ابن المبارك وهو صبي، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وفضيل بن عياض، وعيسى بن يونس، والدّراورديّ وطبقتهم.
стр. 106
وعنه الجماعة سوى ابن ماجة، وأحمد، وابن معين، وشيخه يحيى بن آدم، والحسن بن سفيان، وأبو العباس السراج، وخلق.
قال محمد بن أسلم الطوسي وبلغه موت إسحاق: ما أعلم أحدا كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (١)) وكان أعلم الناس، ولو كان الثوري والحمادان في الحياة لاحتاجوا إليه.
وعن أحمد قال: لا أعلم لإسحاق بالعراق نظيرا.
وقال النّسائيّ: إسحاق ثقة مأمون إمام.
قال أبو داود الخفاف: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي وثلاثين ألف أسردها، قال: وأملى علينا إسحاق من حفظه أحد عشر ألف حديث، قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وقال أبو زرعه ما رئي أحفظ من إسحاق. وقال أبو حاتم:
العجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. وقال عبد الله ابن أحمد بن شبويه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إسحاق لم يلق مثله.
قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: جمعني وهذا المبتدع ابن أبي صالح مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسأله الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال ابن أبي صالح: كفرت بربّ ينزل من سماء إلى سماء فقلت: آمنت بربّ يفعل ما يشاء.
قال الذهبي في طبقات الحفاظ عقب هذا الكلام: هذه حكاية صحيحة، رواها البيهقيّ في الأسماء والصفات.
стр. 107
قال البخاريّ: مات ليلة نصف شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
وراهويه: بفتح الراء، لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإنما لقب بذلك لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية «راه» و «ويه» معناه وجد، فكأنه وجد في الطريق.
والحنظلي: بسكون النون وفتح الظاء، نسبة إلى حنظلة بن مالك، ينسب إليه بطن من تميم.
من اسمه إسماعيل
٩٦ - إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ البصريّ (١).
مولى بني أسد بن خزيمة، يكنى أبا بشر، وأمّه عليّة مولاة لبني أسد.
سمع أيوب، وعبد العزيز، وروح بن القاسم ويحيى بن سعيد التيميّ، وابن أبي عروبة، وخالد الحذّاء، والجريريّ سعيد، ومنصور بن عبد الرحمن، ويونس بن عبيد، وداود بن أبي هند.
روى عنه علي بن المدينيّ، وصدقة، وقتيبة، وابن أبي شيبة، وزهير، وعلي بن حجر.
ولد سنة عشر ومائة، وتوفي سنة ثلاث- أو أربع وتسعين- ومائة ببغداد، ثقة حافظ من الطبقة الثامنة.
له «التفسير»، «الطهارة»، «الصلاة»، «المناسك»، أخرج له الجماعة.
стр. 108
٩٧ - إسماعيل بن أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن الحيريّ النّيسابوريّ (١).
الضّرير المفسّر المقرئ الزاهد، أحد أئمة المسلمين والعلماء العاملين، له التصانيف المشهورة في القرآن، والقراءات، والحديث والوعظ، رحل في طلب الحديث كثيرا، وسمع من زاهر السّرخسيّ، وأبي الحسين الخفّاف، ومحمد بن مكي الكشميهني (٢).
روى عنه الخطيب أبو بكر، وكان مفيدا نفّاعا للخلق مباركا في علمه، له «تفسير» مشهور. ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ومات سنة ثلاثين وأربعمائة.
٩٨ - إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد بن درهم ابن بابك (٣) الجهضميّ الأزديّ (٤).
مولى آل جرير بن حازم، أبو إسحاق، أصله من البصرة، وبها نشأ واستوطن بغداد، وسمع محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، وسليمان بن حرب الواشحي، وحجاج بن المنهال، ومسدّدا والقعنبيّ:، وأبا الوليد الطيالسيّ،
стр. 109
وعلي بن المدينيّ، وسمع أيضا من أبيه، ونصر بن علي الجهضميّ، وأبي بكر ابن أبي شيبة وأبي مصعب الزهريّ، وغيرهم.
وأخذ الفقه عن ابن المعذّل، وكان يقول: أفخر على الناس برجلين بالبصرة، ابن المعذّل يعلمني الفقه، وابن المديني يعلمني الحديث.
روى عنه موسى بن هارون، وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغويّ، ويحيى بن صاعد، وابن عمه يوسف بن يعقوب، وابنه أبو عمر القاضي، وأخوه، وإبراهيم بن عرفة نفطويه وابن الأنباريّ والمحامليّ وجماعة.
وممن تفقه عليه وروى عنه وسمع منه، ابن أخيه إبراهيم بن حماد، وابنا بكير، والنسائي، وابن المنتاب، وأبو بشر الدولابيّ، وأبو الفرج القاضي، وأبو بكر بن الجهم، وبكر القشيريّ، والفريابيّ، وابن مجاهد المقرئ، ويحيى ابن عمر الأندلسيّ، وخلق.
به تفقه أهل العراق من المالكية، وكان شديدا على أهل البدع يرى استتابتهم حتى أنهم تحاموا بغداد في أيامه.
ومن تآليفه: «موطّؤه»، وكتاب «القراءات»، وكتاب «أحكام القرآن» لم يسبق إلى مثله، وكتاب «معاني القرآن وإعرابه» خمسة وعشرون جزءا، و «كتاب الرد على محمد بن الحسن» مائتا جزء، لم يتم، و «كتابه في الرد على أبي حنيفة»، و «كتابه في الرد على الشافعيّ في مسألة الخمس» وغيرها، وكتابه «المبسوط في الفقه»، و «مختصره»، وكتاب «الأموال والمغازي» وكتاب «الشفاعة»، وكتاب «الصلاة على النبي ﷺ » وكتاب «الفرائض»، مجلد، و «زيادات الجامع من الموطأ» أربعة أجزاء، وله كتاب كبير سمي «شواهد الموطأ» في عشر
стр. 110
مجلدات وذكر أنه في خمسمائة جزء، وكتاب «مسند يحيى بن سعيد الأنصاريّ» و «مسند حديث ثابت البنانيّ»، و «مسند حديث مالك بن أنس»، و «مسند حديث أيوب السّختيانيّ» و «مسند حديث أبي هريرة»، وجزء حديث أم زرع، وكتاب «الأصول»، وكتاب «الاحتجاج بالقرآن» مجلدان، وكتاب «السنن»، وكتاب «الشفعة» وما روي
فيها من الآثار ومسألة المني يصيب الثوب، وكتاب المعاني المذكور، كان ابتدأه أبو عبيد القاسم بن سلام بلغ فيه إلى الحج أو الأنبياء، ثم تركه فلم يكمله، وذلك أن الإمام أحمد بن حنبل كتب إليه: بلغني أنك تؤلف كتابا في القراءات أقمت فيه الفرّاء وأبا عبيد أئمة يحتج بهما في معاني القرآن فلا تفعل، فأخذه إسماعيل وزاد فيه زيادة، وانتهى إلى حيث انتهى أبو عبيد.
توفّي فجأة وقت صلاة العشاء الأخيرة ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة اثنتين ومائتين، ومولده سنة تسع وتسعين ومائة، وهو معدود في حفّاظ الحديث، ذكره الذهبي في طبقاتهم.
٩٩ - إسماعيل بن زياد أو ابن أبي زياد السّكونيّ (١).
قاضي الموصل، شاميّ، واسم أبيه مسلم.
روى عن ابن جريج، وابن عون، وهشام بن عروة (٢)، وقال الدارقطنيّ: متروك يضع الحديث، وقال الخليليّ: شيخ ضعيف ليس بالمشهور، كان يعلم ولد المهدي، وشحن كتابه في «التفسير» بأحاديث مسندة يرويها عن شيوخه، ثور بن يزيد، ويونس الأيلي، لا يتابع عليها.