Полный текст (154 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بعض الناس له عناية بالمتون لكن ليست له عناية بالشروح، وإدامة النظر في الشروح تعطي طالب العلم ملكة يفهم بها السنة، ويستطيع من خلال هذه الملكة أن يشرح من السنة ما لم يشرح قبل؛ لأنه يأتيك أحاديث ما شرحت، يعني إذا كان الحديث مخرج في البخاري ترتاح، شروحه كثيرة وموجودة، مخرج في مسلم نعم، الكتب الستة مخدومة، لكن قد يعوزك حديث في الطبراني مثلاً، أو في مسند أحمد، ما سبق أن شرح، تقف تقول: هذا طلاسم ما شرحه أهل العلم؟ تشرحه أنت؛ لماذا؟ لأنه تولد عندك ملكة، وصرت بحسك وملكتك هذه تستطيع أن تتعامل مع النصوص، كما قلنا في نظيره بالأمس بالنسبة لمن يديم النظر في كلام السلف في تفسير كلام الله -جل وعلا-.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . مع الكشف عن تفسيرها ودمِ
واقرأ كتاباً يفيد الاصطلاح به ... تدري الصحيح من الموصوف بالسقمِ
يعني ما يعقل أن طالب حديث ما يعرف المصطلح، مستحيل؛ لأن معرفة المصطلح والمصطلح هو القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي لا بد من معرفتها، ولا بد من التدرج، الشيخ يقول: "اقرأ كتاباً" نقول: ما يكفي كتاب، لا بد أن تتدرج؛ لأن كتاب واحد إن قرأت من الكبار ما فهمته إلا بقراءة كتاب قبله، لا بد أن تتدرج في ثلاث كتب أو أربعة واحدة تلو الآخر، ما يناسب المبتدي، ثم بعد ذلك ما يناسب المتوسط، ثم بعد ذلك ما يناسب المتقدم والمنتهي في طريقة ذكرناها في مقدمة الألفية، يرجع إليها من أرادها، وذكرناها باختصار يعني يناسب التقديم.
واقرأ كتاباً يفيد الاصطلاح به ... تدري الصحيح من الموصوف بالسقمِ
"فهي المحجة" الطريق الواضح البين.
فهي المحجة فاسلك غير منحرفٍ ... . . . . . . . . .
لا يمين ولا شمال، اسلك الصراط المستقيم، اسلك هذه المحجة البيضاء ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها)).
فهي المحجة فاسلك غير منحرفٍ ... وهي الحنيفية السمحاء فاعتصمِ
اعتصم بدينك، اعتصم بكتاب ربك وسنة نبيك ﵊.
وحيٌ من الله كالقرآن شاهده ... في سورة النجم فاحفظه ولا تهمِ
السنة وحي من الله -جل وعلا- كالقرآن ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم].
стр. 107
. . . ... خير الكلام ومن خير الأنام بدا
في سورة النجم فاحفظه ولا تهمِ ... . . . . . . . . .
((أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) خير الكلام كلام الله، وإذا قلنا: إن السنة وحي فهي مثل كلام الله، إذاً هي خير الكلام بعد كلام الله.
خير الكلام ومن خير الأنام بدا ... من خير قلب. . . . . . . . .
ومن أسلم قلب، ومن أطهر قلب ومن أنصح قلب.
. . . . . . . . . ... من خير قلب به قد فاه خير فمِ
من أطيب الأفواه فمه ﵊.
وهي البيان لأسرار الكتاب فبالـ ... إعراض عن حكمها كن غير متسمِ
هي البيان، يعني ما جاء مجملاً في القرآن يبينه النبي ﵊ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [(٤٤) سورة النحل] فوظيفته ﵊ البيان، فالسنة
هي البيان لأسرار الكتاب فبالـ ... إعراض عن حكمها كن غير متسمِ
لا تتسم بالإعراض؛ لأنك إذا أعرضت عن المبِين فلن تفهم المبيَن، ولا ادعيت أنك من أهل الله وخاصته ومن أهل العناية بالقرآن؛ لأنه يرد عليك أشياء تحتاج إلى بيان بيانها في السنة، فالمفترض أن تعتني بالسنة كعنايتك بالقرآن.
"حكم نبيك" يعني إذا قال: افعل افعل، إذا قال: لا تفعل لا تفعل، إذا قال: حب فلان حب فلان، إذا قال: حب العمل كذا، إذا قال: أبغض أبغض، حكم نبيك، لا يكن لك خيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب] ما لك خيار، ليس لك خيار، إذا قضى الله ورسوله أمر سمعنا وأطعنا.
حكم نبيك وانقد وارض سنته ... . . . . . . . . .
"وانقد" انقد غيرك تبعاً لما جاء في حكم نبيك ﵊ يعني زن الناس وانقدهم، امدح هذا وذم هذا بقدر الموافقة والمخالفة لسنة النبي ﵊.
стр. 108
"وارض سنته" ارض بها، لا تبغي بها بديل ولا تخالفها، يعني حكمها في نفسك وفي غيرك، وأول ما يحكم به الإنسان على نفسه؛ ليكون قدوة للناس، والنبي ﵊ في خطبة الوداع لما وضع الدماء ووضع الربا قال: ((أول دم أضعه دمنا دم الحارث بن ربيعة بن عبد المطلب، وأول رباًَ أضعه ربانا ربا العباس)) لأنه ما يمكن أن يكون قدوة وهو يفرض على الناس ويترك نفسه، أو يفرض على أولاد الناس ويترك أهله وأولاده، ما يكن قدوه بهذا حتى يبدأ بنفسه.
حكم نبيك وانقد وارض سنته ... مع اليقين. . . . . . . . .
مع اليقين بدون تردد.
. . . . . . . . . ... مع اليقين وحول الشك لا تحمِ
أبعد عن الشك والريب، وألزم نفسك باليقين الذي لا تردد فيه ولا ريب.
"واعضض عليها" بنواجذك، عض على سنة نبيك بنواجذك، إذا سمعت حديثاً فيه أمر بادر للعمل، إذا سمعت حديثاً فيه نهي عن شيء بادر بتركه والبعد عنه.
واعضض عليها وجانب كل محدثة ... . . . . . . . . .
يعني التزم بالسنة وجانب البدعة: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)) إياكم، تحذير من محدثات الأمور ومن البدع، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
واعضض عليها وجانب كل محدثة ... وقل لذي بدعة يدعوك لا نعمِ
يدعوك المبتدع إلى بدعته قل: لا سمع ولا طاعة، أنا صاحب سنة، وبلغني عن النبي ﵊ كذا، وأنت تدعوني إلى خلاف ما عرف عنه ﵊، وعن أتباعه من سلف هذه الأمة وأئمتها.
فما لذي ريبة في نفسه حرجٌ ... مما قضى قط في الإيمان من قسمِ
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [(٦٥) سورة النساء].
فما لذي ريبة في نفسه حرجٌ ... مما قضى قط في الإيمان من قسمِ
ليس له قسم، ليس له نصيب ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ﴾ [(٦٥) سورة النساء] ... الآية.
. . . . . . . . . أقوى زاجراً لأولي الـ ... ألباب. . . . . . . . .
стр. 109
أقوى زاجراً لأولي الألباب يعني الشخص العاقل ذو اللب ذو العقل السليم الذي يحرص على نجاة نفسه، أقوى زاجراً قوله -جل وعلا-: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] شخص كبير السن صارت له خصومة عند قاضي من القضاة، فلما انتهت وحكم عليه، قيل له: هذه لائحة إن أردت أن تعترض وترفع للتمييز، فطأطأ رأسه وبكى، كيف أعترض على حكم الله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] كيف أعترض على حكم؟ يعني افترض أن الحكم صائب أو مخطئ لكن مقدماته شرعية فهي ملزمة لي ولغيري، ولا يعني هذا أن وجود المحاكم العليا من التمييز ومجلس القضاء أنه خطأ، لا؛ لأن كثرة المشاكل وكثرة الناس تستدعي كثرة القضاة، وكثرة القضاة تستدعي التفاوت بينهم التفاوت كبير، فلا شك أن صنيع هذا الرجل مما يحمد عليه لتسليمه التام، لكن لو وجد والله قال: أنا أشوف القضاة متفاوتين، متفاوتين القضاة، ويمكن هذا القاضي الحدث السن الجديد على القضاء يمكن إنه أخطأ، والمجال مفتوح، وليس فيه اعتراض لحكم الله -جل وعلا-، فأرفع للتمييز، يعني ليس وجود المحاكم العليا مخالف لمثل هذا، وكلها في دائرة حكم الله، الإشكال لو لم يرض بحكم القاضي وانتقل إلى حكم ثاني، انتقل إلى الحكم المدني على ما يقولون، حكم القانون، هذا الذي فيه الإشكال، نعم مثل الذي لم يرض بالنبي ﵊ ورضي بفلان من اليهود المنافق الذي فعل كذا، فكونه ينتقل من حكم الله إلى حكم الله، حكم الله على يد هذا القاضي الصغير على يد قاضٍ هو أكبر منه هو ما زال في دائرة حكم الله، والمجال مفتوح، والحاجة داعية لما ذكرنا، أما كونه يقول: والله أنا ما أرض بحكم القاضي هذا؛ لماذا؟ لا لا، الحاكم المدني هذا عنده قوانين ثابتة ومضبوطة ومتقنة علي وعلى غيري، نقول: هذا الذي يقع في الآية: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ﴾ [(٦٥) سورة النساء].
(فلا وربك) أقوى زاجراً لأولي الـ ... ألباب والملحد الزنديق في صممِ
стр. 110
أصحاب العقول يسلمون ويرضون كما فعل هذا الشخص كبير السن، وهذا في أيامنا، يعني الخير موجود في أمة محمد إلى قيام الساعة.
والملحد الزنديق الذي في صمم عن سماع الحق لا يسمع الحق، ومن باب أولى لا يعمل به، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية – للعلامة حافظ حكمي (٧)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
سم.
أحسن الله إليك.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى-:
في الفرائض والآلة والتحذير من العلوم المبتدعة:
وبالفرائض نصف العلم فاعن كما ... أوصى الإله وخير الرسل كلهمِ
من فضلها أن تولى الله قسمتها ... ولم يكلها إلى عرب ولا عجم
(يوصيكم الله) مع ما بعدها اتصلت ... وفي الكلالة أخرى فادنُ واغتنم
وخذ إذا شئت ما قد تستعين به ... من آلة تلفها حلاً لمنبهم
كالنحو والصرف والتجويد مع لغة ... يُدرى بها حل ما يخفى من الكلم
واحذر قوانين أرباب الكلام فما ... بها من العلم غير الشك والتهم
قاموس فلسفة مفتاح زندقة ... كم من ملم به قد باء بالندم
راموا بها عزل حكم الله واقترحوا ... للحق رداً وإنفاذاً لحكمهم
يروك إن تزن الوحيين مجترئاً ... عليهما بعقول المغفل العجم
وأن تحكمها في كل مشتجر ... إذ ليس في الوحي من حكم لمحتكم
أما الكتاب فحرف عن مواضعه ... إذ ليس يعجزك التحريف للكلم
كذا الأحاديث آحاد وليس بها ... برهان حق ولا فصل لمختصم
وقد أبى الله إلا نصر ما خذلوا ... وكسر ما نصروا منهم على رغم
كذا الكهانة والتنجيم إنهما ... كفران قد عبثا بالناس من قدم
إسنادها حزب إبليس اللعين كما ... متونها أكذب المنقول من كلم
ما للتراب وما للغيب يدركه ... ما للتصرف والمخلوق من عدم
لو كانت الجن تدري الغيب ما لبثت ... دهراً تعالج أصنافاً من الألم
أما النجوم فزين للسما ورجو ... ماً للشياطين طرداً لاستماعهم
كما بها يهتدي الساري لوجهته ... في البر والبحر حيث السير في الظلم
والنيرين بحسبان وذلك تقـ ... دير العزيز العليم المسبغ النعم
فمن تأول فيها غير ذاك قفا ... ما ليس يعلمه فهو الكذوب سم
كالمقتفين لعباد الهياكل في ... عزو التصرف والتأثير للنجم
والكاتبين نظاماً في عبادتها ... عقداً وكيفاً وتوقيتاً لنسكهم
فذا سعود وذا نحس وطلسمه ... كذا وناسبه ذا كم بخرصهم
стр. 112
واحذر مجلات سوء في الملا نشرت ... تدعو جهاراً إلى نشر البلا بهم
تدعو لنبذ الهدى والدين أجمعه ... والعلم بل كل عقل كامل سلم
وللركون إلى الدنيا وزخرفها ... والرتع كالحيوان السائم البهم
وللتهتك جهراً والخلاعة مع ... نبذ المروءة والأخلاق والشيم
والاعتماد على الأسباب مطلقها ... دون المسبب والأخلاق من عدم
والكفر بالله والأملاك مع رسل ... والوحي مع قدر والبعث للرمم
ولاعتناق الطبيعيات ليس لها ... مدبر فاعل ما شاء لم يضم
قامت لديهم بلا قيوم ابدعها ... مسخرات لغايات من الحكم
سموه مدحاً له العلم الجديد بل الـ ... كفر القديم ومنه القول بالقدم
تقسموه الملاحيد الطغاة على ... سهم وأكثر لا أهلاً بذي القسم
وكلما مر قرن أو قرون أتوا ... به على صورة أخرى لخبثهم
بعض الخبيث على بعض سيركمه ... ربي ويجعله في النار للضرم
واعجب لعدوان قوم حاولوا سفهاً ... أن يجمعوه إلى الإسلام في كمم
كالنار في الماء أو طهر على حدث ... في وقته أو إخاء الذئب والغنم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فلما ذكر الناظم -رحمه الله تعالى- الوصية بكتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه ﵊ ذكر ما يعين على فهم الكتاب والسنة من الفرائض والآلة، وحذر بعد ذلك من العلوم المبتدعة، فبدأ بالفرائض التي هي قسمة تركة المواريث وما يتعلق بها.
قال:
وبالفرائض نصف العلم فاعنَ كما ... أوصى الإله وخير الرسل كلهمِ
كما أوصى الإله في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [(١١) سورة النساء] "نصف العلم" يعني كما جاء عن الترمذي والحاكم وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعلموا القرآن والفرائض، وعلموها الناس فإني مقبوض)) قال أبو عيسى: هذا حديث فيه اضطراب، ضعفه أحمد بن حنبل وغيره، وضعفه ظاهر؛ لأن في إسناده شهر بن حوشب.
стр. 113
ابن ماجه يروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي)) وهذا الحديث صححه الحاكم، وفيه نظر؛ لأن في إسناده حفص بن عمر، ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم، المقصود أن الحديث ضعيف، وأهل العلم يذكرون هذا في بيان فضل علم الفرائض، ويوجهون معناه بأن العلم منه ما يتعلق بما قبل الوفاة وبما بعد الوفاة، إما في حال الحياة وما بعد الممات، العلوم كلها علاقتها بما في الحياة، وأما بالنسبة للفرائض فهو متعلق بقسم التركات بعد الوفاة.
من فضلها أن تولى الله قسمتها ... ولم يكلها إلى عرب ولا عجمِ
تولى الله قسمة الحقوق المتعلقة بالتركة لأصحاب الفروض، وللعصبة وغيرهم من الوارثين، بينها بالتفصيل بشروطها، وما جاء في السنة من قدر زائد على ما في القرآن فهو مجرد توضيح، وأحكام قليلة جداً، لكن جملة أحكام المواريث مسطرة في سورة النساء، فهذا العلم علم في غاية الأهمية، ومع ذلك علم حصره ممكن، يعني لو عكف عليه الإنسان أسبوع أتقنه، وهو علم منضبط، ولذلكم هو أول علم دخل في الآلات، يعني في الآلات الحاسبة مثل الكمبيوتر، أول ما دخل فيه الفرائض، يعني من قبل ربع قرن، يعني قبل أن يشيع استعمال العلوم كلها في الآلات؛ لأنه علم منضبط وقليل يعني طالب العلم يدركه بمجرد حفظ الرحبية، وقراءة شروحها، الرحبية مائة وسبعين بيت، فإدراكها سهل، وأيضاً الآيات واضحة، يعني إذا قارن ما جاء في كتب الفرائض، وما جاء في القرآن تيسر له الأمر كثيراً؛ لأنه لا يوجد فيه آيات كثيرة، آيات يسيرة يعني معدودة آيات الفرائض، فبإمكانه أن يتقن هذا العلم من خلال القرآن الكريم، ومن خلال ما كتب في الباب من مؤلفات غالبها مختصر، يعني يوجد المصنف في مجلد مثلاً لكن غالبها مختصرات.
التأليف في الفرائض على نوعين:
стр. 114
إما على الوارثين، وإما على الفروض، إما على الوارثين كما جاء في القرآن، أو على الفروض المقدرة، ثم التعصيب، ثم ذوي الأرحام، على طريقة أهل العلم في الفرائض، وكلها أمرها منضبط وعلى حد سواء، يعني سواءً قرأها الطالب على طريقة القرآن في بيان الوارثين مع شروطهم، أو على طريقة التأليف عند أهل العلم على الفروض وأصحابها، بهذا أو هذا، إما طرد أو عكس، أمرها سهل يعني.
من فضلها أن تولى الله قسمتها ... ولم يكلها إلى عرب ولا عجمِ
يوصيكم الله مع ما بعدها. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [(١١) سورة النساء] ... إلى آخر آيات المواريث.
. . . . . . . . . مع ما بعدها اتصلت ... وفي الكلالة أخرى فادنُ واغتنمِ
يعني الكلالة فيها آيتان، منها آية متصلة بآيات المواريث، ومنها آية متأخرة، آية الصيف التي هي آخر سورة النساء.
. . . . . . . . . ... وفي الكلالة أخرى فادنُ واغتنمِ
وخذ إذا شئت ما قد تستعين به ... من آلة تلفها حلاً لمنبهمِ
نصوص الوحيين هناك علوم تعين على فهم هذه النصوص، فعلوم العربية بفروعها الاثني عشر لا شك أن طالب العلم لا يستغني عنها؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، والنبي ﵊ عربي، والحديث بلغة العرب، هذا إنما يفهم من خلال معرفة العربية.
يقول: "من آلة تلفها حلا لمنبهم" كالنحو والصرف والبيان والمعاني والبديع والوضع والاشتقاق وغيرها من فروع العربية "والتجويد" وهذا يعين على أداء القرآن على الوجه المطلوب "مع لغة".
كالنحو والصرف والتجويد مع لغة ... . . . . . . . . .
يعني هل اللغة غير النحو والصرف؟ النحو والصرف لا شك أنه فرع من فروع اللغة، لكنه إذا عطفت عليه اللغة فالمراد به بقية الفروع مما يشمل متن اللغة، مفردات اللغة، فقه اللغة، وكل ما يتعلق بلغة العرب، والتجويد أيضاً نحتاج إلى علوم الحديث، نحتاج إلى أصول الفقه، نحتاج إلى قواعد التفسير وغيرها من العلوم التي تعيننا على فهم النصوص.
. . . . . . . . . مع لغة ... يدرى بها حل ما يخفى من الكلمِ
يعني من كلام الله وكلام نبيه ﵊.
стр. 115
واحذر قوانين أرباب الكلام فما ... بها من العلم غير الشك والتهمِ
يعني علم الكلام لا شك أنه يورث الشك؛ لأنه عبارة عن قوانين وقواعد على حد زعم واضعها أنها تعصم رأيه من الخطأ، ولو لم يعتمد على كتاب ولا سنة، فهم يريدون أن يكيفوا العقل البشري على قواعدهم، وكثير من الأمور المتعلقة بالعقل البشري تخفى على جميع الناس، يعني لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، فهم يريدون أن يتكلموا في أمور لا يدركون حقيقتها ولا كنهها، ويسترسلون مع عقولهم المجردة، يضعون قواعد ويرتبون عليها نتائج، هذه القواعد إذا لم تعتمد أو هذه المقدمات إذا لم تعتمد على كلام الله -جل وعلا- فإن النتائج لن تكون سليمة، علم الكلام علم غث كما قيل لا يستفيد منه الغبي ولا يحتاج إليه الذكي، لكن المتمكن في علوم الكتاب والسنة إذا أراد أن يتعلم من علم الكلام ما يفهم به أقوال المخالفين، ويستطيع الرد عليهم من قواعدهم، وينقض قواعدهم بقواعدهم إذا كان متمكناً من نصوص الكتاب والسنة، مستحضراً للعلوم الشرعية، آمناً على نفسه من الزلل والخطل، فإنه حينئذٍ يسوغ له ذلك، ولذا شيخ الإسلام لما رد على الجهمية في نقض التأسيس مدحه ابن القيم بقوله:
وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الربان
ومن العجيب أنه بسلاحهم ... أرادهم نحو الحضيض الداني
بسلاحهم، فالذي لا يعرف سلاحهم ما يستطيع الرد عليهم، ما يعرف كلامهم فضلاً عن أن يرد عليهم، لكن المسلم الذي يريد نجاة نفسه يكفيه أن يقتصر على نصوص الوحيين، وما يعين على نصوص الوحيين، ويبقى أن الرد على المخالفين فرض كفاية، يتولاه من تأهل لذلك، بمعنى أنه لا يلزم كل الناس أن يدرسوا المنطق وعلم الكلام، يعني كما قرر في بعض الكليات الشرعية على عموم الناس هذا ما هو بصحيح، قد يخصص يعني المرحلة الجامعية فيها الطالب الضعيف والجيد والغبي والذكي، والذي يخشى عليه من الانحراف، لكن مرحلة الدراسات مثلاً العالية هذه إذا انتقي لها من ينتقى ممن يتصف بالذكاء ممن يتصف بالدين، وعنده ما يكون سبباً لوقايته وحمايته، هذا لا مانع أن يدرسوا ليطلعوا على مخالفات القوم، ويردوا عليهم بأقوالهم.
стр. 116
واحذر قوانين أرباب الكلام فما ... بها من العلم غير الشك والتهمِ
كل هؤلاء المتكلمين لا سيما من كتب له الندم والتوبة كلهم أفضى أمرهم به إلى الشك الحيرة، ثم ندموا وتابوا بعد ذلك، أما من أراد الله له أو من كتب الله له الاستمرار على ما عنده من شبهات فإنه مات على ذلك، والله يتولى الجميع.
قاموس فلسفة مفتاح زندقة ... . . . . . . . . .
القاموس يعني الكتاب الذي يجمع الاصطلاحات الفلسفية هذا مفتاح الزندقة، إذا اعتمد عليه الإنسان، وأعرض عن الكتاب والسنة لا شك أنه في نهايته يؤول به الأمر إلى الزندقة، ولا يعصمه من الزلل إلا الاعتصام بالكتاب والسنة.
قاموس فلسفة مفتاح زندقة ... كم من ملم به قد باء بالندمِ
نعم كم سمعنا، وكم نقل من توبة لهؤلاء وندم، وتمنوا أنهم من نظروا في الكلام، وكلام أهل العلم في حكمهم على أهل الكلام كقول الشافعي وغيره: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من يتعاطى الكلام" المقصود أنه علم لا حاجة لطالب العلم إليه، إنما يحتاجه فئة ممن يتصدى للرد عليهم.
يقول:
راموا بها عزل حكم الله واقترحوا ... . . . . . . . . .
"راموا بها" يعني هذه القواعد التي قعدوها في علم الكلام.
راموا بها عزل حكم الله واقترحوا ... للحق رداً وإنفاذاً لحكمهمِ
لأنه ما دام هيبة الكتاب والسنة في نفوس المسلمين ما تمشي قواعدهم، لكن أرادوا أن يبطلوا نصوص الكتاب والسنة ليجد علمهم محلاً في قلوب المسلمين، كيف أبطلوا نصوص الكتاب؟
أما الكتب فحرف عن مواضعه ... إذ ليس يعجزك التحريف للكلمِ
ومعولهم على التحريف، وأما بالنسبة للسنة أمرها سهل، يعني القرآن لا يستطيعون أن يقولوا: آحاد، لا يستطيعون أن يقولوا: ظني، لا، لكن بدل من استوى استولى، وبدل من ينزل ربنا ينزل أمره، لا يستطيعون أن يقولون بالنسبة للقرآن: ظني، أما بالنسبة للسنة فقالوا: إنها آحاد، والآحاد لا يفيد إلا الظن.
راموا بها عزل حكم الله واقترحوا ... للحق رداً وإنفاذاً لحكمهمِ
يروك إن تزن الوحيين مجترئاً ... عليهما بعقول المغفل العجمِ
стр. 117
يعني أكثر من اعتنى بعلم الكلام من الأعاجم، من الأعاجم وعلم الكلام لم يوجد في صدر هذه الأمة، لا في عصر الصحابة ولا التابعين.
يقول:
يروك إن تزن الوحيين مجترئاً ... عليهما بعقول المغفل العجم
وأن تحكمها يعني هذه القواعد تحكمها في كل مشتجر، بينما المطلوب ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء].
وأن تحكمها في كل مشتجر ... . . . . . . . . .
يعني كل موضع خلاف ترجع إلى قواعدهم.
. . . . . . . . . ... إذ ليس في الوحي من حكم لمحتكمِ
أما الكتاب فحرف عن مواضعه ... إذ ليس يعجزك التحريف للكلمِ
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى﴾ [(١٦٤) سورة النساء] من معاني الكلم والكلام الجرح، يقولون: كلمه يعني جرحه بأظافير الحكمة، هذا تحريف.
أما الكتاب فحرف عن مواضعه ... إذ ليس يعجزك التحريف للكلمِ
كذا الأحاديث آحاد وليس بها ... برهان حق ولا فصل لمختصمِ
وقد أبى الله إلا نصر ما خذلوا ... . . . . . . . . .
وقيض الله للعلم الصحيح المورث للخشية الموصل إلى جنات الله -جل وعلا- ومرضاته، الموصل إلى النعيم المقيم قيض الله علماء يرفعون به رؤوسهم، يرتفعون به، ويرفعون شأنه بعنايتهم به، وتعلمه وتعليمه وبثه ونشره.
وقد أبى الله إلا نصر ما خذلوا ... وكسر ما نصروا منهم على رغمِ
رغم أنوف من حاول التقليل من شأن العلم الشرعي.
كذا الكهانة والتنجيم إنهما ... كفران. . . . . . . . .
الكاهن الذي يدعي علم الغيب، والمنجم لا شك أنهما كافران.
. . . . . . . . . ... كفران قد عبثا بالناس من قدمِ
من الأزمان الأولى والسحر موجود، السحر متقدم، من عهد سليمان ﵇.
. . . . . . . . . ... كفران قد عبثا بالناس من قدمِ
إسنادها حزب إبليس اللعين. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
"حزب إبليس اللعين" يعني هذا تعلم من هذا وهذا تعلم من هذا، وذاك تعلم من ذاك، إلى آخره إلى أن يصلوا إلى إبليس اللعين.
. . . . . . . . . كما ... متونها أكذب المنقول من كلمِ
стр. 118
متونها يعني ما يتكلم به هؤلاء السحرة هي متون السحر، وهي أكذب المنقول من كلم، وفيه المصنفات، هذه المصنفات هي أكذب المنقول من كلم، يعني عندك مثل شمس المعارف، وبعض المغفلين يقتنيه ما يدري عنه، وهو كتاب سحر، مجربات الديروبي، أو ما أدري .. ، هذا يباع في أقطار المسلمين بالجملة، ومع ذلك هو كتاب سحر، أيضاً الطلاسم الموجودة في بعض الكتب، طلاسم موجودة في بعض كتب الطب، موجودة أيضاً في كتاب حياة الحيوان، وبعضها موجود في بعض كتب العلم، لكنها لا شك أنها وإن كانت موجودة في الكتب إلا أنها كما يقول أهل العلم: إنها رموز لشياطين يستعان بها.
ما للتراب وما للغيب يدركه ... . . . . . . . . .
يعني الذي يضرب بالتراب ويضرب بالحصى ويش عرف التراب للغيب، ويش عرف الحصى للغيب.
ما للتراب وما للغيب يدركه ... ما للتصرف والمخلوق من عدمِ
لو كانت الجن تدري الغيب ما لبثت ... دهراً تعالج أصنافاً من الألمِ
стр. 119
الآن هذا الساحر وهذا الكاهن الذي يدعي علم الغيب هو كاذب على كل حال، نعم، لو جئته وقال: أمك فلانة من غير أن تخبره بها، وأبوك فلان، وزوجتك اسمها فلانة، والثوب الذي تلبسه الآن لونه كذا، وأخبرك بتفاصيل مطابقة للواقع، فهل نقول: إنه صادق أو كاذب؟ كاذب، ولا يجوز بحال أن نقول: صادق، ولو طابق كلامه الواقع، هذا حكم شرعي ما للعقل فيه مجال، ولا تطبيق قواعد اللغة ولا غيرها ما فيها مجال هنا، هو كاذب على أي حال، نظيره يعني أمر واضح، يعني لو أن ثلاثة رأوا بأم أعينهم شخصاً يزني فذهبوا إلى الجهات للحاكم وقالوا: رأينا، ما أخبرنا ولا سمعنا رأينا فلان يزني بفلانة، رأينا الميل في المكحلة، الحاكم يقول: صادقين وإلا كاذبين؟ إذا لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم الكاذبون، هم كاذبون ولو صدقوا، ولو طابق قولهم الواقع؛ لأن المسألة مسألة شرع، يعني لو أخبرك بجميع التفاصيل فهو كاذب، ولذا جاء الوعيد على من صدقه؛ لأنه قد يبهر الإنسان فيجد نفسه ملزم بتصديقه، نقول: كذب، ولا أدل من ذلك على أنه يأتي الشهود الثلاثة الثقات الأخيار يقولون: رأينا فلان يزني، فأولئك هم الكاذبون، ويجلدون على ثمانين جلدة؛ لأن هذه أحكام شرعية منضبطة، يقول لك: ((من ذهب إلى عراف أو كاهن فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) يعني ولو قال له، يعني لأنه احتمال يقول لك: أمك فلان، يعني ذهب شخص مع الأسف حافظ للقرآن وإمام جامع، ودخل على زوجته فحصل له ما حصل من سحر، فذهب إلى ساحر -خارج هذه البلاد- فقال له: أنت دخلت على فلانة في بلد كذا في يوم كذا، وكان عليها من الملابس كذا، فدخلت عليكم امرأة هذه صفتها فرشتكم بطيب، هذه العلبة هذا باقي الطيب، ويش قال هذا الحافظ؟ قال: صدقت صدقت، هل يخفى عليه النص؟ والله ما يخفى عليه؛ لماذا؟ لأن هذا كلامه طابق الواقع، لكننا شرعاً ملزمون بأن نكذبه ولو طابق كلامه الواقع، ونظير ذلك القذفة، يعني أنت أحياناً كلامك ما فيه أدنى إشكال، رأيت الرجل يجامع المرأة مثل ما يجامع الزوج زوجته، ما عندك أدنى ريب، تروح تشهد كاذب أنت ولو رأيت؛ لأن هذه أحكام شرعية، يعني ما فيها المسألة مسألة كفر، تصدق كافر ما يمكن أن يأتي شرع بهذا.
стр. 120
لو كانت الجن تدري الغيب ما لبثت ... دهراً تعالج أصنافاً من الألمِ
في قصة سليمان، مات سليمان، وكان متكئاً على عصاه على منسأته مدة طويلة حتى قال بعضهم: مائة سنة، واقف والجن يشتغلون في العذاب الأليم، مدة مائة سنة، هل نقول: إن هؤلاء يعلمون الغيب والرجل قد مات إلا أنه معتمد على عصاه؟ ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [(١٤) سورة سبأ].
أما النجوم فزين للسما ورجو ... ماً للشياطين طرداً لاستماعهمِ
كما بها يهتدي الساري لوجهته ... . . . . . . . . .
يعني الحكمة من خلق النجوم ثلاث: زين للسماء، ورجوماً للشياطين، وهداية للسراة، يهتدي بها السراة، بعض العلماء المعاصرين يرثي شيخاً من الشيوخ رحمة الله عليه يقول:
فيا خيبة الساري إذا غاب نجمه ... ويا لوعة الصادي إذا قل ماطرُ
أو "إذا جف ماطرُ" هذه مرثية لواحد من العلماء الكبار، ولا شك أنه خسارة، ومثل الغيب بالنسبة للناس.
فيا خيبة الساري إذا غاب نجمه ... ويا لوعة الصادي إذا قل ماطرُ
كما بها يهتدي الساري لوجهته ... في البر والبحر حيث السير في الظلمِ
والنيرين بحسبان وذلك تقـ ... دير العزيز العليم المسبغ النعمِ
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [(٣٨) سورة يس].
فمن تأول فيها غير ذاك. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [(٣٩) سورة يس].
فمن تأول فيها غير ذاك قفا ... ما ليس يعلمه فهو الكذوب سمِ
يعني سمي الكذوب.
كالمقتفين لعباد الهياكل في ... عزو التصرف. . . . . . . . .
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
سمِ، يعني سمي، سمي الكذوب، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، ينكسر البيت.
كالمقتفين لعباد الهياكل في ... عزو التصرف والتأثير للنجمِ
كالمتعبين لعباد الهياكل الذين يرون أن الهياكل هي التي تتصرف في العالم.
والكاتبين نظاماً في عبادتها ... عقداً وكيفاً وتوقيتاً لنسكهمِ
هذا فيه مؤلفات، التنجيم والأنواء فيها مؤلفات.
فذا سعود وذا نحس وطلسمه ... كذا وناسبه ذا كم بخرصهمِ
стр. 121
يعني حذر الناظم -رحمه الله تعالى- من الكهانة والتنجيم والسحر، والتعلق بالنجوم والهياكل، وذكر أن فيها مؤلفات، وهي موجودة بالفعل، ثم بعد ذلك حذر مما يضر ولا ينفع، مما تعلق به الناس، واشرأبت نفوسهم إليه، وأُشربت قلوبهم حبها.
يقول:
واحذر مجلات سوء في الملا نشرت ... تدعو جهاراً إلى نشر البلا بهمِ
يعني المجلات والجرائد المشتملة على الشبهات، وعلى الصور، وعلى القدح في الدين وأهله، يقول: احذرها.
واحذر مجلات سوء في الملا نشرت ... تدعو جهاراً إلى نشر البلا بهمِ
تدعو لنبذ الهدى. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
تزهد الناس في دينهم، وترفع شأن من ليس له شأن، وتسعى جاهدة إلى إسقاط من له شأن في الدين.
تدعو لنبذ الهدى والدين أجمعه ... والعلم بل كل عقل كامل سلمِ
يعني أصحاب العقول السليمة يعني هل ينفق الشخص وقته من صلاة العصر وبعد نهاية الدوام إلى قدوم النوم في قراءة جرائد ومجلات حرفاً حرفاً، مع أنه قد يأثم بقراءتها، ويترك ما يؤجر على قراءته؟! هل هذا من العقل؟! نعم قد يوجد اتفاق بين مجموعة من طلاب العلم يخصص لكل واحد صحيفة أو جزء من صحيفة لتتبع هؤلاء المفسدين للرد عليهم وبإبلاغ المسئولين عن خططهم هذا جيد، هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا لا شك أنه من حماية جناب الدين.
تدعو لنبذ الهدى والدين أجمعه ... والعلم بل كل عقل كامل سلمِ
وللركون إلى الدنيا وزخرفها ... . . . . . . . . .
ما في عندهم إلا أمور الدنيا، ما تجد إلا إعلانات عن بيع وشراء، وإعلانات عن أمور لا ينبغي لمسلم أن يعتني بها، وتجدها في دعاياتها التي تجري منها الأموال، تُعلن الصور للنساء الخليعات، والأصل في الصور كلها أنها محرمة، ولو لم يكن فيها إلا التصوير لكان الأحرى والأجدر بطالب العلم أن يجتنبها.
وللركون إلى الدنيا وزخرفها ... والرتع كالحيوان السائم البهمِ
يعني وقتك كله مطالعة لهذه الجرائد، واستغناء بها عما ينفعك في دينك ودنياك.
وللتهتك جهراً والخلاعة مع ... نبذ المروءة والأخلاق والشيمِ
تجد فيها الصور العارية للنساء، وأيضاً للرجال، تجد ما يفتن النساء بالرجال، وما يفتن الرجال بالنساء.
стр. 122
والاعتماد على الأسباب مطلقها ... دون المسبب والأخلاق من عدمِ
أما أن يكون هذا متعلق بما في الجرائد، بما ينشر في الجرائد والمجلات أنها تدعو للاعتماد على الأسباب دون المسبب، أو يكون الكلام مستأنف.
يقول: احذر
. . . . . . . . . الاعتماد على الأسباب مطلقها ... دون المسبب والأخلاق من عدمِ
والكفر بالله والأملاك مع رسل ... والوحي مع قدر والبعث للرممِ
وهذا موجود في كثير من المجلات، في كثير من الجرائد، لا سيما مجلات وجدت في مصر والشام قبل مائة سنة، وفيها هذه الأمور واضحة، وهي موجودة الآن، تدعو إلى الإلحاد -نسأل الله العافية-، تشكك في حقائق الدين، تشكك فيما اشتمل عليه القرآن والسنة، موجودة ويكتب فيها فجرة، يكتب فيها كفار من نصارى وغيرهم وملاحدة، فعلى طالب العلم أن يحذرها.
والكفر بالله والأملاك مع رسل ... والوحي مع قدر والبعث للرممِ
يعني يتكلمون في أركان الإيمان.
ولاعتناق الطبيعيات ليس لها ... مدبر فاعل ما شاء لم يضمِ
قامت لديهم بلا قيوم ابدعها ... مسخرات لغايات من الحكمِ
يعني أن الطبيعة هي التي أوجدت هذه المخلوقات، وليس الله -جل وعلا- هو الذي أوجدها.
قامت لديهم بلا قيوم ابدعها ... مسخرات لغايات من الحكمِ
سموه مدحاً له العلم الجديد بل الـ ... كفر القديم ومنه القول بالقدمِ
سموا علم الفلك الهيئة الجديدة، وفيها مؤلفات للمتقدمين وللمعاصرين، وفيه أيضاً ردود على أصحاب الهيئة الجديدة، التويجري له رد وله ذيل (الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة) وذيل الصواعق أكبر منه.
تقسموه الملاحيد الطغاة على ... سهم وأكثر لا أهلاً بذي القسمِ
تقسموه، تقسموا هذه الأعمال في هذه الجرائد، وصار كل واحد له عمود ثابت يكتب في هذا التخصص الذي انبرى له.
تقسموه الملاحيد الطغاة على ... سهم وأكثر لا أهلاً بذي القسمِ
وكلما مر قرن أو قرون أتوا به ... على صورة أخرى لخبثهمِ
الشر أصله واحد، ولكل قوم وارث، لكن الآليات التي يحقق بها هذا الشر لكل عصر ما يناسبه.
بعض الخبيث على بعض سيركمه ... ربي ويجعله في النار للضرمِ
هذه الأمور كلها، هذا الخبث كله بعضه على بعض، ظلمات بعضها فوق بعض تركم وتلقى في جهنم.
стр. 123
واعجب لعدوان قوم حاولوا سفهاً ... أن يجمعوه إلى الإسلام في كممِ
مثلاً يقال: علم الفلك الإسلامي، علم كذا الإسلامي، كل شيء يلصقونه بالإسلام، والطبيب الروحاني، ويش معنى طبيب روحاني؟ الآن في القنوات يعلن عن نفسه، وعنوانه وكيفية الاتصال به، طبيب روحاني هذا يساعد على فك السحر؛ لأنه ساحر هو، يعني كما جاء في الخمرة يشربونها ويسمونها بغير اسمها، ويسمونه أيضاً مشروب روحي الآن.
واعجب لعدوان قوم حاولوا سفهاً ... أن يجمعوه إلى الإسلام في كممِ
وتجد الآن تمشية بعض الأمور بنسبتها إلى الإسلام، تجد هذا على الطريقة الإسلامية، وهذا كذا الإسلامي، حتى قالوا: غناء إسلامي.
كالنار في الماء أو طهر على حدث ... . . . . . . . . .
كالماء في النار لا يمكن أن يجتمعان.
"أو طهر على حدث * في وقته" ما يجتمعان، طهر وحدث ما يجتمعان، فإذا وجد أحدهما ارتفع الثاني؛ لأنهما نقيضان، وكذلك الماء والنار.
. . . . . . . . . ... في وقته أو إخاء الذئب والغنمِ
لا يمكن أن يُجمع بين الذئب والغنم، كما أنه لا يُجمع بين الضب والحوت، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 124
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية للعلامة حافظ حكمي (٨)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى- في ميميته:
خاتمة في تحصيل ثمرات العلم النافعة واجتناء قطوفه الدانية اليانعة:
وحاصل العلم ما أملي الصفات له ... فأصغِ سمعك واستنصت إلى كلمي
وذاك لا حفظك الفتيا بأحرفها ... ولا بتسويدك الأوراق بالحمم
ولا تصدر صدر الجمع محتبياً ... تمليه لم تفقه المعني بالكلم
ولا العمامة إذ ترخى ذؤابتها ... تصنعاً وخضاب الشيب بالكتم
ولا بقولك يعني دائباً ونعم ... كلا ولا حملك الأسفار كالبهم
ولا بحمل شهادات مبهرجة ... بزخرف القول من نثر ومنتظم
بل خشية الله في سر وفي علن ... فاعلم هي العلم كل العلم فالتزم
فلتعرف الله ولتذكر تصرفه ... وما على علمه قد خط بالقلم
وحقه اعرف وقم حقاً بموجبه ... ومنهج الحق فاسلك عنه غير عمي
أشقى وأسعد مختاراً أضل هدى ... أدنى وأبعد عدلاً منه في القسم
أوحى وأرسل وصى آمراً ونهى ... أحل حرم شرعاً كامل الحكم
يحب الإحسان والعصيان يكرهه ... والبر يرضاه مع سخط لجرمهم
بمقتضى دين في الدارين مطرد ... لا ظلم يخشى ولا خير بمنهضم
فاعمل على وجل وادأب إلى أجل ... واعزل عن الله سوء الظن والتهم
للشرع فانقد وسلم للقضاء ولا ... تخاصمن به كالملحد الخصم
وبالمقادير كن عبداً لمالكه ... وعابداً مخلصاً في شرعه القيم
إياه فاعبد وإياه استعن فبذا ... تصل إليه وإلا حرت في الظلم
وخذ بالأسباب واستوهب مسببها ... وثق به دونها تفلح ولم تضم
بالشرع زن كل أمر ما هممت به ... فإن بدا صالحاً أقدم ولا تجم
أخلصه واصدق أصب واهضم فذي شُرطت ... في صالح السعي أو في طيب الكلم
أخلصه لله واصدق عازماً وأصب ... صراطه واهضمن النفس تنهضم
لا تعجبن به يحبط ولا تره ... في جانب الذنب والتقصير والنعم
وحيث كان من النهي اجتنبه وإن ... زللت تب منه واستغفر مع الندم
стр. 125
وأوقف النفس عند الأمر هل فعلت ... والنهي هل نزعت عن موجب النقم
فإن زكت فاحمد المولى مطهرها ... ونعمة الله بالشكران فاستدم
وإن عصت فاعصها واعلم عداوتها ... وحذرنها ورود المورد الوخم
وانظر مخازي المسيئين التي أخذوا ... بها وحاذر ذنوباً من عقابهم
والزم صفات أولي التقوى الذين بها ... عليهم الله أثنى واقتده بهم
واقنت وبين الرجا والخوف قم أبداً ... تخشى الذنوب وترجو عفو ذي الكرم
فالخوف ما أورث التقوى وحث على ... مرضاة ربي وهجر الإثم والأثم
كذا الرجا ما على هذا يحث لتصـ ... ديق بموعود ربي بالجزا العظم
والخوف إن زاد أفضى للقنوط كما ... يفضي الرجاء لأمن المكر والنقم
فلا تفرط ولا تفرط وكن وسطاً ... ومثل ما أمر الرحمن فاستقم
سدد وقارب وأبشر واستعن بغدوٍ ... والرواح وأدلج قاصداً ودم
فمثل ما خانت الكسلان همته ... فطالما حُرم المنبت بالسأم
ودم على الباقيات الصالحات وحو ... قل واسأل الله رزقاً حسن مختتم
واضرع إلى الله في التوفيق مبتهلاً ... فهو المجيب وأهل المن والكرم
يا رب يا حي يا قيوم مغفرة ... لما جنيت من العصيان واللمم
وامنن علي بما يرضيك واقضه لي ... من اعتقاد ومن فعل ومن كلم
وأعل دينك وانصر ناصريه كما ... وعدتهم ربنا في أصدق الكلم
واقصم ببأسك ربي حزب خاذله ... ورد كيد الأعادي في نحورهم
واشدد عليهم بزلزال ودمدمة ... كما فعلت بأهل الحجر في القدم
واجعلهمو ربنا للخلق موعظة ... وعبرة يا شديد البطش والنقم
ثم الصلاة على المعصوم من خطأ ... محمد خير رسل الله كلهم
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... وتم نظمي بحمد الله ذي النعم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى- في خاتمة هذه القصيدة النافعة الجامعة للوصايا التي يحتاجها كل طالب علم.
يقول:
خاتمة في تحصيل ثمرات العلم النافعة، واجتناء قطوفه الدانية اليانعة:
يقول -رحمه الله تعالى-:
وحاصل العلم ما أملي الصفات له ... فأصغِ سمعك واستنصت إلى كلمي
стр. 126
يقول: حاصل العلم، خلاصة العلم، لباب العلم ما تتضمنه هذه الوصايا فأصغِ لها سمعك، وانتبه لها، "واستنصت إلى كلمي" أصغ نفسك بنفسك واستنصت غيرك، يعني اطلب الإنصات من غيرك ليستفيد ولئلا يشوش عليك.
وذاك لا حفظك الفتيا بأحرفها ... . . . . . . . . .
يعني أنت تحرص على كلام أهل العلم، وتطلع على أقوال الفقهاء فقهاء الأمصار، إضافة إلى ما عندك من علم الكتاب والسنة، لكن مجرد حفظك للفتيا هذا ما .. ، لن تتأهل لأن تكون عالماً مستقلاً تستطيع أن تنقذ من يسألك من هلكة الجهل، ومن ظلامه إلى نور العلم.
وذاك لا حفظك الفتيا بأحرفها ... ولا بتسويدك الأوراق بالحممِ
стр. 127
الحمم يعني الفحم الذي يكتب به، والحبر يشبهه، أسود مثله، يعني لا كثرة الكتابة تنفعك، ولا حفظك للفتاوى من غير تأصيل وبناء متين لهذا العلم على أصوله عند أهل العلم، ولذا تجدون بعض الناس يمضي من عمره الشيء الكثير، وقد يموت بعد أن زاحم العلماء عقود، ومع ذلك لا يستحق أن يسمى عالم، نعم يطلب العلم، ويسلك الطريق لطلب العلم، لكن ليست عنده الأصول التي تطلب ويبنى عليها العلم، نعم تجدون من يبرز في مدة يسيرة، ومن يتأخر تأهله للعلم، كل هذا بسبب الاهتمام بالأصول والقواعد التي يبنى عليها العلم، علم الكتاب والسنة، ومن نعم الله -جل وعلا- أن يسر للإنسان من يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح في أول عمره، تجدون الشباب الآن نحمد الله -جل وعلا- أن هيأ لهم ويسر لهم من العلماء المخلصين من يدلهم على الجادة، يعني قبل لا أقول قبل يعني .. ، قبل العلماء يدرسون على الجادة، ثم بعد ذلك جاء هذا التعليم النظامي، وإن كان بعضهم ينتقد كلمة نظامي؛ لأنه يلزم منها على حد زعمه أن يكون تعليم المساجد فوضوي، إذا كان هذاك منظم التعليم في المدارس والجامعات نظامي، وإنما هو منسوب إلى من ينظمه من المشرفين عليه من قبل الموكلين من قبل ولي الأمر، أما بالنسبة لدروس المساجد فهذه موكولة إلى اجتهادات المشايخ، يعني هذا الذي من أجله يقال: تعليم نظامي، تعليم منظم ومرتب على نظر من يكلفه ولي الأمر بهذا، فهو من هذه الحيثية منظم، تجد التعليم في الحجاز نفس التعليم في نجد، والتعليم في الشمال نفس التعليم في الجنوب، ما يختلف، فهو منتظم ومنظم، ولا يلزم من هذا أن يكون التعليم في المساجد على الجادة يكون فوضوي، ما يلزم، هو تنظيم لكنه يختلف من شيخ إلى شيخ، ويختلف من قطر إلى قطر، وحتى الكتب التي تدرس في نجد مثلاً قد يدرس غيرها في نفس العلوم في اليمن، يعني إذا كانت عناية أهل نجد على سبيل المثال بالأجرومية مثلاً في النحو والقطر والألفية تجد هناك العناية بالكافية لابن الحاجب، العناية بملحة الإعراب للحريري، وهكذا تجد في الشام، وفي مصر وغيرها، يعني هذه أمور لا شك أنها منظمة، لكنها تتفاوت من بلد إلى بلد، لكن المقرر على أولى ابتدائي في أي قطر من الأقطار
стр. 128
تجده منظم، وعلى جميع الطلاب، والمرتب على أولى متوسط نفسه ما يتفاوت، ما يقولون: والله -أهل الحجاز- إحنا نجتهد بطلابنا، وأهل الشمال يبون يجتهدون وأهل .. ، لا، هو من هذه الحيثية، ولا يلزم من هذا أن يكون التعليم في المساجد فوضوي؛ لأني سمعت من يقول هذا الكلام، ما يلزم، إنما التعليم الرسمي الذي ترعاه الدولة هذا تعليم منظم من قبل من وكل إليه هذا الأمر من قبل ولي الأمر، تنظيم واحد متسق لا يتفاوت ولا يتباين، ولا يختلف من بلد إلى بلد، ولا من مستوى إلى مستوى.
من نعم الله -جل وعلا- أن يسر لطالب العلم من بداية الطريق من يأخذ بيده إلى الجادة، لذا تجدون كثير من طلاب العلم في المستوى الأخير من الجامعة في كلية شرعية تسأله عن بداهيات بعض العلوم ما يجيب، لماذا؟ لأنه أخذ هذه العلوم على طريقة رتبت لكافة الناس، مراعىً فيها أضعف الناس ما رعي فيها أجود الطلاب حتى ولا المتوسط في السنين المتأخرة مراعىً فيها الضعاف؛ لئلا يتعذب هؤلاء، وكل يمشي، والملحظ من قبل هؤلاء الدارسين أنهم يتعلمون من أجل أن يسلكوا في هذه الحياة، يعني من أجل أن يتوظف ويعيش في هذه الحياة، ولذلك تجد كثير من أوضاع طلاب العلم في الكليات الشرعية غير مرضي، وتسأله عن مسائل في الأصول الثلاثة وقد درسها في المرحلة الأولى من الابتدائي وحفظها نسيها، تجد مسائل في النحو في الأجرومية ما يعرفها، ولا اطلع عليها، تجد أشياء فيما رتب للمبتدئين تخفى عليه، وهو يمكن في الدراسات العليا؛ لماذا؟ لأنه أخذ هذا العلم على طريقة سهلة، ليست متينة تربي طالب علم.
стр. 129
الأمر الثاني: أنه في التعليم العالي في الجامعة يعطى العلم على طريق ناقصة، تتباين فيها أنظار المدرسين، المناهج واحدة في الكلية، ما تتغير، جاء مدرس أو تغير أو كذا، لكن يختلفون في أداء هذه المادة، فتجد منهم من ينجز المنهج في نصف المدة؛ لماذا؟ لأنه أعطاه الطلاب على طريقة موجزة مختصرة، وهؤلاء الطلاب بحاجة إلى شيء من التوسع، وشيء من التأصيل لهذا العلم، وبالعكس تجد مدرس ثاني ما أنجز إلا نصف المنهج أو أقل من نصف المنهج؛ لأنه توسع فيه، وأفادهم فيما شرح لهم، لكن يبقى أن الأبواب التي ما شرحت لهم فيها إعواز كبير، يعني يتخرج الطلبة وهو جاهل في هذه الأبواب، هذه طريقة التعليم في الجامعات، في الأخير بدأ المسئولون في الجامعات يهتمون لقضية إتمام المنهج، وأن يربط الطلاب بكتاب يكون بأيديهم، يدور عليه محور التعليم، وهذا لا شك أنه أفضل، تربية طلاب العلم على كتب أهل العلم لا شك أنه أفضل من تربيتهم على مذكرات وعلى كتابات عن مدرسين، أو إحالة على كتب معاصرين كما يفعله كثير من المعلمين، فطالب العلم الذي تخرج في التعليم النظامي في الكلية الشرعية مثلاً على هذا الوجه مدرس شرح له، سلق له المادة في نصف المدة، ويحتاج إلى تأصيل وتثبيت في هذه المرحلة، يحتاج إلى تشعب وتنظير للمسائل، أو مدرس أطال وأفاض ووسع وشرح وشرق وغرب ولا أنهى إلا ثلث المنهج مثلاً أو ربع المنهج، تجده يتخرج الآن هو في مفترق طرق، الآن هو تهيأ على ما يقال لسوق العمل، إما أن يكون قاضي أو يكون معلم، أو يكون داعية أو كذا، والآن تصدر للناس، ماذا يصنع؟ إذا راجع نفسه حضر درس حضر شيء وجد أنه تعليمه فيه خلل، يعني كلف بدرس ما استطاع، سئل عن مسألة والله حاول يتذكر ما استطاع، راجع نفسه، فهو بين أمرين، إما أن يتكبر ويقول: والله أنا جامعي ومعي شهادة، ومن كلية شريعة، والأصل أن المتخرج من هذه الكلية يقال له: شيخ، فأنا لست بحاجة إلى كتب الأطفال، ويستمر يتدرج في الكتب الكبيرة، ويخفى عليه بدهيات العلوم، فمثل هذا يستمر على ضعفه، لكن إن قال: أنا والله بحاجة إلى أن أبدأ من جديد، وبداءته من جديد في المتون الصغيرة هذه لا تكلفه شيء؛ لأن عنده أهلية، وتجاوز
стр. 130
مراحل، فحفظه لمتون المبتدئين، وفهم هذه المتون وقراءة شروحها، أو سماع ما سجل عليها لا يكلفه شيء، إلا أنه يتلافى فيه النقص الموجود عنده، وهذه وصيتي لطلاب العلم الذين فاتهم مثل هذا الأمر، ولو تخرجوا من الجامعة على ما يقولون، يرجع إلى كتب المبتدئتين وبإمكانه أن ينجزها في شهر واحد، هذا لا يضره، كتب المتوسطين في ثلاثة أشهر تنتهي، ثم بعد ذلك يكون سدد الخلل الذي عنده، سدد الخلل ويتابع تعليمه، ويقرأ عاد في المطولات، ويستطيع أن يقرئ الناس، ولذلك تجدون من يتصدر للتعليم أحياناً يُفتح عليه في مسائل يسيرة؛ لأنه أخذ التعليم على وجه فيه قصور.
يقول: "ولا تصدر" يعني لا تتصدر.
. . . . . . . . . صدر الجمع محتبياً ... تمليه لم تفقه المعني بالكلمِ
стр. 131
يعني لا تتصدر المجالس، ثم بعد ذلك تشرح لهؤلاء الموجودين على طريقة لا تناسبهم "لم تفقه المعني بالكلمِ" لا بد أن تنظر في الحضور ما مستوى هؤلاء الحضور؟ فإما أن تشرح بطريقة سهلة ميسرة يفهمها كل من حضر، أو تشرح بطريقة متوسطة؛ لأن الطلاب عندك فيهم من يفهم، يعني فيهم عدد كبير يفهم، فهم لا ينزلون عن منزلتهم، أو تشرح بطريقة تتجاوز فيها عن مقدمات العلوم، وما يحتاجه المبتدئون والمتوسطون، تشرح بطريقة تناسبهم، لكن مثل هذا الكلام قد لا يمشي في من كثرت عنده الجموع، وتنوع عنده الطلاب، فيهم المبتدئ، وفيهم المتوسط، وفيهم المنتهي، فإما أن يسلك طريقة المتوسطين، يشرح للمتوسطين، والمبتدئ إذا ارتفعت همته، وسمت همته، وتعب قبل أن يحضر قد يستفيد، كما أن المنتهي يستفيد أيضاً، لكنه يود أن يكون الأسلوب أسلوب التعليم أرفع من هذا، فالتعليم الآن كان المشايخ معروف عندهم يعني، شيوخنا كان معروف عندهم تقسيم الطلاب، حلقة للصغار، حلقة للمتوسطين، وحلقة للكبار الذين يعلمون هؤلاء الصغار، ويخاطب كل مجموعة بما يناسب عقولهم ((حدثوا الناس بما يعرفون)) لكن الآن من الصعب جداً أن تقول: والله أنت صغير لازم تشوف لك مكان ثاني، أو تقول: والله أنت كبير وأكثر الطلاب أقل منك مستوى فقد لا تستفيد، أنت تشرح واللي يستفيد يستفيد، واللي ما يستفيد الشكوى إلى الله، وهذا جربناه في الدروس، أول ما يبدأ الدرس في المنتهى مثلاً جلس الطلاب في الشارع، فلما شافوا أسلوب الكتاب ما يناسبهم صعب، الكثير من الحضور طلاب علم صغار أو متوسطين، أسلوب الكتاب ما يناسبهم، أيضاً أسلوب الشرح كأنهم تصعبوه، نقص النصف في اليوم الثاني، في الأسبوع الثاني، ثم ما زال العدد ينقص إلى أن ألغينا الكتاب، وجعلنا بدله الخرقي؛ لأنه أسهل، ومع ذلك يعني كتاب الفقه له حضور وله وجود، وإن كان أقل من كتب العقيدة، أقل من الواسطية لمدة طويلة.
стр. 132
المقصود أن على المدرس أن ينزل إلى مستوى الطلاب، وإن كان تصنيف الطلاب في العصر الذي في وقتنا نحن فيه صعوبة؛ لأن طالب الجامعة وإن كان مستواه مستوى مبتدئ لن يتنازل أن يقول: والله أنا مبتدئ والله أنا با أدرس مع الصغار، والكبار الذي جاء قد يكون مثلاً أستاذ في الجامعة، وبجانبه طالب في الثانوية، وقد يكون قاضي تمييز، وبجانبه طالب في الجامعة، وقد يكون كذا، كيف تتعامل مع هؤلاء؟ أنا تحدثت مع المسئولين عن تنظيم الدروس، وعلى رأسهم الوزير، وزير الشئون الإسلامية، قال: هذا ميئوس منه، الطريقة التي نعيشها ميئوس منها، لكن الإنسان يسدد ويقارب، وينظر في وجوه الطلاب، وأسئلتهم، ويقدر مستواهم، وينزل إلى مستوى بعضهم، والبعض الآخر .. ، لن يستطيع أن يتعامل مع كل شخص بعينه، هذا فيه صعوبة.
على كل حال يقول:
ولا تصدر صدر الجمع محتبياً ... تمليه لم تفقه المعني بالكلمِ
تأتي إلى طلاب صغار وتقرر عليهم مثلاً .. ، طلاب في المتوسط وتقول: أصول الفقه مهم جداً، أو النحو أو كذا ثم تأتي لهم بأعقد كتاب في الفن ما يصح، هذا تعذيب لهم، أو تأتي لطلاب في المراحل الأولى وتقرر عليهم مختصر خليل مثلاً، هذا تعذيب لهم، لكن عليك أن تنظر الطلاب، وتشوف المعني بالخطاب، وتشرح على مستواه، هذا كلام الشيخ ﵀.
ولا العمامة إذ ترخى ذؤابتها ... تصنعاً وخضاب الشيب بالكتمِ
لا تظن أنك بلغت مبلغ من العلم لأنك لابس عمامة وتصبغ لحيتك بالكتم، وما أشبه ذلك، يعني السن لا يكفي لتصدر المجالس أبداً، إنما المعول على التأهل في التحصيل.
ولا بقولك يعني دائباً ونعم ... كلا ولا حملك الأسفار كالبهمِ
يعني لا يعني بقولك دائباً ونعم، يعني نعم هذه ويش معنى: ولا بقولك يعني دائباً ونعم؟ يعني شرحك بيعني دائباً دائماً ونعم، إنما هذه طريقة مألوفة إذا قيل: نعم للطالب، قد يقال: نعم، وقد يقال: بركة، ويقال: حسبك، للبداية سم، ثم حسبك، يكرر كلمة نعم عند الحاجة إليها، يعني لا تتشبه بالمشايخ بألفاظهم، وتظن أنك صرت مثلهم، يعني مجرد تشبهك بألفاظ الشيوخ وسمت الشيوخ، عمامة، وذؤابة وخضاب وكيف يبدأ الدرس؟ وكيف يختم؟ أنت جالست الشيوخ وعرفت هذه الأمور، لكن هذا ما يكفي.
стр. 133
. . . ... كلا ولا حملك الأسفار كالبهمِ
стр. 134
يعني ما يكفي أن يقال: والله فلان عنده مكتبة كبيرة، ثم بعد ذلك يعلم وهو ما تأهل؛ لأن مجرد اقتناء الكتب لا يعني العلم، بل الإكثار من اقتناء الكتب قد يكون صارفاً عن التحصيل، ولذا ابن خلدون يقول في مقدمته: "كثرة التصانيف تعوق عن التحصيل" وهذا شيء مجرب، يعني من عنده مكتبة، شيوخ أدركناهم مكتباتهم دالوبين أو ثلاثة، كتابين في التفسير، وكتابين أو ثلاثة في الحديث وهكذا، في العقيدة، في الفقه، قاموس واحد أو مرجع واحد في اللغة، وكتاب من كتب النحو، يعني كتب يسيرة، لكن هذه الكتب هضمت، وعُرف جميع ما فيها، ويوجد الآن من طلاب العلم من عنده خمسين ألف كتاب، تشغله بمراجعتها، وبعضه يحول دون بعض، يأتي يحتاج إلى كتاب فيجد الكتب مرصوصة دونه، ويشتري ثانية ويرصها ثانية، وهكذا، هذا يتعب في جمعها، وفي العناية بها، وفي الوصول إليها في بيته، وهذا شيء مجرب، فمجرد كثرة التصانيف هذه لا تعني أن الإنسان قد فاق غيره في العلم، حتى أن الحافظ الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل يقول: إن مجرد جمع الكتب ككنز الفضة والذهب، يقول: جامع الكتب ككانز الفضة والذهب، صحيح كتب لا يستفاد منها، إنما تجمع تركة بعده، أو قد يحتاج ويبيعها، مثل الذهب والفضة يجدها عند الحاجة إليها في معاشه، أما كونه يستفيد منها مع كثرتها، كل الطبعات من كتاب كذا، ومن كل طبعة نسخة كذا، والكلام هذا ما صدر من فراغ، ما يقال: إنه يقلل من أهمية الكتب، وشأن الكتب، يعني طالب علم ما عنده كتب كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، الكتب هي سلاح طالب العلم، لكن ينبغي أن تؤخذ بحكمة وعقل، وأن الإنسان إذا احتاج لكتاب يشتريه، وقد يشتري الكتاب ليكون مرجع يرجع إليه عند الحاجة، لكن ما هو معنى هذا أنه يعذب بهذه الكتب كما هو الحاصل لبعض الشيوخ، صارت وبال عليه، وصار كثير منهم حضه من الكتب نقلها من مكان إلى مكان، إذا انتقل إلى بيت احتاج إلى سنتين أو ثلاث يرتب، وإذا سمع بأن هناك آفة نزلت بهذه الكتب أو اطلع على شيء منها في جهة ذهب ينقلها من مكان إلى مكان، وينظف ويعالج، وما أدري ويش؟ هذه مسألة لا شك أنها متعبة، ومثل ما قرروا مشغلة عن التحصيل، ونتكلم بهذا الموضوع من حرقة، وحرارة،
стр. 135
يعني عانينا من هذا كثيراً، لكن لا يعني أن طالب العلم لا يحتاج إلى الكتب، هذه ليست طريقة، طالب العلم لا بد له من الكتب، لا بد له من المراجع، قد يقول: هناك مكتبات كبيرة تغني عن اقتناء الكتب، نقول: نعم، لكن هل هذه المكتبات في حوزتك بحيث تراجعها متى شئت، هذا الكلام ما هو بصحيح، قد تحتاج إلى مسألة يفوت وقتها، والمكتبة العامة مغلقة، فكون طالب العلم يقتني الكتب ويتوسط في الاقتناء لا يسرف ولا يكثر، ولا يترك شيئاً يحتاج إليه.
. . . . . . . . . ... كلا ولا حملك الأسفار كالبهمِ
ولا بحمل شهادات مبهرجة ... بزخرف القول من نثر ومنتظمِ
يعني كان طلاب العلم إذا تأهلوا يشهد لهم شيوخهم، إما بنثر أو بنظم، يشهدون لهم أنهم تأهلوا للقضاء، تأهلوا للفتيا، تأهلوا للتعليم، تأهلوا للدعوة، ويزاولون من خلال هذه الشهادات التي أعطيت من قبل الشيوخ، وصارت الشهادات الآن تتولاها الجهات الرسمية، على طريقة التعليم الموجودة، فصار من هذه الشهادات أو ممن يحمل هذه الشهادات من لا يحمل العلم، فتجده يتقدم، أنا والله الآن تخرجت في كلية الشريعة، والعرف يدل على أن من تخرج من كلية الشريعة شيخ، والشيخ أهل لأن يستفتى، أهل لأن يقضي، أهل لأن يعلم، ثم إذا ابتلي وامتحن ما وجد على أدنى مستوى يتوقع منه، وهذا حاصل، حصل في كثير من الجهات، بل إذا قلت: إن هذا حصل في بعض خريجي قسم القرآن، ذهبوا ليعلموا القرآن في مدارس تحفيظ القرآن فوجدوا لا شيء، يعني إذا كان هذا في القرآن الذي يمكن ضبطه، وأنت بصدد تعلمه أربع سنين أو أكثر، مع ما يعين عليه من تجويد وقراءات وتفسير، ومع ذلك تجد الطالب إذا كان همه مجرد الشهادة لا يدرك شيئاً، فقد يحرم العلم بسوء القصد.
ولا بحمل شهادات مبهرجة ... بزخرف القول من نثر ومنتظمِ
"بل خشية الله" العلم خشية الله "في سر وفي علن" هذه الذي يفقدها كثير ممن ينتسب إلى طلب العلم، والعلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم، والذي لا يخشى الله -جل وعلا- ليس من أهل العلم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر].
стр. 136
"في سر وفي علن" يعني نجد من إذا تحدث بكى وأبكى، فإن كان في سره كذلك فليبشر، ونجد من إذا خلا بكى، وفي المحافل يتصبر ويتمنع، وهذا لا شك أنه علامات الإخلاص ظاهرة عليه، ومنهم لا هذا ولا هذا، لا في سر ولا في علن، يقرأ القرآن أو يقرأ سورة هود، أو يقرأ الطور، أو يقرأ أي شيء كأنه يقرأ جرائد كما هو حالنا، نسأل الله -جل وعلا- أن يصلح الأحوال.
بل خشية الله في سر وفي علن ... فاعلم هي العلم كل العلم. . . . . . . . .
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] فالعلم الذي لا يورث الخشية ليس بعلم، والعالم الذي لا يخشى الله ليس بعالم "كل العلم فالتزمِ".
فلتعرف الله ولتذكر تصرفه ... . . . . . . . . .
يعني علمك بالله -جل وعلا- وما يجب له، وما ثبت في حقه في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊، هو الذي يدلك على الطريق الصحيح، وهو الذي يورث الخشية في القلب "من كان بالله أعرف كان منه أخوف".
فلتعرف الله ولتذكر تصرفه ... وما على علمه قد خط بالقلمِ
وحقه اعرف وقم حقاً بموجبه ... ومنهج الحق فاسلك عنه غير عمي
يعني اسلك الطريق المستقيم الذي درج عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، واحذر الابتداع، والخروج عن طريقهم ومسلكهم ومنهجهم، واحذر الإيغال في هذه المحدثات، وخذ منها بقدر الحاجة، يعني هذا المكبر مثلاً يحتاج إليه، لكن ما الداعي أن يستعمله إمام خلفه ثلاثة أشخاص، هذه محدثة، تستعمل في عبادة الأصل المنع، لكن الحاجة، إذا كثرت الجموع، واحتاج الناس إلى مكبر يستعمل، ونعرف من شيوخنا من مات وهو ما استعمله، لكن الحاجة هي التي تحدد، فالإقلال من المحدثات بقدر الحاجة منها، بقدر الضرورة منها هو الأصل، لا سيما ما يستعمل منه في عبادة من العبادات، ويتقرب به إلى الله -جل وعلا-.
стр. 137
منهم من يقول: هذه وسائل لا تضر، ولا شك أن هذه المحدثات منها المحدث الذي له أثر في العبادة، وله أثر في قلب العابد، مثل هذا يتخفف منه، وإن تيسر أنه يتركه هذا هو الأصل، ومنها ما هو مجرد وسيلة مثل النظارة الآن تستعملها في قراءة القرآن؛ لأنك ما تشوف الحروف إلا بها، هذه لا شك أنها محدثة، لكن يبقى أنها وسيلة إلى عبادة فهي عبادة، يعني النفقة فيها مأجور عليها، لكن هناك وسائل منها المختلط اللي فيه الحلال والحرام، وفيه الغث، وفيه السمين، فولوج أهل العلم فيها لا شك أنه مزري بهم، يعني ويش معنى أن عالم يقرر، يشرح تفسير وإلا حديث ثم قبله مغنية، وبعده تمثيلية وبعده كذا، والله هذا يعني ما هو بلائق، وإن كان اجتهد بعض طلاب العلم وقالوا: يصل الحق إلى بيوت، أو إلى مجتمعات ما يصل إليها، يعني المنابر هي الأصل، لكن هناك من لا يحضر إلى المساجد، واقتنى هذه القنوات يقول: خلونا ندخل إلى بيوتهم .... ، أنا أقول: الاجتهاد يؤجر عليه الإنسان بقدره، وبقدر ما وقر في نيته من إخلاص، لكن يبقى أن هذه الأمور لست لها وليست لي، يعني شخص يقرر قال الله وقال رسوله يخرج في قناة ماجنة وإلا .. ، لكني لا أحصر الاجتهاد على الآخرين، فمن رأى أنه ينفع في هذا الله يجازيه على قدر نيته.
يقول:
وحقه اعرف وقم حقاً بموجبه ... ومنهج الحق فاسلك عنه غير عمي
أشقى وأسعد مختاراً أضل هدى ... . . . . . . . . .
أشقى وأسعد، الله -جل وعلا- بين وهدى النجدين، وبين طريق الحق، وطريق الضلال، وجعل هناك حرية واختيار ومشيئة للعبد يختار بها ما كُتب له، يعني بطوعه واختياره يختار طريق السعادة أو طريق الشقاء، ولا أحد يجبره على أحد الطريقين، فالله -جل وعلا- ركب فيه هذا الاختيار، ومع ذلك لن يخرج عن إرادة الله ومشيئته، وقضاه الذي قدره عليه، وهل هو شقي أم سعيد؟ لكن ما في أحد يقول: إني حاولت أن أصلي ما قدرت، حتى الذين لا يصلون هل حاول منهم أحد أن يقوم إلى المسجد وعجز؟ إذاً له حرية واختيار، بطوعه واختياره ترك الصلاة، إذاً ما ظُلم.
أشقى وأسعد مختاراً أضل هدى ... أدنى وأبعد عدلاً منه في القسمِ
стр. 138
منهم شقي وسعيد، ومنهم الضال، ومنهم المهتدي، ومنهم القريب، ومنهم البعيد، أدنى وأبعد، مثلاً جاء في الحديث وفيه كلام لأهل العلم أن أقرب الناس إلى الرب -جل وعلا- في يوم المزيد أقربهم إلى الإمام في الجمعة.
قرب بقرب والمباعد مثله ... بعد ببعد حكمة الديانِ
هذا الذي يسمع هذا الكلام، وما جاء فيه من أثر، وما جاء في كتابة الداخلين إلى المسجد يوم الجمعة، من جاء في الساعة الأولى، ومن جاء في الساعة الثانية، يعني إذا قلنا: مسألة القرب والبعد هذا حديث ضعيف، لكن ماذا عن ((من غدا)) أو ((من راح في الساعة الأولى)) هذا في الصحيحين، ومع ذلك يعرف هذا، ومن أهل العلم الذين يدرسون مثل هذا الكلام، ولا يأتي إلا في آخر ساعة، يعني في أحد منعه من المجيء؟ ما في أحد منعه، هو طائع ومختار، وإذا انتبه من النوم نظر إلى الساعة قال: باقي ساعة على دخول الإمام، هذه حرية واختيار، يعني ما في جبر، ما هو الإنسان مجبور، يقول: والله أنا كتب علي أني من أهل الشقاء، ويش يدريك أن الله كتب عليك أنك من أهل الشقاء؟ كما تقوله الجبرية، وأن الإنسان لا حرية ولا اختيار، وأن تحركاته وتصرفاته مثل حركة الشجر، هذا قول باطل، يعني مجبور على أن يفعل كذا، مجبور على أن يتأخر عن الصلاة، مجبور على أن .. ، لكن لو أن إنساناً ضربه أو سرق ماله، هل يقول: رضينا بالقدر، هذا مجبور. . . . . . . . . هذا مجبور الذي ضربني، ما يمكن أن يقول مثل هذا الكلام، يقوله للتبرير لنفسه في ترك الواجبات، وانتهاك المحرمات.
أوحى وأرسل وصّى آمراً ونهى ... . . . . . . . . .
أوحى إلى رسله وأنبيائه، وأرسل منهم من أرسل، ووصى وصى المكلفين ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [(١٥) سورة الأحقاف].
"آمراً ونهى" افعلوا ولا تفعلوا، اعبدوا ولا تشركوا، ونهى ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [(٣٢) سورة الإسراء].
أوحى وأرسل وصّى آمراً ونهى ... . . . . . . . . .
"أحل حرم" يعني الله -جل وعلا- جعل بعض الأمور بعض الأعيان حلال، وبعضها حرام.
стр. 139
"شرعاً كامل الحكمِ" كل هذه الأمور صدرت عن حكمة بالغة من الله -جل وعلا-، سواءً كان منها المأمور أو المحظور، سواءً علمنا هذه الحكم أو لم ندركها ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [(٢٣) سورة الأنبياء] ومع ذلك كثير منها مدرك الحكمة.
يحب الإحسان والعصيان يكرهه ... . . . . . . . . .
يحب المحسنين، يحب الإحسان، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، وكرهه إلى عباده المؤمنين المخلصين.
. . . . . . . . . ... والبر يرضاه مع سخط لجرمهمِ
يعني يسخط المنكرات والجرائم، ويحب البر.
بمقتضى ذين في الدارين مطردٌ ... لا ظلم يخشى ولا خير بمنهضمِ
بمقتضى ذين التوفيق والهداية والإضلال والاستقامة والفسوق والفجور بمقتضى كون الناس أو كون الجن والإنس إلى فريقين شقي وسعيد.
بمقتضى ذين في الدارين مطردٌ ... لا ظلم. . . . . . . . .
يعني أهل السعير إلى أهل إلى السعير، والأتقياء والأخيار إلى دار النعيم.
بمقتضى ذين في الدارين مطردٌ ... لا ظلم يخشى ولا خير بمنهضمِ
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [(٤٠) سورة النساء] ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [(١٢٣) سورة النساء] ما في ظلم، ولا فيه أيضاً لا يمكن أن يحمل الإنسان غير ما تحمل، ولا يمكن أن يهضم أو ينقص من حقه حسنة.
فاعمل على وجلٍ وادأب إلى أجلٍ ... واعزل عن الله سوء الظن والتهمِ
стр. 140
"اعمل على وجلٍ" اعمل الأعمال الصالحة، واترك المحرمات على وجل وعلى خوف أن يرد العمل ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [(٦٠) سورة المؤمنون] تقول عائشة: هم الذين يزنون ويسرقون؟ قال: ((لا يا ابنة الصديق، هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن ترد عليهم أعمالهم)) فينبغي أن يكون الإنسان على غاية الوجل من رد العمل؛ لأن العمل قد يوجد وقد يوفق الإنسان للعمل، لكن قد يتخلف شرطه، أو يعتريه ما يعتريه من مانع من موانع القبول، ولذا يخاف كثير من السلف من قول الله -جل وعلا-: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [(٤٧) سورة الزمر] يعني الإنسان يعلم الناس دهور، والناس تشير له بالبنان، ما شاء الله ما أجلده، ما أعلمه، ما أحذقه، ما أحلمه، وهو في النهاية من الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، أو يتعلم ليقال كما تقدم في كلام الناظم ﵀، فعلى الإنسان أن يكون على خوف تام، وحذر ومراجعة دائبة دائمة للنية، وتحسس للقلب باستمرار.
فاعمل على وجلٍ وادأب إلى أجلٍ ... . . . . . . . . .
أنت تمشي إلى أجلك، وأيامك مراحل، كل يوم تقطع مرحلة، وأنت تدأب تمشي دائباً إلى أجلك، وكل يوم يمضي من عمرك ينقص عمرك بقدره.
. . . . . . . . . وادأب إلى أجلٍ ... واعزل عن الله سوء الظن والتهمِ
ولا بد من تحسين الظن بالله -جل وعلا- ((لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)) لكن ليس في هذا معارضة لما تقدم، الإنسان يحسن الظن بربه، لكنه يسيء الظن بنفسه وعمله، فهذا الذي يجعله يعيش بين الرجاء والخوف، يخاف أن يخونه ما وقر في قلبه، أو انطوى عليه قلبه من دخل يخونه في أحوج الأوقات، يخاف من مثل هذا، ويعرف ويجزم بأنه سوف يقدم على رب كريم رؤوف رحيم، سبقت رحمته غضبه، فيجعله يرجو من الله، ويؤمل مع السعي الجاد في تحسين العمل.
للشرع فانقد وسلم للقضاءِ ولا ... تخاصمنّ به كالملحد الخصمِ
للشرع انقد، انقد اجعل قيادك وزمامك وخطامك بيد الشرع، إذا قال لك: افعل افعل، لا تفعل لا تفعل.
"للشرع انقد وسلم للقضاء" خلاص نزلت بك مصيبة عليك أن ترضى وتسلم.
стр. 141
وكن صابراً للفقر وادرع الرضا ... بما قدر الرحمن واشكره واحمدِ
. . . . . . . . . وسلم للقضاءِ ولا ... تخاصمنّ به كالملحد الخصمِ
الملحد المجادل على طريقة أهل الشرك ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [(١٤٨) سورة الأنعام] الملحد يقول: والله لو أراد لي الهداية ما ألحد، العاصي قد يحتج بالقدر، لكن هل في هذا حجة له؟ أبداً، الله -جل وعلا- جعل فيك حرية الاختيار، وبين لك، وما ترك لك حجة.
وبالمقادير كن عبداً لمالكه ... وعابداً مخلصاً في شرعه القيمِ
بالمقادير التي قدرت عليك كن عبد منقاد، مذل لله -جل وعلا-.
"كن عبداً لمالكه * وعابداً مخلصاً" يعني في الشرع في القدر كن عبداً، لا اختيار لك معه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب] خلاص ما في تردد، نفذ.
. . . . . . . . . ... وعابداً مخلصاً في شرعه القيمِ
بالنسبة للشرع عليك أن تطيع فتعمل المأمورات، وتترك المحظورات.
إياه فاعبد وإياه استعن. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
قدم المعمول كما في قوله -جل وعلا-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] للحصر، يعني إياه فاعبد ولا تعبد غيره، وإياه فاستعن ولا تستعن بغيره.
. . . . . . . . . فبذا ... تصل إليه وإلا حرت في الظلمِ
يعني إذا أخلصت العبادة لله -جل وعلا- وصرفتها له لا لغيره، وكذلك لم تستعن بأحد من المخلوقين.
. . . . . . . . . فبذا ... تصل إليه وإلا حرت في الظلمِ
ومن أراد أن يقف على أسرار إياك نعبد وإياك نستعين فليقرأ في كتاب مدارج السالكين لابن القيم.
وخذ بالأسباب واستوهب مسببها ... . . . . . . . . .
стр. 142
خذ بالأسباب، أنت مأمور بفعل الأسباب، ولكن لا تعتمد عليها، وإنما الاعتماد على مسببها، فتعطيل الأسباب نقص في العقل، والاعتماد على الأسباب قدح في الشرع، قدح في الديانة، فالذي يقول: والله الأسباب لا تنفع ولا تضر، المسبب هو الله، وأنا أعتمد عليه، فيغتسل في ثيابه في شدة البرد ويخرج، يجلس تحت الماء بثيابه، ويخرج بها وهي تقاطر ماءاً في شدة البرد، يقول: أبداً هذه أسباب، والأسباب لا قيمة لها، العبرة بالمسبب، الله -جل وعلا- هو الواقي، نقول: لا، هذا قدح في عقلك، ولذلك قول الأشعرية مناقض للعقول قبل الشرائع، حينما يقولون: إن الأسباب لا قيمة لها، ولا تأثير لها، ويجيزون أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس، يقولون: البصر سبب للإبصار، والإبصار يحصل عنده لا به، كما أن قول المعتزلة بالمقابل أيضاً قدح في الشرع، يقولون: إن الأسباب مؤثرة بذاتها، وأهل السنة والجماعة يرون أن الأسباب مؤثرة بما جعل الله -جل وعلا- فيها من أثر، لكنها لا تستقل؛ لأنه قد يوجد مانع فلا يترتب أثر السبب عليه.
وخذ بالأسباب واستوهب مسببها ... . . . . . . . . .
يعني استوهب اطلب من الله -جل وعلا- المسبب إذا بذلت الأسباب للشفاء وأنت مريض فاطلب الشفاء من الله -جل وعلا-، إذا بذلت الأسباب في طلب العلم فاسأل الله -جل وعلا- أن يفتح عليك من العلوم ما ينفعك في دينك ودنياك.
"استوهب مسببها * وثق به" يعني اسأل الله -جل وعلا- وأنت موقن بالإجابة، بعد بذل الأسباب، أسباب القبول ونفي الموانع.
"وثق به دونها" دون الأسباب "دونها تفلح ولم تضمِ"
بالشرع زن كل أمر ما هممت به ... . . . . . . . . .
стр. 143
يعني الميزان لا بد أن يكون بالشرع، وإذا تنكب الإنسان عن الشرع ووزن أفعاله، ووزن غيره بميزان مخالف لميزان الشرع لا شك أنه حينئذٍ تختلط الموازين، وتكون النتائج عكسية، إذا لم يكن الوزن ميزان الشرع، فأنت لو تقدم لخطبة ابنتك شخص، فوزنته بميزان الشرع، ميزان الشرع دين وأمانة وإيش؟ وخلق، دين وأمانة وخلق، هذا الميزان الشرعي، إذا طبقت هذا الميزان النتائج بإذن الله -جل وعلا- حميدة، ما لم يكن هناك ابتلاء، إما لتكفير سيئات، أو لرفع درجات، نتائج حميدة، لكن إذا وزنته بميزان يختلف عن ميزان الشرع، قلت: والله هذا ثري، هذا وجيه، هذا وزير، هذا أمير، هذا كذا، هذا كذا، هذا وسيم، هذه موازين غير شرعية، وإذا اقتصرت عليها فلا شك أن النتائج سوف تخرج عكسية.
بالشرع زن كل أمر ما هممت به ... . . . . . . . . .
أي عمل تريد أن تقدم عليه زنه بميزان الشرع، فإن كان نافعاً لك في دنياك وأخراك فأقدم عليه، وإن كان غير ذلك فاحجم.
"فإن بدا صالحاً" بعد وزنه بميزان الشرع فأقدم.
. . . . . . . . . ... فإن بدا صالحاً أقدم ولا تجمِ
يعني لا تحجم، بل أقدم علي، وإن كان غير ذلك فأحجم ولا تقدم عليه.
"أخلصه واصدق أصب" لا بد من الإخلاص مع الإصابة، لا بد أن يكون العمل خالصاً صواباً لله -جل وعلا-، خالصاً لوجهه، صواباً على سنة نبيه ﵊.
"واهضم فذي شرطت" يعني اعبد الله -جل وعلا- على مراد الله مخلصاً لله -جل وعلا- على سنة نبيه ﵊ واهضم نفسك، يعني لا ترى لنفسك حق، لا تقول: والله أنا أستحق كذا؛ لماذا؟ لأنني أفضل من فلان، لأنني أفعل كذا من المأمورات، وأفعل كذا من النوافل، وهو مفرط، اهضم نفسك، وقد يكون عنده من العمل الخفي الذي لا تعرفه أنت، وإن كان ظاهره على خلاف ذلك، ما يزن جميع أعمالك، ولا شك أن هضم النفس يقتضي الرفعة، التواضع هو الذي يرفع الإنسان، بخلاف العجب والفخر، هذا هو الذي يأكل الحسنات.
"والعجب فاحذره" على ما تقدم.
. . . . . . . . . إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
. . . . . . . . . فذي شرطت ... في صالح السعي أو في طيب الكلمِ
стр. 144
سواءً كانت في العمل أو في القول، كل هذه مشروطة للقول والعمل.
أخلصه لله واصدق عازماً وأصب ... . . . . . . . . .
أخلص العلم لله -جل وعلا-، أخلص في تعلمك، أخلص في صلاتك، أخلص في صيامك، أخلص في جميع أعمالك وأقوالك.
. . . . . . . . . واصدق عازماً وأصب ... صراطه واهضمنّ النفس تنهضمِ
يعني تعود على هضم النفس تنقاد لك، أما إذا كنت عودتها على العجب، والتحدث عن نفسك في المجالس، أولاً: أن من يتحدث عن نفسه لا شك أنه يسقط من عيون الناس، الأمر الثاني: أنه ينقدح عنده الإخلاص، فإذا أخبر عن عمله في مجلس من المجالس لا شك أن أجره ينقص.
أخلصه لله واصدق عازماً وأصب ... صراطه واهضمنّ النفس تنهضمِ
لا تعجبن به يحبط. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
لا تعجبن بعملك ولا بقولك يحبط.
. . . . . . . . . ولا تره ... في جانب الذنب والتقصير والنعمِ
يقول: هذا العمل اجعله يضمحل ويذوب ويتضاءل أمام ذنوبك وتقصيرك ونعم الله -جل وعلا- عليك، تقول: والله قرأت، جلست اليوم أقرأ القرآن ساعة، لكن ماذا عن النعم التي تترى عليك التي تحتاج إلى شكر، التي منها توفيقك لقراءة القرآن، تقول: أنا والله اليوم حضرت أربع دروس، هذه نعمة عليك أن تشكرها لله -جل وعلا- ولا تفخر بها.
وحيث كان من النهي اجتنبه وإن ... زللت تب منه واستغفر مع الندمِ
((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) "وحيث كان من النهي اجتنبه" يعني من غير مثنوية، أما الأمر فأتوا منه ما استطعتم.
"وإن زللت" وقعت في محظور أو تركت مأمور تب منه، بادر بالتوبة، التوبة واجبة بشروطها ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [(٣١) سورة النور] "تب منه واستغفر مع الندمِ" ألزم لسانك الاستغفار مع الندم من فعل هذه المخالفة، سواءً كانت في ترك مأمور أو فعل محظور.
وأوقف النفس عند الأمر هل فعلت ... . . . . . . . . .
стр. 145
يعني محاسبة مراقبة، إذا أويت إلى فراشك انظر ماذا فعلت؟ ماذا تركت؟ ما فعلت من طاعة فاحمد الله -جل وعلا- على أن وفقك عليها، وما فعلت من مخالفة سواءً كانت في كلام أو قول، أو تقصير في فعل تب إلى الله، بادر، حاسب نفسك قبل أن تحاسب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [(١٨) سورة الحشر] ما قدمت ليوم العرض على الله -جل وعلا-.
. . . . . . . . . وإن ... زللت تب منه واستغفر مع الندمِ
وأوقف النفس عند الأمر هل فعلت؟ ... والنهي هل نزعت عن موجب النقمِ؟
следующие страницы →