Полный текст (299 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قال بعد ذلك: "حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالا: حدثنا شريك عن منصور" وشريك هو شريك السابق، والحديث بسببه حسن "عن منصور" بن المعتمر "عن ربعي بن حراش" بالحاء المهملة، وإن ضبطه المنذري في مختصر سنن أبي داود بالخاء المعجمة، لكن الأئمة كلهم على أنه بالحاء، "عن ربعي بن حراش عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكذبوا علي فإن الكذب علي يولج النار)) " يعني يدخل النار، فهو سبب لدخول النار، ومع ذلك عامة أهل العلم على أن من تعمد الكذب على النبي ﵊ أنه لا يكفر، بل هي هفوة عظيمة، وزلة وموبقة من الموبقات، لكنه ليس بكافر خلافاً لما يقوله الجويني والد إمام الحرمين فهو يقول: يكفر، وابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ الذهبي في الكبائر يقول: "لا شك أن من كذب على الله ورسوله في تحليل حرام، أو تحريم حلال فإنه كفر محض" هكذا قال، وعامة أهل العلم على أن من كذب على الله وعلى رسوله ما لم يستحل الكذب أنه لا يكفر، ثم إن تعمد الكذب جُرح به، وردت جميع أخباره السابقة واللاحقة، ثم بعد ذلك إن ندم وتاب وأقلع وعزم على ألا يعود تاب توبة نصوحاً فإنه تقبل توبته يعني في الآخرة، في الآخرة تقبل توبته لأن التوبة من الكذب على النبي ﵊ ليست بأعظم من الشرك، التوبة تهدم ما كان قبلها، لكن هل تنفعه هذه التوبة في الدنيا، بمعنى أنه تقبل وراياته بعد ذلك؟ من أهل العلم من يقول: إنها لا تقبل، بل يستمر تركه وترك حديثه، ومنهم من يقول: إنه ليس بأعظم من الشرك، فالمشرك والكافر إذا أسلم تقبل توبته، وتقبل روايته.
((فإن الكذب علي يولج النار)) يعني يدخل النار، يعني من أسباب دخول النار، وقد يكون هذا السبب معارض بمانع، إنما هو وعيد من الله -جل وعلا-، وقد يتحقق هذا الوعيد وقد لا يتحقق، لكنه على خطر عظيم ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(١١٦) سورة النساء] فهو تحت المشيئة كسائر الكبائر.
стр. 107
قال بعد هذا: "حدثنا محمد بن رمح المصري قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي -حسبته قال: متعمداً- فليتبوأ مقعده من النار)) " وهذه الكلمة التي جاءت على سبيل التردد هنا جاءت مجزوماً بها في حديث جمع غفير من الصحابة، فهذا التردد لا يقدح فيها، فاشتراط التعمد في الكذب إنما هو لثبوت الإثم والوعد والوعيد الذي رتب عليه هذا، وأما تسميته كذب فإن هذه اللفظة تدل على أن ما لم يقصد وما لم يتعمد يسمى كذب، ولو كان الكذب خاص بالعمد لما احتيج إلى هذه الكلمة، اكتفي بقوله: ((من كذب علي ... فليتبوأ مقعده من النار)) لما قيد الكذب بالعمد الكذب الذي يدخل النار، ويكون سبباً لدخول النار، والذي توعد عليه بالنار هو التعمد، دل على أن هناك كذب ليس عن عمد ولا يترتب عليه هذا الوعيد، هذا يستدل به على أن الكذب يشمل جميع الكلام الذي لا يطابق الواقع، سواءً كان صاحبه قد تعمد ذلك أو أخطأ فيه، أو نسي أو ما أشبه ذلك، فإنه كذب ولو لم يترتب عليه هذا الوعيد.
ثم قال بعد ذلك -رحمه الله تعالى-:
"حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا هشيم عن أبي الزبير عن جابر" هشيم بن بشير الواسطي ثقة من رجال الصحيح، لكنه مدلس، وروى هنا بالعنعنة.
"وفي الصحيح عدة" يعني من المدلسين.
وفي الصحيح عدة كالأعمشِ ... وكهشيم بعده وفتشِ
стр. 108
"عن أبي الزبير" محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو أيضاً معروف بالتدليس، قال: عن جابر، ففي الخبر مدلسان حدثا بالعنعنة، فالخبر بسببهما فيه مقال، وإن كان المتن صحيحاً متواتراً من غير هذا الطريق، فعندنا هشيم، وعندنا أبو الزبير من رواة الصحيح، ورويا بالعنعنة، وخرج لهما في الصحيح بالعنعنة، وعنعنات المدلسين في الصحيحين محمولة على الاتصال، فلا كلام فيها لأحد، أحاديث الصحيحين التي فيها بعض المدلسين ورووا بالعنعنة؛ لأنها فتشت ووجد لها طرق صرح فيها بالتحديث، وتحسيناًَ للظن بالشيخين واعتباراً لتلقي الأمة لهذين الكتابين بالقبول، فلا شك أن ما جاء في الصحيحين لا يحتاج أن يبحث فيه، ولا يطعن بسبب عنعنة مدلس، وهنا خارج الصحيحين لا مانع من أن يطلب التصريح، وأن يرد الخبر إذا لم يصرح مدلس لا سيما إذا كان من الطبقة الثالثة، من طبقات المدلسين إذا كان من الثالثة فإنه لا بد أن يصرح بالتحديث، فالطبقة الأولى من لم يدلس إلا نادراً، يعني في جنب روايته، وهذا النادر وجوده كعدمه، الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه لإمامته كالسفيانين، وهذا لا يحتاج أن يصرح، أما من أكثر من التدليس ودلس عن ثقة وغير ثقة فإنه لا بد أن يصرح بالتحديث، كما هنا أبو الزبير من الطبقة الثالثة، وأما الطبقة الرابعة من المدلسين فإنهم الذين يدلسون ويكثرون منه عن الضعفاء وعن الثقات، أو جرحوا بغير التدليس، فإن هؤلاء ولو صرحوا بالتحديث.
стр. 109
"عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) " وأنتم سمعتم هذه الأحاديث عن جمع من الصحابة بهذا اللفظ، ولذا يمثل به أهل العلم للمتواتر لفظاً ومعنى، ويمثل به شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، في مواضع من كتبه يمثل بهذا الحديث للمتواتر لفظاً ومعنى، ومثل للتواتر المعنوي في كل كتاب بحسب ما يبحث فيه هذا الكتاب، تجده إذا كان المسألة في الحوض قال: أحاديث الحوض متواترة، وإذا كانت المسألة في الميزان قال: أحاديث الميزان متواترة، إذا كان المسألة في الرد على المبتدعة ذكر الأحاديث وقال: إنها متواترة في المسائل التي يبحث فيها، وفي منهاج السنة يذكر أن فضائل الشيخين أبي بكر وعمر متواترة، يعني تواتراً معنوياً لا لفظياً، أما التواتر اللفظي فمثاله هذا.
بعضهم يضيف إلى النوعين أعني التواتر اللفظي والمعنوي تواتر العمل والتوارث، وتواتر الطبقة، تواتر العمل والتوارث كأعداد الصلوات، أعداد الصلوات لو بحثت في أسانيدها ما وجدت في هذه الأسانيد ما يصل إلى حد التواتر، لكن تواتر العمل والتوارث منذ زمن النبوة إلى يومنا هذا وصلاة الظهر أربع ركعات، وغيرها من أعداد الصلوات بحيث لو قال أحد: إن صلاة الظهر ثلاث ركعات يحكم بكفره؛ لأنه خالف القطعي المتواتر تواتراً عملياً، وكذلك تواتر الطبقة، فالقرآن الكريم متواتر بإجماع الصحابة عليه، واتفاقهم على ما بين الدفتين، وأيضاً بالطبقة، فالنبي ﵊ بلغه عن طريق جبريل، وعارضه به في كل ليلة من ليالي رمضان حتى أتمه الله في آخر حياة النبي ﵊، ثم الصحابة تلقوه عن النبي ﵊، والتابعون تلقوه عن الصحابة، وهكذا تابعوهم وتابعو تابعيهم إلى يومنا هذا.
стр. 110
قال ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تَقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) " وهذا أيضاً إسناده حسن لما في محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي هذا في حفظه مقال لأهل العلم، وحديثه حسن، لا ينزل عن الحسن لذاته، وصححه بعضهم، وعلى كل حال التوسط في أمره لما قيل في حفظه أن حديثه من قبيل الحسن، ومثل الحافظ العراقي بالصحيح لغيره بحديثه، فقال:
والحسن المعروف بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن (لولا أن أشق)
إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري
محمد بن عمرو هذا الذي معنا، حديثه حسن توبع عليه فارتقى إلى الصحيح، وهذا الإسناد وإن كان حسناً إلا أن المتن صحيح، بل متواتر.
"عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة" الصحابي الجليل، حافظ الأمة على الإطلاق "قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تَقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) " قد يقول قائل: إن الأحاديث كيف نقول: إنها متواترة لفظاً ومعنىً وفي بعضها ((لا تكذبوا علي فإن الكذب)) وبعضها: ((من كذب علي)) حسبته قال، ((من كذب علي متعمداً)) ((من تقول علي ما لم أقل)) هذه معناها واحد، لكن ألفاظها مختلفة، فكيف نقول: إنها متواترة لفظاً ومعنى؟ نقول: إنه بهذا اللفظ: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) متواتر، والألفاظ الأخرى قدر زائد على هذا التواتر.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن يعلى" التيمي "عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب" وهذا الحديث مروي من طريق محمد بن إسحاق إمام في المغازي، لكنه بالنسبة للحديث أعدل ما يقال فيه: إنه صدوق يدلس، صدوق يعني حديثه من قبيل الحسن، لا يرد ولا يحكم له بأعلى درجات الصحة، بل هو حسن، ومع ذلك هو مدلس، وحدث بالعنعنة هنا، لكنه في مسند أحمد صرح بالسماع، وعلى هذا يكون الخبر حسن إلا أن متنه كما تقدم متواتر.
стр. 111
"عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة الحارث بن ربعي" فارس رسول الله ﷺ "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: ((إياكم وكثرة الحديث عني)) " تحذير ((إياكم وكثرة الحديث عني)) يعني لا تكثروا الحديث عني؛ لأن من أكثر من الحديث لا يأمن أن يقع في الغلط، لا يأمن أن يقع في الكذب، لا يأمن من أن يقول على النبي ﵊ ما لم يقله.
((إياكم وكثرة الحديث عني فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً)) ((فليقل حقاً أو صدقاً)) يعني هل كل حق أو صدق يمكن نسبته إلى النبي ﵊ من خلال هذا الحديث؟ ((إياكم وكثرة الحديث عني فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً)) هل يجوز أن نركب للكلام الصحيح الذي يحلف على صدقه وننسبه إلى النبي ﵊، ((فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً)) يعني مما يضاف إلي، أما ما لا يضاف إلى النبي ﵊ فلا يجوز أن ينسب إليه ولو كان حقاً أو صدقاً، يعني لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يقول: إن الرسول قال ﵊: الواحد نصف الاثنين، هذا الكلام حق وصحيح ويحلف عليه، لكن مع ذلك لا تجوز نسبته إلى النبي ﵊ إلا لو ورد بالأسانيد الصحيحة أنه قاله.
стр. 112
((فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) ((من تقول علي)) يعني من قال علي ما لم أقل ((فليتبوأ مقعده من النار)) يعني من قال بنفسه أو حمل أحداً يقول، أو كلف أحداً يقول علي ما لم أقل، سواءً كان الشخص بنفسه يتكلم ويحدث الناس، ويقول عن النبي ﵊ ما لم يقل، أو كلف بإلقاء كلمة كتبها من كتب وكلف يعني أنه قولّه، قوّل هذا المتكلم ما لم يقله النبي ﵊، فليتبوأ مقعده من النار، ولو لم يقله بنفسه إنما كتبه أو كلف أحداً يخطب به أو يذكره على الناس، وعلى هذا من يرسل الأحاديث الضعيفة والموضوعة والقصص والخرافات في رسائل الجوال، ويطلب نشرها من الناس، هذا عليه إثمه وإثم من غرر به، كثيراً ما يأتي برسائل الجوال: قال رسول الله ﷺ كذا، انشر، ولم يقل، فيدخل في هذا الحديث -نسأل الله السلامة والعافية-.
((ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) فالصيغة تقوّل، يعني من قال علي ما لم أقل يعني من نفسه ابتداءً قال ما لم يقله النبي ﵊، أما من تقول فالتفعل هذه تدل على أنه يستوي في ذلك، سواءً قال أو أمر أحداً أن يقول، ((فليتبوأ مقعده من النار)).
стр. 113
قال -رحمه الله تعالى- بعد ذلك: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار قالا: حدثنا غندر" محمد بن بشار لقبه بندار بالألف "قالا: حدثنا غندر وهو محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه" عبد الله بن الزبير "قال: قلت للزبير بن العوام" يعني أنه قال لأبيه: "ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما أسمع ابن مسعود وفلاناً وفلاناً؟ " يعني الإنسان يهمه أن يكون أبوه نافعاً للناس، ولذا تجد بعض الأولاد يغري والده بالنفع، يقول: انظر فلان وفلان، إن كان من أهل الأموال يقول: انظر فلان يتصدق بالليل والنهار بأموال تنفعه في القيامة، إذا كان من أهل العلم يقول: انظر الشيخ الفلاني يبذل، وانظر الشيخ الفلاني يُعلم، وانظر الشيخ الفلاني كذا، وإلا انظر فلان إلى آخر ذلك من أبواب الخير، فعبد الله بن الزبير يرى الصحابة يحدثون عن النبي ﵊ ويرى أباه مقلاً من التحديث، فيريد أن ينهض همته؛ ليكون شريكاً له في الأجر.
стр. 114
"ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما أسمع ابن مسعود وفلاناً وفلاناً؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة يقول: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) " وهذا الحديث جعل كثير من الصحابة يتحرجون من التحديث؛ خشية أن يقعوا في مثل هذا، وأبو هريرة يقول: "لولا آيتان في كتاب الله لما حدثتكم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [(١٥٩) سورة البقرة] إلى آخر ما جاء في حديثه، فهو يحدث خشية الكتمان الذي جاء عليه الوعيد الشديد، واتهم أبو هريرة بالإكثار لا بالكذب، اتهم بالإكثار وإلا قد أكثر أبو هريرة، يقول ﵁: والله الموعد، أنا أكثرت من أجل التبليغ الذي وعد على كتمانه بالتهديد والوعيد، أنا أحدث من أجل التبليغ، ومع ذلك بين أنه متفرغ للحديث، تلقياً وتحملاً وتبليغاً، وأداءً، هو متفرغ وأما إخوانه من المهاجرين فشغلهم الصفق في الأسواق، وإخوانه من الأنصار شغلهم العمل في أموالهم، في مزارعهم، في تجاراتهم، اشتغلوا عن هذا الأمر فقام بحمله وبأعبائه على أكمل وجه، والنبي ﵊ قال له: ((ابسط رداءك)) كان ينسى ﵁، فلما بسط رداءه دعا له النبي ﵊، وقال: ((ضمه)) ضم الرداء فضمه فما نسي شيئاً قط، ولذا حفظ كثيراً، وبلغ كثيراً ﵁ وأرضاه-.
قال ﵀: "حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن مطرف" وهو ابن عبد الله بن الشخير "عن عطية" وهو ابن سعد العوفي مضعف، عن عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف عند أهل العلم "عن أبي سعيد الخدري" سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري "قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) " الخبر بهذا الإسناد ضعيف لضعف عطية، ولكن المتن صحيح، بل متواتر.
سم.
طالب:. . . . . . . . .
المغازي موجودة؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 115
أحاديث المغازي عموماً يتسامحون فيها ما لا يتسامحون في أحاديث الأحكام، فالجمهور على أن المسألة مبنية على التسامح، وأما من يقول: إنه لا فرق بين المغازي وبين الأحكام وبين الفضائل وبين العقائد وبين التفسير، وأنها كلها لا تثبت إلا بخبر صحيح لا بد من التثبت، المغازي والسير وما أشبه ذلك لا شك أن أحداثها متفاوتة، فمنها ما يستنبط منه حكم شرعي، ومنها ما لا يشتمل على حكم، فما يشتمل على حكم لا بد من التثبت فيه كأحاديث الأحكام، وما لا يشتمل على حكم شرعي فإنه يتسامح في روايته كالقصص، يتسامح في روايته، ومع ذلك يطالب بعضهم، بل أخذ ينفذ ما يطالب به من الاقتصار على صحيح السيرة، يقتصر عليها بما صح فقط، ووجدت كتب بهذا العنوان صحيح السيرة، لكن تجد أثناء قراءة هذه الكتب تجد هناك خلل، يعني لا بد من رابط بين الحدثين لا يكون على شرط المؤلف ثم يحذفه، وحينئذٍ يختل نظام الكلام، فلو ربطت هذه الأحداث بما لم يكن على شرط المؤلف؛ لأن هذا الرابط في الغالب ما فيه حكم شرعي، إنما يؤتى به للربط بين هذه الأخبار.
стр. 116
لو مثلاً في الأخبار العادية تذكر عن شخص بأنه خرج من بيته ليذهب إلى ولي الأمر ليبلغه عن منكر مثلاً، وأنت ثبت عندك هذا بطريق قطعي ما تشك فيه، فتنقل هذا الخبر أنه ذهب إلى ولي الأمر ليبلغه عن منكر لإزالته، أنت هذا الذي بلغك بالطرق الصحيحة، لكن لو قلت: إن هذا الرجل أو هذا الشيخ أو هذا الغيور لما أراد أن يذهب إلى ولي الأمر لبس ثيابه ولبس كذا هذا ما بلغك يعني بطريق يصح لكنه للربط في الخبر، ثم استأذن على ولي الأمر بالطرق الشرعية المعروفة، ثم بعد ذلك دخل عليه وحدثه وانبسط معه في الكلام فذكر له هذا الخبر، يعني جئت بقصة كاملة متسلسلة من أولها إلى آخرها هذه الروابط ما يترتب عليها شيء، نعم لا يجوز لك أن تفتري، لكن بلغك هذا الكلام الرابط مما لا تقبله لو كان منفرداً، إنما جاء للربط بين هذه الأحداث، فلا يضر مثل هذا أن يروى بطرق ليست بمستوى الطريق الذي عليه الطريق لأصل الخبر الذي تريد تبليغه، فهناك أمور تربط بين الأخبار لا يلزم فيها ما يلزم في الأخبار نفسها، وبعض الناس يقول: لا، أنا ما أثبت إلا في السيرة، ما أثبت إلا ما أثبته في الحديث، نقول: الأمر أهون من ذلك بالنسبة لما يربط بين الأحداث بدون أن يكون كذب أو افتراء أو زور، يأتي من طرق لكنها ليست بمستوى الطرق التي عليها المعول في أصل القصة.
سم.
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
التائب من الكذب، الكذب ليس بأعظم من الشرك، لكن من باب العقوبة والزجر له، ولا يوجد يعني في الرواة الثقات الذين قبل الأئمة توبتهم، لا يوجد في الرواة الثقات الذين قبل الأئمة رواياتهم من باشر الكذب لا قبل ولا بعد، ما يعرف أحد لا سيما الكذب على النبي ﵊.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا هو ما يقول: يا زبير، ما قال له: يا زبير، يعني لو قال له: يا زبير، لكنه يخبر ويحدث، الآن فرق بين أن تدعو أباك بحضرته تواجهه باسمه، أو تتحدث عنه في خلفه، فرق بين هذا وهذا، لكن لو قال: يا زبير قلنا: أساء الأدب، لكن لما يقول: قلت للزبير، أو قلت لأبي ما يضر، ما يفرق.
طالب:. . . . . . . . .
عامر بن عبد الله الراوي عنه؟
стр. 117
طالب:. . . . . . . . .
ما فيه كلام قادح، ليس فيه كلام قادح.
سم.
باب: من حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً وهو يرى أنه كذب
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي ﷺ قال: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي ﷺ قال: ((من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
حدثنا محمد بن عبد الله قال: أنبأنا الحسن بن موسى الأشيب عن شعبة مثل حديث سمرة بن جندب.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- الكذب الصريح المتعمد على النبي ﵊، وأن شأنه عظيم، وأنه من أسباب دخول النار -نسأل الله السلامة والعافية- ذكر الكذب الذي قد ينقله الإنسان عن غيره، وقد يراه كذباً، وقد لا يراه كذباً، بل مجرد رؤيته كذب سواءً كان من قبله أو من قبل غيره فهو أحد الكاذبين.
باب: من حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً وهو يَرى أو يُرى أنه كذب
قال ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى" وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه المشهور الذي تدور أقواله في كتب الفقه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فقيه كبير بالنسبة للفقه والرأي، لكنه بالنسبة للحديث سيء الحفظ.
стр. 118
"عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى" والد محمد المذكور، فهو يروي الحديث عن والده عبد الرحمن بواسطة الحكم، الابن محمد بن عبد الرحمن ذكرنا أنه فقيه مشهور، تدور أقواله، لا يخلو باب من أبواب الفقه لا يذكر اسمه، ومع ذلكم في الحديث سيء الحفظ، أبو حنيفة قيل فيه مثل ذلك، فكل في فنه، هذا في الفقه إمام، وأبوه عبد الرحمن في الحديث إمام، لكن محمد في الحديث سيء الحفظ، وأبوه عبد الرحمن لم يعد من الفقهاء، كل في فنه معتمد ومعتبر، فأبو حنيفة في الفقه يسمى الإمام الأعظم، لكنه في الرواية أقل، عاصم بن أبي النجود في القراءة إمام من أئمة المسلمين، وفي الحديث شأنه أقل.
стр. 119
المقصود أن كل شخص يقبل في فنه، ولكون ابن أبي ليلى محمد الفقيه يدور اسمه هكذا وبهذا قال فلان وفلان وابن أبي ليلى، وقد وجد بحث عن فقه ابن أبي ليلى، رسالة عن فقه ابن أبي ليلى، ولم يستطع الباحث بعد أن استعان بالكبار من الشيوخ تحديد المراد هل هو الابن أو الأب؛ لماذا؟ لأنه إذا قرأ في ترجمة الابن ورأى الكلام فيه من قبل أهل العلم وأنه سيء الحفظ، قال: هذا لا يستحق أن تدور أقواله في كتب العلم، والأب ما ذكر في ترجمته أنه من أهل الرأي والفقه والنظر، فاحتار كثيراً وسأل كثيراً، لكن ما الذي يحل الإشكال في مثل هذا؟ كتب الفقه لا تقول: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولا تسميه، في شرح النووي قال لما ذكر محمد بن عبد الرحمن قال: وهو الذي يدور اسمه كثيراً في كتب الفقه؛ لأنه هو الفقيه، وليس المراد به أباه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى هذا كل في فنه معتبر، هذا في الفقه إمام ومعتبر، وأبوه في الحديث إمام ومعتبر، والتخصص معروف من القدم، وقد يكون الإنسان عنده من القدرة على الفهم والاستنباط والدقة فيه وإن كان في حفظه خلل وضعف؛ لأنه يتعامل مع نصوص بين يديه، فمثل هذا يستنبط من النصوص المكتوبة، بعض الناس لديه قدرة على أن يحفظ القدر الكبير لكن في استنباطه ضعف، وذكروا في ترجمة جلال الدين المحلي من فقهاء الشافعية من أئمتهم المتأخرين قالوا: إن فهمه يثقب الماس، وحافظته ضعيفة جداً، تكلف حفظ قطعة يسيرة من كتاب من كتب الفقه فارتفعت حرارته، وصار فيه خراجات ودمامل إلى أن ترك الحفظ، فلا يستطيع أن يحفظ، ومع ذلك صار إمام من أئمة الشافعية المتأخرين، وله كتب يتداولها الناس، مختصرات ومطولات وشروح، فالذي يفهم يتعامل مع الكتب، ولا يمنع أن يمسك الكتاب ويحلل ويشرح لأنه يفهم، والذي وظيفته الحفظ فقط وفهمه أقل مثل هذا عليه أن يحفظ، وعليه أن يسرد إذا طلب منه ما يحفظ، ويعاني الفهم أيضاً بمراجعة الشروح، ويسدد مع الحرص والإخلاص، ومن جمع الله له بين الأمرين الحفظ والفهم فقد اكتملت عنده آلة التحصيل، فبقي أن يبذل من نفسه، ويجتهد في طلبه، مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا-.
стр. 120
"عن علي عن النبي ﷺ قال: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب)) " ...
يعني بالمناسبة تفسير الجلالين بدأه جلال الدين المحلي فأكمل النصف، وأتمه السيوطي جلال الدين، هذا لا يستطيع أن يحفظ صفحة، ما يستطيع المحلي أبداً أن يحفظ، فلما عانى الحفظ وحفظ له قطعة حصل له ما حصل، والسيوطي يحفظ من الحديث أكثر من مائتي ألف حديث، ويقول: لو وجد على ظهر الأرض أكثر من ذلك لحفظته، ويحفظ الكتب برمتها، المقصود أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والعبرة بمن استغل هذه النعم، وإلا يوجد في عوام المسلمين من يحفظ الكلام الطويل لأول مرة، تجده يسرد كلاماً طويلاً، وقصص وحكايات وأخبار وسواليف، لكن هل يستفيد؟ العبرة بالإفادة، العبرة بالانتفاع ثم النفع، فهذه نِعم على من أوتي هذه النعم أن يؤدي شكرها، والله المستعان.
"عن النبي ﵊ قال: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) " يرى يعني بنفسه ...
طالب:. . . . . . . . .
لحظة لحظة لا تستعجل.
стр. 121
((وهو يَرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) إذا رأى بنفسه أنه كذب فهو أحد الكاذبين وهذا أمره سهل؛ لأنه قد يلقي حديثاً مكذوباً عن النبي ﵊ لكنه لا يراه مكذوباً وإن رآه غيره، والضبط الثاني: ((من حدث عني حديثاً وهو يُرى)) وهو يُرى يعني أنه كذب ولو لم يره غيره، ولو لم ينتبه له، ولو لم يتفطن له، وإنما يراه غيره، أنه كذب فهو أحد الكاذبَين الذي أنشأه والذي رواه ونقله، أو أحد الكاذبِين يعني من جملة الكذابين الذين يفترون على النبي ﵊، فالأمر شديد لا سيما على رواية الضم: ((يُرى)) لا يلزم أن يراه هو بنفسه، يعني وإن رآه غيره أنه كذب، فعلى هذا الأصل الامتناع عن التحديث، فلا يحدث بحديث إلا بعد أن يتأكد من صحة نسبته إلى النبي ﵊؛ لأنه قد يُرى أنه كذب وهو لا يشعر، يراه غيره أنه كذب وهو لا يدري، فيدخل في هذا الحديث، أما على رواية: "يَرى" فهذه الأمر فيها أسهل، الأصل أن تحدث ما لم تر أنه موضوع، لكن الضبط الأول كأنه هو المترجح احتياطاً للسنة، ولو تركنا كل أحد يحدث من الجهال ومن العلماء اللهم إلا إذا قيل: إن الخطاب خاص بأهل العلم، فإن كان يراه كذباً لا يحدث به، وإن كان يراه صحيحاً فليحدث به ولو رآه غيره كذباً فهو أحد الكاذبِين أو الكاذبَين على ما جاء في الضبط.
ثم قال بعد ذلك: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قالا: حدثنا وكيع، قالا: حدثنا شعبة" فوكيع ومحمد بن جعفر يرويان الحديث عن شعبة "عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) ".
فشعبة متابع لابن أبي ليلى، هذه متابعة لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فارتقى حديثه إلى الصحيح، فهو أحد الكاذبين أو الكاذبين.
стр. 122
قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش" سليمان بن مهران "عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى" وهذه أيضاً متابعة من الأعمش لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ولمن تقدم وهو شعبة، فالحديث مروي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم، وأيضاً عن شعبة عن الحكم، وأيضاً عن الأعمش عن الحكم.
طالب:. . . . . . . . .
وين سمرة؟
طالب:. . . . . . . . .
حديث سمرة وهذا حديث علي، إذاً الثاني يكون شاهد وليس بمتابعة، الثانية رقم تسعة وثلاثين شاهد وليس بمتابع، أما المتابع فهو رقم أربعين.
طالب:. . . . . . . . .
عن علي عن النبي ﵊.
طالب:. . . . . . . . .
إيه عن علي عن النبي ﷺ .
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي ﵊، فهذه متابعة، اكتبوها.
"عن علي عن النبي ﷺ قال: ((من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) " أو أحد الكاذبين، وفي هذا تحذير من إلقاء الأحاديث التي لم يتثبت ملقوها، وفي هذا تبعة عظيمة على المعلمين، وتبعة على الخطباء، وعلى الأئمة الذين يحدثون الناس لا بد أن يتثبتوا من صدق وصحة هذه الأحاديث التي يلقونها على الناس، وإذا كان الأمر عظيماً في التحديث عن النبي ﵊ والكذب عليه فإن أيضاً التحديث عن الناس عموماً لا سيما العلماء والنقل عنهم مما لم يثبت عنهم أو يُرى أنه كذب عليهم هذا أيضاً فيه ما فيه من الكذب والافتراء، فهو كاذب أيضاً، هو أحد الكاذبين، لكنه كاذب على فلان ليس ككاذب على النبي ﵊، وإن سمي كاذباً آثماً.
"حدثنا محمد بن عبد الله قال: أنبأنا الحسن بن موسى الأشيب عن شعبة مثل حديث سمرة بن جندب" وهذا من زوائد ابن القطان، وليس من رواية ابن ماجه، يعني ما يرويه عن مؤلف الكتاب ابن ماجه، إنما هو من الزوائد.
стр. 123
قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) " فهذ االحديث صحيح لا إشكال في تصحيحه، مروي من طرق عن المغيرة وعن علي بن أبي طالب، وعن سمرة بن جندب وغيرهم من الصحابة، فالحديث صحيح، وفيه التحذير من الرواية بما لم يتثبت فيه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 124
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٦)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا كلام لابن القيم ﵀ حول ابتداء السلام بالتنكير، ذكرنا في أحد الدروس أن العلماء يقولون: يخير في تعريفه وتنكيره في سلام على الحي، وعرفنا أنه بالنسبة للميت يقال لهم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين.
هنا يقول ابن القيم ﵀: ما الحكمة في ابتداء السلام بلفظ النكرة وجوابه بلفظ المعرفة؟ فتقول: سلام عليكم، فيقول الراد: وعليك السلام؟ يقول: فهذا سؤال متضمن لمسألتين، إحداهما هذه، والثانية اختصاص النكرة بابتداء المكاتبة والمعرفة بآخرها، والجواب عنهما بذكر أصل نمهده ترجع إليه مواقع التعريف والتنكير في السلام، وهو أن السلام دعاء وطلب، وهم في ألفاظ الدعاء والطلب إنما يأتون بالنكرة إما مرفوعة على الابتداء أو منصوبة على المصدر، فمن الأول قولهم: ويل له، ومن الثاني: خيبة له، هذا في الدعاء عليه، وفي الدعاء له: سقياً ورعياً، وكرامة ومسرة، فجاء: سلام عليكم، بلفظ النكرة كما جاءت سائر ألفاظ الدعاء.
وسر ذلك أن هذه الألفاظ جرت مجرى النطق بالفعل ألا ترى أن سقياً ورعياً وخيبة جرى مجرى: سقاك الله ورعاك، وخيبك، وكذلك سلام عليك جارٍ مجرى سلمك الله، والفعل نكرة فأحبوا أن يجعلوا اللفظ الذي هو جارٍ مجراه وكالبدل منه نكرة مثله، وأما تعريف السلام في جانب الراد فنذكر أيضاً أصلاً يعرف به سره وحكمته، وهو أن الألف واللام إذا دخلت على اسم السلام تضمنت أربع فوائد:
أحدها: الإشعار بذكر الله تعالى؛ لأن السلام المعرف من أسمائه كما تقدم تقريره.
الفائدة الثانية: إشعارها بطلب معنى السلامة منه للمسلم عليه؛ لأنك متى ذكرت اسماً من أسمائه فقد تعرضت به، وتوسلت به إلى تحصيل المعنى الذي اشتق منه ذلك الاسم.
الفائدة الثالثة: إن الألف واللام يلحقها معنى العموم في مضمونها والشمول في بعض المواضع.
الرابعة: أنها تقوم مقام الإشارة إلى المعين كما تقول: ناولني الكتاب، واسقني الماء، وأعطني الثوب لمن هو حاضر بين يديك، فإنك تستغني بها عن قولك هذا، فهي مؤدية معنى الإشارة.
стр. 125
وإذا عرفت هذه الفوائد الأربع فقول الراد: وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أن مقصوده من الرد مثل الذي ابتدئ به وهو بعينه، فكأنه قال: ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك، فلو أتى بالرد منكراً لم يكن فيه إشعار بذلك؛ لأن المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر.
يعني أن النكرة إذا أعيدت معرفة صارت هي عين المذكور سابقاً، وأما بالنسبة إلى النكرة إذا أعيدت نكرة صارت غير المذكورة سابقاً ...
بخلاف المنكر، ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ ((لن يغلب عسر يسرين)) فإنه أشار إلى قوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [(٥ - ٦) سورة الشرح] فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران، فالعسر محفوف بيسرين، يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين.
الحديث الذي ذكره ((لن يغلب عسر يسرين)) أخرجه ابن مردويه من حديث جابر مرفوعاً بسند ضعيف، وأخرجه سعيد بن منصور وعبد الرزاق في تفسيره وابن جرير من حديث ابن مسعود، وسنده ضعيف أيضاً، أخرجه عبد الرزاق في التفسير والطبري والحاكم في المستدرك عن الحسن مرسلاً، وهو صحيح إلى الحسن، وقد روي من طرق أخرى موقوفاً ومرسلاً، ولعله بهذه الطرق أو جميع هذه الطرق تدل على أن له أصلاً، وإن لم يكن أصل يصل إلى درجة الصحة، لكن له أصل ما دام له طرق متعددة.
في كلام كثير حول السلام، نعم قد يقول قائل: أيهما أبلغ سلام إبراهيم ﵇ أو سلام الملائكة؟ ﴿قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ﴾ [(٦٩) سورة هود] هو رفع السلام وهم نصبوه، والمرفوع محض في الاسمية، والاسم يدل على الثبوت والدوام، والمنصوب قائم مقام فعله، مصدر مؤكد لفعله فهو قائم مقامه، والفعل يدل على التجدد والحدوث، ولذا قال أهل العلم: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة.
стр. 126
هنا يقول: "وأما السؤال العاشر وهو السر في نصب سلام ضيف إبراهيم –الملائكة- ورفع سلامه، فالجواب: أنك قد عرفت قول النحاة فيه أن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية؛ لأن نصب السلام يدل على سلمنا عليك سلاماً، وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية؛ لأن رفعه يدل على أن المعنى سلام عليكم، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه، وكان له من مقامات الرد ما يليق بمنصبه ﵊ وعلى نبينا- وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم، هذا تقرير ما قالوا.
وعندي فيه جواب أحسن من هذا، وهو أنه لم يقصد حكاية سلام الملائكة فنصب قوله: سلاماً فصار مفعول القول المفرد، كأنه قيل: قالوا: قولاً سلاماً، وقالوا: سداداً وصواباً ونحو ذلك، فإن القول إنما تحكي به الجمل، وأما المفرد فلا يكون محكياً به، بل منصوب به انتصاب المفعول به.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [(٦٣) سورة الفرقان] ليس المراد أنهم قالوا هذا اللفظ المفرد المنصوب، وإنما معناه قالوا: قولاً سلاماً، مثل سداداً وصواباً، وسمي القول سلاماً لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من رفع الوحشة وحصول الاستئناس.
وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه، فأتى به على لفظه مرفوعاً بالابتداء، محكياً بالقول، ولولا قصد الحكاية لقال: سلاماً بالنصب؛ لأن ما بعد القول إذا كان مرفوعاً فعلى الحكاية ليس إلا، فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه، ونصبه ذلك إشارة إلى معنى لطيف جداً، وهو أن قوله: سلام عليكم من دين الإسلام المتلقى عن إمام الحنفاء، وأبي الأنبياء، وأنه من ملة إبراهيم التي أمرنا الله باتباعها، فحكى لنا قوله ليحصل الإقتداء به والإتباع له، ولم يحكِ قول أضيافه وإنما أخبر به على الجملة دون التفصيل والكيفية -والله أعلم-، فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير عائل يظهر لك أقواهما".
هذا يسأل عن حكم صلاة النافلة على السيارة في الحضر؟
стр. 127
النبي ﵊ كان يصلي النافلة على دابته، أينما توجهت به في السفر، ولا يفعل ذلك في الفريضة، يوتر على النافلة ويتنفل النفل المطلق على الراحلة، ولا يفعل ذلك في الفريضة، وأما بالنسبة للحضر في الأوقات الضائعة في مثل هذه الأيام التي نعيشها في السيارات، الإنسان قد يخرج من بيته ليقضي غرضاً له فيمكث نصف ساعة أو أكثر أو أقل، فأقول الأولى في مثل هذه الحالة أن يستمع أو يقرأ، يقرأ من محفوظه، أو يستمع من المسجل ولا يصلي لأن الصلاة تشغله، وإذا احتاج إلى الركوع أو السجود لا سيما إذا كان هو القائد فقد يشغله ذلك عن القيادة بخلاف الدابة، الدابة تسير بنفسها، واصطدامها بغيرها مأمون بخلاف السيارات التي إذا انحرفت يمنة أو يسرة أضرت بصاحبها، هذا من حيث المعنى، أما من حيث الثبوت وعدمه فلم يثبت عنه ﵊ أنه صلى على الدابة في الحضر، وإن كان أنس يميل إلى جوازه، وجوازه إذا كان الضرر مأمون، فبدلاً من أن يضيع الوقت سدى فلا أرى مانعاً منه؛ لأن السفر ليس بوصف مؤثر في مثل هذا؛ لأنه لا يترتب عليه رخصة، لا جمع ولا قصر، رخصة من رخص السفر لم يربط به، فلا أرى ما يمنع -إن شاء الله تعالى- من الصلاة على السيارة في الحضر، لكن مع أمن الضرر عليه أو على غيره.
طالب:. . . . . . . . .
لا ما يلزم، ما يلزم استقبال القبلة؛ لأن هذا فيه مشقة شديدة.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.
قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه -رحمه الله تعالى-:
باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين
стр. 128
حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الله بن العلاء -يعني ابن زبر- قال: حدثني يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض بن سارية يقول: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل: يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع، فاعهد إلينا بعهد، فقال: ((عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة)).
حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: ((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)).
حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي قال: حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو عن العرباض بن سارية قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة .. فذكر نحوه".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين
стр. 129
والخلفاء الراشدون هم الأربعة المهديون الذين تركهم النبي ﵊ على الجادة، وأمر باتباع سنتهم، والاقتداء بهديهم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهل يكون في حكمهم من مشى على طريقتهم وجادتهم ولم يحد عن الصواب كعمر بن عبد العزيز؟ فيقول جمع من أهل العلم: هو خامس الخلفاء الراشدين، أو يقتصر النص عليهم كما هو قول عامة أهل العلم أنهم لا يقاس عليهم غيرهم، فليس فعل أحد سنة متبعة يعمل بها إلا ما كان من هؤلاء الخلفاء الراشدين المهديين، وأولاهم بذلك، وأحراهم به أبو بكر وعمر، فقد جاء مما يخصهما: ((اقتدوا بالذين من بعدي)) فعملهم سنة، واتباع سنة الأربعة مؤيد بالنص الصحيح عن النبي ﵊.
стр. 130
لو اختلف .. ، لو لم يوجد في المسألة نص عن النبي ﵊، ووجد فيها قول لأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي مما لم يخالف فيه، هذا لا إشكال فيه، لا إشكال في كونه سنة متبعة بالنص حتى عند من يقول: إن قول الصحابي ليس بحجة، إنما يقصد بذلك غير الخلفاء الراشدين، وإذا خولف الواحد من الخلفاء الراشدين من قبل غيره فإن قوله مقدم على قول غيره، قد ينقل عن الخلفاء الراشدين أو عن بعضهم قول في مسألة، ويكون الجمهور على خلافه، فمثلاً القول بوجوب إخراج النساء لصلاة العيد فيه النص المرفوع قول أم عطية: "أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد، يشهدن الخير، ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى" هذا فيه نص مرفوع، والقول بالوجوب تبعاً لهذا النص قال به بعض العلماء، وهو اختيار الخلفاء الراشدين، وعليه عملهم، والجمهور على أن هذا الخروج لصلاة العيد بالنسبة لهؤلاء النسوة على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب؛ لأن المرأة لا يجب عليها أن تخرج من بيتها لأجل الصلاة ولا الصلاة المفروضة فضلاً عن الصلوات المختلف فيها كصلاة العيد، فلماذا قال جمهور أهل العلم بأن الأمر للاستحباب وقد قال بالوجوب جمع منهم الخلفاء الأربعة، وعليه يدل الأمر الذي جاء في الخبر؟ فنقول: لعل الثابت عن هؤلاء الخلفاء الأمر بالخروج لصلاة العيد، فيصرف عن الوجوب إلى الاستحباب، كما صرف الأمر الثابت عن النبي ﵊، ولذا لا يمكن أن يخالف الأئمة قول الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، ومن وراء ذلك كله أمر النبي ﵊، فما دام صرفوا أمر النبي ﵊ من الوجوب إلى الاستحباب فلأن يصرفوا قول الخلفاء الراشدين لا سيما وأنهم الثابت عنهم هو الأمر بالإخراج، وأنهم يأمرون الناس بالخروج إلى صلاة العيد، يأمرون النساء، ويأمرون أزواجهن أن يخرجوا زوجاتهم وبناتهم، فإذا صرف النص المرفوع فلأن يصرف قول الخلفاء الراشدين يعني من باب أولى؛ لأن النص ثابت عن النبي ﵊ أقوى، ولذا لو ورد قول للخلفاء الأربعة كلهم وفي المسألة حديث مرفوع قُدم الحديث المرفوع، فعلى هذا لا يستدرك
стр. 131
على الأئمة في عدم أخذهم بما ينسب إلى الخلفاء الراشدين، ويُظن مخالفة لما هنا، غاية ما هنالك أنهم أولوا قول الخلفاء الراشدين كما أولوا الحديث المرفوع.
هارون سموه الرشيد، والرشيد صيغة مبالغة، أبلغ من الراشد، فأبو بكر خليفة راشد، وعمر خليفة راشد بالنص، وعثمان خليفة راشد، وعلي خليفة راشد، وهارون رشيد أبلغ من راشد، لكن هذا لا يعني أنه سمي بهذه التسمية فتكون شرعية، لا يلزم أن تكون مطابقة للواقع، لا سيما وأن محتواها أبلغ مما وصف به الأئمة الأربعة، الخلفاء الأربعة، ويقاس عليها ما في معناها من صيغ المبالغة.
قال ﵀: "حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن العلاء -يعني ابن زبر- قال: حدثني يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض بن سارية" فهو يصرح بالسماع، والذي في كتب الرجال في ترجمته أنه لم يلقَ العرباض بن سارية، وعلى هذا فالخبر منقطع، وهل يضعف يحيى بن أبي المطاع بهذا التصريح وهو لم يلقه؟ أو نحكم بأنه لقيه من خلال تصريحه؟ ونحكم على ما في كتب الرجال بأنه لم يلقه بأن تصريحه أولى بالقبول من الحكم بعدم لقيه إياه، فعندنا في كتب الرجال يقول: إنه لم يلقَ العرباض بن سارية، وهو يقول: سمعت العرباض بن سارية فهل المقدم قوله فيحكم بالسماع، ويحكم على قولهم بالوهم، ولعلهم لم يطلعوا على هذه الطريق التي فيها التصريح، وإن كان هذا بعيد؟ أو يقدم قولهم ويكون قوله: "سمعت العرباض" إما تصحيف من بعض الرواة، أو يكون فيه سقط في السند، والذي يقول: سمعت العرباض غير يحيى بن أبي المطاع ممن هو بينه وبينه، وعلى كل حال الحديث مضعف بسبب ذلك، بسبب أن يحيى بن أبي المطاع لم يلقَ العرباض بن سارية، وعلى كل حال الحديث له شواهد تشهد لألفاظه، حديث العرباض مروي من طرق، منها ما سيأتي.
стр. 132
قال: "سمعت العرباض بن سارية يقول: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة" وعظنا فالرسول ﵊ يصح أن يقال: واعظ، كما أنه مبشر ومنذر ومبلغ عن الله -جل وعلا-، يصح أن يقال: واعظ، ويصح أن يقال: مذكر، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [(٤٥) سورة ق] وبعض من ينتسب إلى طلب العلم يأنف أن يقال له: واعظ، وجاء الوعظ في القرآن في مواضع، والأنفة من هذا الوصف لأن من الوعاظ من لا ينتسب إلى العلم، بل هم إلى العامة أقرب، فيأنف، يعني لا سيما في الوضع العرفي، من الوعاظ من هو إلى العامية أقرب، فطالب العلم يأنف أن يصنف واعظ، وقد أشرنا على بعض طلاب العلم الذين لديهم خبرة وقدرة على التأثير أن يشرحوا كتب الرقاق، فقال بعضهم: أنا لا أريد أن أصنف واعظ، لا يريد أن يصنف واعظ، وفي الحديث: "وعظنا رسول الله ﷺ " فهو واعظ، وهذه الأنفة وإن كان مردها وسببها خشية التشبه بالوعاظ والقصاص الذين هم إلى العوام أقرب منهم إلى العلماء، لكن لا يضيرك أن يقال: واعظ، فتشبه بالنبي ﵊ الذي ثبت وصفه بهذا، وإن تشبث به بعض من لا ينتسب إلى العلم، فالوعظ لا سيما بالنصوص ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [(٤٥) سورة ق] وبالنصوص النبوية من أولويات الوظائف بالنسبة للعالم وطالب العلم؛ لأنه بهذا الوعظ وبهذا التذكير وباختيار المادة الصحيحة من كتاب الله وسنة نبيه ﵊، مع اجتناب ما لم يثبت، ومع اجتناب القصص التي لا أصل لها، وبهذا يسوق الناس إلى العمل بالعلم، فالعالم وطالب العلم الذي يقتصر على متين العلم من الأحكام فقط فإنه قد يغفل عن العمل، ولا يسوقه ويقوده إلى العمل إلا هذه الأحاديث وهذه الآيات والأحاديث الصحيحة في الرقاق التي ترغب الإنسان في الأعمال الصالحة، فإذا ترك أهل العلم هذا المجال قام به من لا تبرأ الذمة بوعظه، قام به من يعظ الناس بالقصص الواهية، وبالأحاديث الضعيفة والموضوعة كما هو شأن القصاص من قديم، وما ذلكم إلا لأن أهل العلم تركوه، والنبي ﵊ وعظ أصحابه موعظة بليغة.
стр. 133
موعظة بليغة، وهل المراد بالبلاغة هنا ارتكاب المحسنات وضروب أنواع البديع ومراعاة قواعد البيان والمعاني المعروف مجموعها بعلم البلاغة، هل هذا هو المقصود؟ أو أنه بالغ فيها ﵊ بالزجر والأمر حتى وجلت القلوب وذرفت العيون؟ لأن الكلام إذا وصف بالبلاغة واستعملت فيه قواعد علم البيان والمعاني، واستعملت فيه المحسنات البديعية فقط، إذا قلنا: البلاغة هذه المشتملة على ثلاثة العلوم أو ثلاثة الفنون هل يقتضي ذلك أن تجل منها القلوب، وتذرف منها العيون؟ لا، ما يلزم، قد يتصف ويطبق قواعد الفنون الثلاثة ومع ذلك يكون مسلي يعني نكتة، وتستعمل فيها قواعد الفنون الثلاثة، المراد بالبلاغة هنا المبالغة في انتقاء النصوص المؤثرة التي منها تجل القلوب، وتذرف العيون.
"قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم" وذات هذه مقحمة يستعملونها وإن اقتصروا على يوم، والمقصود في يوم من الأيام، فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، خافت، لكن قلوب من؟ نعم قلوب الصحابة، ومن يضاهيهم ويحاكيهم ممن نور الله قلبه ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [(٣٥) سورة الحج] ومن الناس مع قساوة القلوب التي نعيشها وإلى الله المشتكى لا فرق بين أن يوعظ ويذكر بالقرآن أو بصحيح السنة وبين أن يقرأ عليه من جريدة قصاصة من جريدة، أو يسمع خبر من الأخبار من وسيلة لا فرق، والنبي ﵊ كما في الحديث المختلف فيه يقول ﵊: ((شيبتني هود وأخواتها)) وأتحدث عن نفسي أنني بدأت بسورة يونس فلم أشعر إلا وأنا بيوسف، فما الأثر الذي تركته هود في نفسي؟ وأجزم أن مثلي موجود يعني في طلاب العلم، فهل هذه هي القراءة التي تترتب عليها آثارها؟ على الإنسان أن يعيد حساباته، يحاسب نفسه.
стр. 134
زرارة بن أوفى سمع الإمام وهو يقول: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] قالوا: خر مغشياً عليه فمات، وبعض الناس ينكر مثل هذا القول، وممن ينكره من المتقدمين ابن سيرين، يقول: لا يمكن أن يغمى على الإنسان أو يغشى عليه يصاب بالغشي؛ لأنه يسمع القرآن، والرسول ﵊ وصحابته الكرام سمعوا وما حصل لهم شيء من هذا، واختبروا من يدعي ذلك فاجعلوه على جدار واقرؤوا القرآن إن سقط فهو صادق، إن سقط من الجدار فهو صادق، وجمع من أهل التحقيق ومنهم شيخ الإسلام يرى أنه لا مانع من وقوع هذا من بعض الناس، لا شك أن القرآن ثقيل، وأثره في القلوب بالغ، لكن القلوب تتفاوت منها
القلب القوي كقلبه ﵊، وقلوب صحابته الكرام، هؤلاء يتقبلون هذا الكلام القوي، هذا الكلام الثقيل بقلوب قوية، يتأثرون تأثر بالغ لكنهم يتحملون، من جاء بعدهم استشعروا هذه العظمة وهذا الثقل لكلام الله -جل وعلا-، لكن القلوب بعد الصحابة ضعفت، فصاروا لا يتحملون مثل هذا الكلام الثقيل، وهم يستشعرون عظمة ما يسمعون، فيحصل لهم ما يحصل، ثم طال بالناس الزمان مع ضعف القلوب، ما نقول: قويت القلوب، القلوب ضعيفة، لكن استشعار عظمة القرآن خفت في قلوب المسلمين، استشعار العظمة خفت، فلذا لا يتأثرون، لكن ما الدليل على أن قلوبهم ضعيفة؟ لو حصل للإنسان منهم أدنى مشكلة تغيرت حساباته وكاد أن يجن بسببها، وقد يصاب بالإغماء أو بالغشي كما حصل في بعض الكوارث التجارية أو المصائب التي تحصل لبعض الناس، هل هذا القلب قوي الذي تأثر بأمور دنياه؟ هذا ليس بقلب قوي، لكن كونه لا يتأثر بالقرآن مع عظمته وقوته وثقله لأنه لا يستشعر هذا، لا يستشعر هذه العظمة، فالصحابة يتأثرون، ومن يستشعر عظمة هذا القرآن يتأثرون.
"فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون" والحديث كما قررنا ضعيف للانقطاع، لكن ألفاظه صحيحة، جاءت من طرق صحيحة؛ لئلا يقول قائل مثل ما قال واحد بالأمس: إنك تقرر الحديث أنه ضعيف وتشرحه، والضعيف ما دام ما يحتج به لماذا يشرح؟ نقول: يشرح إذا كان له ما يشهد له، وله أصل يدل على أنه ثابت عن النبي ﵊.
стр. 135
"وذرفت منها العيون" ذرفت الدموع من العيون "فقيل: يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع" يعني كأننا لن نراك بعد اليوم، فاعهد إلينا بعهد، وفي بعض الألفاظ: "فأوصنا" "فاعهد إلينا بعهد" نأثره بعدك ونعمل به من بعدك؟ "فقال: ((عليكم بتقوى الله)) " وهي وصية الله للأولين والآخرين، وما من نبي إلا ويأمر قومه بتقوى الله -جل وعلا-، وقد أمر الناس قاطبة بها، وحثوا عليها، وجاء قول الله -جل وعلا-: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [(٦) سورة التحريم].
((عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة)) لمن ولاه الله أمركم، والسمع والطاعة لمن ولاه الله الأمر ((وإن عبداً حبشياً)) يعني: وإن كان عبداً حبشياً، وإن كان هذا الولي عبداً حبشياً.
يقول عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، على أن نقول أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم، والسمع والطاعة لا يختلف مع النصيحة، وأداء الواجب، والسعي لتغيير المنكر أو تقليله، لا منافاة بينهما، ويخطئ من يزعم أن إنكار المنكر بالطرق الشرعية التي تترتب عليها آثارها، أو نصيحة من يحصل منه شيء كائناً من كان ولو كان ولي الأمر، يخطئ من يقول: إن هذا يعارض السمع والطاعة، بل هو من تمام السمع والطاعة، فالدين النصيحة.
يقول: ((وإن عبداً حبشياً)) يعني: وإن كان المولى أو الذي تولى عبد حبشي، وهذا يكون في صورتين لأن الأصل أن الأئمة من قريش، كما ثبت بذلك الخبر من طرق كثيرة جداً حتى جمعها الحافظ ابن حجر في جزء أسماه: "لذة العيش في جمع طرق الأئمة من قريش" حديث صحيح بلا شك، مخرج في الصحيح وغيره.
стр. 136
وقوله: ((وإن عبداً حبشياً)) وفي بعض الروايات: ((رأسه كأنه زبيبة)) إذا كان الخليفة عبد حبشي لا يمكن انتخابه في حال الاختيار وهو عبد حبشي، لا بد في حال الاختيار أن يكون من قريش، لكن في حال الإجبار لو استولى على الناس بسيفه، وأرغمهم على الخضوع له لا بد من السمع والطاعة، ولا يجوز نزع يد الطاعة بعد استتباب الأمن له، إلا بالضوابط الشرعية المعروفة ((لا، ما صلوا)) ما دام يصلي تجب طاعته ((ما لم تروا كفراً بواحاً)) فإذا لم يوجد الكفر البواح فلا يجوز الخروج بحال، ولو وجد الظلم، ولو وجدت المعاصي، ولو كثرت المنكرات، المقصود أن مثل هذا ليس بمبرر للخروج، ونزع اليد من الطاعة، أو شهر السيف في وجه الولاة، لا، أبداً، نعم إذا رئي الكفر المباح نعم هذه غاية، وإذا تركوا الصلاة هذه غاية، كما جاءت به النصوص.
العبد الحبشي هذا إذا تولى بقوته، وقهر الناس، واستولى عليهم، واستتب الأمن له لا يجوز الخروج عليه، والأئمة من قريش في حال الاختيار، حال الترشيح لا يرشح عبد حبشي، وإنما يرشح من قريش، أو يكون مولى من قبل ولي الأمر، ولي الأمر قرشي نعم ولى عبداً حبشياً على جهة من الجهات حينئذٍ تجب طاعته؛ لأن طاعته من طاعة ولي الأمر، وطاعة ولي الأمر من طاعة النبي ﵊، وطاعة النبي ﵊ من طاعة الله ، ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني)).
"فقال ﵊: ((عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً كثيراً)) " وحدث مصداقه بعد وفاته بزمن يسير، وجد الاختلاف والفرقة بين المسلمين، وبعد الفتنة التي بدأت بقتل الخليفة الراشد عمر، ثم قتل عثمان، ثم الخلاف بين علي ومعاوية، وما زال الأمر يزيد حتى طمست كثير من معالم الدين.
((وسترون بعدي اختلافاً شديداً)) يعني إلى أن وجد من الخلفاء من يحمل الناس على الابتداع في الدين.
стр. 137
((وسترون بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي)) إغراء ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم ((عضوا عليها بالنواجذ)) والنواجذ هي: الأنياب أو الأضراس، وما يعض عليه بالأضراس يصعب نزعه منها، لا سيما إذا كان العاض جاد وصادق في ذلك.
((عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات)) تحذير ((إياكم والأمور المحدثات)) يعني الإحداث في الدين، وابتداع عبادات لم يأذن الله بها، ولم يسبق لها شرعية من الكتاب والسنة، وهذه هي البدع، ((فإن كل بدعة ضلالة)).
هذه البدع وهذه المحدثات حدثت أول ما حدثت في زمن الصحابة، في بدعة الخوارج، ثم بدعة الروافض، ثم النواصب، ثم تنوعت البدع، وافترقت الأمة على ما أخبر عنه النبي ﵊ من أنها ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وحصل هذا كله، لكن على المسلم أن يسعى لخلاص نفسه، فلا يعمل شيئاً إلا وله أصل شرعي، ولا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، ولا يحدث في دين الله ما لم يسبق له شرعية ((فإن كل بدعة ضلالة)) هذا تعميم من النبي ﵊، وأن جميع البدع وأن جميع ما يحدث في الدين فإنه ضلالة، وبهذا يرد على من قسم البدع إلى بدع محمودة، وبدع مذمومة، أو بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة، هذا التقسيم مخترع، لم يسبق له دليل من كتاب ولا سنة، كما قرر ذلك الشاطبي في الاعتصام، رد على هذا التقسيم وقوض دعائمه بأسلوب قوي، وحجة ناصعة، الرسول ﵊ يقول: ((كل بدعة ضلالة)) ونقول: بدعة محمودة؟ الرسول ﵊ يقرر بأن كل بدعة ضلالة ونقول: بدعة واجبة؟! هذه معارضة ومضادة ومحادة لهذا التعميم النبوي، وإن قال به من قال به من أهل العلم، فهم مجتهدون، هذا غاية ما يقال فيهم، ولا يظن بهم، ولا يتهمون، لكن أشكل عليهم بعض النصوص فقرروا ما قرروا.
стр. 138
ممن يرى التقسيم العز بن عبد السلام والنووي وابن حجر وجمع من أهل العلم، يرون هذا التقسيم، أن البدع منها ما يمدح، ومنها ما يذم، ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) فيقولون: هذا سن سنة، يعني ابتدأها، وسماها النبي ﵊، ووصفها بأنها حسنة، إذاً من سن يعني ابتدع واخترع سنة حسنة، وهناك أيضاً سنة سيئة، فدل على أن من البدع وما يسن وما يخترع منه ما هو حسن ومنه ما هو سيء، وأيضاً يتشبثون بقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" فمدحها؛ لأن (نعم) مدح بخلاف (بئس) وسماها بدعة، أما من سن في الإسلام سنة فسبب الورود يدل على أنه ليس بشيء جديد يخترعه من سن، وإنما هو ابتداء في مشروع يغفل عنه الناس أو يتركونه، تموت هذه السنة الثابتة عن النبي ﵊ بدليل صحيح، فيهجرها الناس فمن يحييها له هذا الأجر، وليس المراد بذلك سنة لا دليل عليها من الكتاب والسنة، بل هذه بدعة وليست بسنة، وسبب الورود أن النبي ﵊ أمر بالصدقة فجاء أول شخص بمال وفير وتصدق به، فأراد النبي ﵊ أن يبين أن هذا الذي سبق يستن الناس بسنته، ويقتدون به في هذا البذل الذي جاء الحث عليه من الشارع، يعني ليس بمبتدع، كونه سبق الناس ليقتدوا به هذا له الأجر، له أجر هذا العمل، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، وقل مثل هذا من بادر في إحياء سنة ماتت مثلاً، من بادر بإحياء سنة سيئة –أقصد- ماتت في مقابل السنة الحسنة، أو ابتكر بدعة وعمل الناس بها، واقتدوا به فيها هذا عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
طالب:. . . . . . . . .
إذاً كيف يعمل بدون نية تعبد؟ يعني أنت تريد أن مثل هذا الذي تصدق، يعني شخص يريد أن يصلي بعد صلاة المغرب أربع ركعات مثلاً أو ست ركعات بسلام واحد مثلاً هذا لم يسبق له شرعية، فهل تريد أن هذا لا يدخل في حيز البدعة حتى ينوي التعبد؟ هو ما صلاها إلا للتعبد، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
مثل إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
مثل؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني كونه يتخذ يوماً لعبادة معينة؟
стр. 139
طالب:. . . . . . . . .
يوم معين لا مزية له على الأيام، يعني يتخذ يوم السبت أو يوم الثلاثاء لختم القرآن من كل أسبوع مثل هذا؟ تعني مثل هذا؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 140
المقصود أن مثل هذا لم يسبق له شرعية، ولا التزم من قبل السلف الصالح، فليس من فعلهم أن يخصصوا يوماً لختم القرآن، لكنه من لازم الفعل، ليس من فعلهم لكنه من لازم الفعل، كيف من لازم الفعل؟ السلف امتثالاً لقول النبي ﵊: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) قسموا القرآن إلى أسباع، فطريقتهم في قراءة القرآن في تقسيمه على سبع امتثالاً لهذا الأمر النبوي أنهم يقرؤون في اليوم الأول ثلاث، وفي الثاني خمس، وفي الثالث سبع، وفي الرابع تسع، وفي الخامس إحدى عشرة، وفي السادس ثلاث عشرة، وفي السابع المفصل، ومن لازم هذا الفعل أن يكون الختم في يوم واحد؛ لأن الأسبوع سبعة أيام، فإذا كان فعله الختم في يوم السبت أو في يوم الثلاثاء من أجل هذا فلا ضير عليه؛ لأنه يقرأ القرآن في سبع والأسبوع سبعة أيام، فليس من فعلهم لكنه من لازم فعلهم، فلا يوصف بالبدعة حينئذٍ، وقل من باب أولى إذا اتخذ يوم الجمعة أو عصر الجمعة لختم القرآن لا يلام على ذلك، ولا يقال: إنه وقت وقتاً للعبادة لم يوقته الشارع، نقول: الشارع أمر بقراءة القرآن في سبع، والأسبوع سبعة أيام من لازم ذلك أن يختم في يوم معين، لكن لو افترضنا أن القرآن يقرأ في غير هذه العدة، ثم إن الإنسان يتعمد أن يكون ختمه في يوم الثلاثاء، الأربعاء، أو الخميس، أو أي يوم من الأيام ما لم يكن الوقت له مزية، كأن يكون وقت إجابة دعوة، ولمن ختم القرآن دعوة مستجابة كما جاء في الخبر، الصحابة كأنس وغيره يجمعون أولادهم وأهليهم يجمعونهم لختم القرآن، ولذا يحرص منذ أزمان متطاولة أن يكون ختم القرآن في رمضان ليلة سبع وعشرين؛ لأنها ترجى فيها ليلة القدر، وأكثر ما يختم الأئمة في ليالي الوتر، وهذا الاختيار له وجه شرعي، فإما أن يكون مما تدل له الأدلة كما هنا، أو يكون من لازم فعل السلف المبني على الدليل، وهذا لا إشكال فيه، لكن لو كان في كل يوم ثلاثاء مثلاً يدخل المسجد ويجلس من بعد صلاة الظهر إلى العصر في هذا اليوم خاصة يعتقد فيه مزية، ويخصه من بين الأيام نقول: ابتدعت.
((فإن كل بدعة ضلالة)) ...
стр. 141
استدلالهم بقول عمر ﵁: "نعمت البدعة" هذا دليل ليس في محله؛ لأن عمر ﵁ لم يقصد البدعة الشرعية؛ لأن هذا العمل سبق له شرعية من فعل النبي ﵊، هذا العمل وهو صلاة قيام رمضان جماعة فعله النبي ﵊ ليلتين أو ثلاث ثم تركه لا نسخاً له ولا رغبة عنه، وإنما خشية أن يفرض، فلما أمن فرضية هذه العبادة أمنت لأنه لو فرضت ما أطاقها الناس ولعجزوا عنها، فلما أمنت بوفاته ﵊ أعادها عمر، فهو يعمل بشرع سابق، وحينئذٍ لا يسمى بدعة لأنه سبق له شرعية من السنة، فلا يريد البدعة الشرعية قطعاً؛ لأنه لا يتصور من عمر أنه يبتدع في دين الله وقد أمرنا بالعمل بسنته ﵁ وأرضاه-.
شيخ الإسلام يرى أنها بدعة لغوية، تعريف البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، وهذه الفعلة أعني جمع الناس على إمام واحد له مثال سبق في عهد النبي ﵊ فليس ببدعة لغوية، والشاطبي يقول: مجاز، وأيضاً عند من ينفي المجاز لا يقول بهذا، فماذا يقول من ينفي المجاز؟ يقول: عمر -رضي الله تعالى عنه- تصور أن قائلاً سوف يقول له: ابتدعت يا عمر، فقال ﵁ وأرضاه-: نعمت البدعة هذه على سبيل المشاكلة والمجانسة في التعبير، مشاكلة ومجانسة في التعبير، لا إرادة حقيقة البدعة، المشاكلة نوع من أنواع البديع، بخلاف المجاز الذي هو من علم البيان، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 142
هذا مقرر عند أهل العلم، لكن الكلام إجمالي، لا نريد أن ندخل في تفصيلات، أمامنا نص يقول: ((فإن كل بدعة ضلالة)) نعم ((كل بدعة ضلالة)) لكن إذا كان الوقت أو الوصف من لازم عمل السلف الصالح نحكم عليه بأنه بدعة؟ ما نحكم بأنه بدعة، ولو قال أهل العلم مثل هذا، لكن هم يقررون مسائل أصول العلم أو أصول هذه المسألة، ثم تفاصيلها انظر هل له أصل أو لا أصل له؟ فإن كان من عملهم، من عمل السلف أو من لازم عملهم كما قررنا في ختم القرآن في يوم معين، ما دام الرسول ﵊ يقول: ((اقرأ القرآن في سبع)) وأيام الأسبوع سبعة يبي يختلف يوم الختم؟ لن يختلف يوم الختم؛ لأن الأسباع التي حزبت وقسم عليها القرآن تدور مع الأيام، كل يوم في حزبه المعين، فلا يلزم من ذلك أن يكون بدعة لأنه من لازم عملهم.
إذاً قول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "نعمت البدعة" إنما هو من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، وأهل البلاغة وأهل البديع يقررون أن المجانسة لا يلزم فيها أن يكون اللفظ مذكوراً، وإنما يقولون: حقيقة -يعني مذكور لفظ مجانس حقيقة- أو تقديراً، فإذا خشي الإنسان أن يقال له: فعلت كذا؟ قال: نعم فعلت، ابتدعت يا عمر؟ نعمت البدعة، ويش المانع؟ يعني على سبيل التنزل، والأمثلة على ذلك كثيرة، وبسطنا هذه المسألة في مناسبات فلا داعي لإعادتها.
стр. 143
قال ﵀ بعد ذلك: "حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي" عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي هذا قالوا عنه: إنه صدوق، فحديثه حسن "أنه سمع العرباض بن سارية يقول" الحديث بهذا الإسناد حسن "يقول: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة" يعني كما تقدم في الخبر السابق "ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: ((قد تركتكم على البيضاء)) " وهذا تقدم على الملة البيضاء، الطريق والمحجة البيضاء التي ((ليلها كنهارها)) يعني لا يمكن أن يرد معها شبهة لا حل لها إلا عند من خالف أو قصر، فالدين واضح -ولله الحمد-، ولا خفاء فيه ولا غبش ولا لبس، لكن بعض الناس يؤتى من قبل نفسه، إما أن يقصر في تعلم الدين، أو يسلك غير سبيل المؤمنين، ولو كان هذا السلوك جزئياً فإنه يدخل عليه الخلل بقدره.
((تركتكم على البيضاء ليلكها كنهارها)) لا يختلف فيها الأمر، فهي واضحة جلية ((لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)) وقد حصل كما أخبر النبي ﵊ ((فعليكم بما عرفتم من سنتي)) أما ما أنكرتموه فتوقفوا فيه، فإن كنتم من أهل العلم والنظر والتأهل للوصول إلى الصحيح من الضعيف بأنفسكم فهذا فرضكم، فابحثوا وتأكدوا، فإن ثبت فاعملوا به، وإن لم يثبت فاجتنبوه، واطرحوه وألقوه ((بما عرفتم من سنتي)) وإن كنتم لستم من أهل النظر في هذا الباب، ولا تأهلتم لذلك، فاسألوا أهل العلم، هذه فريضة العامي ومن في حكمه يسألوا أهل العلم.
((فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة)) يعني بالسمع والطاعة ((وإن عبداً حبشياً)) وهذا تقدم ((فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)).
стр. 144
يعني سهل القياد، لا ينتصر لحظوظ نفسه ويعاند ويصر، لا، يتبع الحق حيثما انقيد حيثما قيد بالحق انقاد، كالجمل الأنف الذي يجعل الزمام في أنفه ويجر به، هذا الجمل الذي خرم أنفه، ووضع فيه القياد –الزمام- وقيد به لا يستطيع أن يخالف قائده، فعلى هذا المؤمن ينقاد حيثما قيد بالنصوص، لا أنه مغفل يجر حيثما أراد من أراد أن يجره، ويستهويه من حيث من أراد أن يجلبه إلى هواه، لا، المؤمن كيس فطن ومع ذلك سهل القياد، وقد جاء في الحديث: ((لينوا بأيدي إخوانكم)) ومن الناس من هو وإن انتسب إلى الإسلام من هو عسر الطبع، بحيث يكون معانداً في كل ما يؤمر به، كما قال بعضهم: السهل يوطأ، ولا شك أن الإنسان إذا دعي إلى الحق عليه أن يستجيب، وليس له خيرة، فينقاد لأمر الله وأمر رسوله، ومن يأمر بهما.
قال ﵀: "حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي قال: حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو" هو السلمي السابق "عن العرباض بن سارية قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ... فذكر نحوه" وهذا الحديث بطرقه الثلاثة يصل إلى درجة الصحيح، ومع ذلك هو مخرج في صحيح مسلم ومسند أحمد، لكننا نتعامل مع السنن، ولو كنا نشرح صحيح مسلم لما ساغ لنا أن نقول: صحيح، ما دام الحديث مخرج في مسلم لا يسوغ لنا أن نقول: صحيح، إنما نكتفي بقولنا: خرجه البخاري أو خرجه مسلم؛ لأن هذا علامة الصحة، وإذا كان الخبر في غيرهما فالأمر فيه سعة، إذا دُرس الإسناد وصارت النتيجة صحة الخبر يقال: صحيح، وإذا درس وصارت النتيجة الضعف يقال: ضعيف، الله المستعان، نعم.
باب: اجتناب البدع والجدل
стр. 145
حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ثم يقول: ((أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) وكان يقول: ((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)).
حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد قال: حدثنا أبي عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما هما اثنتان الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إن ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا وإياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر، ويقال للكاذب: كذب وفجر، ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)).
следующие страницы →