← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 27247

شرح مقدمة سنن ابن ماجه

عبد الكريم الخضير

Полный текст (299 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والنبي ﵊ يحكم على نحو ما يسمع، فقد يحكم بغير الواقع، وليس المراد به أنه لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة، هو مؤيد بالوحي، لكن ليسن للقضاة من بعده؛ ليكون هذا هو الطريق للجميع، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، هذا كما يستعمله المعصوم يستعمله آخر القضاة، وعلى كل حال ما أشرت إليه قيل به، لكن الأولى حمل الآية على عمومها، وإلا كان الناس كلهم ما يقنعون، ولا شك أن فيها التحذير من التحاكم إلى غير الله. لو قلنا: إن الآية خاصة بالنبي ﵊ قلنا: إن لمن أراد أن يتحاكم إلى غير الشرع له مندوحة. طالب:. . . . . . . . . لا لا، الآية خذها جملة ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ [(٦٥) سورة النساء] يعني النص جاء في ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ نعم الرضا والتسليم لكل أحد، لكن يحكموك هذا إن أريد الخصوص فهو في هذا، ويأتي الخطاب للنبي ﵊ والمراد هو وأمته، ففي قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ [(١٠٢) سورة النساء] يعني في صلاة الخوف ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ قال أبو يوسف: صلاة الخوف خاصة بالنبي ﵊ وعامة أهل العلم على أنها عامة له ولغيره، والخطاب له ﵊، وفعلها الصحابة من بعده، وفي قوله -جل وعلا-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [(١٠٣) سورة التوبة] هذا خطاب له ولغيره ممن يأتي بعده.

стр. 72

قال ﵀: "حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد)) فقال ابن له" اسمه: بلال "فقال ابن له: إنا لنمنعهن" وما الداعي لهذه المقالة من هذا الولد؟ الداعي لها الغيرة على المحارم، وخشية الفتنة منهن وبهن، ومع ذلك لم يكن له مندوحة بهذا الاعتراض، لم يعذر في هذا الاعتراض، وإن كان قصده سليماً، وإنا لنمنعهن، وعائشة تقول: لو علم النبي ﵊ ما أحدث النساء لمنعهن، ومع الأسف أن بعض النساء يأتين لصلاة التهجد بالتبرج والطيب مع سائق أجنبي، وهن بذلك يرجين ما عند الله -جل وعلا-، وقد تأتي إلى أقدس البقاع فاتنة مفتونة -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن ليس لولي أمرها أن يمنعها من أن تأتي إلى المسجد، لكن عليه أن يأطرها على الحق، تخرج تفلة، تخرج متحجبة الحجاب الذي يصد الناس، ويمنع ويكف الأشرار ووحوش البشر من النظر إليها، والاستمتاع بها، وتخرج غير متطيبة، وتخرج غير مزاحمة للرجال، لا يترتب على هذا الخروج محظور؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإلا فبعض النساء النبي ﵊ يقول: ((وبيتها خير لها)) وبعض النساء من الصالحات تحرص على الصلاة في المسجد، ترى أنه أنها لو صلت في بيتها ما حضر قلبها، ولا صلت الصلاة التي يمكن أن تؤديها في المسجد، تصلي على وجه يناسب مستواها في التعلم في الالتزام في كيفية القراءة في الاستفادة من القرآن، لكن إذا صلت وراء الإمام مشت مع الناس، أو إذا صارت في بيتها كسلت عن الصلاة، تراخت، وإذا كانت مع الناس نشطت، هذه مقاصد حسنة لا شك، لكن مع ذلك لا يترتب على ذلك مفسدة، تأتي متبرجة متطيبة إذا خرجت المرأة متعطرة رجعت وهي زانية -نسأل الله السلامة والعافية-، وأهل الظاهر يلزمونها بالغسل بناءً على هذا الحديث، والمتبرجة ملعونة -نسأل الله السلامة-، فكيف تأتي هذه ترجو ما عند الله وتأتي بما يقتضي المقت واللعن والطرد عن رحمة الله؟ وتأتي مع ذلك مع سائق أجنبي مع الخلوة، وبعد هزيع من الليل، كل هذا خلل كبير ينبغي أن

стр. 73

يدرس بعناية من غير منع، من غير معارضة للسنة، إلا إذا وجد ما يقتضي المنع، يمنعها لأنها خرجت متبرجة لا لأنها تريد بيت الله، يمنعها من التبرج، يمنعها من الطيب، يمنعها مما منعت منه شرعاً، ويأذن لها بما أذن لها فيه الشرع. "فقال ابن له: إنا لنمنعهن، قال: فغضب ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- غضباً شديداً، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: إنا لنمنعهن! " يعني ما يكفي في هذا الباب القصد الحسن، بل لا بد من الاتباع مع حسن القصد، ابن عباس لما قال بالمتعة متعة الحج، وقيل له: إن أباك منع المتعة، وكذلك أبو بكر، قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر! وهذا استدلال بقول أبي بكر وعمر في مقابل قول النبي ﵊، فكيف بمن يستدل بآراء الناس؟! تقول له: قال رسول الله كذا، فيقول لك: قال: لا، قال الشيخ فلان، تقول له: الحديث ثابت وصحيح وصريح، في البخاري، يقول لك: ولو الشيخ فلان أعرف، فرد النصوص تقليداً للأئمة لا شك أنه يدخل في هذا الباب لا سيما بعد بلوغها. قال ﵀: "حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري وأبو عمرو حفص بن عمر قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي" يعني بن عبد المجيد "قال: حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل أنه كان جالساً إلى جنبه ابن أخ له فخذف" الخذف: يؤتى بحجر صغير فيوضع بين السبابتين هكذا فيخذف به، أو يوضع بين السبابة والإبهام هكذا فيخذف، هذا الخذف، وهذا منهي عنه؛ لأنه يكسر السن، ويفقأ العين، لكن ما فيه فائدة، لا ينكأ عدو، ولا يصيد صيداً. "أنه كان جالساً إلى جنبه ابن أخ له فخذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها" يعني نهى عن هذه الفعلة التي هي الخذف "وقال: ((إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكي عدواً)) " يعني لا تبلغ به من الأثر ما ينبغي أن يبلغ، فلا تقتل ولا تكسر، إنما هي مجرد أذى ((لا تصيد صيداً، ولا تنكي عدواً)) فدل على أن ما فيه نكاية بالعدو أنه مطلوب شرعاً، ما فيه نكاية في العدو مطلوب.

стр. 74

((ولا تنكي عدواً، وإنها تكسر السن، وتفقأ العين)) قال: فعاد ابن أخيه يخذف، بعد ما سمع الخبر، ونهاه وأنكر عليه، عاد يخذف "فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنها ثم عدت تخذف، لا أكلمك أبداً" فهجره مدة بقائه طول عمره؛ لأنه خالف السنة، وعارض السنة، وكذلك صنيع ابن عمر مع ابنه، ذُكر أنه ما كلمه مدى الحياة، وعندنا في وقتنا لا نقيم لهذه الأمور وزناً، وإذا غضب الإنسان على ولده لفعل فاحشة أو أمر عظيم المسألة ساعة أو ساعتين أو ساعات أو يوم أو يومين، ثم يعود كأن لم يكن شيء حصل، لماذا؟ لأن هذه المخالفة ما وقعت في قلب الأب موقعها الطبيعي في الدين، تجده يوقظه للصلاة، ثم إذا جاء ووجده لم يصلِ، ثم بعد ذلك يحوطه بعنايته ويرعاه برعايته، ويغدق عليه من الخيرات، ويعامله ويبتسم في وجهه وكأن شيئاً لم يكن. الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في البداية والنهاية في ترجمة ابن الراوندي وهو ملحد، ذكر أن ابن خلكان ترجم له وأثنى عليه، ولم يذكر شيئاً من إلحاده، كعادته في تراجم الأدباء والمؤرخين واللغويين يطيل في تراجمهم بخلاف العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء يختصر، قال: ولم يذكر شيئاً من إلحاده، فكأن الكلب لم يأكل له عجيناً، يعني ما أثر عليه أبداً، يعني رجل زنديق ملحد تمدحه وتطيل لأنه أديب! الدين رأس المال يا أخي، فهذه من ابن كثير -رحمه الله تعالى- تدخل في هذا الباب، هذه غيرة لله ولرسوله غيرة على الدين، ابن خلكان ما كأن الكلب أكل له عجين، يعني ما كأن الأمر يعنيه، ترجم له على عادته كأنه خير الناس، أثنى عليه ومدحه وأطراه، نعم في باب من أبواب الأدب، وفي علم من العلوم التي لا تقاوم شيئاً ولو شيئاً يسيراً في أبواب العلم الشرعي مدحه به، فهكذا ينبغي أن يكون المسلم يغار لدين الله، يغار لسنة رسول الله، لا سيما من ينتسب إلى العلم وإلى السنة ينبغي أن يغار، وينكر المنكر على من قاله كائناً من كان، لكن ينبغي أن يكون الإنكار بالطرق المؤدية إلى الغرض التي فيها إزالة لهذا المنكر، مع أنه لا يترتب عليها منكر أعظم منه، ونقف على هذا، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 75

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٤) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: أنا -يحكي عن نفسه- أنه قصير القامة، وطوله مائة وثمان وستين سانتي؟ هذا ليس بقصير. يقول: وهناك طريقة يعملها الأطباء تقوم بإطالة الجسم في حدود تسعة سانتي فهل هذا حرام؟ على كل حال إذا كان القصر مما يقذره الناس به، ويعيبونه به، وينبزونه به، فهذا له وجه، أما إذا كان في الطول الذي يذكره هذا لا شك أن الزيادة تغيير لخلق الله. يقول: أنا حدث لي حادث، وتكسرت أسناني الأمامية، وقمت بتركيب أسنان، ولكن ليس كما كانت، فلو قمت متعمداً بجعل الأسنان على صف واحد، وهي لم تكن بالأول كذلك، فهل هذا أيضاً حرام، ويدخل في باب تغيير خلق الله؟ أقول: الرجل ليس بحاجة إلى مثل هذا التصرف، أما إذا كان السائل امرأة، وزوجها يقذرها بذلك، وهي تريد أن تتزين به، بالصف، بالترتيب لا بالتفليج، لا بالزيادة والنقص هذا يُرجى إذا كان مجرد تقويم لا بتفليج ولا بغيره، تعديل سن مائل يعدل لا بأس، وما عدا ذلك فالأصل أن يبقى كل شيء على حاله. هذا سؤال ردد أكثر من مرة: ما سبب الجفاء الموجود في كثير من الملتزمين؟ سببه الجهل بأحكام الدين وآدابه، وتنزيل بعض الأحكام في غير منازلها، فالهجر لا شك أنه شرعي، وعلاج لبعض الناس إذا كان يجدي فيهم، وأما إذا كان لا يجدي، والصلة هي الأنفع فهي المتعينة ((ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً، ولو أن يلق أخاه بوجه طلق)). هذا سأل أمس واليوم، وأظن قبل ذلك، يقول: هل من الممكن أن أشترك معكم، أريد أن أخدم الأمة الرد في أقرب وقت؟ والله ما أدري هل يمكن أو لا يمكن؟ وكيفية هذه الخدمة، يقول باللغة العربية، وقد كتب اسمه بغير العربية. هذا يقول: أعاني من فتور وضعف في الطلب، مع كثرة المشاريع التي كانت في الصيف، وكثرة المشاكل في البيت، بسبب كثرة المنكرات، وبالذات في الزواجات، وكيف أنكر مع العلم أن أبي لا يتدخل ولا ينكر في البيت، ويكتفي بالدعاء على إخواني؟ وجزاكم الله خيراً.

стр. 76

إذا كان الوالد لم يقم بما أوجب الله عليه تجاه أسرته فعليك أن تقوم به أنت، لكن بالأساليب المؤثرة النافعة التي لا يترتب عليها مفاسد، وأما بالنسبة للفتور في الطلب فعليك أن تجتهد وتجد، وتقرأ ما جاء في هذا الباب، في باب الحث على طلب العلم، ومنزلة العلم والعلماء في الدنيا والآخرة، وتقرأ ما في سير أهل العلم، وكيفية صبرهم على التحصيل، وبذلهم وهممهم العالية، إذا قرأت في هذا نشطت. يقول: ما رأيكم فيمن يقول: إن أقسام الحديث قسمان صحيح وضعيف، وليس هناك قسم ثالث؟ أولاً: الأقسام الثلاثة الصحيح والحسن والضعيف موجودة في كلام الأئمة، يعني قبل البخاري، وفي عصر الإمام أحمد، وقبل الإمام أحمد، يُعرف الحديث الحسن، لكن الحصر في القسمة الثلاثية أول من حصر الخطابي -رحمه الله تعالى-، الخطابي هو الذي حصر القسمة في الثلاثة الأقسام، وأما الأقسام فهي معروفة، الصحيح معروف، والحسن معروف، والضعيف معروف، والمضطرب معروف، والمعل معروف، والمرسل معروف، كلها معروفة، فالحصر في قسمين ماذا يريد أن يجعل الحسن؟ إن أدرجه في الصحيح تساهل وأدرجه في الصحيح على طريقة ابن خزيمة وابن حبان، فلا شك أن هذا ضرب من التساهل، إن قال: هو صحيح وهو لا يصل إلى درجة الصحيح هذا تساهل. طالب:. . . . . . . . . انتهينا ما في إشكال، إذا قلت: الأقسام اثنان: الصحيح وهو قسمان، ثم الضعيف ما سوينا شيء، ما رحت بعيد، سواءً جعلت ألف وباء وإلا واحد واثنين وثلاثة، ما يفرق، المقصود أن الحسن في مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، لا يلحق بالصحيح، ولا ينزل إلى الضعيف، والمسألة اصطلاحية. يقول: اسمي ياسر وأنا من السودان يوجه الدعوة لزيارة السودان زيارة دعوية؟ وأنا أقول للأخ ياسر: أعتذر عن تلبية هذه الدعوة لأنني لم أخرج عن هذه البلاد، وليس في النية الخروج لا للسودان ولا لغيره. يقول: فنحن أحوج ما نكون للدعوة والإرشاد في تلك الفترة؟ ومن طلاب العلم والمشايخ وأهل العلم من يلبي مثل هذه الدعوة، وفيهم الخير والبركة -إن شاء الله تعالى-، علماً أن في السودان من طلاب العلم ممن نعرفه يمكن أن يقوم بهذه المهمة.

стр. 77

يقول: في تلك الفترة التي اشتدت الفتن في السودان، كما نعاني من ظواهر غريبة في السودان مثل التبرج والقش. ما أدري ويش هذه القش وإلا الغش؟ يمكن يريد القش؛ لأن بعض الجهات يبدلون الغين قاف، وبعضهم العكس، وبعضهم يسمي الغش قش، وقال يقول: غال، بعضهم بعض الجهات نعم، لعل مراده بالقش الغش. والرشاوى، وكثير من العادات التي لم تكن يوماً من أهلنا في السودان؟ على كل حال التغير موجود على مستوى الأمة كلها، وفي بلاد الإسلام قاطبة، التغير، وما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه، لكن المسألة مسألة مدافعة، وتقليل للشر بقدر الإمكان بالطرق المتاحة، والأساليب المناسبة الناجعة. هذا اسمه عبد الدائم من السعودية يقول: رجل يملك ملوك الجن وهو مؤمن، وهم أيضاً ويشترطون عليه ألا يقرب الحرام مطلقاً، فهل يعتبر هذا الرجل ساحراً؟ كيف يملكهم؟ يعني نصب نفسه ملكاً عليهم؟ هذا لا يعرف إلا لسليمان، هذا من خواص سليمان ﵇، لا يكون لأحد، ولا ينبغي لأحد، فعليه أن ينصرف وينشغل بما كلف به من تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، وأن يلازم الكتاب والسنة، ويعتصم بهما، ويترك مثل هذه الأمور؛ لأن مثل هؤلاء مجاهيل، لا يدرى ما ورائهم، وجرت العادة أنهم يستدرجون الناس، يقدمون خدمات لبعض الناس، ثم إذا تورط صار لا يستطيع أن يرجع عن هذه الخدمات التي قدمت له، وقدمها لغيره، انسحبوا عنه، فطلب ذلك بالحرام بعد أن كان بدون مقابل، والله المستعان. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 78

"حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني برد بن سنان عن إسحاق بن قبيصة عن أبيه" يعني قبيصة بن ذؤيب "أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب" نقيب الأنصار ليلة العقبة، بل هو أحد النقباء، وشهد البيعات بيعة العقبة الأولى والثانية، وفي بعض الكتب: والثالثة، في بيعة عقبة ثالثة؟ في بعض الكتب يقول: والثالثة، يعني بيعة العقبة الأولى والثانية والثالثة، يعني المعروف في السيرة أن البيعات اثنتان، وبعضهم يجعل بعض اللقاءات التي حصلت مما ينازع فيه أن تكون بيعة، حصلت بين بعض الأنصار مع النبي ﵊ يسميها بيعة لاختصاص واستقلال الأنصار بها، وهذا مذكور في بعض كتب السير. على كل حال فضله وعلمه وجلالة قدره عبادة بن الصامت معروف، النقيب، والخبر فيه انقطاع؛ لأن قبيصة بن ذؤيب يحكي قصة لم يشهدها، ولم يلق عبادة ليقال: إنه تلقاها منه، فالخبر ضعيف، وإن كان مفاده وجملته صحيحة، أصلها -أصل القصة- في الصحيحين، لكن القصة بهذا التفصيل فيها هذا الانقطاع الموجب للضعف. "أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله ﷺ غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير" يعني ذهب بذهب "كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: أيها الناس إنكم تأكلون الربا" يقوله عبادة بن الصامت لماذا؟ "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تبتاعوا الذهب بالذهب)) " يعني سواءً كان دنانير بدنانير، وسواءً كان كسر بكسر، وسواءً كان مصوغاً بمصوغ.

стр. 79

((لا تبتاعوا الذهب)) أياً كان وصفه ((بالذهب)) أياً كان وصفه ((إلا مثلاً بمثل)) يعني من غير زيادة ولا نقصان ((لا زيادة بينهما ولا نظرة)) ((مثلاً بمثل يداً بيد)) هذا الحديث معروف في الصحيحين وغيرهما، في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة إذا اتحد الجنس، لكن ((إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)) مع اتحاد الجنس لا بد من تحقق التماثل، ولا بد من أن يكون يداً بيد، أما مع اختلاف الجنس في الربويات فلا مانع من التفاضل، يبيع الفضة بأي قيمة رآها من الذهب والعكس، يبيع الربوي بغير جنسه، شريطة أن يكون يداً بيد. فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، يعني مؤجلاً، لا بد أن يكون هذا النوع من الذهب الذي هو الدنانير بالنوع الآخر الذي هو الكسر لا بد أن يكون يداً بيد، أما مع التفاضل فلا بأس، هذا رأي معاوية، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، وكأنه يستدل بحديث: ((لا ربا إلا في النسيئة)) وهذا الحديث صحيح، لكن الحصر إضافي وليس بحصر حقيقي ((لا ربا إلا في النسيئة)) يعني لا ربا أعظم إلا ما كان في النسيئة، فالنسيئة أعظم من ربا الفضل، وربا الفضل الذي هو الزيادة يعرفه الخاص والعام، ويتوقونه، ولكن ربا النسيئة قد يدخل الإنسان فيه وهو لا يشعر، وهنا صور من ربا النسيئة حاصلة في أسواق المسلمين يتعافونها فيما بينهم، ويتساهلون فيها، مع أنها من الربا، يشتري الذهب بالنقود مثلاً، ويقول له: غداً آتيك بالقيمة هذا ربا، أو يقول: هذا شيك وهذا ربا؛ لأنه لم يكن يداً بيد، المقصود أنه لا بد من الانتباه لهذه الأمور، والربا شأنه عظيم، وحرب لله ورسوله ولو قل، والمرابون يبعثون يوم القيامة مجانين، كما قرر ذلك جمع من أهل العلم، والربا كما جاء في الخبر أشد من الزنا -نسأل الله السلامة والعافية-.

стр. 80

"يا أبا الوليد" يخاطب عبادة بن الصامت "لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة" يعني في النسيئة فقط "فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك" ((مثلاً بمثل)) يقول الرسول ﵊: ((مثلاً بمثل)) وأنت تقول: لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، "أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك؛ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة" فمعاوية في زمن عمر ﵁ كان أميراً على الشام، وهم بأرض الروم، في غزوة بأرض الروم، وكان عبادة مع معاوية، فقال له: "لئن أخرجني الله من هذه الأرض -من أرض الروم وأدخلني في ديار المسلمين- لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة" يعني لا أجلس في الشام، وكان عبادة بن الصامت سكن حمص، وهي تابعة للشام، من أرض الشام. "لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة" يعني غير السكن وغير البلد من أجل مسألة معارضة لحكم الله، وحكم رسوله ﵊ خرج من البلد وسكن بلد آخر، وكثير من الناس تنتهك المحارم، ولا يستطيع أن ينتقل عن داره، عن هذا الجار الذي آذاه بأصوات المعازف، وآذاه بأنواع المنكرات، لا يستطيع أن ينتقل في نفس البلد إلى دار أخرى؛ لأنه خسر عليها، وتعب عليها، فضلاً عن كونه ينتقل إلى بلد آخر؛ ليسلم من شر هذا الجار، أو شر هذه الشرور التي انتشرت في هذا البلد، وعبادة بن الصامت انتقل من إقليم إلى إقليم، ترك الشام وانتقل على المدينة من أجل إمرة معاوية الذي ألقى عليه الحديث من كلام النبي ﵊ وعارضه برأيه، رضي الله عن الجميع. على كل حال السنة قاضية على كل أحد كائناً من كان. "فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: "ما أقدمك يا أبا الوليد؟ " يعني هل هذا لأن عمر بن الخطاب لا يفرح بمثل عبادة بن الصامت؟ يفرح بمثله، ويتمنى أن يكون أهل المدينة كلهم مثل عبادة بن الصامت؛ لكنه يريد أن ينفع الله به في تلك البلاد، في تلك الجهات.

стр. 81

"ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله" بالتخفيف كما يقول أهل العلم، ومنهم من يشددها، يقول: "قبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر" في هذا الحديث أن الذهب مهما كان وصفه، ومهما كان وضعه، ولو تفاوت عياره لا بد أن يكون مثلاً بمثل، يعني ذهب عيار ثمانية عشر، وذهب عيار أربعة وعشرين أفضل شيء وأقل شيء أو أقل من .. ، لا يجوز إلا أن يكون مثلاً بمثل لأنه كله ذهب، ولو كان كسر مستعملة بذهب جديد لا بد أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، فالأوصاف لا تغير من الحكم شيئاً، وقل مثل هذا في الذهب المصوغ، ويذكر عن معاوية في قصة الجان الذي حصل من الغنائم أنه بيع بذهب أكثر منه لأنه مصوغ، فالصياغة تخرجه عن كونه ذهباً ليكون عرضاً يباع، ولا يجري فيه الربا كالذهب بالذهب، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن الذهب المصوغ لا يأخذ حكم الذهب، فيكون عرضاً يباع كيف شاء، ولكن الصواب ما عليه عامة أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم أنه ذهب، ولا يجوز أن يباع إلا يداً بيد، مثلاً بمثل، وهو داخل في عموم النصوص، ولو قال به من قال به. طالب:. . . . . . . . . ما دام ذهب لا يقدر شيء، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ويش هو؟ طالب:. . . . . . . . . فإنه هو الأمر، واحمل الناس على ما قال، كتب إلى معاوية يقول: احمل الناس على ما ذكر عبادة، فإنه هو الأمر، يعني الصحيح، هذا هو الأمر الصحيح، هذا هو القول الصحيح القول الذي لا يحتمل سواه، يعني داخل في النص، وهو الأمر الذي عهد، يعني قدر ما شئت من الاحتمالات التي تدعم قول عبادة ﵁ وأرضاه-. ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 82

"حدثنا أبو بكر بن الخلاد الباهلي قال: حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة عن ابن عجلان، قال: أنبأنا عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود" عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عبد الله بن مسعود، فهو منقطع "قال: أنبأنا عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال: "إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فظنوا برسول الله ﷺ الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه" وهذا الحديث منقطع فهو ضعيف، والذي يليه صحيح. قال: "حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب قال: "إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ " وفي بعض النسخ: "إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثاً فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه" يعني إذا كان اللفظ يحتمل أمرين، فاحملوه على الأمر الأهدى والأتقى والأهنأ، إذا كان الخبر المسند إلى النبي ﵊ المنسوب إليه يحتمل أمرين، فاحملوه على الأمر الذي هو أهدى وأتقى، وهذا من كلام علي بن أبي طالب ﵁، ولا شك أن مثل هذا هو المتعين، وإذا كان يحتمل أمرين فهو الأهدى والأتقى، والنبي ﵊ لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، فإذا كان الخبر يحتمل في معناه أكثر من احتمال فليحمل على الاحتمال الأهنأ والأهدى والأتقى. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا علي بن المنذر قال: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدثنا المقبري عن جده عن أبي هريرة" المقبري عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ضعيف جداً، متهم بالكذب، فالحديث ضعيف جداً "عن جده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث)) " أو ((لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث وهو متكئ على أريكته يقول: اقرأ قرآناً)) يعني إن وجدت القرآن يؤيد هذا الكلام، يعني هات لي آية تؤيد هذا الكلام، وهذا يستعمله بعض الناس الآن، إذا أبلغ بحكم شرعي قال: هات دليل من القرآن، عندنا دليل من السنة، هات دليل من القرآن.

стр. 83

((لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث وهو متكئ على أريكته)) وتقدم ما في هذا الاتكاء، وهو الاعتماد على جنبه، مسترخياً متحكماً محكماً نفسه في نصوص السنة، يقبل منها ما يدخل عقله، ويرد ما لا يوافق هواه ومزاجه. ((فيقول: اقرأ قرآناً ما قيل من قول حسن فأنا قلته)) وهذا الحديث كما قلنا ضعيف، وقوله: ((ما قيل من قول حسن فأنا قلته)) يحتمل أن يكون مما يرفع إلى النبي ﵊ في هذا الخبر الضعيف، ولا معول عليه، ولا اعتماد عليه، فهذا من النبي إن صح عنه ولا إخاله يصح ((ما قيل من قول حسن فأنا قلته)) في هذا مستمسك لمن يركب الأسانيد على الجمل والحكم وينسبها إلى النبي ﵊، فإذا وجد حكمة صحيح معناها يركب عليها إسناد عملاً بهذا ((ما قيل من قول حسن فأنا قلته)) هذا إذا كان المراد به النبي ﵊، وقريب من هذا قول بعض الحنفية يقول: إذا كان الحكم يؤيده القياس الجلي فركب له إسناد وأنسبه إلى النبي ﵊، ولا شك أن هذا ضلال -نسأل الله السلامة والعافية-، وهو داخل في قوله ﵊: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) هذا وضع على النبي ﵊، وكذب وزور، وبعضهم يقول: الاحتمال أن هذا من قول هذا المتكئ، وأنه ينسب إلى نفسه الأقوال الحسنة التي يتداولها الناس، وأنه هو مصدرها، وعلى كل حال الحديث في غاية الضعف، فلا نشتغل به أكثر من هذا. طالب:. . . . . . . . . ويش هو؟ طالب:. . . . . . . . . ((لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث)) الأصل أنه مفعول ثاني، والمفعول الأول أحدكم، لكن لما بني الفعل للمجهول صار المفعول الأول نائب فاعل، والثاني مفعول، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أمرها أن تقرأ ما بين دفتي المصحف لتقف على الآيات التي تأمر بطاعة النبي ﵊. طالب:. . . . . . . . .

стр. 84

لا لا، هو إذا كان عند الإنسان شك في طاعة النبي ﵊ فمن باب الإقناع له أن يقال: اقرأ القرآن، ليمر عليك الآيات التي تأمرك بطاعة النبي ﵊ ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [(٩٢) سورة المائدة] فإذا امتثلنا ما في القرآن من طاعة الرسول ﵊ امتثلنا ما أمر به النبي ﵊ هذا ما فيه إشكال.

стр. 85

ثم قال بعد ذلك: "حدثنا محمد بن عباد بن آدم قال: حدثنا أبي" وأبوه عباد بن آدم مجهول "عن شعبة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة" محمد بن عمرو بن علقمة صدوق، والسند الأول ضعيف؛ لأن فيه عباد بن آدم وهو مجهول، والثاني ح التي هي حاء التحويل "وحدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة بن سليمان قال: حدثنا محمد بن عمرو وهو ابن علقمة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن أبا هريرة قال لرجل: "يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثا فلا تضرب له الأمثال" وكأنه يشير بهذا إلى قصة حصلت بينه وبين ابن عباس في حديث الوضوء مما مست النار، ابن عباس قال أيضاً: الماء يمسه النار، فإذا توضأنا بماء حار مسته النار علينا أن نتوضأ بماء بارد؛ لأن هذاك مسته النار "فقال: يا ابن أخي" لأنه صغير في السن بالنسبة له "إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال" واعتراض ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- ليس اعتراضاً بالرأي المجرد؛ ليكون مذموماً من كل وجه؛ لأن عند ابن عباس حديث: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" فاعتراضه مستند إلى خبر، لكن مع ذلك لا بد أن يكون التعامل مع أخباره ﵊، ولو كان فيها الناسخ والمنسوخ بالأدب، فلا بد أن يتعامل معها بأدب ولطف، ولو كانت منسوخة، ما يقول قائل: اترك هذا الحديث لأنه منسوخ، فضلاً عن أن يقول قائل من الشراح في حديث: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال: في هذا الحصر نظر، من الذي حصر؟ النبي ﵊، ولا شك أن هذا سوء أدب، فلا بد من احترام ما جاء عن النبي ﵊، وتقديمه على قول كل أحد. الحديث بسنده الثاني حسن؛ لأن محمد بن عمرو بن علقمة صدوق، يرتقي حديثه بمثله إلى الصحيح لغيره، وبه مثل الحافظ العراقي للصحيح لغيره. والحسن المشهور بالعدالة ... وصدق راويه إذا أتى له طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن (لولا أن أشق) إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري فمثل به للصحيح لغيره فحديثه بمفرده حسن.

стр. 86

"قال أبو الحسن" وهو القطان راوي السنن عن ابن ماجه، وهذا من زيادته على السنن، وعرفنا أن الزيادات إنما تعرف برواية راوي الكتاب عن غير مؤلفه، تعرف الزيادات برواية راوي الكتاب عن غير مؤلفه، وهنا يقول: "قال أبو الحسن: حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي" ما قال: حدثنا أبو عبد الله بن ماجه، الأصل أن الكتاب كله قال أبو الحسن: حدثنا أبو عبد الله بن ماجه، إلا ما أضيف إلى غير المؤلف يكون من الزوائد. "حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي" ... وقلنا في مسند أحمد مثل ذلك أنه إذا كان الخبر حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، هذا المسند الأصلي، حدثنا عبد الله قال: حدثنا فلان غير الإمام أحمد هذا من زوائد عبد الله، وزوائد القطيعي لا يذكر فيها عبد الله ولا أبوه. قال: "حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي قال: حدثنا علي بن الجعدي عن شعبة عن عمرو بن مرة مثل حديث علي ﵁" حديث علي الذي فيه نعم؟ الذي سبق، وقلنا: إنه حديث إسناده صحيح، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أنا أقول: إن ابن عباس لم يعارض الحديث برأيه المجرد، إنما عارض حديث بحديث، ونظر مع الحديث الذي معه، فاعتراضه مستند إلى حديث، والمذموم الاعتراض بالرأي المجرد وإلا جميع المسائل العلمية التي فيها خلاف لأهل العلم وفيها أدلة لجميع الأطراف من هذا النوع. سم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين. قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه -رحمه الله تعالى-: باب: التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ -

стр. 87

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون قال: حدثنا مسلم البطين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله ﷺ ، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ قال: فنكس، قال: فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: "كان أنس بن مالك إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا غندر عن شعبة ح وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد". حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: سمعت الشعبي يقول: "جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئاً". حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: "إنا كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات".

стр. 88

حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: "بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا، فمشى معنا إلى موضع يقال له: صرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحق صحبة رسول الله ﷺ ولحق الأنصار، قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، ثم أنا شريككم". حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد، قال: "صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة، فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ بحديث واحد". يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ التوقي التحري والتثبت وعدم التسرع، فمثل هذا الأمر الذي يضاف إلى النبي ﵊ يلزم فيه التوقي والتحري؛ لأن التسرع يلزم عليه أن يحدث الإنسان بكل شيء، وإذا حدث بكل شيء فمعناه أنه سوف يقع في حديثه المنسوب إلى النبي ﵊ ما لم يقله، فيقع في إثم الكذب على النبي ﵊ ولو لم يقصد ((من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) -نسأل الله السلامة والعافية-، والإكثار مع عدم التحري وعدم التثبت هذا مآله، فلا بد من التوقي، ولا بد من التحري، ولا بد من التثبت في الحديث، أو في نسبة الحديث إلى النبي ﵊، وهذه مسئولية عظيمة بالنسبة لمن يعلم الناس عليه ألا ينسب إلى النبي ﵊ شيئاً إلا بعد أن يجزم بصحة نسبته إليه، وقل مثل هذا في الخطيب، لا يجوز له أن يلقي على الناس أحاديث أو حديث واحد لا يتبينه، ولا يتحقق من نسبته إلى النبي ﵊.

стр. 89

قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون قال: حدثنا مسلم البطين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه" يعني ما فاتني ولا عشية خميس، يذهب إلى ابن مسعود كل عشية خميس، فيجلس عنده "قال: فما سمعته يقول لشيء قط: قال رسول الله ﷺ " هل هذا زهد بالسنة؟ هل هذا عدم معرفة بالسنة؟ لا والله، عنده علم بالسنة، وعنده حرص على السنة، لكنه يخشى أن يزل لسانه بنسبة كلمة لم يقلها النبي ﵊. "فما سمعته يقول لشيء قط: قال رسول الله ﷺ ، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ قال: فنكس" نكس رأسه إجلالاً وهيبة للرسول ﵊، ولما يضاف إلى الرسول ﷺ . "قال: فنظرت إليه فهو قائم محللة أزراره" يعني مفتوحة أزراره، وجاء عن النبي ﵊ أنه رئي محلل الأزرار، حتى قال بعضهم باستحباب ذلك، لكن لا شك أن اللباس عرفي، فإذا كان في عرف الناس أن هذا العمل مقبول فهو أفضل، وإن كان مردود في عرف الناس لأن الألبسة تتغير وتختلف باختلاف الأعراف، وإلا فنقول: هذه الألبسة التي نلبسها أفضل منها أن نلبس إزار ورداء، فنستمر في وقتنا كله كأننا محرمون، أو نلبس قميص على صفة ما كان يلبسه ﵊، المقصود أن أهل العلم يقررون أن اللباس عرفي، إلا ما جاء الدليل على منعه، إذا جاء الدليل على منع مثل الإسبال مثلاً، مثل الأحمر للرجال، ومثل بعض الألبسة للنساء التي فيها تشبه، أو فيها تبرج، أو فيها .. ، مثل هذا يمنع؛ لأنه نص عليه، وما عدا ذلك فيبقى موكولاً إلى العرف.

стр. 90

"محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه" اغرورقت افعوعلت يعني غرقت بالدموع، خرج منها الدمع الغزير، كأنها غرقت في بحر "اغرورقت عيناه" يعني بالدموع "وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك" يعني قال النبي ﵊ هذا أو قال: دون ذلك "أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك" لئلا يجزم بنسبة شيء إلى النبي ﵊ واحتمال أن يكون أخطأ فيه، وهذا من ورعه وتحريه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. فعلى الإنسان أن يتوقى ويتثبت في نسبة الأمر إلى الله ورسوله، سواءً كان ينسب إليه كلاماً، أو ينسب إليه حكماً شرعاً، فلا بد أن يتثبت في ذلك كله؛ لأنه في الحكم موقع عن الله -جل وعلا-، وفي النقل مقول لله ولرسوله ما لم يقل. قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: "كان أنس بن مالك إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ " لئلا يحفظ عنه على هذا اللفظ، ويكون قد رواه بالمعنى مثلاً، أو أسقط منه شيئاً فيقول: أو كما قال رسول الله ﷺ ، وهذا لا شك أنه أولى وأحرى. قد يقول قائل: إن مثل هذا قد نقرأ صحيح البخاري كاملاً، وفيه الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﵊ عن طريق الصحابة، ولم يقل واحد منهم أو كما قال، وهنا يقول: "كان أنس بن مالك إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ". أحاديث أنس بن مالك في الصحيحين ما فيها هذا الكلام، قد يكون الصحابي الجليل قالها وحفظها منه التابعي ثم حذفت فيما بعد؛ لأنه تبين أنه لا مجال للتردد في الأحاديث التي خرجت في الصحيحين، أو خرجها الأئمة لا مجال للتردد؛ لأنها عرضت على أحاديث أخرى، وجزم بضبط رواتها، بعرض مروياتهم على روايات الثقات فلا داعي لمثل هذا التردد.

стр. 91

قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا غندر عن شعبة ح وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله ﷺ شديد" وهكذا ينبغي لمن كبرت سنه، وخشي أن يحصل التخليط في بعض كلامه أن يكف عن التحديث، والمعلم إذا تقدمت به السن، وكثر خطأه وزلله ينبغي أن يكف، فإن لم يَكف يُكف عن التحديث، فلما كبر زيد بن أرقم كبر ونسي، والحديث عن النبي ﵊ لا شك أنه شديد، وأشد منه القرآن، فلا يجوز للإنسان أن يسارع بإلقاء الأحاديث على الناس وهو لم يتثبت منها، أو يكون في ضبطه شيء من الخلل بسبب ضعف الحافظة، أو بسبب كبر السن والنسيان. قال: "حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: سمعت الشعبي يقول: "جالست ابن عمر سنة" الشعبي عامر بن شراحيل، ومنزلته في الحفظ والضبط والإتقان معروفة، عامر الشعبي الذي إذا دخل السوق سد أذنيه؛ لأنه يحفظ كل ما سمع، ولا يريد أن يسمع كلام الناس، ويحفظ كلام الناس. يقول: "جالست ابن عمر سنة، قال: فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئاً" وليس هذا مخالفة للأمر بالتبليغ ((بلغوا عني ولو آية)) ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) فالتبليغ واجب، بل فرض كفاية، ولعله في مثل هذه الظروف التي نقلت عنه في هذه السنة أنه قد بلغت هذه الأحاديث، وتحمل أمانتها غيره، وإلا لو تعين عليه التبليغ لما ساغ له أن يسكت لمدة سنة "فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئاً" وقد يكون سكوته في مجلس الشعبي، ويحدث في مجالس غيره، امتثالاً للأمر بالتبليغ؛ لأن الشعبي إن لم يسمع الحديث من ابن عمر سمعه من غيره لحرصه على الخبر.

стр. 92

قال ﵀: "حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: "كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات" استبعاد بأن تلقى هذه الأحاديث على غير أهلها "كنا نحفظ الحديث عنه ﵊" بدون واسطة، وعنه بواسطة أصحابه ممن شهد في حال صغر ابن عباس؛ لأن ابن عباس وإن كان ابن عم النبي ﵊ إلا أنه كان صغير السن، توفي النبي ﵊ ولما يحتلم بعد، في الثالثة عشرة من عمره، ولذا يقرر بعض العلماء أن ما يرويه ابن عباس عن النبي ﵊ بدون واسطة إنما هو أربعة أحاديث، وابن حجر يقول: جمعت مما صح أو حسن إسناده إلى ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ فبلغت نحو الأربعين. كان ابن عباس يحفظ من النبي ﵊ ومن الصحابة، والحديث يُحفظ إذا ألقاه الصحابي ابن عباس أو غير ابن عباس يحفظ من قبل من يسمعه، يحفظ عن رسول الله ﷺ بواسطة أو بغير واسطة، ويهتمون بذلك، ويعنون بنشره حينما كان الناس على الجادة، على البيضاء التي تركهم عليها النبي ﵊، فأما بعد أن تشعبت بهم الآراء والأهواء، وركبوا في ذلك الصعب والذلول، ركبوا في ذلك المراكب الصعبة والمراكب السهلة فأحجم ابن عباس وغير ابن عباس عن تحديثهم؛ لأنه يخشى أن يفهموه على غير وجهه، أو يحفظوه على خلاف ما ألقي عليهم، فهم إذا سمعوا أي شيء تلقفوه، وأولوا معناه فركبوا في تأويله الصعب والذلول، ولم يتبينوا ويتحققوا ويتثبتوا من لفظه، فإذا وجد مثل هذا التساهل ووجد هذا التخوف بالنسبة لأناس بأعيانهم أو لمجتمعات بأعيانهم فإنه حينئذٍ لا يلقى عليهم الخبر لما له من الضرر البالغ في نفوس هؤلاء، ونفوس من يتلقى عنهم الذي ركبوا الصعب والذلول.

стр. 93

قال ﵀: "حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد عن مجالد" وهو ابن سعيد، وهو ضعيف كما تقدم، فالخبر ضعيف إسناده، ضعيف بسبب مجالد بن سعيد "عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا" شيعنا بمعنى أنه مشى معهم، فالتشييع هو المشي مع المشيع، سواءً كان حياً أو ميتاً، فتشييع الجنازة معروف، وتشييع العالم معروف، وتشييع الصديق والقريب معروف، والنبي ﵊ قام مع صفية ليقلبها شيعها إلى بيتها، ليرجعها إلى بيتها، فهذا تشييع. "مشى معهم عمر -رضي الله تعالى عنه- إلى موضع يقال له: صرار" موضع قريب من المدينة "فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ " لا شك أن وقع هذا المشي من قبل عمر ﵁ في قلوبهم شديد، بحيث يحفظ جميع ما يحتف بهذا المشي، أنت إذا حدث في عمرك مناسبة فردة، لا نظير لها، زارك شخص لم تتوقع زيارته، كبير بالنسبة إليك، ثم تحدث معك بحديث، أو تُحدث في ذلك المجلس بحديث، هذا الحديث لن تنساه، ولن تنسى مناسبته، وكيف قيل؟ وكيف عرض؟ لأنك على غاية من التأهب للتحفظ، نعم. "إلى موضع يقال له: صرار، فقال: أتدرون لما مشيت معكم؟ قلنا: لحق صحبة رسول الله ﷺ " لأننا صحابة نستحق مثل هذا التشييع "ولحق الأنصار" الأنصار لهم فضل على الأمة، وعلى النبي ﵊، صدقوه حينما كذبه الناس، وآووه حينما طرده الناس، إذاً لهم حق، والأنصار شعار، والناس دثار، فهؤلاء لهم حق، فيشيعون من أجل هذا.

стр. 94

"قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم" لأن الممشى ممشى الخليفة مع هؤلاء يجعلهم يضبطون ما يدور حول هذا الممشى؛ لأنه ليس من الأمور التي تتكرر مراراً بحيث تنسى لكثرتها، هي مرة واحدة حصلت، فما احتف بها وقيل فيها لا بد أن يحفظ، يعني هل حفظ الإنسان لما حصل في ليلة زفافه مثل حفظه لما يحصل له في استراحات مع زملائه تتكرر إما أسبوعياً أو أكثر، أو شهرياً على مدى سنين، هل يحفظ ما حدث في تلك الليلة، ويحفظ مثله على مستواه ما حصل في هذه الجلسات مع الزملاء والأصدقاء؟ لا لا، ما يمكن، هذه ليلة فذة وفريدة، يُحفظ فيها ما لا يحفظ في سائر الليالي العادية؛ لأن الشيء الذي يعتاده الإنسان ويتكرر عليه لا يلقي له بالاً، يعني لو افترضنا أن شخص بيته مفتوح، ويدخل عليه أصناف الناس من العامة ومن طلاب العلم، ومن غيرهم من موظفين وكذا، ثم جاءه في يوم من الأيام أعظم عالم في الدنيا، أو أكبر ملك في الدنيا، هذه الليلة لن تتكرر، يعني ما جاي واحد ثاني مثل هذه الجيئة، ما زايره أحد على هذا المستوى، فهو يضبط ما دار في هذه القصة، ولذلك تسمعون بعض الطلاب يذكر عن وقائع حصلت له مع بعض الأشخاص؛ لأنهم كبار في نفسه، بينما يمر عليه مسائل وقضايا أهم من هذه القضية فينساها؛ لأن الطرف فيها ليس أثره مثل أثر ذاك. "قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز" والهاء والهمز تتقارضان، الأزيز والهزيز بمعنى واحد، وأريقت وأهريقت أريقوا وأهريقوا لا فرق بينها.

стр. 95

"هزيز كهزيز المرجل" ولا شك أن المرجل القدر الذي فيه الماء يفور على النار يهتز، له هزيز، وله أزيز، له صوت ينبع منه، كهزيز المرجل، لتأثرهم بالقرآن، وهؤلاء الذين لم يروا النبي ﵊ الذين هذه صفتهم هؤلاء من التابعين الذين هؤلاء صفتهم، إذا جاءهم من رأى النبي ﵊ مدوا أعناقهم إليه، قال: "فإذا رأوكم مدوا أعناقهم إليكم" يتطاولون ليروكم، هؤلاء صحابة رسول الله ﷺ "مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ " لأن هؤلاء إذا حدثتموهم حفظوا وحرصوا على الحفظ، ولن يفرطوا بشيء مما سمعوه منكم؛ لأنكم أصحاب محمد ﷺ ، وكثير من المسلمين في سائر الأقطار يتطلع إلى المسلمين في هذه البلاد على أنهم أبناء الصحابة، فإذا أسلم المسلم الجديد، أو جاء التائب من تلك البلاد، أو جاء الزائر ليرى ما لم يكن يراه في بلاده، أو غيرها من بلاد المسلمين، ويتوقع أن الأمر على ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه، يأتي ليرى المجتمع المحمدي الذي لم يغير ولم يبدل، ثم إذا نزل المطار أي مطار سواء كان في يعني من مطارات هذه البلاد، ورأى ما رأى اختلفت عليه الصورة، وتغيرت حساباته، وبعضهم قد يصاب بصدمة، وبعضهم قد ينتكس بسبب تصرفات بعض الناس، ولا شك أنه هو المسئول الأول عن تصرفه، يعني قد يقال مثلاً: هل هذا معذور حينما انتكس لما رأى من مخالفات الناس؟ أبداً، هو المسئول الأول عن تصرفاته؛ لأنه هو المباشر لها، والمتسبب لذلك، لا يسلم عن مسئولية، فلا بد أن يكون على قدر يناسب المقام الذي يتوقع منه، فلا يكون سبباً في صد الناس عن دين الله، على الناس أن يلتزموا، أن يكونوا دعاة خير بأفعالهم قبل أقوالهم. وعلى كل حال من انتكس بهذا السبب فهو المباشر لهذه الانتكاسة، فهو المسئول الأول عنها؛ لأن بعض الناس يحصل له موقف ثم يجعل التبعة على صاحب الموقف.

стр. 96

يأتي وقد ناهز الاحتلام وقاربه ليصف قرب الإمام ثم يأتي شخص كبير السن فيطرده، يصاب بردة فعل فلا يحضر إلى المسجد بعد ذلك، من المسئول عن هذا التصرف؟ هذا الشخص الكبير السن الذي طرده هذا متسبب، لكن هو المباشر لهذه الانتكاسة، فهو المسئول الأول، وذاك عليه أيضاً نصيبه، لكن لا يبرأ هذا من العهدة باعتبار أنه هو مكلف، وعليه أن ينظر في أوامر الشرع بغض النظر عن من يطبقها أو لا يطبقها. شخص ماشي في حلقة تحفيظ مثلاً وحصل له مشكلة مع المدرس، أو مع بعض الطلاب ثم ترك، من المسئول عن تركه الحفظ؟ هو المسئول عن نفسه، لكن كون الإنسان يكون سبباً في مثل هذه القضايا لا يسلم من التبعة، لكن مع ذلك المسئول الأول هو الشخص نفسه الذي باشر الترك، وباشر هذه الانتكاسة. "رأوكم مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد ﷺ " وأهل هذه البلاد ينظر إليهم على أنهم أولاد الصحابة، فعليهم أن يكونوا على قدر هذه المسئولية، وألا يكونوا سبباً لصد الناس عن دين الله؛ لأن كثير من الناس في الأقطار والأقاليم البعيدة يأتون بهذا التصور، ثم يصابون بما يصابون به إذا وصلوا.

стр. 97

"فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ " ما دام يمدون أعناقهم إليكم، ويتشوفون لرؤيتكم ومجالستكم، ويقولون: هؤلاء أصحاب محمد ﵊ فإنهم متهيئون للحفظ عنكم في جميع ما تتكلمون به، في الحديث وغير الحديث، يقول: فأكثروا من غير الحديث لأن الخلل فيه أمره يسير، لكن الإشكال في الرواية عن النبي ﵊ أقلوا منها "فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ثم أنا شريككم" أنا شريككم في أي شيء؟ في الإقلال، يعني إن كان هذا الإقلال يترتب عليه إثم كتمان فأنا شريككم في هذا الإثم، إن ترتب عليه إثم كتمان، وهو يجزم بأنه ليس هناك كتمان، بل إن الأحاديث تصل إلى هؤلاء ووصلتهم، لكن هذا فيه الاحتياط للسنة، وهل هذا قريب من قول الله -جل وعلا-: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ [(٢٥) سورة النحل] هذا ليس بضلال، بل هو نفع وأجر محض له شركته منه؛ لأنه يتحرى ويتوقى في الحديث عن النبي ﵊، والحديث كما قلنا ضعيف بسبب ضعف مجالد. قال: ﵀: "حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد قال: صحبت سعد بن مالك" من سعد بن مالك؟ سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري "صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ بحديث واحد" كل هذا سببه التحري والتوقي وخشية أن يقع أو يصدر من لسانه أو في كلامه ما لم يقله النبي ﵊، وعلى هذا ينبغي على طالب العلم ألا يتساهل في هذا الأمر، وأن يكون شديد التحري، شديد التوقي لما ينسبه إلى الله ورسوله، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 98

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٥) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير هذا يقول: ذكر السيوطي في تدريب الراوي في أثناء كلامه عن تعقبه لموضوعات ابن الجوزي، قال: ومنها -يعني الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي صحيحة- ما هو في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، وهو حديث ابن عمر: ((كيف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم؟! )) وهذا الحديث أورده الديلمي في مسند الفردوس، وعزاه إلى البخاري، وذكر سنده إلى ابن عمر، ورأيت بخط الحافظ العراقي أنه ليس في الرواية المشهورة، وأن المزي ذكر أنه في رواية حماد بن شاكر. انتهى المقصود من كلامه ﵀. يقول: نرجو من فضيلتكم توضيح هذا الكلام، والمقصود برواية حماد بن شاكر، مع العلم أني بحثت عن هذا الحديث في البخاري فلم أجده، والحديث رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وعبد بن حميد، وذكره البغوي في التفسير، وأورده ابن كثير في تفسيره من طريق ابن أبي حاتم، وقال: هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف. انتهى. وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي وابن عساكر، قال: بسند ضعيف، وقال الشوكاني في فتح القدير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة؛ لمخالفته لما كان عليه النبي ﵊، فقد كان يعطي نساءه قوت العام، كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة. ا. هـ. قال الحافظ في فتح الباري: "وقد ورد في الادخار كان يدخر لأهله قوت سنة، وفي رواية: كان لا يدخر لغد، والأول في الصحيحين، والثاني في مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه، ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة الناس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة. والله أعلم. وصلى الله على محمد ...

стр. 99

هذا الحديث الذي أورده، ونسبه إلى البخاري في رواية حماد بن شاكر أولاً: المراد برواية حماد بن شاكر كما تعلمون الصحيح سمعه من مؤلفه ما يزيد على تسعين ألفاً، كلهم سمعوه من الإمام البخاري، لكن الروايات التي بقيت وحفظت ودونت ورويت عمن رواها عن البخاري قليلة يعني بالنسبة لهذا العدد، وهي كثيرة بالنسبة لروايات الكتب الأخرى، فإذا قرأتم في الشروح قرأتم في رواية أبي ذر، رواية النسفي، رواية ابن عساكر، رواية كريمة، في رواية حماد بن شاكر، رواية الكشميهني، وغيرها من الروايات، رواية أبي الوقت، روايات كثيرة للصحيح. من هذه الروايات: رواية حماد بن شاكر، وهذه الرواية فيما يذكر أنها أقل الروايات، تنقص عن غيرها بمقدار ثلاثمائة حديث، فهذه الرواية رواية من الروايات، وإذا وجد فيها هذا الحديث كما في حديث: "كانت الكلاب تغدو وتروح في مسجد رسول الله ﷺ " في بعض الروايات روايات الصحيح: "وتبول" هذه رواية من روايات الصحيح "وتبول" ففي بعض الروايات ما لا يوجد في بعض في الكلمات في الأحاديث من الزيادة والنقصان، لكن الأمر كما تعلمون الأئمة يؤلفون الكتاب ويملونه على طلابهم وتلاميذهم فقد يزيدون فيه، وقد ينقصون، ثم يكون عند هذا ما ليس عند هذا ... إلى آخره، فرواية حماد بن شاكر من الروايات المعروفة للصحيح، لكنها كما قالوا: إنها تنقص عن غيرها من الروايات، وقد يكون في هذا الحديث زيادة. طالب:. . . . . . . . . طيب هنا يقول: وهو حديث ابن عمر، قال: ((كيف بك يا ابن عمر؟ )) أو يا ابن عمرو. طالب:. . . . . . . . . أو يا ابن عمرو ما يفرق، الإشكال في معارضته لما صح عنه ﵊ أنه كان يدخر قوت أهله سنة. طالب:. . . . . . . . . وين؟ طالب:. . . . . . . . . ((إذا عمرت بين قوم يخبئون)) ويش هو؟ المقصود أن هذا أنا أحفظه من السيوطي منذ أزمان طويلة، أعرف هذا أنا، هذا ذكره السيوطي، المقصود أننا نتعامل مع هذا النص هو صحيح وإلا ما هو بصحيح؟ وإذا كان صحيحاً كيف يوفق بينه وبين غيره؟

стр. 100

هذا الآن ما هو موجود في البخاري، ولا يمكن أن يستدل به، نعم نقلب الروايات الصحيحة المشهورة المعتبرة بين الناس ما في، المقصود أن هذا إذا صح فلا معارضة بينه وبين كونه ﵊ يدخر قوت عياله لمدة سنة، ويقول: ((كيف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم؟! )) يعني إذا كان الناس كلهم على حد سواءً يخبئون رزق سنتهم، أما كونه يوجد في الناس أغنياء، ويوجد في الناس فقراء، ويوجد في الناس من يدخر سنة، ويوجد في الناس من يدخر شهر، ومنهم من يدخر يوم أو يومين أو ثلاثة، ومنهم من لا يجد شيئاً هذا طبيعي، هذا عادي، ما فيه إشكال، لكن كون الناس كلهم يدخرون الرزق لمدة سنة هذا لا يحدث إلا في آخر الزمان، وهذا هو المقصود بالحديث. طالب:. . . . . . . . . المقصود الآن ذكره السيوطي كيف نتعامل معه؟ وهل أقررنا السيوطي على ما ذكر؟ لذلك ما نذكر أنه في البخاري، لكن نقول: إن السيوطي ذكر، وإذا أتممت البحث نقرأه على الإخوان، أعانك الله. أنا أقول: لو صح هذا الخبر ما فيه أدنى معارضة لكونه ﵊ كان يدخر لأهله قوت سنة؛ لأنه يقول: ((كيف بك إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم؟! )) قوم جميع القوم يدخرون قوت سنتهم، وهذا لا يكون إلا في آخر الزمان حينما يعرض المال على الناس فلا يجد من يقبله، يعني إذا كان الناس كلهم على حد سواء يدخرون قوت سنة هذا في آخر الزمان، أما كون بعض الناس يدخر سنة، وقد يدخر عشر سنوات، ويستطيع أن يدخر مائة سنة، قوت مائة سنة، يستطيع بعض الناس اليوم يستطيع، لكن هل جميع الناس يستطيعون الادخار؟ ألا يوجد فقراء لا يجدون قوت يومهم؟ يوجد، وعلى كل حال تتمة البحث -إن شاء الله- إذا أحضرت ما عندك. يقول: بينتم الطريقة المثلى في التفقه من كتب السنة، فهل يراجع في هذا الشروح أيضاً أم أنه يقتصر على المتون؟ يراجع الشروح في حال الحاجة الماسة إذا كان بيان المعنى لا يستقيم لطالب العلم إلا بمراجعة الشروح، وأما إذا استقام المعنى فيقتصر على ذكر المتون في العرضة الأولى، ثم إذا تم العمل يراجع أيضاً عليها الشروح، ولا يطال أيضاً في مسألة الشروح؛ لأنها تحتاج إلى أزمان، الشروح طويلة.

стр. 101

يقول: ما مقصود ابن عباس وغيره من الرواة ﵃ في قولهم: "فأما إذا ركبتم الصعب والذلول"؟ يعني ركبتم كل مرتكب، ركبتم كل ما يرتكب، وسلكتم المسالك السهلة والمسالك الصعبة، وأجلبتم على التحديث بكل ما تستطيعون فحينئذٍ يتوقى ويتوقف، وفي هذه العصور كل شيء يسلك، كل الوسائل تسلك، ويسلك في هذه الأيام ما لم يسلك قبل، فالوسائل تعددت في التحديث، تجد الشخص الواحد يتحدث في آنٍ واحد على ملايين البشر، ومن خلال قنوات متعددة، وفي أحاديث مختلفة، تجده يبث له في هذه القناة كلام، وفي الثانية كلام، وفي الصحيفة يكتب كلام، وفي الإذاعة يتكلم بكلام وهو شخص واحد، فتيسر من الوسائل ما لم يتسير من ذي قبل، وعلى كل حال الواجب على الإنسان أن يبذل كما أنه يجب عليه أن يحتاط، والله المستعان. سم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين. قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، المعروف بابن ماجه -رحمه الله تعالى-: باب: التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالوا: حدثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالا: حدثنا شريك عن منصور عن ربعي بن حراش عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكذبوا علي، فإن الكذب علي يولج النار)). حدثنا محمد بن رمح المصري قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي -حسبته قال: متعمداً- فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا هشيم عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).

стр. 102

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تقول عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن يعلى التيمي عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: ((إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال عليّ فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقول عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار قالا: حدثنا غندر محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير بن العوام: "ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما أسمع ابن مسعود وفلاناً وفلاناً؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة يقول: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن مطرف عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)). الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب: التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ وهذا مر نظيره في درسي صحيح مسلم والألفية، فكلاهما مر فيه هذا الكلام، لكن يجمل الكلام في هذا الباب؛ لأنه مر بشيء من التفصيل في الألفية وصحيح مسلم. قال ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى أربعتهم" روى عنهم المؤلف -رحمه الله تعالى- "قالوا: حدثنا شريك" شريك بن عبد الله بن أبي نمر النخعي القاضي، متكلم فيه، وحديثه لا ينزل عن درجة القبول، وإن لم يكن في أعلى درجات الصحيح، فحديثه حسن "عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ".

стр. 103

وهذا الحديث بهذا اللفظ متواتر عن النبي ﷺ ، فقد رواه عنه أكثر من ستين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة، ورواه عن كل صحابي جماعة، فطرقه لا تكاد تحصى، ولذا حكم العلماء بأنه متواتر لفظاً ومعنى، والمتواتر حينما يذكره أهل العلم وإن لم يكن من مباحث علوم الحديث وإنما هو من مباحث الأصول إلا أن معرفته تفيد طالب العلم، لا يعني أن كون المتواتر ليس من مباحث أهل الحديث، وأنه من مباحث الفقهاء والأصوليين أن هذا قدح في هذا الفن من أنواع علوم الحديث، وهذا الفن استعمله أهل العلم، جاء على ألسنة أهل العلم الذين هم أشد غيرة على السنة ممن تكلم في هذه الأنواع، فمن يتكلم في هذا الأنواع ويقول: إن المتواتر لا وجود له في كلام أهل العلم، في كلام المحدثين، وإنما وجد في كلام المخالفين ليقسموا الكلام إلى متواتر وآحاد، فيردوا الآحاد في باب العقائد، نقول: إذا أمنت هذه الفتنة وهذه الشبهة فلا مانع من تقسيم الكلام إلى متواتر وآحاد، والآحاد إذا صح إلى النبي ﵊ فالإجماع قائم عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم على أنه حجة في جميع أبواب الدين حتى العقائد، وأنه لا يرده إلا مبتدع، فإذا أمنا من هذه الشبهة، ووجدنا هذا الكلام أعني المتواتر والآحاد في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكلام شيوخنا قاطبة وشيوخهم وأئمة الدعوة كلهم يقولون بتقسيم الكلام إلى متواتر وآحاد، أما كونه يندر وجوده في كلام أهل الحديث وليس من مباحثهم؛ لأن هذا النوع من الأخبار لا يدخل تحت صناعتهم؛ لأنهم يبحثون في علوم الحديث وفي صناعتهم ما يمكن أن يثبت، وما يمكن أن ينفى، فيثبتونه من خلال صحة سنده، وينفونه من خلال ضعفه، وأما المتواتر فلا يحتاج إلى بحث، فإذا بلغت رواته من الكثرة الكاثرة بحيث لا يحصرون، وأمن تواطئهم على الكذب، فأحالت العادة أن يتواطئوا على الكذب فإنه حينئذٍ ولو كان رواته فساقاً بل كفاراً فإن العمل به لازم، وليس للإنسان خيرة في أن يعمل أو لا يعمل، مجرد ما يسمع الخبر يصدقه تلقائياً، ولذا أي خبر مستفيض متواتر يعني يأتي بطرق متعددة متباينة لا يحتمل توطئهم الكذب فإن هذا الإنسان ملزم بقبوله،

стр. 104

فكل واحد منا يؤمن بأن هناك بلد يقال لها: بغداد، وأن هناك جواد يقال له: حاتم، وهكذا كما أننا نؤمن بإيمان الصديق، وشجاعة علي، إلى غير ذلك من الأخبار التي لا خيرة لنا في قبولها، الإنسان لا يتردد في قبول مثل هذه الأخبار؛ لأنها وردت إليه بطرق ملزمة، ومنتشرة انتشاراًَ لا يستطيع، ولا يستطيع ولا المكابرة أن يرد مثل هذا، هل على وجه الأرض من يقول: إنه لا يوجد بغداد، أو لا توجد مكة، أو لا توجد المدينة وإن لم يكن دخلها؟ فهذه بلغته بأخبار كثيرة جداً، وصلت إلى هذا الحد الموجب للعلم الضروري الذي لا يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه، فهذا الحديث متواتر بلفظه ومعناه، ولذا يقول التاودي ابن سودة مغربي: مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب "قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً)) " الكذب مصدر كذب يكذب كَذِباً وكِذْباً وكِذَاباً وكِذّاباً، ولا مانع من إعادة بعض الكلام الذي قيل في درس الفجر اليوم في الكتابين وفي درس الأمس، لا مانع من إعادته؛ لأن تسجيل هذا الدرس غير تسجيل الدرس الماضي، فلا يكتفى بما تقدم؛ لأن حفظ شرح هذه الأحاديث لا يقترن بشرح الدروس الأخرى، فالذي يستمع لأحاديث ابن ماجه يمكن ما يستمع لأحاديث مسلم وهكذا مقدمة مسلم ولا لألفية العراقي، وإلا مباحث متداخلة بين الكتب الثلاثة. فالكذب مصدر وهو نقيض الصدق، والكذب في اللغة مصدر كذب يكذب كذباً وكذباً وكذاباً وكذاباً، وهو نقيض الصدق، والإخبار عن الشيء على خلاف ما هو في الواقع، على خلاف واقعه، وأما الصدق فهو الإخبار عن الشيء على وفق الواقع، وهما نقيضان فلا واسطة بينهما خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن هناك كلام ليس بصدق ولا كذب، ويستدلون بقول الله ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [(٨) سورة سبأ] فجعل المقابل للكذب ليس هو الصدق إنما هو كون الإنسان مجنون، جعلوا الجنون مقابل الكذب، وفصلنا الكلام في هذا في الدرسين الماضيين، في درس مسلم وفي الألفية.

стр. 105

((من كذب عليّ متعمداً)) ((عليّ)) تمسك بها من أجاز الكذب نصراً للحق، ودعوة إليه، وترغيباً فيه، وقالوا: إن النبي ﵊ قال: ((من كذب عليّ)) ولم يقل: من كذب لي، ونحن نكذب له لا عليه، فأجازوا وضع الحديث في الترغيب وفي الفضائل، وقالوا: إن الناس اشتغلوا في فقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق عن القرآن، فوضعوا أحاديث يرغبون فيها الناس بفضل القرآن وقراءة القرآن حسبةً على حد زعمهم، وأنهم كذبوا له لا عليه، وهذا قول في غاية السخف والسقوط، فالدين كامل ليس بحاجة إلى ترويج، وليس بحاجة إلى دعاية، ففي ما صح في كتاب الله وسنة نبيه ﵊ غنية للمسلم ولو عمل بكل ما ورده مما صح لشغل وقته به، ولاستغنى به عما لم يصح. ((من كذب عليّ متعمداً)) يستدلون أيضاً برواية: ((ليضل الناس)) فقالوا: ما قصدنا إضلال الناس، وهذه الرواية ضعيفة، بل حكم بعضهم ببطلانها، ولو قدر ثبوتها لقلنا: إن اللام ليست للتعليل، وإنما هي لام العاقبة والصيرورة، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [(٨) سورة القصص] فهم ما اتخذوه، ما اتخذه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، إنما اتخذوه رجاء الانتفاع به، لكن صارت العاقبة أن صار عدواً لهم، وحزناً عليهم. ((من كذب عليّ متعمداً)) هذا القيد يترتب عليه هذا الإثم العظيم ((فليتبوأ مقعده من النار)) دليل على أن من كذب من غير عمد أنه لا يستحق هذا العقاب؛ لأن المخطئ والناسي معذور ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] لكن هل يعذر الجهل؟ هل يعذر بالجهل في مثل هذا؟ للجاهل أن يتحدث بما شاء؟ له نصيبه من الباب الثاني ((من حدث عني بحديث وهو -يُرى أو- يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) لا يعذر في حديثه عن النبي ﵊ ولو كان جاهلاً، لكن إن أخطأ أو سبق لسانه، أو سها وندم على ذلك وصحح هذا لا إثم عليه؛ لأن الإثم المذكور في الحديث مقيد بالتعمد ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) فليتخذ مباءة ومنزلاً من النار -نسأل الله السلامة والعافية-. وعلى كل حال الحديث سنده حسن، ومتنه متواتر لا إشكال فيه.

стр. 106

قال بعد ذلك: "حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالا: حدثنا شريك عن منصور" وشريك هو شريك السابق، والحديث بسببه حسن "عن منصور" بن المعتمر "عن ربعي بن حراش" بالحاء المهملة، وإن ضبطه المنذري في مختصر سنن أبي داود بالخاء المعجمة، لكن الأئمة كلهم على أنه بالحاء، "عن ربعي بن حراش عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكذبوا علي فإن الكذب علي يولج النار)) " يعني يدخل النار، فهو سبب لدخول النار، ومع ذلك عامة أهل العلم على أن من تعمد الكذب على النبي ﵊ أنه لا يكفر، بل هي هفوة عظيمة، وزلة وموبقة من الموبقات، لكنه ليس بكافر خلافاً لما يقوله الجويني والد إمام الحرمين فهو يقول: يكفر، وابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ الذهبي في الكبائر يقول: "لا شك أن من كذب على الله ورسوله في تحليل حرام، أو تحريم حلال فإنه كفر محض" هكذا قال، وعامة أهل العلم على أن من كذب على الله وعلى رسوله ما لم يستحل الكذب أنه لا يكفر، ثم إن تعمد الكذب جُرح به، وردت جميع أخباره السابقة واللاحقة، ثم بعد ذلك إن ندم وتاب وأقلع وعزم على ألا يعود تاب توبة نصوحاً فإنه تقبل توبته يعني في الآخرة، في الآخرة تقبل توبته لأن التوبة من الكذب على النبي ﵊ ليست بأعظم من الشرك، التوبة تهدم ما كان قبلها، لكن هل تنفعه هذه التوبة في الدنيا، بمعنى أنه تقبل وراياته بعد ذلك؟ من أهل العلم من يقول: إنها لا تقبل، بل يستمر تركه وترك حديثه، ومنهم من يقول: إنه ليس بأعظم من الشرك، فالمشرك والكافر إذا أسلم تقبل توبته، وتقبل روايته. ((فإن الكذب علي يولج النار)) يعني يدخل النار، يعني من أسباب دخول النار، وقد يكون هذا السبب معارض بمانع، إنما هو وعيد من الله -جل وعلا-، وقد يتحقق هذا الوعيد وقد لا يتحقق، لكنه على خطر عظيم ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(١١٦) سورة النساء] فهو تحت المشيئة كسائر الكبائر.

стр. 107

قال بعد هذا: "حدثنا محمد بن رمح المصري قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي -حسبته قال: متعمداً- فليتبوأ مقعده من النار)) " وهذه الكلمة التي جاءت على سبيل التردد هنا جاءت مجزوماً بها في حديث جمع غفير من الصحابة، فهذا التردد لا يقدح فيها، فاشتراط التعمد في الكذب إنما هو لثبوت الإثم والوعد والوعيد الذي رتب عليه هذا، وأما تسميته كذب فإن هذه اللفظة تدل على أن ما لم يقصد وما لم يتعمد يسمى كذب، ولو كان الكذب خاص بالعمد لما احتيج إلى هذه الكلمة، اكتفي بقوله: ((من كذب علي ... فليتبوأ مقعده من النار)) لما قيد الكذب بالعمد الكذب الذي يدخل النار، ويكون سبباً لدخول النار، والذي توعد عليه بالنار هو التعمد، دل على أن هناك كذب ليس عن عمد ولا يترتب عليه هذا الوعيد، هذا يستدل به على أن الكذب يشمل جميع الكلام الذي لا يطابق الواقع، سواءً كان صاحبه قد تعمد ذلك أو أخطأ فيه، أو نسي أو ما أشبه ذلك، فإنه كذب ولو لم يترتب عليه هذا الوعيد. ثم قال بعد ذلك -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا هشيم عن أبي الزبير عن جابر" هشيم بن بشير الواسطي ثقة من رجال الصحيح، لكنه مدلس، وروى هنا بالعنعنة. "وفي الصحيح عدة" يعني من المدلسين. وفي الصحيح عدة كالأعمشِ ... وكهشيم بعده وفتشِ

стр. 108

"عن أبي الزبير" محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو أيضاً معروف بالتدليس، قال: عن جابر، ففي الخبر مدلسان حدثا بالعنعنة، فالخبر بسببهما فيه مقال، وإن كان المتن صحيحاً متواتراً من غير هذا الطريق، فعندنا هشيم، وعندنا أبو الزبير من رواة الصحيح، ورويا بالعنعنة، وخرج لهما في الصحيح بالعنعنة، وعنعنات المدلسين في الصحيحين محمولة على الاتصال، فلا كلام فيها لأحد، أحاديث الصحيحين التي فيها بعض المدلسين ورووا بالعنعنة؛ لأنها فتشت ووجد لها طرق صرح فيها بالتحديث، وتحسيناًَ للظن بالشيخين واعتباراً لتلقي الأمة لهذين الكتابين بالقبول، فلا شك أن ما جاء في الصحيحين لا يحتاج أن يبحث فيه، ولا يطعن بسبب عنعنة مدلس، وهنا خارج الصحيحين لا مانع من أن يطلب التصريح، وأن يرد الخبر إذا لم يصرح مدلس لا سيما إذا كان من الطبقة الثالثة، من طبقات المدلسين إذا كان من الثالثة فإنه لا بد أن يصرح بالتحديث، فالطبقة الأولى من لم يدلس إلا نادراً، يعني في جنب روايته، وهذا النادر وجوده كعدمه، الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه لإمامته كالسفيانين، وهذا لا يحتاج أن يصرح، أما من أكثر من التدليس ودلس عن ثقة وغير ثقة فإنه لا بد أن يصرح بالتحديث، كما هنا أبو الزبير من الطبقة الثالثة، وأما الطبقة الرابعة من المدلسين فإنهم الذين يدلسون ويكثرون منه عن الضعفاء وعن الثقات، أو جرحوا بغير التدليس، فإن هؤلاء ولو صرحوا بالتحديث.

стр. 109

"عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) " وأنتم سمعتم هذه الأحاديث عن جمع من الصحابة بهذا اللفظ، ولذا يمثل به أهل العلم للمتواتر لفظاً ومعنى، ويمثل به شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، في مواضع من كتبه يمثل بهذا الحديث للمتواتر لفظاً ومعنى، ومثل للتواتر المعنوي في كل كتاب بحسب ما يبحث فيه هذا الكتاب، تجده إذا كان المسألة في الحوض قال: أحاديث الحوض متواترة، وإذا كانت المسألة في الميزان قال: أحاديث الميزان متواترة، إذا كان المسألة في الرد على المبتدعة ذكر الأحاديث وقال: إنها متواترة في المسائل التي يبحث فيها، وفي منهاج السنة يذكر أن فضائل الشيخين أبي بكر وعمر متواترة، يعني تواتراً معنوياً لا لفظياً، أما التواتر اللفظي فمثاله هذا. بعضهم يضيف إلى النوعين أعني التواتر اللفظي والمعنوي تواتر العمل والتوارث، وتواتر الطبقة، تواتر العمل والتوارث كأعداد الصلوات، أعداد الصلوات لو بحثت في أسانيدها ما وجدت في هذه الأسانيد ما يصل إلى حد التواتر، لكن تواتر العمل والتوارث منذ زمن النبوة إلى يومنا هذا وصلاة الظهر أربع ركعات، وغيرها من أعداد الصلوات بحيث لو قال أحد: إن صلاة الظهر ثلاث ركعات يحكم بكفره؛ لأنه خالف القطعي المتواتر تواتراً عملياً، وكذلك تواتر الطبقة، فالقرآن الكريم متواتر بإجماع الصحابة عليه، واتفاقهم على ما بين الدفتين، وأيضاً بالطبقة، فالنبي ﵊ بلغه عن طريق جبريل، وعارضه به في كل ليلة من ليالي رمضان حتى أتمه الله في آخر حياة النبي ﵊، ثم الصحابة تلقوه عن النبي ﵊، والتابعون تلقوه عن الصحابة، وهكذا تابعوهم وتابعو تابعيهم إلى يومنا هذا.

стр. 110

قال ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تَقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) " وهذا أيضاً إسناده حسن لما في محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي هذا في حفظه مقال لأهل العلم، وحديثه حسن، لا ينزل عن الحسن لذاته، وصححه بعضهم، وعلى كل حال التوسط في أمره لما قيل في حفظه أن حديثه من قبيل الحسن، ومثل الحافظ العراقي بالصحيح لغيره بحديثه، فقال: والحسن المعروف بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن (لولا أن أشق) إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري محمد بن عمرو هذا الذي معنا، حديثه حسن توبع عليه فارتقى إلى الصحيح، وهذا الإسناد وإن كان حسناً إلا أن المتن صحيح، بل متواتر. "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة" الصحابي الجليل، حافظ الأمة على الإطلاق "قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تَقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) " قد يقول قائل: إن الأحاديث كيف نقول: إنها متواترة لفظاً ومعنىً وفي بعضها ((لا تكذبوا علي فإن الكذب)) وبعضها: ((من كذب علي)) حسبته قال، ((من كذب علي متعمداً)) ((من تقول علي ما لم أقل)) هذه معناها واحد، لكن ألفاظها مختلفة، فكيف نقول: إنها متواترة لفظاً ومعنى؟ نقول: إنه بهذا اللفظ: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) متواتر، والألفاظ الأخرى قدر زائد على هذا التواتر. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن يعلى" التيمي "عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب" وهذا الحديث مروي من طريق محمد بن إسحاق إمام في المغازي، لكنه بالنسبة للحديث أعدل ما يقال فيه: إنه صدوق يدلس، صدوق يعني حديثه من قبيل الحسن، لا يرد ولا يحكم له بأعلى درجات الصحة، بل هو حسن، ومع ذلك هو مدلس، وحدث بالعنعنة هنا، لكنه في مسند أحمد صرح بالسماع، وعلى هذا يكون الخبر حسن إلا أن متنه كما تقدم متواتر.
следующие страницы →