Полный текст (299 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
استدلالهم بقول عمر ﵁: "نعمت البدعة" هذا دليل ليس في محله؛ لأن عمر ﵁ لم يقصد البدعة الشرعية؛ لأن هذا العمل سبق له شرعية من فعل النبي ﵊، هذا العمل وهو صلاة قيام رمضان جماعة فعله النبي ﵊ ليلتين أو ثلاث ثم تركه لا نسخاً له ولا رغبة عنه، وإنما خشية أن يفرض، فلما أمن فرضية هذه العبادة أمنت لأنه لو فرضت ما أطاقها الناس ولعجزوا عنها، فلما أمنت بوفاته ﵊ أعادها عمر، فهو يعمل بشرع سابق، وحينئذٍ لا يسمى بدعة لأنه سبق له شرعية من السنة، فلا يريد البدعة الشرعية قطعاً؛ لأنه لا يتصور من عمر أنه يبتدع في دين الله وقد أمرنا بالعمل بسنته ﵁ وأرضاه-.
شيخ الإسلام يرى أنها بدعة لغوية، تعريف البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، وهذه الفعلة أعني جمع الناس على إمام واحد له مثال سبق في عهد النبي ﵊ فليس ببدعة لغوية، والشاطبي يقول: مجاز، وأيضاً عند من ينفي المجاز لا يقول بهذا، فماذا يقول من ينفي المجاز؟ يقول: عمر -رضي الله تعالى عنه- تصور أن قائلاً سوف يقول له: ابتدعت يا عمر، فقال ﵁ وأرضاه-: نعمت البدعة هذه على سبيل المشاكلة والمجانسة في التعبير، مشاكلة ومجانسة في التعبير، لا إرادة حقيقة البدعة، المشاكلة نوع من أنواع البديع، بخلاف المجاز الذي هو من علم البيان، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 142
هذا مقرر عند أهل العلم، لكن الكلام إجمالي، لا نريد أن ندخل في تفصيلات، أمامنا نص يقول: ((فإن كل بدعة ضلالة)) نعم ((كل بدعة ضلالة)) لكن إذا كان الوقت أو الوصف من لازم عمل السلف الصالح نحكم عليه بأنه بدعة؟ ما نحكم بأنه بدعة، ولو قال أهل العلم مثل هذا، لكن هم يقررون مسائل أصول العلم أو أصول هذه المسألة، ثم تفاصيلها انظر هل له أصل أو لا أصل له؟ فإن كان من عملهم، من عمل السلف أو من لازم عملهم كما قررنا في ختم القرآن في يوم معين، ما دام الرسول ﵊ يقول: ((اقرأ القرآن في سبع)) وأيام الأسبوع سبعة يبي يختلف يوم الختم؟ لن يختلف يوم الختم؛ لأن الأسباع التي حزبت وقسم عليها القرآن تدور مع الأيام، كل يوم في حزبه المعين، فلا يلزم من ذلك أن يكون بدعة لأنه من لازم عملهم.
إذاً قول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "نعمت البدعة" إنما هو من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، وأهل البلاغة وأهل البديع يقررون أن المجانسة لا يلزم فيها أن يكون اللفظ مذكوراً، وإنما يقولون: حقيقة -يعني مذكور لفظ مجانس حقيقة- أو تقديراً، فإذا خشي الإنسان أن يقال له: فعلت كذا؟ قال: نعم فعلت، ابتدعت يا عمر؟ نعمت البدعة، ويش المانع؟ يعني على سبيل التنزل، والأمثلة على ذلك كثيرة، وبسطنا هذه المسألة في مناسبات فلا داعي لإعادتها.
стр. 143
قال ﵀ بعد ذلك: "حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي" عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي هذا قالوا عنه: إنه صدوق، فحديثه حسن "أنه سمع العرباض بن سارية يقول" الحديث بهذا الإسناد حسن "يقول: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة" يعني كما تقدم في الخبر السابق "ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: ((قد تركتكم على البيضاء)) " وهذا تقدم على الملة البيضاء، الطريق والمحجة البيضاء التي ((ليلها كنهارها)) يعني لا يمكن أن يرد معها شبهة لا حل لها إلا عند من خالف أو قصر، فالدين واضح -ولله الحمد-، ولا خفاء فيه ولا غبش ولا لبس، لكن بعض الناس يؤتى من قبل نفسه، إما أن يقصر في تعلم الدين، أو يسلك غير سبيل المؤمنين، ولو كان هذا السلوك جزئياً فإنه يدخل عليه الخلل بقدره.
((تركتكم على البيضاء ليلكها كنهارها)) لا يختلف فيها الأمر، فهي واضحة جلية ((لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)) وقد حصل كما أخبر النبي ﵊ ((فعليكم بما عرفتم من سنتي)) أما ما أنكرتموه فتوقفوا فيه، فإن كنتم من أهل العلم والنظر والتأهل للوصول إلى الصحيح من الضعيف بأنفسكم فهذا فرضكم، فابحثوا وتأكدوا، فإن ثبت فاعملوا به، وإن لم يثبت فاجتنبوه، واطرحوه وألقوه ((بما عرفتم من سنتي)) وإن كنتم لستم من أهل النظر في هذا الباب، ولا تأهلتم لذلك، فاسألوا أهل العلم، هذه فريضة العامي ومن في حكمه يسألوا أهل العلم.
((فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة)) يعني بالسمع والطاعة ((وإن عبداً حبشياً)) وهذا تقدم ((فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)).
стр. 144
يعني سهل القياد، لا ينتصر لحظوظ نفسه ويعاند ويصر، لا، يتبع الحق حيثما انقيد حيثما قيد بالحق انقاد، كالجمل الأنف الذي يجعل الزمام في أنفه ويجر به، هذا الجمل الذي خرم أنفه، ووضع فيه القياد –الزمام- وقيد به لا يستطيع أن يخالف قائده، فعلى هذا المؤمن ينقاد حيثما قيد بالنصوص، لا أنه مغفل يجر حيثما أراد من أراد أن يجره، ويستهويه من حيث من أراد أن يجلبه إلى هواه، لا، المؤمن كيس فطن ومع ذلك سهل القياد، وقد جاء في الحديث: ((لينوا بأيدي إخوانكم)) ومن الناس من هو وإن انتسب إلى الإسلام من هو عسر الطبع، بحيث يكون معانداً في كل ما يؤمر به، كما قال بعضهم: السهل يوطأ، ولا شك أن الإنسان إذا دعي إلى الحق عليه أن يستجيب، وليس له خيرة، فينقاد لأمر الله وأمر رسوله، ومن يأمر بهما.
قال ﵀: "حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي قال: حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو" هو السلمي السابق "عن العرباض بن سارية قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ... فذكر نحوه" وهذا الحديث بطرقه الثلاثة يصل إلى درجة الصحيح، ومع ذلك هو مخرج في صحيح مسلم ومسند أحمد، لكننا نتعامل مع السنن، ولو كنا نشرح صحيح مسلم لما ساغ لنا أن نقول: صحيح، ما دام الحديث مخرج في مسلم لا يسوغ لنا أن نقول: صحيح، إنما نكتفي بقولنا: خرجه البخاري أو خرجه مسلم؛ لأن هذا علامة الصحة، وإذا كان الخبر في غيرهما فالأمر فيه سعة، إذا دُرس الإسناد وصارت النتيجة صحة الخبر يقال: صحيح، وإذا درس وصارت النتيجة الضعف يقال: ضعيف، الله المستعان، نعم.
باب: اجتناب البدع والجدل
стр. 145
حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ثم يقول: ((أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) وكان يقول: ((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)).
حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد قال: حدثنا أبي عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما هما اثنتان الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إن ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا وإياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر، ويقال للكاذب: كذب وفجر، ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)).
стр. 146
حدثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدثنا إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ويحيى بن حكيم قالا: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [(٧) سورة آل عمران] إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [(٧) سورة آل عمران] فقال: ((يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم)).
حدثنا علي بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا حوثرة بن محمد قال: حدثنا محمد بن بشر قالا: حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم تلا هذه الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [(٥٨) سورة الزخرف].
حدثنا داود بن سليمان العسكري قال: حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي قال: حدثنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجاً ولا عمرة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين)).
حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا بشر بن منصور الخياط عن أبي زيد عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)).
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب البدع والجدل
стр. 147
لما بين السنة المأثورة عن النبي ﵊ وعن صحابته من الخلفاء الراشدين، ذكر ما يخالف ذلك ويضاده، فذكر البدع والمحدثات والجدل الذي هو معارض للانقياد والتسليم، والمقصود به الجدل بالباطل ولنصر الباطل، وأما الجدل للوصول إلى الحق وللدعوة إليه فهذا مطلوب، ومأمور به ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [(١٢٥) سورة النحل] أما إذا كان الجدال للانتصار للنفس والرأي، أو لنصر الباطل فإن هذا محرم لا يجوز، وهو المنهي عنه.
قال: "حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه" جعفر بن محمد الصادق "عن أبيه" محمد بن علي الباقر "عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب" في أي مناسبة، كخطبة الجمعة مثلاً، "احمرت عيناه" لأنه كان ﵊ يتحمس في الخطب، وتحمر عيناه، ويعلو صوته، ويشتد غضبه، لما أمر به من تبليغ الدين، فهو يريد أن يؤخذ عنه، وليلفت أنظار السامعين، ويحملهم على سماع هذه الخطبة بهذه المؤثرات "احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه" غيرة لله ولدينه ولمحارمه، وحرصاً على نفع الأمة "واشتد غضبه كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم مساكم" صبحكم يعني جاءكم العدو صباحاً، ومساكم جاءكم العدو في المساء "ويقول ﵊: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) " بعثت أنا والساعةَ فالواو هذه للمعية، والساعة مفعول معه ((كهاتين)) عطف النسق هنا ممكن وإلا غير ممكن؟ هل يمكن أن أقول: بعثت أنا والساعةُ كهاتين، الفعل يمكن تسليطه على الأمرين؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني يكون معطوف على الضمير المتصل فيكون مرفوعاً، وهل الساعة تبعث؟ الفعل يصح تسليطه على الاثنين وإلا على واحد منهما؟ الساعة تبعث وإلا لا؟ يعني لو قلنا: بعثت أنا والساعةُ لصارت الساعة مبعوثة كبعثته ﵊، فهذا يضعف النسق
. . . . . . . . . ... والنصب مختارٌ لدى ضعف النسق
يعني لدى ضعف العطف.
стр. 148
" ((كهاتين)) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى" كهاتين، فيكون الباقي من عمر الدنيا بعد بعثته إلى قيام الساعة هو الفرق بينهما، الفرق بينهما كم؟ كم نسبته؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه لكن الفرق بقدر نصف السانتي هذا اللي هو الزيادة في الوسطى، أو يقال -كما استروح ومال إليه بعض الشراح- أنه قال بإصبعيه هكذا، فجعلهما ملتصقتين، يعني أن الساعة تأتي مباشرة بعد بعثته ﵊، أما من يقول بأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فيمكن أن يكون الفرق بينهما مثل القدر الزائد من الوسطى على السبابة، والذي يقول: إن عمر الدنيا ألوف مؤلفة من السنين بل ملايين يقول: إن بعثته وإن تأخرت الساعة فإن الساعة حينئذٍ وإن تأخرت إلا أنها في حكم الملاصقة لطول المدة.
"ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ثم يقول: ((أما بعد)) " وعرفنا أن الإتيان بـ (أما) بعد في الخطب والرسائل والمكاتبات سنة نبوية ثبتت عن أكثر من صحابياً عنه ﵊، وتكون بهذه الصيغة (أما بعد) بـ (أما) وضم بعد لأن المضاف إليه محذوف مع نيته، وأما شرط، وبعد قائم مقام الشرط، و ((فإن خير الحديث)) هذا جواب الشرط، وأما إبدال (أما) بالواو فهذا لا يتم به الامتثال، ولا تتأدى به السنية، بل لا بد أن يؤتى باللفظ النبوي، وإن كثر استعمال (وبعد) وذكرنا في مناسبات كثيرة أننا لسنا بحاجة إلى الإتيان بـ (ثم) في أول موضع، بل نقتصر على قولنا: (أما بعد) كما كان يفعله ﵊ وإن احتجنا (أما بعد) مرة ثانية قلنا: ثم، للعطف على الأولى إذا انتقلنا من أسلوب إلى آخر، ثم إلى ثالث وهكذا.
((أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) وسيأتي في الحديث الذي يليه: ((إنما هما اثنان الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله)) فالمراد بالأمور خير الأمور يعني المراد به الكلام، خير الكلام وخير الأمور كتاب الله، خير ما يتمسك به، ويعتصم به كتاب الله، وخير الهدي والطريقة هدي محمد ﷺ ، وضبطت في بعض الروايات: ((خير الهدى هدى محمد ﷺ )) خير الهدى يعني هدايته للخلق ودلالته وإرشاده إليه.
стр. 149
((هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها)) يعني ما يحدث في الدين هو شر أشر من جميع الشرور؛ لأن شر هذه أفعل تفضيل، شر جميع الأمور المحدثات في الدين ((وكل بدعة ضلالة)) وهذا سبق الحديث فيه.
"وكان يقول ﵊: ((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)) " وهذا الحديث صحيح، وهو في مسلم.
((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)) الذي يتركه من المال يكون لأهله، يقسم بين ورثته، ومن ترك ضيعاً مالاً أو ضياعاً ما يخشى عليه أن يضيع فعلي وإلي، فالدين يسدد من قبل بيت المال، وكذلك ما يخشى ضياعه يرعى من بيت المال، وهذا قاله النبي ﵊ في آخر الأمر لما وسع الله عليه، وكان قبل ذلك الدين يثبت في ذمة الميت إلى أن يضمن عنه، ويترك النبي ﵊ الصلاة على المدين حتى ضمن.
قال بعد ذلك: "حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون" المدني أبو عبيد "قال: حدثنا أبي" يعني عبيد بن ميمون المدني، وهذا قال عنه أبو حاتم: مجهول، والمجاهيل عند أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل لابنه يزيدون على ألف وخمسمائة، فمنهم من يقول أبو حاتم: مجهول ويسكت، ومنهم من يقول: لا أعرفه، ومنهم من يقول فيه: مجهول أي لا أعرفه، فالجهالة عند أبي حاتم تساوي عدم المعرفة، وكون أبي حاتم لا يعرفه لا يلزم من حاله ألا يعرفه غيره، وعلى هذا هل الجهالة جرح ملازم وقدح في الراوي، أو هي عدم علم بحاله أو هي عدم علم بحال الراوي؟ فلا تكون حينئذٍ جرح، وينبني على ذلك إذا قلنا: إنها جرح مطلقاً قلنا: إن الحديث يضعف بالراوي المجهول، وإذا قلنا: إنها عدم علم بحاله يتوقف في حكمه حتى تعلم حاله.
العلماء في مراتب الجرح والتعديل يجعلون المجهول في مراتب الجرح، فمقتضى ذلك أن يضعف الخبر إذا وجد فيه من قيل فيه: مجهول، والذي يقول: إن الجهالة ليست بجرح، وإنما هي عدم علم بحال الراوي لا يجزم بضعفه، حتى يجد كلاماً في هذا الراوي الذي جهلت حاله.
стр. 150
ومما يؤيد كون الجهالة جرح في الراوي من غير نظر آخر قول أهل العلم في طبقات المجروحين وفي مراتب الجرح: مجهول أو مستور الحال، أو مستور، أو مجهول العين، أو مجهول الحال ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط أو باطناً فقط، على تفاصيل عندهم في كتب المصطلح، فعلى هذا إذا وجدنا في الرواة من هو مجهول يضعف مباشرة لأن الجهالة جرح في الراوي، والذي يقول: إن الجهالة عدم علم بحال الراوي يقول: لا يحكم بعض الحديث مباشرة حتى يوجد ما يقدح في رواته، ومنهم هذا الذي لم يطلع على حاله، وكأن عبارة الحافظ ابن حجر في النخبة تؤيد هذا.
قال: "من المهم معرفة أحوال الرواة جرحاً أو تعديلاً أو جهالة" فجعل الجهالة قسيم للجرح والتعديل، ولم يجعلها قسماً من الجرح، كما فعلوا في مراتب الجرح.
لعلكم تعذروني عن المتابعة، الصوت لا يساعد، والزكام بدايته ظهرت.
جزاكم الله خير.
стр. 151
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٧)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد سأل بعض الإخوة في الدرس الماضي عن حديث العرباض، وقال: هل هو في صحيح مسلم؟
قلت: نعم وهذا سبق لسان، وقصدي الحكم على الحديث الذي بعده كما هو واضح من تخريج الحديث، أما الذي بعده نعم هو في صحيح مسلم، الذي هو حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، فيه خطبة النبي ﵊ هذا في الصحيح، وأما حديث العرباض فقد أحضره بعض الإخوة.
يقول: بسم الله الرحمن الرحيم
عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: ((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف)).
في تخريجه قال الأخ الذي كتب الأوراق: أما لفظة: ((وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً)) فقد أخرجها بمعناها الإمام البخاري من حديث أنس مرفوعاً: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) ومسلم من حديث أبي ذر مرفوعاً: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف)) والإمام مسلم من حديث أم الحصين مرفوعاً أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع وهو يقول: ((ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)).
يعني هذه آخر لفظة في الحديث، فلو جعلت هذه في آخر التخريج، يعني يذكر تخريج الحديث الذي بين أيدينا، ثم يذكر ما لجمله من الشواهد جملة جملة، بدءاً من الأولى إلى الآخرة، فهذه هي الجملة الأخيرة فلو أخرت إلى آخر شيء ((وإن عبداً حبشياً)).
стр. 152
وأما الحديث بطوله فهو صحيح بشواهده، فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان والحاكم والإمام أحمد من طرق عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي به، قال الحافظ عنه في التقريب: مقبول، وعرفنا ما في المقبول من كلام، وقد تابع عبد الرحمن السلمي حجر بن حجر الكلاعي، قال الذهبي عنه في ميزان الاعتدال: ما حدث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقروناً بآخر، وقال الحافظ في التقريب: مقبول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم والإمام أحمد.
ويحيى بن أبي المطاع قال عنه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وهذا في الظاهر إسناد جيد متصل، ورواته ثقات مشهورون، وقد صُرح فيه بالسماع، وقد ذكر البخاري في تاريخه: أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتماداً على هذه الرواية إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلط، وممن ذكر ذلك -لعله أبو زرعة الدمشقي- كاتب زرعة، ما هو أبو زرعة الدمشقي، وحكاه عن دحيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام.
وقال الحافظ في التقريب: صدوق، وأشار دحيم إلى أن روايتهم عن العرباض مرسلة، وحديثه أخرجه ابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، والحاكم والطبراني في الكبير.
وعبد الله بن أبي بلال قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وحديثه خرجه الإمام أحمد والطبراني في الكبير.
إيش اسمه هذا إيش؟ الرابع؟
طالب:. . . . . . . . .
المهاصر كذا؟ أو المهاجر؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 153
المهاصر بن حبيب، جاء في الجرح والتعديل سئل أبي عنه فقال: لا بأس به، حديثه خرجه ابن أبي عاصم في السنة مختصراً جداً، والطبراني في الكبير، وفي مسند الشاميين، والحديث قال عنه أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم: وهذا حديث جيد من صحيح أحاديث الشاميين، وهو وإن تركه الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج فليس ذلك من جهة انكسار منهما له، فإنهما -رحمهما الله- قد تركا كثيراً مما هو بشرطهما أولى، وإلى طريقتهما أقرب، وقد روى هذا الحديث عن العرباض الثلاثة من تابعي الشام، معروفين، ثلاثة معروفون، أنت اللي كاتب هذه؟ معروفين وإلا معروفون؟
طالب:. . . . . . . . .
في المطبوع كذا؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه ثلاثة معروفون، مشهورون.
وأما لفظة: ((فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)) فقد قال الحاكم في المستدرك والبيهقي في المدخل: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: ((فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد)) وقال اللالكائي في أصول الاعتقاد: قال أبو جعفر يعني أحمد بن صالح: ليس في حديث ضمرة هذه الكلمة: ((وإنما المؤمن)) ... إلى آخره.
وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة فيه وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وخرجه الحاكم، وقال في حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: ((فإن المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)).
وهذه اللفظة قد جاء ما يدل عليها من حديث ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً، وفيه: المؤمنون هينون لينون مثل الجمل الأنف إن قدته انقاد، وإن أنخته استناخ.
فرق بين هين ولين، وبينهما بالتخفيف، فأيهما أولى أن يقال في مثل هينون لينون، هين لين، شيء، وهينٌ لينٌ شيء آخر، فإحداهما يدل على الذم من الهوان والضعة، والأخرى تدل على المدح من الهون والرفق، ولعل هذا هو المراد.
стр. 154
أخرجه العقيلي في الضعفاء، والبيهقي في شعب الإيمان، والقضاعي في مسنده، والحديث فيه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، وقد أعله العقيلي به، وقال: أحاديثه مناكير غير محفوظة، ليس ممن يقيم الحديث، وذكر هذا الحديث من مناكيره، وقد جاء هذا الحديث مرسلاً أخرجه ابن المبارك في الزهد، والبيهقي في الشعب، والقضاعي في المسند كلاهما من طريق ابن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول مرسلاً، وقال البيهقي: وهو أصح، اختلف فيه على سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، مقطوع يعني من قوله.
أخرجه الإمام أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية عن حجاج بن محمد الأعور به، والحديث له شاهد بمعناه من حديث ابن عباس، أخرجه في الشعب، وفيه انقطاع يحيى بن سعيد الأنصاري لم يدرك ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في الشعب والديلمي في الفردوس، قال البيهقي: تفرد به يزيد بن عياض وليس بالقوي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: قال البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال علي: ضعيف، ورماه مالك بالكذب، وقال النسائي وغيره: متروك، قال الدارقطني: ضعيف، وفيه أيضاً سهل بن عمار كذبه الحاكم، كما في لسان الميزان.
وعلى كل حال الشواهد لجمل الحديث ما سمعتم، اللهم إلا الجملة الأخيرة فهي التي فيها الكلام؛ لأن الذي يشهد لها من رواية عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواق أحاديثه مناكير غير محفوظة، فإدراجها ظاهر، كونها مدرجة ظاهر.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قال في لسان الميزان: قال النسائي كذا، ليس ثقة، يقصد ضعفاء النسائي؟
إيه، فيه الضعفاء موجود، النسائي قد يجرح ويعدل في سننه، وقد وجد له أقوال في السنن، وفيما نقد عنه.
يقول: ما معنى القاعدة التي تقول: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً؟
стр. 155
يعني من الأحكام ما لو فعل على سبيل الاستقلال لحكم ببطلانه، من الأعمال والعبادات بل والمعاملات ما لو فعل على جهة الاستقلال ابتداءً لحكم ببطلانه، لكن كونه عمل تبعاً لغيره يصحح، لو سئل عن شخص صلى المغرب بأربعة تشهدات، تشهد في صلاة المغرب أربع مرات وجلس وقرأ التشهد متعمداً، وهو منفرد أو إمام ماذا نقول؟ صلاته صحيحة وإلا باطلة؟ باطلة، لكن يتصور أن يصلي خلف الإمام بأربعة تشهدات، بمعنى أنه يدرك الإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية، فاته ركعتان، تشهد مع الإمام التشهد الأول والثاني، صح وإلا لا؟ يتابع الإمام على التشهد الأول والثاني، ثم إذا سلم الإمام بقي عليه ركعتان، يصلي ركعة ثم يتشهد، ثم يصلي ركعة ثم يتشهد، هذه أربعة تشهدات في ثلاث ركعات، هذه تثبت وتصح هذه الصلاة تبعاً، ولا تصح استقلالاً.
هنا سؤال ثاني له، يقول: هناك من يصور عقد البيعة بين الحاكم والمحكوم كعقد الوكالة هل في ذلك تشابه؟
نعم في تشابه من وجه؛ لأن الإمام ينوب عمن بايعه في كثير من المسائل، فهو الذي يمثلهم، وهو الذي يعقد عنهم العهود والمواثيق، على ضوء ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، وهو يقودهم بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، وهناك ما لا تدخله هذه الوكالة، يعني هي وكالة من جنس الوكالة في بعض الأمور دون بعض.
ثم قال: ذكرتم أن الخروج عن الحاكم لا يكون إلا بترك الصلاة أو الكفر البواح مع أن من السلف من دون ذكر أزمانهم وأسمائهم من خرج على أقل من ذلك بكثير، ما تعليل ذلك؟
стр. 156
أولاً: الحكم والمرد إلى كتاب الله وسنة نبيه ﵊، وهذا هو المنصوص عليه في السنة الصحيحة، أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صلوا)) وفي الحديث الآخر: ((ما لم تروا كفراً بواحاً، لكم عليه من الله فيه برهان)) يعني برهان واضح لا يحتمل، ودلالة واضحة، وليس مجرد احتمال؛ لأن الخروج على الأئمة مفاسدها لا يقدرها الأشخاص ولا الأفراد، لا يقدرها لا الأشخاص، بل ولا الجماعة من الناس، إنما الذي يعرف قدرها الله -جل وعلا-، وكم من بلد تمنوا زوال من يحكمهم -وهذا شيء أدركناه- يعني من يقتل دعاة الإصلاح، ويعذبهم عذاباً شديداً، يقتلهم قتل، يعني في أمور أقل مما يحدث أحياناً، ثم بعد ذلك الآن البلد هذا البلد الذي فيه ذلك الطاغية منذ بضعة عشر عاماً والسلاح يعمل فيهم، فلا شك أن مثل هذه الأمور مساوئها ومفاسدها عظيمة جداً، لا يستطيع الإنسان في حال تصوره، في حال الرخاء أن يحدث ما يكون في حال الشدة، ولذا قال: ((لا، ما صلوا))؛ لأن الذي يصلي مسلم، والمسلم لا يجوز الخروج عليه، ((ما لم تروا كفراً بواحاً)) فالحد الفاصل هو الكفر البواح الذي لا يقبل التأويل، كونه خرج من السلف من خرج ما يدريك أن هذا الذي زعمت أنه خرج إنما اختفى من ظلم هذا الظالم، يعني كما حصل لبعض الصحابة وبعض سادات التابعين في زمن الحجاج، هل يقال: إنهم خرجوا عليه أو خافوا منه واختفوا وهربوا، فطُلبوا، فظن أنهم خرجوا، على كل حال لو قدر أنهم خرجوا فالاحتكام إلى ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊.
هذا يقول: متى يبدأ درس صحيح مسلم؟
هو الآن الجدول ما في له وقت معين، إلا أننا ننوي تغيير الجدول القائم -إن شاء الله تعالى-، ومسلم بدأنا به سابقاً، وأخذنا منه مرحلة كبيرة، قطعنا منه شوطاً طيباً، لكن انقطع الدرس درس الصحيحين انقطع؛ لأننا رأينا في المسألة تشتيت حينما يوجد أكثر من كتاب، فركزنا على الموطأ، وإذا انتهى الموطأ رجعنا إلى الصحيحين -إن شاء الله تعالى-، ونحن بصدد التفكير الجاد في طريقة تجمع بين كتب السنة، ولا يحصل فيها شيء من التشتيت أو التأخير، ولعل الله ييسر.
стр. 157
يقول: ما رأيكم باختصار تفسير ابن كثير لمجموعة من المشايخ واسمه التيسير؟
هذا الاختصار لمجموعة من المشايخ من أهل مكة، هم من سكان مكة، وأعرف واحد أثيوبي وواحد مصري، وواحد نسيت والله، المقصود أنهم ثلاثة من المشايخ اختصروه بإشراف الشيخ صالح بن حميد، أنا اطلعت على هذا الكتاب وكتبت عنه تقرير، وكتاب رائع، يعني بألفاظ ابن كثير، ما تصرفوا بشيء، حذفوا الأسانيد والمكرر، وما ضعف إسناده، وأبقوا الكتاب على حاله، فهو من أنفع المختصرات.
يقول: هل هناك عدد معين من المرات يمكن للخاطب فيه أن يرى وجه الفتاة التي ذهب لخطبتها؟
الأصل مرة واحدة، لكن لو قدر أنه في هذه المرة استحيا من ولي أمرها، وما تمكن من النظر إليها، أو هي ما تمكنت من النظر إليه حياءً، وطلب إعادة ما يتم به ما يحصل المودة من النظر الذي تترتب عليه آثاره، ولا تترتب عليه مفاسد، فلا مانع حينئذٍ إذا ادعى أنه لم يستطع رؤيتها حياءً أو العكس هي لم تستطع، فالنظر من أجل الطرفين.
يقول: ما رأيكم في هذه الأبيات .... في كتاب تحفة المقتصدين سبيل النجاة، المحفوظات السامية؟
هذا منتقي أبيات لعلها من النونية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
النونية ما لنا فيها رأي، النونية ليس لنا فيها رأي، النونية كتاب عظيم لابن القيم -رحمه الله تعالى-، ينصح كل طالب علم بقراءتها، وحفظ ما يمكنه حفظه منها، وهي مشتملة على خمسة آلاف وثمانمائة وستين بيتاً، على معتقد أهل السنة والجماعة في التوحيد والصفات، وما يتبع ذلك من أبواب العقائد، لكن هذا كأنه انتقاء، انتقاء منها، وإذا كان انتقاء فحكمه حكم الأصل، ويبقى أنه مختصر كالمختصرات التي أشرنا إليها كثيراً، وقلنا: إن المختصِر قد يحذف مما يختصره شيئاً القارئ بأمس الحاجة إليه، وقلت مراراً: الذي يستطيع أن ينتقي لنفسه لا يعتمد على غيره، إنما يتولى الاختصار لنفسه؛ ليكون علمه بما حذف كعلمه بما أثبت، لكن بعض الناس لا يستطيع الاختصار، ولا يعرف ينتقي، مثل هذا ينتقى له.
وقفنا على الحديث يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
стр. 158
"حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني" أبو عبيد "قال: حدثنا أبي" أظن ذكرنا أن أباه مجهول، جهله أبو حاتم، وتكلمنا في هذا الباب في الجهالة، وهل هي جرح في الراوي أو عدم علم بحاله؟
ولا شك أن في كلام أبي حاتم عدم علم بحال الراوي؛ لأنه في عدد كبير من الرواة يقول ابنه: سألت أبي عن فلان فقال: مجهول، وأحياناً يقول: لا أعرفه، وأحياناً يقول: مجهول لا أعرفه، فجهالة أبي حاتم للراوي تعني عدم علمه به، ولا يمنع أن يكون معروفاً لدى غيره، وعلى هذا لا نحكم على الإسناد بالضعف؛ لأن أبا حاتم لم يعرف هذا الراوي، بل نتوقف فيه حتى ترتفع هذه الجهالة ويرفع عند غيره، أو يعرف بالضعف فيرد الخبر من أجل ضعفه، وأما الجهالة في اصطلاح المتأخرين فتختلف عن الجهالة عند أبي حاتم، فالجهالة عند المتأخرين يقسمونها إلى ثلاثة أقسام: إلى جهالة العين، وهي ما إذا كان الراوي من المقلين في الرواية بحيث لم يروِ عنه سوى واحد، أو يكون مكثر من الرواية، لكنه لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وهذه الجهالة الثانية أي جهالة الحال، وتقسم إلى قسمين: جهالة الحال باطناً وظاهراً، أو جهالة الحال باطناً فقط، والمستور -إما هو النوع الأخير- يطلق بإزاء النوع الأخير، وهو من جهلت حاله الباطنة، واحتيج به إلى المزكين أو هو مجهول الحال مطلقاً، وأشد من هذين النوعين جهالة أو من هذه الأنواع جهالة الذات، الآن جهالة العين مر بنا راوٍ في رسالة أبي داود سباعي أو سداسي اسمه مذكور إلى جده السابع، وكنيته وبلده ومع ذلكم لم يعرف مجهول، هذه جهالة عين وإلا ذات؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، جهالة الذات إذا لم تعرف عينه، الآن هذا مجهول العين عند أهل العلم مجرد اصطلاح وإلا فهو معروف فلان ابن فلان ابن فلان ابن فلان أبو فلان الفلاني الذي يسكن في البلد الفلاني ... إلى آخره، هذا مجهول عين، مجهول الذات لم يتوصل إلى اسمه، وهو المبهم، حدثني رجل، أيهما أشد رجل يقال: حدثني رجل أو يقال: حدثني أبو عبد الله محمد بن سعيد الأنصاري؟ أيهما أشد؟ رجل، هذا لا يمكن تطلع عليه، هذا مجهول ذات، ما سموه مجهول ذات لكن ينبغي أن يسمى مجهول ذات، وهو أشد وأغرق في الجهالة من مجهول العين.
стр. 159
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
أنا أطلقت عليه.
قال: "حدثنا أبي عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ " الحديث مضعف بعبيد بن ميمون والد محمد؛ لأن أبا حاتم قال عنه: مجهول، وعرفتم ما في كلام أبي حاتم في قوله مجهول، وأنه قد يطلق الجهالة لعدم علمه بالراوي وهذا كثير، وقد يطلق الجهالة على شخص لقلة روايته مع كونه ثقة، فيقول: مجهول لأنه قليل الرواية، وقد قال في شخص من السابقين الأولين مجهول، يعني من الصحابة الكرام، من السابقين الأولين مجهول، لكن ليس له إلا حديث أو حديثين سماه مجهول، فاصطلاح أبي حاتم في الجهالة لا ننزله على اصطلاح المتأخرين، لا بد أن نعرف هذا، والحديث مروي من طرق عن أبي إسحاق من رواية شعبة ومعمر عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، وهو مخرج في مسلم وغيره.
"أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما هما اثنتان: الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله)) " أعظم الكلام وأحسنه وأفصحه كلام الله -جل وعلا-، وأبلغه وأنفعه كلام الله -جل وعلا- الذي هو القرآن، ((وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ )) أحسنه وأكمله هدي النبي ﵊ وطريقته، فعلى الإنسان أن يعنى بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، وهما سبيل النجاة لمن تمسك بهما، واعتصم بهما.
стр. 160
((ألا وإياكم ومحدثات الأمور)) تحذير (ألا) تنبيه على ما يجب أن يحذر منه ((ألا وإياكم ومحدثات الأمور)) يعني المبتدعات، فيحرص الإنسان أشد الحرص ألا يتعبد إلا بما شرعه الله -جل وعلا-، والأمور يرقق بعضها بعضاً، ناس قد ينفرون من المحدثات في أول الأمر، ثم إذا طال بهم الوقت تساهلوا فيها، ثم جاء بعدها أعظم منها، فانجفلوا منها، واستوحشوا منها، ثم بعد ذلك إذا طال بهم الوقت وجاء أعظم منها رقت في قلوبهم وعانوها، والساعة أول ما ظهرت توقف الناس فيها؛ لأنها محدثة، وخشوا أن تكون سحراً، توقف الناس فيها، ثم تبينت لهم حقيقتها واستعملوها، مكبرات الصوت نعرف من شيوخنا من توفي وهو لا يستعملها؛ لماذا؟ لأنه أمر محدث يستعمل في عبادة، يستعمل في الصلاة، فجعله من المحدثات، ولا شك أن الذي يحتاط لنفسه ولا يقدم على العمل إلا بعد تبين وتثبت هذا هو الذي يحتاط لدينه، أما كل ما فتح من باب جديد أول من يلج منه شخص بعينه مثل هذا ليس من أهل التحري ولا التثبت، فعلينا أن نتحرى ونتثبت حتى نعرف حقيقة الحال، رأى الناس أنه لا بد من وجود هذه المكبرات لكثرة الناس، فأدركنا من يخطب الجمعة بدون مكبر، والناس لا يدرون ولا يسمعون ما يقول، يصلي بالناس التراويح بدون مكبر وهم لا يسمعون، فنتصور أن الناس في مثل هذا الازدحام في رمضان في مكة مثلاً بدون مكبر، كيف يصلي الناس؟ فهذه الأمور لا شك أنها محدثات، لكن يبقى أنها هل هي من المحدثات التي تضر في دين الإنسان أو تنفع في الدين نفسه؟ ظهر بعد ذلك المذياع –الراديو- وتوقف الناس فيه طويلاً، ورأوا أن ما يبث فيه شر مستطير، وفيه خير، ورأوا أن هذا الخير من خلال هذه المحدثة المبتدعة فيه ما فيه، فما جرأوا على اقتنائه، ولا سمعوا منه، ثم بعد ذلك حصل ما حصل من الاطلاع على حقيقته فاقتناه الناس، بما في ذلك أهل العلم وأهل الفضل، ويوجد من يتورع عن اقتنائه الآن، ويوجد من يتورع عن مكبر الصوت، بل يوجد من يتورع عن الكهرباء ووسائل الراحة، لكنه لا يحرم ذلك على الناس، يعني كون الإنسان يرتكب في نفسه العزيمة هذا لا يلام، لكن كونه يقول: إن هذا الحلال حرام هنا يقع الإشكال أو العكس.
стр. 161
بعد هذا ظهرت مسألة التصوير والخروج في القنوات، ثم تساهل من تساهل إلى أن صار في مصاف المغنيين والمجان، له نوبة ولهم نوبة، وصار أيضاً في مصاف المبتدعة، لهم نوبة وله نوبة، فتارة يخرج هذا باسم الدين، وتارة يخرج مغني، وتارة يخرج مشبه وملبس على الناس، يثير فيهم الشبهات، وهذه حال كثير من القنوات، والله المستعان.
فعلى الإنسان أن يحتاط لدينه، ولا يبادر في كل شيء قبل أن يدرس حقيقته، والآثار المترتبة عليه، لو يعلم فلان من الناس من أهل العلم أنه إذا خرج في هذه القناة السيئة التي تبث الشبهات والشهوات والأغاني والمجون وصور النساء، وتمكن الناس من رؤية المومسات -نسأل الله السلامة والعافية-، التي هي دعوة أم جريج عليه، لو يعلم أنه بمشاركته في هذه القناة هو قد يكون مجتهد، هو قد يكون ممن يزاحم ليخفف الشر، ويوصل الخير إلى أناس لا يمكن أن يصل إليهم إلا بهذه الطريقة، بعض الناس ما عندهم قنوات خير، ما عندهم إلا هذه الوسائل فيصل، هذا اجتهاد، لكن هل الأثر المترتب على مثل هذا الاجتهاد مثل الضرر المترتب عليه، كثير من الناس يرى أن فلاناً من المشايخ خرج في هذه القناة إذاً هي قناة خير، وخروجه فيها تشريع لها، وعلى كل حال على الإنسان أن يتريث ولا يستعجل في مثل هذه الأمور.
((وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها)) يعني ما يبتدع في الدين، وما يخترع فيه من غير أن يسبق له شرعية من كتاب أو سنة هذا هو شر الأمور، شر الأمور يعني الدينية، أما أمور الدنيا فالأمر فيها سعة، ولا يدخل فيها الابتداع، اللهم إلا أن التوسع في أمور الدنيا قد يجر إلى ما وراءه من التساهل بالشبهات والمكروهات ثم المحرمات.
стр. 162
((وكل محدثة بدعة)) وهذا تقدم، كل محدثة في الدين بدعة، والبدعة كما تقدم تعريفها في اللغة ما عمل على غير مثال سابق، وفي الاصطلاح ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من كتاب الله ولا سنة نبيه ﵊، وعرفنا التقسيم الذي ذكره بعض أهل العلم للبدع، وأن منها ما يحمد ومنها ما يذم، وأن منها ما يجب، ومنها ما يستحب، ومنها ما يمنع، تبعاً للأحكام الخمسة التكليفية، وعرفنا أن الشاطبي رد هذا التقسيم، وقال: إنه تقسيم مخترع لا يدل عليه دليل، وقوض دعائمه، وهذا هو الصواب، أنه ليس في البدع ما يمدح، وذكرنا قول عمر -رضي الله تعالى عنه- في صلاة التراويح: "نعمت البدعة" وأجبنا عنه فلا داعي لرده.
((وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم)) يعني كما حصل للأمم السابقة، والأمم السابقة حرفوا وبدلوا وغيروا فدينهم ممسوخ مغير مبدل، إلى أن جاء ديننا فنسخ أديانهم، أما ديننا فلا يزال غضاً رطباً يتجدد، كأنما أنزل القرآن اليوم، محفوظ من الزيادة والنقصان، ومن التبديل والتغيير، يعني نتلوه الآن كما كان يتلى في عهد النبي ﵊ فلا عذر لنا أنه إذا طال علينا الأمد تقسو قلوبنا، معنا كتاب الله الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، ونجد في قلوب المسلمين، بل في قلوب بعض طلاب العلم من هو أشد قسوة من الجبل من الحجارة، يتلى كتاب الله وكأنه تحليل صحفي، ما يفترق بشيء، لا يؤثر فينا شعرة، لا يحرك فينا شعرة، فالقسوة موجودة، ولا عوقب شخص بمثل قسوة القلب، وقد يعاقب الإنسان وهو لا يشعر، يرتكب معصية فيعاقب بقسوة القلب وهو لا يشعر، ومصيبته في هذه العقوبة أعظم من مصيبته لو جدعت أطرافه.
стр. 163
((فتقسو قلوبكم، ألا إن ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ)) ((ألا إن ما هو آتٍ قريب)) لك ولد أو قريب ذهب ليدرس في بلد من البلدان خمس سنوات ست سنوات قريب هذا يجي، لكن لك ولد أو قريب مات هذا قريب أو بعيد؟ هذا بعيد، إذاً فالموت يترقب؛ لأنه آتٍ، وما يدريك أنك إذا خرج هذا النفس لم يعد غيره، أو إذا قمت من مجلسك لن تجلس في مجلس آخر، والنبي ﵊ يقول لعبد الله بن عمر: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) والواحد منا يأخذ ضمان على آلة من الآلات يشتريها عشر سنين، عشرين سنة، ووجد بعض الشركات من تعطي ضمان خمسين سنة، كأن ما هنا موت ولا قيام ساعة ولا شيء، والإنسان إذا وقع عقد الوظيفة يفكر فيما يعمله بعد التقاعد، صحيح، إيش بيسوي بعد التقاعد، وإلا الآن جاءه ما يشغله، وإذا دخلت رجله اليمنى إلى المدرسة يفكر في الوظيفة وهو في الصف الأول الابتدائي، يعني لا تظنون هؤلاء الصغار ما يفهمون ولا يفكرون، يفكرون، واحد أكبر من الثاني بشهر، الكبير قبل، والذي دونه بشهر رد قبوله في المدرسة؛ لأن عندهم أيام محددة تسعين يوم أو شيء من هذا يتسامحون فيها، هذا زاد على التسعين، فقال له صاحبه: الحمد لله إذا ما قبلت هذه السنة تقبل السنة الجايئة، وما فات شيء، قال: لا، أنا أتوظف قبلك بسنة، أطفال ست سنوات أقل من ست سنوات أعمارهم، فحقيقة يعني طول الأمل .. ، يعني الأمل موجود عند كل أحد، لكن تطويله بهذه الطريقة تجعل القلب يغفل عما خلق له، وإلا لو قصر الأمل، وعرف أنه عما قريب سيرحل عمل العمل المطلوب، وحقق العبودية لله -جل وعلا-، ((يشب ابن آدم ويشب منه خصلتان)) قال في الحديث: ((ويشب منه)) يعني كأنه جزء من تركيبه ((حب الدنيا، وطول الأمل)) وتجد الأمل عند من عمره تسعون سنة أعظم من الأمل بالنسبة لمن عمره خمسون سنة؛ لأن هذا شب معه، مثل الغرس الذي يسقى في كل يوم، والله المستعان.
стр. 164
((ألا إن ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه)) ((الشقي من شقي في بطن أمه)) يعني حينما يرسل الملك والحمل في بطن الأم، فيؤمر بكتب أربع: ومنها وشقي أو سعيد، فمن كتبت عليه الشقاوة هذا هو الشقي الشقاء الحقيقي، ومن كتبت له السعادة فهو السعيد سعادة حقيقية، ولو عاش الأولى أغنى الناس، وعاش الثاني أفقر الناس، فهذا المحك.
ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد
((والسعيد من وعظ بغيره)).
طالب:. . . . . . . . .
لا، الكلام على سعادة الآخرة وشقاء الدنيا كلا شيء بالنسبة للآخرة.
((والسعيد من وعظ بغيره)) كثير من الناس يرى جيرانه يتوسعون في أمور دنياهم، ويحصل في بيوتهم ما يحصل، ويسمع بعض القضايا والكوارث ولا يتعظ، يسمع أن فلان عندهم خادمة، فحصل منها ما حصل، ويسمع أن الجيران الآخرين عندهم سائق أجنبي وحصل منه ما حصل، ويأبى إلا أن يكون العظة من نفسه، ما يتعظ بغيره، ومع ذلك يقدم على مثل هذه الأعمال من غير حاجة، أما إذا وجدت الحاجة فالله المستعان، يعني ما في أحد يبي يحمل نفسه أو يحمل أهله يحملهم على العزيمة، بل لا بد من الترف مثل الناس، ويحصل مثل هذه الكوارث تحصل في بيوت الناس ويأبى إلا أن يكون عظة لغيره، بدلاً من أن يتعظ بغيره، والسعيد من وعظ بغيره، بدلاً من أن يكون هو العظة للناس يتعظ بغيره.
стр. 165
((ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق)) قتاله وقتله كفر -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذا في حق المستحل، في حق من يستحل أو أنه يؤول به إلى الكفر، أو أنه عمل يشابه عمل الكفار، ومذهب أهل السنة والجماعة أن قتل المؤمن ليس بكفر، موبقة من الموبقات، كبيرة من كبائر الذنوب، و ((لا يزال المسلم في فسحة من دينه حتى يريق دماً حراماً)) ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [(٩٣) سورة النساء] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [(٦٨ - ٦٩) سورة الفرقان]-نسأل الله السلامة والعافية-، فأهل السنة على أنه عظيمة من عظائم الأمور، وموبقة من الموبقات، لكنه ليس بكفر مخرج عن الملة.
((ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق)) نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
قتاله إما البدء بقتاله، وهذا أمر عظيم يترتب عليه ما يترتب من الشرور، فمثل هذا الأصل أن المؤمن لا يقاتل إلا الكافر هذا الأصل، لكن إذا حصلت مقاتلة بين طائفتين من المؤمنين هذا فالبادئ بهذا القتال يتجه إليه النص، وهي عظيمة من العظائم، يعني ليس بكفر، يعني كفر مخرج عن الملة لا، إنما كفر دون كفر.
طالب:. . . . . . . . .
باللسان؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا السباب.
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، المقصود بالقتال هنا إرادة القتل، المراد به إزهاق الروح، إرادته، والمفاعلة، يعني مبادلته بين فئتين.
وسبابه باللسان فسوق، وجاء في الحديث الصحيح: ((لعن المؤمن كقتله)) يعني في أن كل منهما عظيم، ويستحق صاحبه العقوبة.
стр. 166
((ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال، وأبيحت الثلاث لما جبل عليه الإنسان من انتصار للنفس، وعلى كل حال مثل الثلاث هذه إذا وجد لها مبرر لا بأس، أما فوق ثلاث لا يجوز، ((ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) إلا الأب يريد أن يؤدب ابنه، ومن هُجر بسبب بدعة أو مخالفة شرعية، يهجر حتى يقلع عن ذنبه، وللزوج أن يهجر زوجته فوق ثلاث، وقد آلى النبي ﷺ من نسائه شهراً، أما فيما بين الناس بسبب أمور الدنيا لا يجوز أن يهجر أخاه فوق ثلاث.
((ألا وإياكم)).
جاء في الحديث الآخر: ((يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) فإذا بدأ أحدهما بالسلام انتفى عنه الإثم، وارتفعت عنه القطيعة.
((ألا وإياكم والكذب، فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل)) ((ألا وإياكم)) تحذير شديد من الكذب، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار -نسأل الله السلامة والعافية-.
((ألا وإياكم والكذب، فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل)) لأن الإنسان إذا عود نفسه على الكذب هازلاً مازحاً فإنه يجر ذلك إلى أن يكون ديدناً له، فيستعمله في الجد، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وفي مقابله الصدق، الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة ((ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)).
((ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له)) يطلب منه الصبي شيء فيقول: أحضره لك، أو افعل كذا وأعطيك كذا، ثم يفعل ولا يعطيه، لا يجوز له أن يفعل ذلك ((ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له)) ويذكر عن بعض الأئمة ولعله البخاري ذهب إلى شخص ليروي عنه الحديث، فوجده يلوح بالشعير لدابته، فإذا قربت منه أبعده عنها، فقال: إن هذا يكذب على الدابة فكيف لا يكذب علينا؟! فرجع فلم يروِ عنه، سواءً كانت هذه القصة ثابتة أو غير ثابتة، المقصود أن مثل هذا لا يجوز، لا سيما إذا كانت هذه الدابة بحاجة إلى مثل هذا الطعام، كما أن الصبي لا يجوز أن يعده أبوه ولا يفي له.
стр. 167
((فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)) نسأل الله العافية ((وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر ويقال للكاذب: كذب وفجر)) ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [(٢٦) سورة النبأ] وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) يعني يكذب في أموره جاداً هازلاً، ويتحرى الكذب يعني لا يقع الكذب على لسانه خطأ من غير قصد إنما يتحراه، فيكتب عند الله كذاباً، وفي مقابله من يصدق ويتحرى الصدق فإنه يكتب عند الله صديقاً.
((يقال للصادق: صدق وبر)) حينما يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم هذا صادق وإلا كاذب؟ صادق؛ ماذا يقال له إذا قال: الصلاة خير من النوم؟ في إجابة المؤذن؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم يقال له: الصلاة خير من النوم ((فقولوا مثل ما يقول المؤذن)) تقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، من الفقهاء من يستروح ويميل إلى أنه يقال له: صدقت وبررت، يقال: ما دام صادق يقال للصادق: صدق وبر، فيقال للمؤذن إذا قال: الصلاة خير من النوم وهو صادق في ذلك: صدقت وبررت، لكن أخذه من هذه الحديث فيه بعد، لكن يقال كما قال: ((فقولوا مثل ما يقول المؤذن)).
стр. 168
قال ﵀ بعد ذلك: "حدثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدثنا إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب" إسماعيل بن إبراهيم، وعلية أمه، ويكره أن ينسب إليها، ولذا من ورع الإمام أحمد ﵀ أنه يقال: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن علية، فلا ينسبه إلى نفسه "قال: حدثنا أيوب" يعني ابن أبي تميمة السختياني "ح" حاء التحويل "وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ويحيى بن حكيم قالا: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب" فالحديث مروي من طريق ابن علية، ومن طريق عبد الوهاب وهو ابن عبد المجيد الثقفي "كلاهما عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [(٧) سورة آل عمران] إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [(٧) سورة آل عمران] فقال: ((يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم)) " تجد بعض الناس المسألة فيها دليل صحيح صريح، ويعمد إلى نص فيه احتمالات أكثر من احتمال، ويستدل به بالاحتمال المرجوح في مقابل الاحتمال الراجح، وفي مقابل النص الذي لا احتمال فيه، فيتبع المتشابه، وهؤلاء الذين يتبعون المتشابه هم الذين في قلوبهم زيغ، فليحذرهم المسلم، وتقرؤون وتسمعون في الأيام المتأخرة من يعمد إلى مثل هذا، فتجده يعرض عن النص الصحيح الصريح النص في المسألة ويعمد إلى نص فيه ما فيه، ويقدمه على النص الصحيح الصريح، نعم من أئمة الإسلام الذين لا يشك في قصدهم وإخلاصهم من يقع له مثل هذا، يعني مسألة من ألف مسألة مثلاً تقع على إمام مجتهد قصده نصر الحق، مثل هذا ينزل عليه الحديث؟ لكن الآن من الناس من يكتب ليس له إلا المتشابه، يعني ما يعمد إلا إلى المتشابه، يعني مثال ذلك حينما يقول الحنفية: وقت صلاة العصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثليه، عندنا في صحيح مسلم: ((ووقت صلاة العصر من مصير ظل الشيء مثله)) هذا نص وصحيح وصريح في المسألة، ويقرأه الحنفية، ومع ذلك يقولون: لا، مصير ظل الشيء مثليه، بدليل حديث:
стр. 169
((مثلكم ومثل من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً من أول النهار إلى الزوال بقيراط، ثم استأجر أجيراً من الزوال إلى وقت العصر بقيراط، ثم استأجر أجيراً من وقت العصر إلى غروب الشمس بقيراطين، فاحتج اليهود والنصارى فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً)) يعني اليهود اشتغلوا إلى نصف النهار، والنصارى اشتغلوا إلى وقت العصر، وهذه الأمة كمن اشتغل من وقت العصر إلى غروب الشمس، فهم يقولون: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً؟ قالوا: إن النصارى يقولون: نحن أكثر عملاً، إذاً الظهر أطول من العصر، فالعصر إذاً ما يبدأ إلا من مصير ظل الشيء مثليه، يعني هذا الدليل وهذا اللف كله من أجل أن يقدم على حديث: ((ووقت صلاة العصر من مصير ظل الشيء مثله)) هل نقول: إن مثل هؤلاء العلماء يتتبعون المتشابه؟ يعني مسألة من ألوف مؤلفة من المسائل، نعم لو كان المذهب كله مبني على مثل هذا في مقابل النصوص الصحيحة نقول: يتبعون المتشابه، لكن مسألة من ألوف مؤلفة من المسائل، وهم ينصرون ما يرونه حقاً، أما عندنا أناس يكتبون في كل المسائل بهذه الطريقة من أجل طمس الحق الصحيح الصريح، هؤلاء الذين يحذر منهم، أما إذا وقع في فقه العالم في مسألة أو مسألتين أو مسائل من ألوف مؤلفة من المسائل، هذا لا يظن به أنه يتتبع المتشابه، نعم قد يقع في المتشابه، لكن لا يظن به أنه يتتبع المتشابه، في كل شيء، يعني إرادة طمس الحق الصحيح الصريح بالمتشابه لا شك أنه داخل في مثل هذا، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال إذا وجد لألفاظه ما يشهد لها كلها وصح بها نشره طيب.
بعد هذا يقول -رحمه الله تعالى-:
"حدثنا علي بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا حوثرة بن محمد قال: حدثنا محمد بن بشر قالا: حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب" وأبو غالب اسمه: حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وهو ضعيف، ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي وابن حبان والدارقطني، وقال الدارقطني في رواية: ثقة، وقال ابن عدي بعد أن سبر حديثه: لم أرَ بحديثه حديثاً منكراً جداً، وأرجو أنه لا بأس به.
على كل حال الرجل مضعف، ضعفه جمع من الأئمة، وقبله آخرون، وضعفه حينئذٍ ليس بشديد، ولذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 170
"عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم تلا هذه الآية ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [(٥٨) سورة الزخرف] " ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) لأنهم تركوا الهدى الذي كانوا عليه، واستبدلوه بغيره فأوتوا الجدل؛ لأنهم بحاجة ماسة إلى أن يدافعوا عن أنفسهم، فينشأ فيهم الجدل، ويكون الجدل ديدناً لهم وعادة لحاجتهم إلى الخصومة.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [(٥٨) سورة الزخرف] هذه الآية نزلت في من؟ نعم في كفار قريش، هل كانوا على هدى؟ وهل الاستدلال بهذه الآية فيما دل عليه الحديث من أن الناس الذي كانوا على هدى ثم تركوه وأوتوا الجدل مطابق للاستدلال بهذه الآية؟ لأنها في قريش، وما أوتوا هدى إلا من بقي منهم من كان على دين إبراهيم ﵇، والحديث كما ترون فيه هذا الضعيف، وعند أهل العلم ما يسمى بالجدل، الجدل والمناظرة، والجدل والمجادلة إذا كان المراد منها نصر الحق ورد الباطل فهي مطلوبة وشرعية، وكذلك المناظرة، أما الجدل الذي لا يترتب عليه فائدة هو الذي يصد عن الهدى، ويبقى الإنسان في قيل وقال، وينصرف عما خلق له، خلق من أجله، يعني يصرفه هذا الجدل العقيم الذي لا فائدة فيه، يصرفه عن أن يستفيد من وقته فيما ينفعه، وعلى كل حال يحرص الإنسان ألا يدخل في جدل، إلا فيما ينفع، يعني أراد أن يبين حق، أو أراد أن يدفع شبهة، أو يرد على باطل فهو مأجور، والرد على المخالفين ومجادلتهم ومخاصمتهم وخصومتهم مأمور بها، وهي طريقة القرآن، وبعضهم يجعلها من البدع الواجبة، ومثلوا بها للبدع الواجبة، العز بن عبد السلام وغيره مثلوا بهذا للبدع الواجبة، وإذا كان له أصل يدل عليه من الكتاب فليس ببدعة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 171
نعم ما يمنع، ما يمنع، الجدال في الحق ولو كان، إذا كان في الحق ولو كان في الحج، ما يضر، أما الذي ينهى عنه في الحج الذي لا أثر له ولا قيمة له ولو كان على أمر عادي؛ لأن بعض الناس في خصومات من يركبون السيارة للحج إلى أن يرجعوا إلى بيوتهم، هذا يقول كذا، ثم يرد عليه الثاني وهكذا في أمور لا قيمة لها، فهذا هو المذموم.
стр. 172
قال ﵀: "حدثنا داود بن سليمان العسكري قال: حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي، قال: حدثنا محمد بن محصن" محمد بن محصن العكاشي كذبه يحيى بن معين وأبو حاتم وابن حبان، وقال: شيخ يضع الحديث عن الثقات وهو كذاب، والحديث بسببه موضوع "عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجاً ولا عمرة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين)) " هذا إذا كان المراد بها البدعة المكفرة، البدعة المخرجة من الملة فهذا الكلام صحيح، ولو لم يثبت نسبته إلى النبي ﵊؛ لأن الله لا يقبل عمل الكافر ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] ولا يقبل له صوم ولا صلاة ولا صدقة ولا أي عمل من الأعمال ما دامت البدعة مكفرة، أما إذا كانت البدعة لا تصل إلى هذا الحد، بل هي مفسقة، فقد قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] والذي بدعته لا توصله إلى حد الكفر، بل هي مجرد فسق اعتقادي فهذه الآية تدل على أنه لا يقبل منه، كما أن الفاسق من أهل السنة يدخل في هذا الآية ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] والمراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على العبادة، ولا يقال: إن الصلاة ليست بصحيحة باطلة، لا، الصلاة صحيحة، لكن الثواب المرتب عليها لا يستحق منه شيئاً؛ لأن الحصر جاء في المتقين ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] فإذا كان المراد بنفي القبول نفي الثواب المرتب على العبادة فهو أيضاً صحيح لمن بدعته لا تخرجه عن حضيرة الدين، وكذلك الفاسق الذي ينتسب إلى القبلة لا يؤمر بإعادته، ما في أحد من أهل العلم قال: إن الفاسق صلاته باطلة فعليه إعادتها، أبداً، بل قالوا: إن نفي القبول هنا المراد به نفي الثواب، والحديث مثل ما سمعتم موضوع يعني لا يتكلف في اعتباره فننظر في معناه.
стр. 173
طالب: أحسن الله إليك في طبعة الوزارة كثيراً ما يقسمون لفظة عبد الله إلى قسمين، فيجعلون عبد في آخر السطر، وكلمة الله ...
غلط هذا، من الخطأ في الكتابة.
طالب: كما فعلوا في عبد الله بن الديلمي فجعلوا عبد في نهاية ...
هذا قالوا في كتب علوم الحديث في أدب الكتابة قالوا: لا يفصل بين المتضايفين هذا عموماً، لا يفصل بين المتضايفين مثل: غلام زيد، لا يفصل بينهم، فضلاً عن أن يكون المضاف إليه الرب -جل وعلا- فيوضع في أول السطر لئلا يأتي من يقرأ من أول السطر فيقول إيش؟
طالب: الله ابن الديلمي، مكتوب لفظ الجلالة ثم ابن الديلمي.
نعم الله ابن الديلمي، فهذا ممنوع في الكتابة عند أهل العلم، وكتب المصطلح ما تركت مثل هذا، نعم.
الحديث الذي يليه قال: "حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا بشر بن منصور الحناط عن أبي زيد عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)) " وإسناده كله مجاهيل، بشر بن مجهول وأبو زيد وأبو المغيرة كلهم مجاهيل قال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة ولا بشر، فما داموا مجاهيل وتتابعوا يعني كلهم مجاهيل، يعني لو واحد يتوقف في الحديث حتى يوقف على حاله، لكن يجتمع على ثلاثة كلهم لا يعرفون، فالخبر ضعيف، وإن لم يكن كسابقه موضوع ((أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)).
ثم قال بعد ذلك: "حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن سلمة بن وردان الليثي" المدني وهو مجمع على ضعفه، ضعفه أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائي والدارقطني وابن حبان وابن عدي وابن حجر والذهبي، كلهم اتفقوا على ضعفه، فالحديث به ضعيف "عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها)) " وجاء في الحديث الصحيح: ((أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك)) إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 174
نعم ((وإن كان محقاً)) ((وأنا زعيم ببيت في)) إيش؟ ((في أعلى الجنة لمن ترك المراء)) نعم، المقصود أن هذا له ما يشهد له، وإن كان ضعيفاً، فعلى الإنسان أن يترك الكذب في جميع أحواله لا جاد ولا هازل، وكذلك الجدال والمراء إلا من أجل نصر الحق، وكثيراً ما يدعى إلى المناظرة، المبتدعة يدعون إلى المناظرة في القنوات، فهل يتركوا؟ يدعون إلى مناظرة، يدعون أهل السنة إلى مناظرة، رافضي يدعو إلى المناظرة، فهل يترك بناءً على أن الجدال أو أن هذه القناة تنشر الشر والفساد فلا يُشترك فيها؟ يترك فيناظر ويلقي على الناس الشبه ولا يجد من يرد عليه، أو لا بد أن يتصدى له ويرد عليه؟ إن ترك إلى مصيبة كارثة ينفث سمومه على المسلمين ولا أحد يرد عليه، وإن شورك وشاركه الأخيار صار تشريعاً لهذه القناة ودعماً لها، أو جادله من هو دونه في المستوى، ثم بعد ذلك يحكم على أهل الحق بالعجز، وأن ما يقوله هو الصواب، على كل حال أمور مشكلة، وأما كون أهل الحق هم الذين يبدؤون بالجدال والمناظرات فلا، لا يجوز لهم ذلك بحيث يتمكن أهل البدع من نفث سمومهم في بيوت عوام المسلمين، هذا لا يجوز أن يلقى على العامة أبداً، لكن إذا تصدى أهل الشر وطلبوا المناظرة فلا بد من الرد عليهم، فلا بد من التصدي لهم، والله المستعان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 175
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٨)
باب: اجتناب الرأي والقياس ، وباب: في الإيمان
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.
قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب الرأي والقياس
حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)).
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو هانئ حُميد بن هانئ الخولاني عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)).
حدثنا محمد بن العلاء الهمداني قال: حدثني رشدين بن سعد وجعفر بن عون عن ابن أنعم هو الإفريقي عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((العلم ثلاثة فما وراء ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)).
حدثنا الحسن بن حماد سجادة قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: ((لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه)).
стр. 176
حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الرجال عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب الرأي والقياس
لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في الأصول السابقة السنة، والعناية بالسنة، والاهتمام بها، وطرح ما خالفها، واتقاء ما أحدث دونها، أردف ذلك بباب يذكر فيه أن الرأي المخالف للسنة يجب أن يجتنب، والأقيسة في مقابل السنن، وأنها فاسدة الاعتبار.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب الرأي والقياس
стр. 177
والمراد بالرأي المخالف للنص، وليس معناه الرأي الذي يستعان به على فهم النص، الرأي منه ما يؤيده النص، ومنه ما يعارض به النص، فما يؤيده النص لا شك أنه مقبول، أما ما يعارض النصوص فهو مردود، معارضة النصوص الثابتة عن الله وعن رسوله ﵊ بالآراء لا شك أنها علامة على الخذلان، وإفلاس المعارض من الحق الذي يؤيده الدليل، وأهل الرأي الذين اعتمدوا على الآراء والأقيسة وتركوا الاستدلال بالنصوص إنما سبب ذلك أنه أعجزهم وأعياهم حفظ النصوص، فالحفظ صعب، لا سيما من التفت إليه بعد الكبر، فإذا أعياهم وأعجزهم حفظ النصوص، ثم تعرضوا للسؤال، وتصدروا في المجالس والمنابر والمحافل وعرضوا أنفسهم لأسئلة الناس، وليس عندهم من النصوص ما يعتمدون عليه اضطروا إلى أن يفتوا بآرائهم، فهذه الآراء التي لا تعتمد على النصوص هي التي يجب اجتنابها، وأما من كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه في مسائل الدين، واحتاج مع ذلك إلى الرأي الذي يتعامل به مع هذه النصوص؛ لأن النصوص تحتاج إلى مقدمات يستعان بها على فهم هذه النصوص، وكذلك الأقيسة إذا كان الأصل موجود عند العالم، والأصل موجود بدليله، واحتاج أن يقيس عليه فرعاً لا دليل عليه وإنما هو مشبه لذلك الأصل الذي دل عليه الدليل بعلة واحدة فإنه حينئذٍ يقيسه عليه، وهذا القياس صحيح ولا إشكال فيه؛ لأنه مرجعه إلى النص، أما من يقيس الأمور برأيه أقول: أما من يقيس الأمور برأيه في المسائل الأصلية التي فيها الأدلة، ويتوصل بقياسه إلى مخالفة ما دل عليه الدليل فهذا القياس كما يقول أهل العلم فاسد الاعتبار؛ لأنه قياس في مقابلة نص، فلنفرق بين الرأي الذي يجب اجتنابه، والرأي الذي لا بد من استعماله للتعامل مع النصوص، والقياس الصحيح الذي هو إلحاق فرع لا دليل عليه يخصه بأصل ثبت دليله من الكتاب أو السنة بعلة تجمع بينهما هذا لا إشكال فيه، وأما القياس الذي يعول عليه ابتداءً في تقرير مسألة فيها نص فهو فاسد الاعتبار؛ لأن العبرة بالنص، فلا بد أن نفرق؛ لئلا يسمع هذا الكلام أحد ويقول: باب اجتناب الرأي والقياس معناه أن المؤلف أو من يقول بهذا الكلام ظاهري، لا يرى الآراء ولا الأقيسة، فالأئمة كلهم
стр. 178
جاء عنهم ذم الرأي والقياس، ومع ذلك كلهم استعملوا الأقيسة، وأفتوا بفتاوى دقيقة تدل على أنهم أعملوا آرائهم في هذه الفتاوى مع اعتمادهم ومعولهم على النص، وأظن الفرق ظاهر، فالمسألة ينبغي أن ينظر إليها باعتدال، مثل هذا على طالب العلم أن ينظر إليها باعتدال كما كان الأئمة ينظرون إلى مثل هذه المسائل، فلا يوغل طالب العلم في استعمال الآراء والأقيسة، بل يكون معوله على النصوص، ولا بد من استعمال الآراء والأقيسة للإفادة من هذه النصوص، كما أنه لا يوغل لا يهمل الآراء والأقيسة، ولا يعتمد عليها اعتماداً كلياً، بل يكون معوله واعتماده على النص، ويستعمل ما يحتاج إليه من الآراء كما كان الأئمة على هذا، فالقياس أصل عند جماهير أهل العلم، وأما الظاهرية الذين لا يرون الأقيسة فصار عندهم شيء من الخلل في الاستدلال لكثير من المسائل، يصير فيها عسر عليهم، إذ ليس كل مسألة أو نازلة أو حادثة يكون منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، وإنما يكون منصوصاً على أصلها أو على أشباهها ونظائرها فتلحق بها، وهم لا يقولون بهذا، ولابن حزم كتاب اسمه: "إبطال القياس" ولذا وقع فيهم من وقع، يقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: "فلما جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل على كل صغير وكبير" فالذي يطلب الدليل يذم؟ لا يذم، بس أخطأ في التعبير، هو أخطأ في التعبير؛ لأن الذي يطلب الدليل في كل صغير وكبير هذا لا يذم، لكن كيف نتعامل مع هذا الدليل؟ هل معنى هذا أننا نعمل بالمسائل المنصوصة وما عداها من المسائل ماذا نصنع بها؟ جاءنا مسألة ما فيها نص، ولها نظير يمكن أن تلحق به مما نص عليه، على قياس قول الظاهرية أنها ما فيها حكم شرعي هذا، خالية عن حكم الله مقتضى قوله، يعني وبالمقابل قال ابن حزم في بعض الأئمة كلاماً شنيعاً أعظم مما قيل فيه من قبل ابن العربي، فلا هذا ولا هذا، يعني كون الشخص يذم بأنه يطلب الدليل، يذم بغيره ما يقتضي الذم، بل يذم بما يقتضي المدح، يعني نظير ذلك خطيب حصل مشكلة من فئة من الناس، وأخطئوا في تقديرهم واجتهادهم، أخطئوا بلا شك، ومع ذلك يذمون على المنبر بأي شيء؟ قال: ومن علامتهم تقصير الثياب وحمل كتب الحديث، يعني هذا ذم؟ يعني
стр. 179
على المنبر قيل، يا أخي إذا أردت أن تذم فانظر إلى مذمة شرعية يمكن أن تذم بها شرعاً، أما أن تذم بما يمدح به الإنسان شرعاً هذا أبداً، فابن العربي حينما يقول: "جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل في كل صغير وكبير" جاء عن السلف أنك إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل، فطلب الدليل لا شك أنه محمدة للإنسان، ودليل على توفيقه، لكن الجمود على الدليل بحيث لا يتعدى منطوقه هذا هو الذي يورث الخلل في كيفية التفقه عند بعض الناس، فالدين والعلم ينبغي أن يتوسط فيه كسائر الأمور، يعني الرأي والقياس لا يلغى بالكلية ولا يعتمد عليه، إنما هو تابع وفرع عن النص، وكل ما جاء عن السلف في ذم الرأي فإنما يراد به الرأي الذي تعارض به النصوص، أو لا يستند إلى نص، أما ما يستند فيه صاحبه إلى النص فهذا لا يذم، وقد استعمله من ذم الرأي.
стр. 180
قال ﵀: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة" الآن الالتقاء على من؟ عندنا ابن ماجه يروي الحديث عن شيخين هما: أبو كريب وسويد بن سعيد، أبو كريب يرويه عن عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر، خمسة، وسويد بن سعيد يرويه عن علي بن مسهر ومالك وحفص بن ميسرة وشعيب، يعني تسعة، يروى الحديث من طريق تسعة كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص "عن أبيه -عروة بن الزبير- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال)) أو ((ينتزعه من الناس)) كما في هذه الرواية، وبعض الروايات: ((من صدور الرجال)) ليس معنى هذا أن الإنسان يمسي وهو عالم ثم يصبح جاهل ليس في صدره شيء من العلم، نعم قد يعاقب الإنسان بسبب معصية أو ذنب بنسيان بعض العلم، لكن يصبح الناس كلهم وقد نزع العلم من قلوبهم؟ لا، نعم قد يصبح الناس في يوم من الأيام والقرآن قد أسري به ورفع، وحينئذٍ لا علم، وهذا من علامات آخر الزمان، وعلى مر العصور العلم إنما يقبض بقبض العلماء، وهناك بعض السنين يقبض فيها جمع من أهل العلم فيبين الأثر، ففي سنة أربعة وتسعين من الهجرة يعني قبل تمام المائة بست سنين التي يسمونها سنة الفقهاء، مات فيها جمع غفير من أهل العلم، أكثر الفقهاء السبعة ماتوا سنة أربعة وتسعين، فبان الأثر في الأمة، وقل مثل هذا فيما حصل سنة عشرين وأربعمائة وألف حينما قبض علماء كبار، يعني لهم مستوى على مستوى الأمة وزن كبير، فبان الأثر والخلل.
следующие страницы →