Полный текст (299 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الرجال عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب الرأي والقياس
لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في الأصول السابقة السنة، والعناية بالسنة، والاهتمام بها، وطرح ما خالفها، واتقاء ما أحدث دونها، أردف ذلك بباب يذكر فيه أن الرأي المخالف للسنة يجب أن يجتنب، والأقيسة في مقابل السنن، وأنها فاسدة الاعتبار.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: اجتناب الرأي والقياس
стр. 177
والمراد بالرأي المخالف للنص، وليس معناه الرأي الذي يستعان به على فهم النص، الرأي منه ما يؤيده النص، ومنه ما يعارض به النص، فما يؤيده النص لا شك أنه مقبول، أما ما يعارض النصوص فهو مردود، معارضة النصوص الثابتة عن الله وعن رسوله ﵊ بالآراء لا شك أنها علامة على الخذلان، وإفلاس المعارض من الحق الذي يؤيده الدليل، وأهل الرأي الذين اعتمدوا على الآراء والأقيسة وتركوا الاستدلال بالنصوص إنما سبب ذلك أنه أعجزهم وأعياهم حفظ النصوص، فالحفظ صعب، لا سيما من التفت إليه بعد الكبر، فإذا أعياهم وأعجزهم حفظ النصوص، ثم تعرضوا للسؤال، وتصدروا في المجالس والمنابر والمحافل وعرضوا أنفسهم لأسئلة الناس، وليس عندهم من النصوص ما يعتمدون عليه اضطروا إلى أن يفتوا بآرائهم، فهذه الآراء التي لا تعتمد على النصوص هي التي يجب اجتنابها، وأما من كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه في مسائل الدين، واحتاج مع ذلك إلى الرأي الذي يتعامل به مع هذه النصوص؛ لأن النصوص تحتاج إلى مقدمات يستعان بها على فهم هذه النصوص، وكذلك الأقيسة إذا كان الأصل موجود عند العالم، والأصل موجود بدليله، واحتاج أن يقيس عليه فرعاً لا دليل عليه وإنما هو مشبه لذلك الأصل الذي دل عليه الدليل بعلة واحدة فإنه حينئذٍ يقيسه عليه، وهذا القياس صحيح ولا إشكال فيه؛ لأنه مرجعه إلى النص، أما من يقيس الأمور برأيه أقول: أما من يقيس الأمور برأيه في المسائل الأصلية التي فيها الأدلة، ويتوصل بقياسه إلى مخالفة ما دل عليه الدليل فهذا القياس كما يقول أهل العلم فاسد الاعتبار؛ لأنه قياس في مقابلة نص، فلنفرق بين الرأي الذي يجب اجتنابه، والرأي الذي لا بد من استعماله للتعامل مع النصوص، والقياس الصحيح الذي هو إلحاق فرع لا دليل عليه يخصه بأصل ثبت دليله من الكتاب أو السنة بعلة تجمع بينهما هذا لا إشكال فيه، وأما القياس الذي يعول عليه ابتداءً في تقرير مسألة فيها نص فهو فاسد الاعتبار؛ لأن العبرة بالنص، فلا بد أن نفرق؛ لئلا يسمع هذا الكلام أحد ويقول: باب اجتناب الرأي والقياس معناه أن المؤلف أو من يقول بهذا الكلام ظاهري، لا يرى الآراء ولا الأقيسة، فالأئمة كلهم
стр. 178
جاء عنهم ذم الرأي والقياس، ومع ذلك كلهم استعملوا الأقيسة، وأفتوا بفتاوى دقيقة تدل على أنهم أعملوا آرائهم في هذه الفتاوى مع اعتمادهم ومعولهم على النص، وأظن الفرق ظاهر، فالمسألة ينبغي أن ينظر إليها باعتدال، مثل هذا على طالب العلم أن ينظر إليها باعتدال كما كان الأئمة ينظرون إلى مثل هذه المسائل، فلا يوغل طالب العلم في استعمال الآراء والأقيسة، بل يكون معوله على النصوص، ولا بد من استعمال الآراء والأقيسة للإفادة من هذه النصوص، كما أنه لا يوغل لا يهمل الآراء والأقيسة، ولا يعتمد عليها اعتماداً كلياً، بل يكون معوله واعتماده على النص، ويستعمل ما يحتاج إليه من الآراء كما كان الأئمة على هذا، فالقياس أصل عند جماهير أهل العلم، وأما الظاهرية الذين لا يرون الأقيسة فصار عندهم شيء من الخلل في الاستدلال لكثير من المسائل، يصير فيها عسر عليهم، إذ ليس كل مسألة أو نازلة أو حادثة يكون منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، وإنما يكون منصوصاً على أصلها أو على أشباهها ونظائرها فتلحق بها، وهم لا يقولون بهذا، ولابن حزم كتاب اسمه: "إبطال القياس" ولذا وقع فيهم من وقع، يقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: "فلما جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل على كل صغير وكبير" فالذي يطلب الدليل يذم؟ لا يذم، بس أخطأ في التعبير، هو أخطأ في التعبير؛ لأن الذي يطلب الدليل في كل صغير وكبير هذا لا يذم، لكن كيف نتعامل مع هذا الدليل؟ هل معنى هذا أننا نعمل بالمسائل المنصوصة وما عداها من المسائل ماذا نصنع بها؟ جاءنا مسألة ما فيها نص، ولها نظير يمكن أن تلحق به مما نص عليه، على قياس قول الظاهرية أنها ما فيها حكم شرعي هذا، خالية عن حكم الله مقتضى قوله، يعني وبالمقابل قال ابن حزم في بعض الأئمة كلاماً شنيعاً أعظم مما قيل فيه من قبل ابن العربي، فلا هذا ولا هذا، يعني كون الشخص يذم بأنه يطلب الدليل، يذم بغيره ما يقتضي الذم، بل يذم بما يقتضي المدح، يعني نظير ذلك خطيب حصل مشكلة من فئة من الناس، وأخطئوا في تقديرهم واجتهادهم، أخطئوا بلا شك، ومع ذلك يذمون على المنبر بأي شيء؟ قال: ومن علامتهم تقصير الثياب وحمل كتب الحديث، يعني هذا ذم؟ يعني
стр. 179
على المنبر قيل، يا أخي إذا أردت أن تذم فانظر إلى مذمة شرعية يمكن أن تذم بها شرعاً، أما أن تذم بما يمدح به الإنسان شرعاً هذا أبداً، فابن العربي حينما يقول: "جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل في كل صغير وكبير" جاء عن السلف أنك إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل، فطلب الدليل لا شك أنه محمدة للإنسان، ودليل على توفيقه، لكن الجمود على الدليل بحيث لا يتعدى منطوقه هذا هو الذي يورث الخلل في كيفية التفقه عند بعض الناس، فالدين والعلم ينبغي أن يتوسط فيه كسائر الأمور، يعني الرأي والقياس لا يلغى بالكلية ولا يعتمد عليه، إنما هو تابع وفرع عن النص، وكل ما جاء عن السلف في ذم الرأي فإنما يراد به الرأي الذي تعارض به النصوص، أو لا يستند إلى نص، أما ما يستند فيه صاحبه إلى النص فهذا لا يذم، وقد استعمله من ذم الرأي.
стр. 180
قال ﵀: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة" الآن الالتقاء على من؟ عندنا ابن ماجه يروي الحديث عن شيخين هما: أبو كريب وسويد بن سعيد، أبو كريب يرويه عن عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر، خمسة، وسويد بن سعيد يرويه عن علي بن مسهر ومالك وحفص بن ميسرة وشعيب، يعني تسعة، يروى الحديث من طريق تسعة كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص "عن أبيه -عروة بن الزبير- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال)) أو ((ينتزعه من الناس)) كما في هذه الرواية، وبعض الروايات: ((من صدور الرجال)) ليس معنى هذا أن الإنسان يمسي وهو عالم ثم يصبح جاهل ليس في صدره شيء من العلم، نعم قد يعاقب الإنسان بسبب معصية أو ذنب بنسيان بعض العلم، لكن يصبح الناس كلهم وقد نزع العلم من قلوبهم؟ لا، نعم قد يصبح الناس في يوم من الأيام والقرآن قد أسري به ورفع، وحينئذٍ لا علم، وهذا من علامات آخر الزمان، وعلى مر العصور العلم إنما يقبض بقبض العلماء، وهناك بعض السنين يقبض فيها جمع من أهل العلم فيبين الأثر، ففي سنة أربعة وتسعين من الهجرة يعني قبل تمام المائة بست سنين التي يسمونها سنة الفقهاء، مات فيها جمع غفير من أهل العلم، أكثر الفقهاء السبعة ماتوا سنة أربعة وتسعين، فبان الأثر في الأمة، وقل مثل هذا فيما حصل سنة عشرين وأربعمائة وألف حينما قبض علماء كبار، يعني لهم مستوى على مستوى الأمة وزن كبير، فبان الأثر والخلل.
стр. 181
فقبض العلم وانتزاعه إنما يكون بقبض العلماء ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس)) يعني بحيث يصبح الإنسان وليس في جوفه شيء من العلم إلا إذا كان عقاب بسبب ذنب، فقد ثبت أن بعض من ينتسب إلى العلم وعنده شيء من العلم لما عصى سلب بعض العلم الذي كان يحفظه، وأسرع ما يسلب من الإنسان القرآن، فقد يذنب الذنب ثم يصبح يتفلت عليه القرآن، أو يشغل بما ينسى بسببه القرآن، ولا شك أن هذه عقوبة.
((ولكن يقبض العلم بقبض العلماء)) ثم ما النتيجة إذا قبض العلماء؟ والعلماء بالنسبة للأمم لا سيما علماء هذه الأمة كما قال الآجري في أخلاق العلماء يقول: "إن حاجة الأمة إلى العلماء أشد من حاجة قوم في ليلة مظلمة في أرض مسبعة، في واد فيه السباع والهوام والشوك والأحجار وليس معهم نور، ولا يدرون ماذا يواجهون؟ ثم جاءهم من بيده مصباح يتقدمهم ويبصرون به الطريق، ويأمنون به مما يفاجئهم، مما يضرهم، ففضل هذا عليهم، فضل العالم في الأمة أفضل من فضل هذا الرجل الذي جاء بالمصباح في هذه الليلة المظلمة في الصحراء المهلكة، وذلكم لأن هؤلاء القوم الذين يمشون في الظلام خسارتهم في دينهم أو في دنياهم؟ في دنياهم، أما من عاش بدون عالم يهديه سواء السبيل، ويدله على الخير وإذا حصل له إشكال أو مشكلة في دينه، أو وقع في مخالفة يدله على الطريق هذا أعظم لأنه بهذا يحفظ الدين، هؤلاء العلماء الذين قبضهم الله -جل وعلا- فإذا تم ذلك بقبض العلماء كلهم ما النتيجة؟
стр. 182
((فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء)) أو ((رؤوساً)) كما في البخاري ((رؤساء)) وبعض الروايات: ((رؤوساً)) رؤساء جمع رئيس يتبعونه ويقتدون به، ويأتمرون بأوامره، وينتهون عما ينهاهم عنه، أو ((رؤوساً)) جمع رأس، والرأس والرئيس متقاربان، ولا بد من اتخاذ رأس يتبعه الناس، فإذا اتخذوا هذا الرأس وهو جاهل، أو الرؤوس اتخذوا مجموعة من الناس، أو كل فرقة تتخذ لها رأس أو رئيس لكنه جاهل، حصل لهم ما حصل فاحتاجوا إلى من يفتيهم، رجعوا إلى هذا الرأس، والمسألة مفترضة في رأس جاهل؛ لأن هؤلاء الرؤوس كلهم جهال، ((فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) ((فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) والمناسبة مناسبة هذا الحديث للترجمة أن هؤلاء الرؤوس الجهال إذا كانوا جهالاً لا علم لهم بالدين، ولا نصوص يعتمدون عليها، فإنهم سوف يضطرون إلى استعمال الرأي الفاسد، والقياس الفاسد، وعند ذلك يَضلون ويُضلون، يضلون بأنفسهم، ويضلون غيرهم، ومن هنا جاء ذم الرأي والقياس.
стр. 183
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو هانئ" حميد بن هانئ الخولاني "عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) " وهذا الحديث قطعة من حديث تقدم قبل عشرين حديثاً ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) والضبط الثاني: ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) فمن أفتي إذا حصل للإنسان نازلة فسأل عنها من اشتهر في الناس أنه يُسأل، أو من تصدر للأسئلة لأسئلة الناس، والإجابة على إشكالاتهم، فالعامة لا يفرقون، وفرضه سؤال أهل العلم، لكن عليه العامي فرضه سؤال أهل العلم لكن عليه أن يتحرى فيمن يسأل، فإذا كان يتحرى في أمور دنياه ويسال، إذا أراد أن يذهب إلى طبيب احتاج إلى طبيب هل يذهب إلى أي طبيب أو يتحرى ويسأل أي الأطباء أمهر وأعرف وأخبر، ثم يذهب إليه؟ يسأل، هذا في أمور دنياه، فكيف لا يتحرى في أمور دينه؟ قد يقول قائل: إن العامي فرضه سؤال أهل العلم وهو لا يستطيع أن يوازن بين أهل العلم، لا ليست لديه أهلية أن يفاضل بين أهل العلم، لكن أهل العلم أهل التحقيق أهل التحري أهل الورع متميزون عن غيرهم، وكل إنسان حتى العامي يفرق ويميز وعليه في مثل هذه الحالة أن يستفتي قلبه، وإن أفتاه الناس وأفتوه، كيف؟ هذا العامي إذا كان يعرف أن هذا الشخص عنده شيء من التساهل في الفتوى، ثم ذهب إليه وأفتاه بأن هذه المعاملة جائزة، أو هذا العمل لا كفارة فيه، وهو يعرف أن هناك من أهل العلم من هو أشد تحري وأشد ورع من هذا، لا بد وأن يقع في نفسه شيء من هذه الفتوى، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، فعليه أن يسأل أهل التحري والورع.
وليس في فتواه مفت متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
стр. 184
الورع لا بد منه؛ لأن الإنسان إذا كان يتحرى في أمور دنياه هل هذه البضاعة مربحة أو غير مربحة؟ أراد أن يبتدئ أو ينشئ مشروعاً تجارياً، ينشئها ابتداءً وإلا يستشير الناس أهل الخبرة والمعرفة، ويطلب من يقدم له الاستشارات والدراسات، يحتاط لدنياه، ومثل هذا من احتاج إلى طبيب هل يذهب إلى أي طبيب يواجهه أو يصادفه؟ لا، لا بد أن يسأل ويتحرى ويتثبت، فكذلك الدين، والدين رأس المال، تجد الناس إذا احتاج إلى معاملة من المعاملات، أو وقع في شيء يخشى أن يلزم بتبعة عليه إما كفارة أو غيرها ذهب يسأل من اشتهر بين الناس أنه متساهل، وهذا لا يجدي شيء، هذا لا يجدي على صاحبه، بل لا بد أن يسأل أهل التحري، وحينئذٍ وإن أفتاه الناس وأفتوه لا بد أن يسأل، والناس ماجوا في أيام مضت خلال سنتين أو ثلاث صاروا يسألون فمن يفتيهم بأن هذه المعاملة صحيحة وليس فيها شيء يقتدون به، ويأخذون أقواله، والذي يقول لهم: لا، هذه المعاملة فيها نسبة، أو فيها شيء، أو مختلطة، أو ما أشبه ذلك، يقولون: هذا ما عنده خبرة بالاقتصاد، هذا ويش يدريه هذا؟ هذه مسائل حادثة ولا نظير لها في الفقه الإسلامي، وفلان على العين والرأس من أهل العلم، لكن هذه أمور مستجدة لا علم له بها، الخبرة عند هؤلاء الذين درسوا الاقتصاد، وبالمقابل لو قيل له من قبل هؤلاء الاقتصاديين: إن هذه المعاملة ليست صحيحة وفيها ما فيها، قال: هؤلاء ويش أدراهم؟ هؤلاء أحداث ما يعرفون من الفقه شيء، فتجد الإنسان يدور على هواه، حيثما أملى عليه هواه -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن الدين رأس المال، يبقى أن الدين رأس المال، ودرهم من مصدر حلال أفضل من ألف درهم فيه ما فيه، فعلى الإنسان أن يحتاط ويتحرى لدينه، فهذا الذي سأل هذا الشخص الذي عُرف بتساهله، أو خفي أمره على أقل الأحوال لم يسأل عنه ولم يتثبت، ولا عرف ولا شُهر بعلم، وهذا يحصل كثيراً، أحياناً يجي يسأل يتوسم من فيه خير وفضل فيسأله، فإذا أفتاه سأله عن اسمه، قال: من أنت؟ من معي؟ يحصل هذا، فمثل هذا تبرأ ذمته بهذا الاستفتاء؟ هو ما يعرف أن هذا من أهل العلم أصلاً، ما يدري، لكن توسم فيه الخير فسأله، فإذا أفتاه سأله وأجابه قال: من أنت؟ هذا لا
стр. 185
تبرأ ذمته بمثل هذا السؤال؛ لأنه أقدم على سؤال شخص مجهول لا يعرفه، ولا بد من المعرفة أن يعرف سواءً كان بنفسه أو بغيره، بقول ثقة: إن هذا من أهل العلم، أو بالاستفاضة بين الناس أن هذا الشخص من أهل العلم.
((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) عليه كفارة؟ فقال المفتي: لا شيء عليك، الإثم على المفتي ما هو عليك، لكن لا بد أن يكون المفتي أنت تذهب إلى مفتي تبرأ الذمة بتقليده ليس أي مفتي، إنما إذا ذهبت إلى من تبرأ الذمة بتقليده خلاص الإثم عليه، إثمك على من أفتاك، وعلى الضبط الثاني: ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) يعني من استفتاه، يعني شخص لا يحسن ولا يتقن وليس عنده علم، أو عنده شيء من العلم لا يؤهله لأن يتصدر للفتيا، لا يؤهله فجاء شخص ابتلاه، وسأله عن مسألة فأفتاه عن غير علم وعن غير ثبت، فالإثم على المستفتي؛ لأنه هو الذي جره إلى الإفتاء، لكن مع ذلك لا تبرأ ذمة المفتي؛ لأن من أفتى بغير علم وجاء في الخبر: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)) والفتيا توقيع عن الله -جل وعلا-، فلا يجوز أن يوقع عن الله إلا من عرف مراد الله -جل وعلا- بما أنزله على نبيه ﵊ من الكتاب والسنة.
((فإنما إثمه على من أفتاه)) معنى هذا أنه تبرأ ذمة المستفتي إذا أفتاه ولو كانت الفتيا خطأ، إذا كان ممن تبرأ الذمة بتقليده، ذهب إلى عالم معروف الناس يقصدونه، واتفقت ألسنة الناس على أنه من أهل العلم، واستفاض أمره، ثم اجتهد هذا العالم فأفتاه بخطأ؛ لأنه ما هو مفترض في العالم أن يكون معصوماً، وأن أقواله صائبة كلها، لا بد أن يجتهد فيصيب، ويجتهد ويخطئ، فإن أصاب -وهو من أهل الاجتهاد- له أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا محمد بن العلاء الهمداني قال: حدثني رشدين بن سعد وجعفر بن عون عن ابن أنعم هو الإفريقي" عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي "عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((العلم ثلاثة)) " رشدين بن سعد ضعيف، وكذلك الإفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف، فالحديث ضعيف.
стр. 186
يقول فيه: ((العلم ثلاثة)) يعني ثلاثة أمور ((فما وراء ذلك فهو فضل)) يعني زيادة لا داعي له ((آية محكمة)) يعني غير منسوخة؛ لأن المحكم يقابل المنسوخ، وقد يقابل المتشابه، فالعلم في معرفة الآيات المحكمة من النسخ ومن التشابه التي يفهمها أهل العلم، ويستنبطون منها، وأما المتشابه فهو مما وراء ذلك، ولا يمكن أن يعرفه أهل العلم، لا سيما على قول من يقول: إن المتشابه لا يعلمه إلا الله، والوقف على لفظ الجلالة.
((ما وراء ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة)) قائمة يعني ثابتة صحيحة، فالآية المحكمة، يعني هل الآية المنسوخة ما فيها علم؟ الآيات المتشابهة ليس فيها؟ معنى هذا لو أن الإنسان عمل بهذا الحديث وهو ضعيف ويش يلزم عليه؟ يلزم عليه أنه يجرد الآيات من القرآن الناسخة، أما المنسوخ فيتركه، يجرد الآيات المحكمة التي ليس فيها شيء من التشابه، ويستنبط من هذا النوع، من هذه الآيات ويترك الباقي، ويأتي إلى السنن الصحيحة الثابتة ويترك غيرها.
((أو فريضة عادلة)) ويستدلون بهذا على فضل علم الفرائض الذي فيه العدل، والعدل بقسمة المواريث كما قسم الله -جل وعلا-، وهذا من أدلة تفضيل علم الفرائض، لكنه كما سمعنا علم ... ، والحديث ضعيف، لكن الحديث ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يتم الاستدلال به، وعلى هذا لو اقتصرنا على ما في هذا الحديث وقلنا: إن ما عداه فضل، واقتصرنا على الآيات المحكمة من التشابه والنسخ، والسنن الصحيحة الثابتة والفرائض فقط، ومنهم من يقول: إن الفرائض جمع فريضة، والفرائض يعني بها الأحكام من الحلال والحرام، وعلى كل حال الحديث ما دام ضعيف فلا يتكلف.
ثم قال بعد هذا: "حدثنا الحسن بن حماد سجادة قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان الأسدي" المصلوب، كذاب، وضاع "عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: ((لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم)) " يعني لا تقدم على شيء إلا عندك فيه علم، إلا بما تعلم ((وإن أشكل عليك شيء)) يعني لم يترجح لك جانب الإصابة فيه ((فقف حتى تبينه)) يعني حتى تتبين وجه الإصابة ((أو تكتب إلي فيه)).
стр. 187
وعلى كل حال الحديث موضوع، آفته محمد بن سعيد المصلوب، اتهم بالزندقة، فقتل وصلب، والحديث موضوع، وهو معارض بحديث معاذ أيضاً لما بعثه النبي ﵊ إلى اليمن، قال له: ((بم تحكم؟ )) قال: أحكم بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟ )) قال: فبسنة رسول الله، قال: ((فإن لم تجد؟ )) قال: أجتهد رأيي" ثم قال له النبي ﵊: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ )) وهو أصح من هذا، أيهما .... ؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
ويش عندك؟
طالب:. . . . . . . . .
أُموي، نسبة إلى بني أمية، وأما ابن خير الأشبيلي صاحب الفهرست المعروف أَموي بالفتح، نسبة إلى جبل في الأندلس يقال له: أمو، أما هذا إلى أمية بالضم.
((فقف حتى تبينه)) يعني تتبينه أو تبينه ((أو تكتب إلي فيه)) عرفنا أن هذا الحديث لا يكلف اعتباره، وإن كان معناه، معناه صحيح، لا يفصل ولا يقضي إلا بما يعلم، وإن أشكل عليه شيء لم يترجح فيه جانب الإصابة ففرضه حينئذٍ الوقف، يقف، إذا أشكل عليه يقف، فقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، الذي ليس عندك فيه دليل ولا نص عليك أن تقف فيه حتى يترجح لك جانب الإصابة، أو تكتب إلى من هو أعلم منك ليفيدك، أو تبحث في كتب أهل العلم، المقصود أن المعنى وإن كان صحيحاً إلا أن الحديث موضوع، لا تجوز نسبته إلى النبي ﵊.
ثم قال بعد ذلك: "حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الرجال حارثة بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجال" وأبو الرجال هو محمد بن عبد الرحمن سمي بذلك لأن له عشرة من الولد بلغوا مبلغ الرجال، فقيل له: أبو الرجال، أبو الرجال قد يتكنى الإنسان بمجموع لا بمفرد، الأصل أن الكنية تكون بمفرد، بواحد من ولده، أبو محمد، أبو سعيد، أبو زيد، أبو عمرو، لكن قد يتكنى .. ، هنا كني عُرف بأبي الرجال، والشيخ أحمد شاكر كنيته أبو الأشبال، فمثل هذا الأمر فيه سعة، لكن ابن أبي الرجال ضعيف، فإسناد الحديث ضعيف.
стр. 188
"عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي" الإمام المتبوع، الأوزاعي له مذهب متبوع، اتبع عليه، وقلد فيه، لكنه انقرض "عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص" وعلى كل حال الحديث مضعف لضعف ابن أبي الرجال "عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم)) " المولدون وأبناء سبايا الأمم، وفي بعض النسخ: ((المولدون أبناء)) يعني بدل أو بيان ((أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً)) يعني مستقيماً على الجادة ((حتى نشأ فيهم المولدون)) الذين ليسوا منهم، أمهاتهم ليست منهم ((وأبناء سبايا الأمم)) والمراد بالسبايا هنا النساء اللواتي يسبين في الغزو، أو ينتهبن من أهليهن، ثم يعرضن في الأسواق ويبعن، وهذا كله حاصل، لكن السبي في الغزو هو الذي يتم به الملك الصحيح، وأما الانتهاب فلا، فلا يتم به ملك.
стр. 189
((فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) لأن هؤلاء الدخلاء على المجتمعات لا يلتزمون بعادات هذه المجتمعات ولا أعرافها، وقد لا يلتزمون بما ساد فيها من دين، أو ما أشبه ذلك، فهم لا يرعون شيئاً، لا يراعون شيئاً؛ لأنهم دخيلون على المجتمع، وأنت تجد الإنسان في مجتمعه أقول: الإنسان في مجتمعه يمشي على الجادة لأنه شيء نشأ عليه، ثم إذا طرأ على مجتمع آخر، واختلفت عليه الأعراف ولو كان في مجتمعه من أمثل الناس، وذهب إلى مجتمع آخر بين المجتمعين من التفاوت ما بينهما، فتجده في مجتمعه يشدد في أمور يتساهل فيها أهل هذا المجتمع، ويتساهل في أمور من مجتمعه يتشدد فيها أهل هذا المجتمع، وكل إنسان وافد على أي بلد من البلدان يجد الفرق، يعني الإخوة الوافدون من الأقطار الإسلامية أهل الفضل والخير والاستقامة بينهم وبين من وفدوا عليهم بعض التفاوت، تجد أهل البلد يفعلون أفعال يتساهلون فيها هي عند هؤلاء الوافدين عظائم، والعكس تجد هؤلاء الوافدين يستعملون أشياء تعارفوا عليها في بلدانهم وهي عند أهل البلد الموفود عليه عظائم، هذا يدرك وإلا ما يدرك؟ لا، مدرك هذا، نشوف بعض إخواننا الأخيار الذين يأتون إلينا من الأقطار يتشددون في أمور نحن نتسامح فيها، والعكس، يتسامحون في أمور نحن نتشدد فيها، فهنا ينشأ مثل هذه الأمور، وتضيع الأمور بهذا السبب، لا سيما إذا كان المسئول عن البلد يريد الضياع، فتجده في المسائل التي يتساهل فيها أهل البلد يعتمد عليهم ويقربهم فيها، ويسألهم عنها، وإذا أراد التساهل في أمور أخرى يتشدد فيها أهل البلد يسأل هؤلاء الوافدين، وهذا ظاهر عند من يريد ألا يأطر الناس على الحق، وتجد في بعض البلدان إذا أراد أن يتخطى أمراً من أوامر الشرع تجده ينفس على الناس أحياناً في بعض الأمور، بينما سياسة عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا أراد أن يأطر الناس على الحق وسع عليهم في أمر الدنيا، لكي يقبل هذا الأطر، وهذا معروف عن عمر بن عبد العزيز ﵀.
يقول: ((فضلوا)) يعني بأنفسهم ((وأضلوا)) غيرهم، كما تقدم في الحديث الصحيح حينما يقبض العلم بقبض العلماء يتخذ الناس رؤوس جهال، فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، نعم.
стр. 190
باب: في الإيمان
حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان)).
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان ح وحدثنا عمرو بن رافع قال: حدثنا جرير عن سهيل جميعاً عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه.
حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال: ((إن الحياء شعبة من الإيمان)).
حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).
стр. 191
حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار! فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم، فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل)) قال أبو سعيد: فمن لم يصدق هذا فليقرأ: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [(٤٠) سورة النساء].
حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا حماد بن نجيح وكان ثقة عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: "كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً".
حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا علي بن نزار عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)).
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: في الإيمان
стр. 192
وبقية المؤلفين في السنة يجعلون الإيمان كتاب، كتاب مستقل، يفتتحون به الكتب، فالبخاري مفتتح بعد بدء الوحي الذي هو كالمقدمة للكتاب؛ لأن الكتاب موضوعه وحي السنة ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] ثم بعد ذلك بعد هذا الذي هو كالمقدمة لأنه ليس بكتاب، بدء الوحي ليس بكتاب، كالمقدمة للكتاب، ابتدأ البخاري بعد ذلك بكتاب الإيمان، ومسلم بعد المقدمة بدأ بكتاب الإيمان، وابن ماجه ﵀ قال: باب في الإيمان، والمسألة اصطلاح، لكن الإيمان شأنه عظيم، ينبغي أن يفرد بكتاب تام لا يلحق بغيره، والإيمان مرتبة من مراتب الدين كما سيأتي في حديث جبريل حينما سأل النبي ﵊ عن الإسلام والإيمان والإحسان، ويأتي بيانه وبيان أركانه -إن شاء الله تعالى-.
والأصل في الإيمان أنه التصديق ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [(١٧) سورة يوسف] أي مصدق، هذه حقيقته اللغوية، والشرع إذا جاء بحقيقة شرعية فإنه لا يلغي الحقيقة اللغوية وإنما يزيد عليها، يزيد عليها قيود تناسبه، كما هو الشأن في الصلاة والزكاة وغيرها، فالصلاة في اللغة: الدعاء، والصلاة في الشرع: دعاء وزيادة، الزكاة في اللغة: النماء، والزكاة الشرعية نماء وزيادة، وهكذا، والصوم في اللغة: الإمساك، وهو في الشرع إمساك من نوع مخصوص، ويأتي تعريفه في حديث جبريل -إن شاء الله تعالى-.
قال ﵀: "حدثنا علي بن محمد الطنافسي" الطنافسي الطنافس: جمع طنفسة، والنسبة إلى الجمع عند أهل العلم شاذة، يعني إذا أردت أن تنسب إلى جمع ترده إلى مفرده، اللهم إلا إذا كان الجمع أشهر من المفرد، كما في الأنصار، نعم تقول: أنصاري، الأنصار جمع ناصر، فلما كانت النسبة إلى الجمع أو كان الجمع أشهر من المفرد نسب إليه.
стр. 193
قال: "حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة" كم عدد الرواة؟ السند سباعي، فهو نازل "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وستون أو سبعون)) " على الشك؛ لأنه جاء في البخاري: ((بضع وستون)) وجاء في مسلم: ((بضع وسبعون)) فالبخاري من شدة تحريه واحتياطه أخذ بالأقل، وترجح عند مسلم: ((الإيمان بضع وسبعون)) وهنا جاء على التردد بين الستين والسبعين.
стр. 194
((باباً أدناها)) يعني الإيمان أبواب، تبلغ هذه العدة، أدناها وأقلها شأناً وأقلها مقداراً ((إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان)) أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد التي بها يعصم الدم والمال، وبها يدخل في الدين، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، من هذه الشعب، وهذه الأبواب وهذه الشعب التي تبلغ هذه العدة بضع ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى السبع كما قال بعضهم هذه الأبواب وهذه الشعب لم يأتِ بيانها بخبر ملزم، يعني بالتحديد، يعني ما ألحق بهذا الحديث من طريق صحيح حصر لهذه الشعب، وإن كان العلماء التمسوا وتحروا ما جاء وصفه بكونه من الإيمان في نصوص الكتاب والسنة، فجمعوا هذه العدة، وللبيهقي كتاب اسمه: شعب الإيمان، ولأبي عبد الله الحليمي قبل البيهقي كتاب اسمه: المنهاج في شعب الإيمان، يحرصون على أن يجمعوا مثل هذه التي جاءت الإشارة إليها، كما هو الشأن في الأسماء الحسنى مثلاً: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة)) ولم يأتِ في خبر صحيح إحصاء هذه التسعة والتسعين، مع أنها الأسماء الحسنى أكثر بدليل قوله ﵊: ((أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) فجمعوا الأسماء الحسنى اجتهدوا، فأثبتوا ما صح عن الله وعن نبيه ﵊ فيما سمى الله به نفسه، فصنفوا في الأسماء الحسنى، وحرصوا أن تكون العدة موافقة لهذا العدد، وجاء عند الترمذي بيان هذه الأسماء ملحقة بالحديث الصحيح: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً)) في البخاري وغيره، لكن تعداد الأسماء ضعيف، وأبو حاتم ابن حبان له جزء مفرد جمع فيه شعب الإيمان التي معنا، وحرص أن تكون من الكتاب والسنة مما وصف بكونه من الإيمان، فبلغت هذه العدة التي جاءت في هذا الحديث بضع وستون أو بضع وسبعون، و (أو) هنا للشك، في البخاري: الستين، وفي مسلم: السبعين.
стр. 195
((باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق)) يعني أقلها شأناً ومقداراً وأقلها أجراً إماطة الأذى عن الطريق، يعني تجد في الطريق شيء يؤذي الناس إما غصن شجرة، أو زجاج أو أي شيء يؤذي الناس فتميطه، وإذا كانت إماطته من الإيمان فوضعه مجانب ومخالف للإيمان، قدح في إيمان الشخص، وبعض الناس يعمد إلى هذه القوارير من الزجاج فيكسرها في طريق الناس، لكن غالب من يفعل هذا السفهاء والجهال من الصغار فلو فعله كبير أثم، وقل مثل هذا فيما يؤذي الناس من البول في طريقهم مثلاً، لا يجوز، وقد جاء التنصيص عليه: ((اتقوا الملاعن الثلاثة)) وقل مثل هذا في كل ما يؤذي الناس، إذا كانت السيارة كما يوجد في السيارات القديمة ينزل منها شيء يؤذي الناس، يؤذي المارة زيت مثلاً، تجد كل يوم نازل بقعة عند بابه، وإذا قدم يمين تنزل بقعة، وإن أخر يسار، إن صار على الجهة اليمنى مثل، إن وقف على الجهة اليسرى مثل، هذا لا شك أنه أذى للناس، فهو قادح، وقل مثل هذا في الذي يترك البيارة بعد أن تفيض يتركها تسيل في الشارع في السوق بحيث يتنجس الناس ممن يمر بهذا السوق، هذا لا يجوز بحال، كالبول في الطريق الذي جاء اللعن عليه -نسأل الله السلامة والعافية-، فإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وهو صدقة يتصدق بها الإنسان على نفسه، فيصبح على كل سلامى منكم صدقة، السلامى المفاصل، وفي الإنسان ثلاثمائة وستون مفصل، يحتاج كل مفصل إلى صدقة، شكر على هذه النعمة، يعني يتصور الإنسان أن أصبعه لا ينثني الآن الأصبع هذه فيها ثلاث مفاصل، نعم ثلاث عقد، يعني ثلاث مفاصل، وينثني وتستفيد منه، لكن أنت افترض أن عندك هذا الإصبع الصغير لا ينثني، لتتبين نعم الله عليك، والله تتأذى به هذا ما تحسب له حساب، لو كان الإصبع ما ينثني واقف، فضلاً عن اليد كونها كلها واقفة، يعني نعم نتقلب بها لا نحسب لها حساب، وكل نعمة من هذه النعم تحتاج إلى شكر، وشكرها بعدد الصدقات التي تكون في مقابلها، على الإنسان ثلاثمائة وستين صدقة في كل يوم، لكن الله -جل وعلا- رؤوف رحيم، رحيم بخلقه، جعل كلمة سبحان الله عن صدقة، تقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة مائة صدقة، تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله
стр. 196
إلا الله خير عظيم، تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنتهي، فمن يكون يجعل مع ورده ما ثبت من الأذكار يكون قد أدى هذه الصدقات، يعني يكون مع ورده وأذكار الصباح والمساء مثلاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، يحصل له الأجر الثابت في هذا الخبر، وأنها حرز من الشيطان، ويحط عنه مائة سيئة، ويرفع بها مائة درجة ... إلى آخره، ومع ذلك تحسم من الصدقات، إذا قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، ونزل عنه مائة من الصدقات، وإذا استغفر الله مائة مرة وفعل وكذا، يعني يثبت ما ثبت عن النبي ﵊ بحيث لا ينساه، أما أن يعرف أن النبي ﵊ حث على الاستغفار وعلى التسبيح وعلى التهليل ويتركه مطلقاً ينساه، بينما إذا ربطه بأذكار الصباح والمساء لا سيما من جاء فيه النص: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة)) حصل له ما حصل، فهذه إذا قيلت في أول النهار صارت حرز من الشيطان إلى آخره، فمثل هذه الأذكار يحرص عليها ليبرأ من عهدة هذه الصدقات، ويشكر هذه النعم، فهذه أمور لا بد منها، ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى، يعني يجزئ عن هذه الصدقات ركعتان تركعهما في الضحى، وجاء الحث على صلاة الضحى في أحاديث يوصي بها النبي ﵊ أصحابه، ويقولون: أوصانا خليلنا ﵊ يقول أبو هريرة وأبو الدرداء وأبو ذر: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث، ما هذه الثلاث؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، نعم؟ وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، فهذه وصيته ﵊ لأصحابه، وركعتا الضحى سنة، وإذا كانت تجزئ عن هذه الصدقات الكثيرة فعلى المسلم أن يحرص عليها.
стр. 197
((أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله)) فدل على أن في الإيمان الأعلى والأدنى، فمن كملت له هذه الخصال كمل إيمانه، ومن نقصت نقص بقدرها، فالإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة تبعاً لاستكمال شعبه وأجزائه يكمل، وتبعاً للإخلال بشيء منها ينقص.
((والحياء شعبة من الإيمان)) ((والحياء خير كله)) و ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) لكن المقصود به الحياء الخلق الذي يبعث على الانكفاف عما يذم به الإنسان، هذا هو الحياء النافع الذي يكف بسببه عما يعاب به، أما ما يسمى في العرف حياء مما يمنع من أداء ما أوجب الله -جل وعلا- من أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعليم علم، وما أشبه ذلك، فإن هذا مذموم، ولا يسمى حياء، بل هو خور وخجل، وإن سماه بعضهم حياءً، والحياء شعبة من شعب الإيمان.
نقف على الحديث الثاني.
اللهم صل على محمد ...
стр. 198
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: مقدمة سنن ابن ماجه (٩)
تابع: باب: في الإيمان
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
يقول هذا السائل: إذا كتبتُ آيات من القرآن على ورقة فهل تأخذ هذه الورقة حكم المصحف بحيث لا يمسها إلا طاهر؟
إذا كتبت الآيات متتابعة على هيئة كتابتها في المصحف صارت كأنها ورقة من المصحف، فلها حكمه، وإذا كتب على طريقة مخالفة لطريقة المصحف فلا تأخذ حكمها.
يقول: ذكرتم جمع الطرق والشواهد للتثبت من صحة الحديث وعدمه، ما هي الكتب الأصيلة التي يرجع لها في ذلك للتحري والنظر في الطرق والشواهد؟
على كل حال طرق التخريج معروفة عند أهل العلم، فالحديث يخرج من مضانه الأصلية التي تروي الأحاديث بالأسانيد، إما عن طريق الصحابي، وهذه طريقة من الطرق، وفي هذا تحفة الأشراف كتاب نافع في هذا الباب، وكذلك المسانيد تنفع إذا كان الصحابي معروفاً يُبحث عنه عن طريق صحابيه في هذه الكتب، أما إذا كان الصحابي غير معروف وعرف طرفه وأوله، فهناك كتب أيضاً ألفت على أطراف وهي مرتبة على حروف التهجي الجامع الكبير الجامع الصغير، وغيرها من الكتب على هذه الطريقة.
إذا لم يُعرف أول الحديث ولا صحابيه، فبالإمكان أن يعرف عن طريق كلمة غريبة فيه، ويستفاد في هذا الباب من كتاب المعجم المفهرس، أو موضوع الحديث، ويستفاد في هذا من فهارس الكتب المرتبة على الأبواب والموضوعات، وكتاب مفتاح كنوز السنة أيضاً ينفع في هذا، وإذا كان الحديث له صفة خاصة يرجع فيه إلى هذه الكتب التي تبحث في هذه الصفة، كأن يكون فيه علة فيبحث في كتب العلل، يكون مرسل فيبحث في كتب المراسيل وهكذا، ثم يجمع طرق الحديث وينظر في أسانيدها، ويحكم عليها بعد ذلك.
يقول: ما رأيكم في قول بعض أهل العلم أن الإمام مسلم يرتب روايات الصحيح بتقديم الأصح، ثم ما دونه في الصحة؟
стр. 199
هذا مقتضى كلامه في المقدمة، لكن الواقع قد يكون في كثير من الأحيان عكس ذلك؛ لأنه قد يذكر الرواية التي فيها مقال، ثم يصححها، ويعلها بالرواية التي تليها، مما يكون أصح منها، فلست على حد سبري للكتاب ليس له طريقة مستمرة، وإن كان الاستقراء غير تام، لكن يبقى أنه لا يمكن أن يحكم بأنه يقدم الصحيح أو الأصح.
أما السؤال الثاني يقول: هل يجوز حل السحر عن طريق السحر، أو عن طريق السحرة؟
هذا أجبنا عنه بالأمس، مراراً أجبنا عنه.
وهذا أيضاً يسأل يقول: هل هناك عدد معين من المرات يمكن للخاطب فيه أن يرى وجه الفتاة التي ذهب لخطبتها؟
هذا أجبنا عنه بالأمس.
في الحديث: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)).
الحديث فيه كلام، وأدلته على الإجماع كثيرة تنتهض لأن الإجماع حجة، ولا تجتمع أمتي على ضلالة، هذا مقبول عند جمع من أهل العلم، ويستدلون به على ثبوت حجية الإجماع.
يقول: هل الأمة هنا محددة بزمن كالثلاثة القرون الأولى أم هنا غير ذلك؟
لا، ليس بزمن محدد، بل الأمة أمة الإجابة إلى قيام الساعة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: في الإيمان
تكلمنا في الترجمة والحديث الأول حديث الشعب، وهناك طريق أخرى أو أكثر من طريق لهذا الحديث عن أبي هريرة.
قال ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان ح وحدثنا عمرو بن رافع قال: حدثنا جرير عن سهيل جميعاً عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه" والحديث مخرج في الصحيحين، ومر الكلام فيه.
ثم بعد ذلك قال: "حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال: ((إن الحياء شعبة من الإيمان)) " في بعض الروايات في الصحيح: ((دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)).
стр. 200
هذا الرجل الذي يعظ أخاه في الحياء، ويرى أن الحياء أثر في حياته، فلا يقدم على كثير مما ينفعه بسبب الحياء، يحجم عن بعض الأشياء فيتضرر بتركها، سواءً كان الضرر في دينه أو في دنياه؛ لأن بعض الناس يستحيي على حد زعمه، أو على حد زعم أخيه كما هنا، هذا يعظ أخاه يقول: لا تستحي خفف من هذا الحياء لتعيش مع الناس، والمراد بهذا الحياء الحياء العرفي الذي هو في الحقيقة خجل، وهذا الخجل مذموم؛ لأنه يعوق عن تحصيل ما ينفع، سواءً كان من أمور الدين، فيجعل الإنسان لا يتعلم العلم، ولا يتعلم العلم مستحيي ولا مستكبر، ويمنعه عن الإنكار، يمنعه عن أداء النصيحة لإخوانه التي أمر الله بها، يمنعه عن مزاولة بعض أمور دنياه التي يتضرر بتركها، فهذا الخجل مذموم بلا شك، وأما الحياء الشرعي الذي هو مانعٌ لما وكافٌ عما يذم به الإنسان، عما يذم به سواءً كان شرعاً أو عرفاً، فالحياء خير كله، وشعبة من الإيمان، فإذا كان هذا الحياء يكفه عما منعه الله منه، أو يكفه عما يشينه بين الناس فهذا شرعي، وأما إذا كان يمنعه من مزاولة ما أمر به، أو مزاولة ما ينفعه في أمور دينه أو دنياه فإن هذا مذموم.
стр. 201
فقال: ((إن الحياء شعبة من الإيمان)) وهذا يدل عليه الحديث السابق، حديث أبي هريرة: ((والحياء شعبة من الإيمان)) وأيضاً ما جاء في الرواية الأخرى: ((دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)) فالحياء بلا شك ممدوح، وأما الحياء العرفي الذي يسميه الناس حياء وهو في الحقيقة ليس بحياء إنما هو عجز ومهانة وذل، هذا لا ينفع، هذا يضر صاحبه؛ لأنه يكفه عما أمر به شرعاً، أو يكفه عما ينفعه في أمور دنياه، فكثير من الناس يخجل، وهذا الوصف حقيقة قد تنظر إلى بعض الناس وتجده وتظنه من أشد الناس حياءً، وهو في الحقيقة على العكس تماماً يزاول ما حرم الله عليه هذا لا يستحي، ولو كان يخجل، وبعض الناس العكس تظنه لا يستحيي وهو في الحقيقة على درجة بالغة من الحياء، يعني على سبيل المثال من كبار الأدباء والكتاب مثلاً أحمد أمين مثلاً يُظن به وهو من كبار الكتاب وكبار الأدباء وله منزلة رفيعة عند قومه، منزلة كبيرة، يقول: إنه في بعض الأوقات لا يطلب الماء ليشرب خشية أن ينكب عليه من الحياء، وإذا أعطي الشاي لم يقبله خشية من ذلك، وقد يجلس في المجلس الساعات لا يستأذن ليقضي حاجته، كله من الحياء والخجل، وأعرف بعض الناس يتخرج في الجامعة ويتوظف وهو لا يستطيع أن يسلم على الإمام وهو في المحراب، لا بد أن ينصرف الإمام عن مكانه ثم يسلم عليه، لا يستطيع أن يتقدم أمام الناس، فهل مثل هذا ينفع؟ هل مثل هذا حياء شرعي؟ هذا ليس بشرعي، هذا خجل ويذم عليه، فمثل هذا كيف يتقدم بين يدي الناس ليعظهم وينفعهم وينصحهم، ويؤدي ما أوجب الله عليه من باب الأمر والنهي؟ هذا لا يستطيع أن يفعل شيئاً.
стр. 202
وعلى كل حال الحياء يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأن مفهومه عند كثير من الناس ليس بصحيح، بعض الناس يفسر الحياء على طبعه الذي جبل عليه، وإن كان ضد الحياء، وتجد بعض الناس يستحيي من أشياء لا يستحيا منها، ويقدم على أشياء في غاية القبح، ويُظن هذا أنه هو الحياء، لا هذا الكلام ليس بصحيح، ولا شك أن الناس سعيهم شتى، فبعض الناس لا يستطيع أن يعارض أحد في أبسط الأمور من أمور الدنيا، لا يستطيع أن يعارضه، لكنه إذا ارتكب شيئاً مما حرم الله عليه عارضه بكل قوة، ولم يتردد في معارضته والإنكار عليه، وأما أمور الدنيا فيقول: أمرها سهل، يعني ما نحتاج إلى أن نكون جبهة معارضة في كل شيء، يعني بعض الناس يمرر هذه الأشياء بهذه الأشياء، يعني يجعل كلامه مقبول في أمور الدين لأنه لا يعارض الناس في أمور دنياهم، وهذا طيب إذا لم يترتب عليه ترك محظور، وبعض الناس العكس يقول: لكم دينكم ولي دين، الدين بكيفه، للبيت رب يحميه، لكن إذا اعترضنا في أمور دنيانا لا بد من أن نقف في وجهه، واهتمامات الناس لا شك أنها تختلف باختلاف على قدر تمسكهم بهذا الدين ومعرفتهم به.
стр. 203
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي" نحتاج أن نكرر الكلام في هذه الحاء المفردة التي يكتبها أهل العلم بين الأسانيد، في أثناء الأسانيد كما هنا، وأنها حاء التحويل عند الأكثر من إسناد إلى آخر، من أجل الاختصار، يستعملها مسلم كثيراً، وأبو داود يستعملها كثيراً، النسائي ابن ماجه، يستعملونها بكثرة، البخاري يستعملها بقلة، ومع ذلك يختلف موضعها عند البخاري عن موضعها في غيره، فالبخاري كثيراً ما يستعملها إذا انتهى الإسناد يأتي بالإسناد كاملاً، ثم يذكر النبي ﵊ ويقول: ح وحدثنا فلان، هذه الحاء على هذا الاصطلاح لا قيمة لها، ولذا يستظهر بعضهم أن الحاء هنا معناها الحديث، يعني اقرأ الحديث الآتي، أو أصلها خاء التي هي رمز المؤلف، يعني رجع الإسناد إلى المؤلف، وإلا من حيث ما قرروه في الحاء التي بها تختصر الأسانيد، ويذكر من الإسناد الأول إلى المدار الملتقى فيختصر نصفه، وتفيدنا هذه الحاء كثيراً لا تنطبق على استعمال البخاري في غالب أحواله.
المغاربة يقولون: إن هذه الحاء معناها الحديث، اختصار لكلمة الحديث، والأكثر على أنها حاء التحويل، وتقرأ مفردة هكذا: حاء ويمر، يعني بسرعة حاء وحدثنا، وشخص يقرأ في كتب المصطلح وعجز أن ينطق بها، عجز أن ينطق كلمة حاء ويمر؛ لأنها تكتب هكذا، وهذه الحاء تكتب حاء ويمر، ويش معنا حاء ويمر؟ ظنها كلمة واحدة، يعني يمر في الكلام، يدرج في الكلام ولا يقف عندها.
стр. 204
"وحدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) " وهذا الحديث بحروفه في مسلم، هذا مخرج في مسلم، ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر)) والكبر شأنه عظيم، وإذا كان المراد به الكبر الذي ينطوي عليه قلوب كثير من الناس فهذا في غاية الخطورة، ولذا قال بعضهم: إن المراد بالكبر هنا الكبر عن الإيمان، فيتكبر فلا يؤمن؛ لأن الوعيد شديد، لا يدخل الجنة، وإن كان المراد به الكبر الذي جاء الشرع بتحريمه فالمراد بقوله: ((لا يدخل الجنة)) يعني مع أول الناس، مع أول الداخلين إن عوقب على هذا الكبر، والكبر خصلة ذميمة وقبيحة، وعائق في طريق المسلم الموصل إلى الله -جل وعلا- من العوائق، وفي طريق طالب العلم عن تحصيل العلم ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [(١٤٦) سورة الأعراف] فالذي يتكبر ويوجد في قلبه هذا الكبر لا شك أنه يصرف عن آيات الله التي هي القرآن، ولذا دافع بعضهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا، بعض من ترجم لشيخ الإسلام نظراً لقوة أسلوبه وردوده على المخالفين، وفي كل مجال يكون قوله حاضر بقوة يظن أن هذا ناشئ عن كبر، ذُكر هذا، ذكر هذا بعض من ترجم له، ودافع عنه من دافع، قال: لا يمكن أن يكون هذا العلم العظيم لا سيما بعلوم القرآن، وآيات الكتاب على طرف لسانه، وأسلة بنانه، كيف ييسر له هذا القرآن، وفي قلبه شيء من الكبر، والله -جل وعلا- يقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [(١٤٦) سورة الأعراف] فالكبر خصلة ذميمة وعائق من أعظم العوائق في الطريق الموصل إلى الله -جل وعلا-، وفي الطريق المحصل للعلم الشرعي.
стр. 205
((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر)) ذرة من خردل، الذرة يقولون: مائة ذرة تعادل حبة، والخردل شيء لا يرى بالعين المجردة، إنما يرى إذا فتحت النافذة، وسطعت الشمس والإنسان في ظلام يرى هذا الخردل، يعني ما يدخل مع النافذة من الشمس يكون فيها أشياء تتحرك، يقولون: هذا هو الخردل، المقصود أن في هذا تقليل ومبالغة في تقليل شأن هذه الذرة، وهي ذرة من خردل، يعني صغير من صغير، بل أصغر من أصغر، وهذا لا شك أنه يدل على خطورة الكبر، وسئل النبي ﵊ لما قال مثل هذا الكلام، وجاء في ذم الكبر ما جاء قال بعضهم: إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال ﵊: ((إن الله -جل وعلا- جميل يحب الجمال، ولكن الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) يعني رد الحق، يرد الحق، يتكبر ويتعصب لرأيه، ويغمط الناس، حقوقهم ويترفع عليهم، ويحتقرهم، هذا هو الكبر -نسأل الله العافية-، والنفس والقلب يحتاج إلى معالجة دائمة، وإلا لو غفل عنه لو وجد فيه هذه الأمراض، فأمراض القلوب كثيرة، وهي بحاجة إلى متابعة علاج، متابعة مستمرة في العلاج، فالإنسان يحتاج إلى أن يعالج قلبه من أجل الإخلاص؛ لأن النية شرود، يخطر له أدنى شيء فيجترفه عن نيته، والإنسان يدخل في صلاته ثم يعتريه ما يعتريه لمحة خطفة، ثم ينساق ورائها، ويترك الصلاة، وإن كان في جسده يصلي، فعلى الإنسان أن يتحسس قلبه، ويراجع نفسه باستمرار، هذا بالنسبة للإخلاص، وأيضاً الكبر عليه أن يستحضر مثل هذه النصوص، فلا يترفع على الناس، ولا يتعالى عليهم، ولو كان من أغنى الناس، ولو كان من أعلم الناس مع أن الذي يتكبر على الناس العلم الذي ينطوي عليه فيه نظر؛ لأن العلم لا شك أنه هو الذي يعرف الإنسان بربه ويعلمه ويعرفه بنفسه، وإذا عرف ربه وعرف نفسه تبرأ من هذا الشين والعيب الذي يراوده، وأيضاً على الإنسان أن يراقب قلبه في مسألة العجب، بعض الناس قد يكون في مجلس أو في مكان فيبدو منه شيء يعجب به الحاضرون، ثم يعجب بنفسه، والعجب آفة أيضاً من أشد الآفات التي تقضي على الحسنات.
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
стр. 206
فعلى الإنسان أن يراجع نفسه باستمرار، ويتعاهد هذه النفس التي بين جنبيه، فمثل هذا لا يدخل الجنة -نسأل الله السلامة والعافية-، فإن كان متكبراً عن الإيمان فالحديث على ظاهره لا يدخلها ألبتة، وإن كان في قلبه شيء من الإيمان، وفي قلبه شيء من احتقار الناس، والكبر الذي جاء تعريفه في الحديث، فإن هذا لا يدخل الجنة مع أول الداخلين إن عوقب، إن عوقب لا يدخلها مع أول الناس، لكن لا بد أن يعاقب على .. ، هذا إن عوقب بل يعاقب على قدر ما في نفسه ومعصية من المعاصي يعذب عليها، ثم يكون مآله إلى الجنة إن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان على ما في الجملة الأخرى.
((ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) يعني هذا مقابل ذاك، فالذي يقابل الكبر الإيمان، والإيمان لا شك أنه يعالج القلوب من تلك الأمراض وتلك الأدواء ((ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) إن كان المراد به أصل الإيمان، وأنه في قلبه أصل الإيمان، وقد فرط في الواجبات أو في بعض الواجبات، وارتكب بعض المحرمات، وفي قلبه أصل الإيمان، وفي قلبه مثقال حبة أو أكثر، فمثل هذا لا يدخل النار دخول الكفار، بمعنى أنه لا يخلد فيها، وإن دخلها ليعاقب على ما ترك من واجبات، أو يعاقب على ما فعل من محظورات؛ لأن الدخول يطلق ويراد به مجرد الدخول، وإن حصل بعده الخروج، ويطلق ويراد .. ، وهذا الأول هو دخول المسلمين أصحاب الكبائر، يدخلون النار ليعذبوا فيها بقدر جرائمهم، ثم يخرجون منها، ومآلهم إلى الجنة ومن أهل الجنة؛ لأن العبرة بالمآل، والدخول الثاني دخول الخلود الذي هو دخول الكفار، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فإن هذا لا يدخل النار دخول الكفار، ولا يعني هذا أن مجرد الإيمان والتصديق كافٍ عن غيره في عدم دخول النار بالكلية، وأن العمل لا يشترط، بل العمل شرط لصحة الإيمان، والمراد بذلك جنسه كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وسلف هذه الأمة كلهم على أن الإيمان قول وفعل وعمل، قول واعتقاد، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
стр. 207
وسئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن من يقول: الإيمان قول وعمل، وكأنه عرف من حال هذا السائل ما عرف فقال: هذا أخبث قول، يريد بالعمل، القول الذي هو النطق، والعمل عمل اللسان لا عمل الجوارح، أو عمل القلب دون عمل الجوارح، فكأنه عرف من حال هذا السائل وهم يعرف بعضهم بعضاً.
قال ﵀: "حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا)) " يعني دخلوا الجنة، الأمن إنما تكون بمجاوزة الصراط ودخول الجنة ((فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا)) يكون له حق عليه، له دين عليه، يجادله ويحاوره؛ ليحصل على دينه وعلى حقه ((فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار)) يجادلون الله -جل وعلا-، ويحاورونه ويطلبون منه، يطلبون منه أن يخلص إخوانهم من النار التي خلصهم منها.
((أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا فأدخلتهم النار! )) الله -جل وعلا- ليس بظلام للعبيد، أدخلهم النار بسبب ما عملت أيديهم، ما كسبت أيديهم، بحسب ما كسبت أيديهم، تركوا الواجبات، تركوا بعض الواجبات، ارتكبوا بعض المحرمات التي توعد عليها بدخول النار فأدخلهم، فأدخلتهم النار، وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون، لكنهم أدخلوا النار بسبب الذنوب والمعاصي والكبائر التي اقترفوها غير هذه الأعمال، قد يكونوا يسرقون، قد يكون بعضهم يشرب الخمر، بعضهم يزني -نسأل الله السلامة والعافية- بعضهم يرابي، بعضهم قاطع لرحمه، بعضهم عاق لوالديه، كل هذه -نسأل الله العافية- توعد عليها فاعلها.
стр. 208
((فأدخلتهم النار! فقال: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم)) يعني يشفعهم الله -جل وعلا- فيهم، يقبل شفاعتهم فيهم، ويكون هؤلاء ممن رضي قوله وعمله، والله -جل وعلا- يأذن لهم فيها، ويقبل منهم هذه الشفاعة، فيقول: ((أذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم)) يعني النار لا تأكل مواضع السجود، مواضع السجود لا تأكلها النار، ومنها الوجه الذي يعرف به الإنسان ((لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه)) يعني ومنهم من هو أكثر، ومنهم من هو دون بحسب جرائمهم التي ارتكبوها ((فيخرجونهم، فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان)) وزن دينار من الإيمان، يعني ومن مقتضى الإيمان يعني ما هو مجرد ما وقر في القلب فقط ليقال: إن العمل ليس بشرط، إنما الإيمان مجموع القول والاعتقاد والعمل.
((أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل)) وهذا فضل الله -جل وعلا- حيث يعفو ويصفح، ويخرج هؤلاء من النار، والنار شأنها عظيم، وحرها لا يطاق ولا يستطاع، والنار التي نوقد عليها في الدنيا إنما هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-، والتسعة والستون جزءاً حرها كل واحد منها حرها كحر النار، وجاء في بعض الأخبار أن من أهل النار من لو خرج إلى نار الدنيا لنام فيها، والواحد منا لا يستطيع أن ينام بدون مكيف، بل إذا كان التكييف فيه خلل لا يستطيع أن ينام، وقبل سنين كان الكهرباء غير منتظم، ورمضان في وقت الحر في الصيف، فإذا طفئ الكهرب في النهار ذهب الناس يبحثون عن .. ، من مسجد إلى مسجد لعلهم يجدون مسجد فيه كهرباء، وبعضهم يغسل ثيابه وفراشه بالماء، ويتخذ كافة الاحتياطات، هذا من الجو فقط بدون نار، كيف لو قرب من نار الدنيا؟ فكيف بنار الآخرة؟! فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه، ويقدم ما يخلصه من هذه النار.
стр. 209
"قال أبو سعيد: فمن لم يصدق هذا فليقرأ: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [(٤٠) سورة النساء] " لأنه لو أدخل من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان النار دخول خلود لو أدخله دخول خلود لكان ظالماً له، أين ذهب مثقال هذه الذرة والله -جل وعلا- لا يظلم مثقال ذرة؟ ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [(٤٠) سورة النساء].
فالسيئات مفردات، السيئة سيئة، والحسنة بعشر أمثالها، ومع ذلك بعض أهل الخيبة والحرمان والخسران تفوق آحادهم عشراتهم، وترجح كفة سيئاتهم على كفة الحسنات، ومثل هؤلاء لا شك أنهم مغبونون.
стр. 210
ثم بعد هذا قال ﵀: "حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا حماد بن نجيح" وكان ثقة "عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: "كنا مع النبي ﵊ ونحن فتيان حزاورة" يعني جمع حزور أو حزَور، ضبط على الوجهين، والمراد به الغلام الفتي الذي اشتد وقوي، واشتد صلبه "ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن" تعلموا الإيمان ووقر في قلوبهم، وخالطت بشاشته قلوبهم "ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً" يعني جاء القرآن على قلوب مؤمنة، ورد القرآن على قلوب مؤمنة فازدادوا به إيماناً، لكن من تعلم القرآن قبل الإيمان مثلاً يتصور وإلا ما يتصور؟ تعلم القرآن قبل أن يؤمن، يعني مثل طريقة من يدرس الدين لنقضه مثلاً كالمستشرقين تعلموا القرآن وتعلموا السنة، وتعلموا بقية فنون المعرفة الإسلامية، وهدفهم إفساد الدين على أهله، فتعلموا من القرآن قبل أن يؤمنوا، ثم بعد ذلك أداهم هذا التعلم في بعض الحالات إلى الإيمان، فيكونون على هذا عكس ما كان عليه الصحابة، تعلموا القرآن قبل الإيمان، ثم جاءهم الإيمان، ودخولهم في الإيمان في هذه الحالة وهذه الصورة عن قناعة، لكنه يختلف عن حال من تعلم الإيمان قبل القرآن، فثبته القرآن، ولذا يقول: "فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً" لأن القرآن إذا تليت آياته على المؤمن زادته إيماناً، على القلب المؤمن تزيده إيماناً ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق] فالذي ينتفع ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٥٥) سورة الذاريات].
стр. 211
هذا الأصل أن المؤمن ينتفع ويزداد بالقرآن، ويزداد بالمواعظ، ويزداد بالتذكير إيماناً، لكن مفهوم هذه الآيات أن غير المؤمن لا ينتفع بالقرآن، وهذا غالب وكثير، لكن مع ذلك قد ينتفع، فكم من شخص سمع القرآن فآمن بسبب سماعه القرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي﴾ [(٩) سورة الإسراء] فعلى الإنسان المسلم لا سيما طالب العلم الذي من الله عليه بالإيمان والاتباع والاقتداء والحرص على السنة أن يتعلم من القرآن والسنة ما يزداد به إيماناً، وأن يقرأ القرآن على الوجه المأمور به؛ لأن هو الذي تترتب عليه آثاره، فإذا قرأ القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل، وقصد التقرب إلى الله -جل وعلا-، وقصد الانتفاع بالقرآن فإنه لا شك أنه يستفيد فائدة عظيمة، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: قراءة القرآن على الوجه المأمور به تفيد الإنسان، وتفيد قلبه من الإيمان وتزيده إيماناً وطمأنينة وراحة ويقين، كل هذا ما لا يدركه إلا من عاناه وعرفه وعمل به، وابن القيم -رحمه الله تعالى- يقول:
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآنِ
فعلى الإنسان الذي وقر الإيمان في قلبه وصدق إيمانه، واتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، أن يعنى بهذا الكتاب، بهذا القرآن الذي فيه شفاء لأمراض القلوب والأبدان.
يقول: "ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً".
قال بعد ذلك: "حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا علي بن نزار عن أبيه" علي بن نزار الأسدي مضعف عند أهل العلم، وأبوه كذلك نزار بن حيان مضعف "عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية)) " ((صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية)).
стр. 212
المرجئة: هم الذين لا يرون العمل داخل في مسمى الإيمان، ولا شك أن فيهم الغلاة الذين يرون أن الإيمان هو مجرد المعرفة كقول جهم، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل، وهؤلاء دخولهم في مثل هذا الخبر دخولاً أولياً، إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل والمعرفة تكفي، ومن لازم قولهم أن إبليس مؤمن كامل الإيمان مثل إيمان جبريل؛ لأنه يعرف الرب -جل وعلا-، وأقسم بعزته، وطلب منه النظرة فدل على أنه يعرف الله -جل وعلا-، ولو كانت المعرفة كافية لكفت إبليس، وكذلك فرعون، وقد ألف بعضهم في إيمان فرعون، بعض الغلاة غلاة الصوفية ألف في إيمان فرعون، ولا شك أن هذا ضلال مبين -نسأل الله العافية- محادة لما جاء عن الله، مناقضة لصريح القرآن، ومع هذا يزعمون أن إبليس مؤمن، وأن فرعون مؤمن، وألفوا في إيمان فرعون رسالة معروفة، فضلاً عن إيمان أبي طالب، أو أبوي النبي ﵊، يعني هذه سهلة بالنسبة لادعاء إيمان إبليس، أو إيمان فرعون، أن أبا طالب يقول في لاميته، لا ما هو في اللامية، يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا المذمة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
هي نونية.
стр. 213
المقصود أن أبا طالب يعرف أن هذا الدين أفضل الأديان، ومع ذلك خُذل في آخر الأمر لتعلقه بديانة الآباء والأجداد، ولمضرة جلساء السوء، قال: هو على ملة عبد المطلب، فمات على الكفر، ونزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [(٥٦) سورة القصص] أما إيمان أبي طالب فكتب فيه من كتب، إيمان فرعون كتب فيه من كتب، ومقتضى قول الجهمية أن إبليس مؤمن؛ لأنه يعرف الله -جل وعلا-، وأما من يرى أن للأعمال أثر في دخول الجنة وعدم دخول النار أو العكس في ترك الأعمال، يعني منها واجبات ويعذب عليها، ويؤجر عليها، يؤجر على فعلها، ويعذب على فعلها والعكس في النواهي إلا أنها ليست بشرط لتحقق حصول الإيمان، يعني ليست جزء من الإيمان، ليست ركن من الإيمان، هؤلاء هم من يقال لهم .. ، من يسمون مرجئة الفقهاء، يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، وإن أوجبوا الواجبات، وحرموا المحرمات خلافاً لجهم وأتباعه، هؤلاء هم مرجئة الفقهاء، وأهل السنة قاطبة يثبتون الأعمال، وأنها لا بد منها في مسمى الإيمان، وأن حصولها شرط يعني جنس العمل كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لئلا يقول قائل: إنه يلزم عليه أن يكون مذهب أهل السنة ومذهب الخوارج سواء؛ لأننا إذا اشترطنا جميع الأعمال في الإيمان وقلنا: شرط صحة، قلنا: إنه يخرج من هذا الإيمان بخروج شرطه وهو العمل الواجب، فيخرج منه بترك واجب أو بفعل محرم، وهذا قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الكبيرة، أما أهل السنة فلا يقولون بهذا، إنما جنس العمل، يعني ما يدعي دعوى لا برهان عليها، يقول: إنه مؤمن وليس لديه عمل، لا يقبل هذا، فالعمل شرط لصحة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، والأئمة الثلاثة كلهم على هذا، وأما رأي الحنفية فهو معروف أن الواجبات واجبات، ويأثم بتركها، والمحرمات محرمات، ويأثم بفعلها، لكنها ليست شرطاً لتحقق أصل الإيمان.
طالب:. . . . . . . . .
لا لا ما في، تناقض هذا، تناقض، القدر الكمال القدر الزائد على الواجب، القدر الزائد على الواجب الكمال، إنما شرط الصحة له أثره في انتفاء المشروط بانتفاء جملته.
стр. 214
المرجئة والقدرية، القدرية يعني الناس في القدر طرفان ووسط، فيهم القدرية المثبتة المغرقة في الإثبات، وفيهم القدرية النفاة، فالقدرية المغرقة في الإثبات هم الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على جميع تصرفاته، وأن تصرفات المكلف مثل ورق الشجر في مهب الريح، لا علاقة له بها، هؤلاء الجبرية، الإنسان مجبور على أن يفعل ما يفعل، ولا اختيار له ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة ألبتة، وإنما يتصرف مثل ورق الشجر في مهب الريح ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [(١٧) سورة الأنفال] فيرون أن الإنسان مجبور، ولو لم يكن مجبوراً لكان له إرادة وحرية واختيار، فيكون خالقاً لفعله لو لم يكن مجبوراً، ويقابلهم القدرية النفاة الذين ينفون القدر، وأن الأمر أنف، وأن الإنسان يخلق فعل نفسه، فأثبتوا خالقاً مع الله -جل وعلا-؛ ولذا سموا مجوس هذه الأمة، وأهل السنة وسط بين هؤلاء الغلاة، سواءً كانوا غلاة في النفي أو غلاة في الإثبات، فيثبتون للمخلوق قدرة وإرادة ومشيئة، لكنها تابعة لإرادة الله ومشيئته ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [(٢٩) سورة التكوير] فأثبت لهم مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله -جل وعلا-، لا يستقل بشيء لا يريده الله، فهؤلاء المثبتة الغلاة في الإثبات الذين هم الجبرية، أو نفاة القدر الغلاة في نفيه وهم القدرية، وهل الأولى بالاسم النافي أو المثبت القدرية؟ هل الأولى بهذه التسمية (قدرية) من ينفي القدر أو من يبالغ في إثبات القدر؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا الأصل، المبالغة في الإثبات أولى بالتسمية، لكن هذا الاسم أطلقه أهل العلم على المبالغ في النفي، في نفي القدر، وأن الأمر أنف، وأن الإنسان يستقل بفعله، وأنه يخلق فعله.
стр. 215
مذهب أهل السنة وسط بين القدرية وبين الجبرية، فيرون أن الإنسان له قدرة ومشيئة وإرادة تابعة لمشيئة الله ، وأما قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [(١٧) سورة الأنفال] أثبت له الرمي ونفاه عنه، فالمراد بالنفي المنفي ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [(١٧) سورة الأنفال] يعني الإصابة، إصابة الغرض ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ [(١٧) سورة الأنفال] الذي هو الحذف أثبته له، فالمخلوق يحذف، لكن المنفي عنه الإصابة، الله -جل وعلا- هو الذي يجعلك تصيب الغرض، وأما أنت منك فعل السبب الذي هو الرمي، فما أصبت إذ حذفت ورميت، ولكن الله -جل وعلا- هو الذي أصاب الغرض، فأثبت له الفعل، لكنه لم يثبته له على سبيل الاستقلال، وله مشيئة تابعة لمشيئة الله -جل وعلا-، وله إرادة تابعة لإرادته، ولو كان مجبوراً، كما تقول الجبرية على أفعاله لكان تعذيبه ظلماً من الله -جل وعلا-، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، إذ كيف يعذب على شيء لا اختيار له فيه؟! كمن يعذب شخص لأنه طويل أو قصير! هذا مقتضى قول الجبرية، وأما القدرية فأثبتوا خالقاً مع الله -جل وعلا-، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] فالله -جل وعلا- خالق الإنسان وخالق عمله، القدرية النفاة يثبتون خالق مع الله -جل وعلا-، وأنه يستقل بفعله، وعلى كل حال هما في الضلال سواء -نسأل الله العافية-، لا هؤلاء ولا هؤلاء، والقول الوسط هو قول أهل السنة والجماعة، والحديث ضعيف.
طالب:. . . . . . . . .
في مسألة الاستطاعة وإلا غيره؟
طالب:. . . . . . . . .
أولاً: القدرية هؤلاء أهل القدر، القول بنفي القدر انتشر في المعتزلة، فهم قدرية، وانتشر أيضاً في الروافض قدرية؛ لأنهم معتزلة في هذا الباب، وأما الأشاعرة فهم يشابهون الجبرية من مسألة الاستطاعة، يقولون: الاستطاعة لا توجد عند المكلف إلا مقترنة بالفعل، وإلا قبله ليس لديه استطاعة، فقولهم قريب من الجبرية، وبعض الأشاعرة جبرية، بعض الأشاعرة مغرقون في الجبر كالرازي في تفسيره يقرر الجبر، ويستدل له، ويورد الشبهات عليه.
ثم بعد هذا قال -رحمه الله تعالى-:
следующие страницы →