← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أم يكون مريضا, كما أنهما لا يعلمان أيكون صالحا سعيدا أم يكون شقيا - نسأل الله العافية - فلذلك تجدهما قد غلبا جانب الرجاء والطمع في رحمة الله فيدعوانه صباح مساء أن يكون صالحا بجميع ما تحمله هذا الكلمة من معاني الصلاح (١) , فإذا يسر الله لهما ما أمّلا وحقق لهما ما كانا يرجوان كان جل وعلا هو الحقيق بالشكر على هذه النعمة, وكان الانصراف عن طاعته كفرانا (٢) , وقد بينت آية الأعراف هذا المعنى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) [الأعراف: ١٨٩] (٣). فالنكاح في ذاته يدعو العبد إلى الشكر, كما أن فيما يلحق هذا النكاح من نعم يتقلب فيها الزوجان دعوة كذلك إلى الشكر, فالشكر فيه صلاح للإنسان ونجاة في الدنيا والآخرة, كما أن في الانصراف عن شكره الخزي والعقوبة كما قال تعالى: ... ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].

стр. 107

المبحث الخامس: التوكل على الله التوكل على الله: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد (١) وهو من العبادات التي تجلب للعبد السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة, فالمتوكل على الله قد علق قلبه بالله وترك ما في أيدي الناس فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وحيث إن النكاح من الأمور المستقبلية التي يستشرفها العبد ولا يعلم ما هو مقبل عليه فإن التوكل على الله والاستعانة به من أعظم ما يعين العبد المسلم في كل ما يستقبله في شؤون حياته ومعاشه. فكثير من الناس قد يعيقه التفكير في هم الرزق عن المضي قدما في النكاح ومتطلباته , فبيّن الله أن التوكل والاعتماد عليه يضمن للعبد الرزق, فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. بل جعل النكاح بابا من أبواب الرزق لمن توكل عليه حق التوكل, فقد أخرج ابن جرير ﵀ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية: (أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (٢)

стр. 108

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (١) أنه قال: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁, قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ, يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى, قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) فكيف لا تطمئن النفس ويركن العبد لهذا الوعد الصادق من الله لمن توكل عليه؟! وقد أكّد النبي ﷺ هذا الوعد, فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله, والمكاتب الذي يريد الأداء, والناكح الذي يريد العفاف) (٣). فهذه الأمور الثلاثة التي وردت في الحديث من الأمور الشاقة التي تقصم ظهر الإنسان وتشق عليه ولولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها, وأصعبها العفاف, لأنه قمع الشهوة الجبلِّية المركوزة في الإنسان, وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين. (٤) وحين يحصل النكاح ويرى العبد ما أنعم الله به عليه من الغنى والرزق بفضل التوكل تنشرح نفسه وتطمأن, فينبغي عليه حينئذ أن يستصحب التوكل في جميع شؤون حياته في العسر واليسر والشدة والضيق, وحين يرزقه الله الأولاد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].

стр. 109

• مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق . وينبغي للعبد أن يستحضر التوكل كذلك في تعامله مع زوجته وما يحصل بينهما من خلاف أو غير ذلك فالله هو الذي بيده تغيير الأحوال, ولذا فإن الله ﵎ أشار إلى فضيلة التوكل في سياق آيات الطلاق وذلك لأن الركون إلى الله والتوكل عليه هو المُخْرِج من هذا الظرف العصيب, فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ففي الطلاق تشتد دواعي الغضب والكراهية, فيتسع مجال الكيد والظلم وتكثر مسالكه فالزوج يفكر كيف يقهر زوجته إما بإمساكها ضرارا, أو بأي طريق من طرق الكيد وكذلك الزوجة تفكر كيف تدفع هذا الظلم بالظلم والمكيدة, فبيّن الله أن من يتوكل عليه سيجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا, ومن التوكل التعامل بالمعروف وترك الكيد والإضرار, فالله هو الفعال لما يريد وبيده كفاية عبده إذا توكل عليه. (١) وقد يكون من أسباب الافتراق والخلاف ما يحصل من تقتير في الإنفاق لضيق ذات اليد مما يسبب وقوع الطلاق, أو عدم المراجعة إن وقع, فأتبع الله الوعد بجعل المخرج للمتقين .. بالوعد بمخرج خاص لمن توكل عليه وهو توسعة الرزق, فلا يظن أحد أن طرق الرزق معطلة بل إن الرزق يأتي للعبد من حيث لا يظن ولا يحتسب. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) فعلى العبد المسلم أن يربي نفسه على التوكل على الله ويجاهد نفسه, ويربي زوجته على ذلك, فإذا حقق التوكل علم يقينا أن الله لن يضيعه, فكل ما يصيبه بقدر الله فإن ضاق عليه الأمر صبر وإن أنعم الله عليه شكر, وبذلك تنعم حياته وتسعد نفسه ويعيش مطمئنا.

стр. 110

المبحث السادس: التربية على الصبر الصبر من الصفات العظيمة التي أمر الله جل وعلا بالتحلي بها ووعد عليها أعظم الجزاء. وأصل الصبر الحبس (١) , والمراد به حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن البطش والأذى. والله يعطي على الصبر ما لا يعطي على غيره كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦]. والصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإذا ثبت العبد على مخالفة الشهوة التحق بالصابرين (٢) ولذلك فإن الصبر عن الشهوات يحتاج من العبد إلى مجاهدة ورياضة , وقد بيَّن ذلك النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) (٣). وفي أبواب النكاح ما يربي العبد المؤمن على الصبر والتصبر ويأمره به, وفي التحلي بذلك الخير العظيم والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة. • المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح . فحين لا يستطيع العبد المسلم تحصيل ما أباح الله له من شهوة النساء بطريق النكاح فقد أُمِر بالصبر حتى يأتي الله له بالفرج.

стр. 111

فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. فإذا لم يقدر المسلم على النكاح إما لفقره أو فقر وليه, أو مُنِع من التزويج فقد أمره الله أن يصبر ويستعف عما حرم الله, وأن يشتغل بالأسباب التي تصرف عن قلبه الخواطر والأفكار (١) كما قال ﷺ (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (٢). وقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: (هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا فَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ مِنْهَا, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَنْظُرْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٣). وقد وعد الله من صبر واستعف أن يغنيه من فضله وأن ييسر له أمره ويفرج كربه لئلا يشق عليه ما هو فيه. (٤) فإذا طال بالإنسان ما يجد من عدم وجود سعة وقدرة على النكاح, ولم يطق الصبر عن الجماع وخشي العنت والحرج على نفسه والوقوع في الإثم فإن الله قد أباح له أن ينكح ملك اليمين, ولكن الصبر خير له وأفضل حتى يغنيه الله جل وعلا فينكح الحرائر, كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥] فختم الله جل وعلا الآية بالتأكيد على خيرية الصبر وأن من جاهد نفسه عن الوقوع في الحرام فهو خير له من نكاح ملك اليمين.

стр. 112

فالصبر يدل على شجاعة النفس وقوة عزمها، وعظم إبائها، وشدة حفاظها. وهذا كله يستحسنه العقل، ويندب إليه الشرع وقد جعل الله تعالى أجر الصابر موفاة بغير حساب. (١). والصبر عن نكاح الإماء خير للعبد من أن يسترق ولده, ولا تخلص له زوجته لأن حق الموالي لهن أقوى في استخدامهن حضرا وسفرا كما أن ترك ذلك أرفع له عن الابتذال, فالصبر على مكارم الأخلاق أولى وأرفع للعبد (٢). كما أن الأمَة قد تضيِّع مصالح البيت وشؤون تدبيره مما ينغص على الزوج عيشه فالصبر خير له, كما قال الشاعر: إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبره ضاعت مصالح داره (٣) وفي الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرق نصفه) (٤). وبهذا يتبين أهمية الصبر وفضله وأن العبد يجب أن يتحلى به. • المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد: وإذا أنجز الله لعبده ما وعده من تيسير النكاح, فلا يظنن المسلم أن هذا نهاية عهده بالصبر, بل هو مقبل على حوادث لا غنى له عنه, فإن الصبر هو الحل الأمثل والعلاج الرباني الذي أمر الله تعالى به, فلئن صبر العبد في بداية أمره حتى أنعم الله عليه بالنكاح, فإنه يحتاج في التعامل مع زوجته وأولاده إلى الصبر وقد يكون هذا الصبر صبرا عن معصية الله, وقد يكون صبرا في طاعة الله. وقد بين الله تعالى ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].

стр. 113

فإن الزوجة والأولاد قد يفتنان الزوج ويصدانه عن الطاعات وأعمال البر, فكثير من الأزواج قد يتقاعس عن فعل الخير بسبب استعطاف زوجته له فإذا فات الأمر وانقضى همَّ أن يعاقبها أو يطلقها, وهذا خطأ بيِّن في كلا الحالين. وقد وجهنا الله ﵎ التوجيه المناسب تجاه هذه الظاهرة, فحذرنا من طاعتهن في المعصية وأمرنا بالصبر والصفح عنهن, حتى وإن كن سببا في تقصير الزوج في الطاعات فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾. قال السّعدي في تفسيره: (لما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما هو ضرر على العبد، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ لأن الجزاء من جنس العمل) (١). • المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر: ومن الصبر كذلك الصبر في الإنفاق على زوجته وأولاده من الحلال, فمع قلة ذات اليد واضطراب الأرزاق, قد يكون النكاح سببا في أن يلج الإنسان باب الحرام فيُدخِل في جوف زوجته وعياله ما حرم الله فيكون ذلك سببا في هلاكه. ولذلك كان لزاما على العبد أن يصبر على هذا النوع من العداء, ألا وهو عداء المحبين. وما أجمل أن يجد العبد زوجته وأولاده عونا له على الطاعة, يحثونه على الخير ويحذرونه من اكتساب الحرام, وأنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على النار, حينها يعيش العبد في طمأنينة وسعادة. ولا يكون ذلك إلا بتربية الأهل والزوجة على الطاعات وخصال الخير, والورع, والابتعاد عن المعاصي والذنوب, وهذا يحتاج من العبد إلى تصبر ومجاهدة حتى يستقيم البيت كله على طاعة الله ولذلك فقد أمر الله نبيه ﷺ فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢].

стр. 114

فلما كانت العبادة شديدة على النفس ورعايتها تحتاج إلى مجاهدة أمر الله بالاصطبار عليها, فكيف بالزوجة والأولاد. (١) و لاشك أن هذا يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة, بل وعد الله بالرزق من امتثل أمره فقال: ... ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: لا نسألك مالاً بل نكلفك عملا ببدنك، نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا و نعطيك المال ونكسبكه. (٢) وعلى هذا فإن النكاح مدرسة للتربية على الصبر, وكفى بالإنسان رفعة وفلاحا أن يكون من الصابرين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]

стр. 115

المبحث السابع: البعد عن قول الزور أمر الشارع الكريم باجتناب قول الزور والبعد عنه في كل حال, فقال: ... ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج- ٣٠]. وقول الزور: هو القول الباطل والكذب, وسمي زورا لأنه أمْيَل عن الحق, وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. (١) وقد بيّن النبي ﷺ أنه من الكبائر, وأكّد على اجتنابه فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين , وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور, فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت) (٢). فجلوسه ﷺ لاهتمامه بهذا الأمر, وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه (٣). وسبب اهتمامه ﷺ بهذا الأمر وتعظيم شأنه؛ كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس, والتهاون بها أكثر من الشرك والعقوق, فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع, وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما. (٤) • المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين . وكما حذر الله عباده من قول الزور في عموم أحوالهم فقد أكد ذلك, وبين شناعة قول الزور بين الزوجين, لما فيه من مخالفة أمر الله وما قد يحصل من العداوة بين الزوجين.

стр. 116

ففي حادثة أوس بن الصامت مع زوجته خولة ﵄, قال تعالى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة- ٢]. فبيّن جل وعلا أن الظهار من منكرات الأقوال, وهو زور من القول يخالف الواقع وتنكره الشريعة. فليحرص الزوج والزوجة أن يحسنا القول بينهما, وأن يتجنبا الأقوال المنكرة, فإن عاقبتهما إلى خير ومن هذا الخير: • امتثال أمر الله ﵎, وذلك باجتناب قول الزور. • أن في ذلك كظما للغيظ ومجاهدة للنفس وفي ذلك يقول ﷺ : (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) (١). • مقابلة السيئة بالحسنة, وذلك أدعى لاستدامة روح المحبة, والتراجع عن الخطأ سواء كان ذلك من الزوج أو من الزوجة كما قال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]. • تربية الأولاد على القول الحسن وترك القبيح, فشتان بين أن ينشأ الأولاد في بيت يسمعون فيه أقوالا سيئة وشتائم ونحوها, وبين أن ينشئوا في بيت يسمعون فيه كل جميل.

стр. 117

ثم إن الأقوال السيئة بين الزوجين لا تؤدي إلى نتائج طيبة, بل على العكس, فهي توغل الصدور وتثير شهوة الانتقام, وقد تؤدي إلى الطلاق. ولكن الله ﵎ بيّن لنا الطريق الصحيح لعلاج المشكلات الزوجية, أو الشقاق بين الزوجين, وأنه ليس بالشتائم والرمي بالتهم والأوصاف القبيحة المنكرة, فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥]. وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال في حجة الوداع: (فاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح .. ) (١) فلا مكان إذا لمنكرات الأقوال حتى إذا وصل الأمر إلى النشوز والعصيان, وفي ذلك الحكمة البالغة من الحكيم الخبير. • المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات . ومن الأحوال التي نهى الله عنها وغلظ عقوبة فاعلها لما فيها من الزور, القذف ورمي المحصنات, فهذا غاية الزور والبهتان, فقد رتب الله جل وعلا عليه أغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. فبين الله جل وعلا في هذه الآيات خطورة قذف العفيفات الحرائر سواء كن ثيبات أو أبكارا

стр. 118

ولشناعة هذا القول وما يترتب عليه كانت شهادة الفرد غير كافية, في إثبات وقوع الزنا حتى يأتي بأربعة شهداء عدول, فمن لم يفعل ذلك فقد وقع في الإثم وعرض نفسه للعقوبة لما لهذا القول المنكر من الشناعة والخطورة فقد رتب الله في هاتين الآيتين على من تفوه بهذا القول أربع عقوبات: الأولى: عقوبة جسدية, وقد جعلت قريبة من عقوبة الزنا, بأن يجلد ثمانين جلدة. الثانية: عقوبة أدبية, فيكون متهما لا يوثق بكلامه, وترد شهادته. الثالثة: عقوبة دينية, فيصبح بذلك فاسقا بعيدا عن الإيمان. الرابعة: عقوبة أخروية, وهي العذاب العظيم والطرد من رحمة الله في الآخرة كذلك. وإن كانت الآيتين نصت على قذف الرجال للنساء فإن الحكم عامٌّ في قذف الرجال للرجال أو النساء للنساء أو النساء للرجال بإجماع العلماء (١). فعلى العبد المسلم الذي يرجو صلاح نفسه ونجاتها أن يبتعد عن قول الزور كبيره وصغيره, فإن من سب إنسانا وقذفه كذبا وزورا بالفسق أو بارتكاب كبيرة من الكبائر أو بما فيه معرة فإنه يلزمه التعزير (٢). ومن رحمة الله بعباده أن من تاب من هذه الفرية العظيمة فإن الله يتوب عليه, بعد أن يطهَّر بالجلد, فيرتفع عنه الفسق, ويصبح بين المسلمين ثقة عدلا تقبل شهادته (٣). كما لا يناله شيء من الوعيد الأخروي إذا صدقت توبته, لأن عمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب تاب الله عليه وإن اقترف كبيرة من الكبائر لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾

стр. 119

خلافا لمن جعل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ خاصة فيمن رموا عائشة أو بقية أزواج النبي ﷺ وأنه لا توبة لهم. (١) فليحذر العبد المسلم من خطورة قول الزور وما يترتب عليه من الآفات في الدنيا والآخرة وليجتهد في اجتنابه وخصوصا في بيت الزوجية فإن ذلك أدعى للطمأنينة وراحة العيش وقبل ذلك رضا الله عن عبده وتوفيقه للخير والفلاح في الدارين.

стр. 120

المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة لما كان النكاح مشتملا على مقاصد عظيمة وحِكم نبيلة, فقد أرشد الله عباده عما يقدح في هذه الحكم, فإنه كما أمر العباد بالابتعاد عن قول الزور, فقد أمرهم بالبعد عن العادات السيئة التي تخدش هذا النكاح وتؤثر فيه. ولقد كان لدى أهل الجاهلية من العادات والمظاهر في تعاملهم مع زوجاتهم ما يخالف الشرع والفطر السليمة, ولذا جاء القرآن بنبذ هذه العادات وأمر بالبعد عنها, وبين للعباد الطريق الأمثل والنهج الأقوم, ومن ذلك: • المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض: فقد كانت المرأة في الجاهلية إذا حاضت, فإن زوجها لا يساكنها, ولا يؤاكلها ولا يقربها (١). فلما سألوا عن ذلك أنزل الله قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهذه الآية فيها الإرشاد الصحيح لما ينبغي البعد عنه, فقد نهى الله تعالى عن جماع المرأة في زمن حيضها وبين الحكمة من ذلك فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وذلك أن النفوس والفطر السليمة تتأذى أن تباشر في هذه الحالة, كما أن في المباشرة أذى على صحة الرجل والمرأة على السواء, بل فيه أذى على النطفة لاختلاطها بركس الدم الفاسد العفن حتى قيل إن الموطوءة فيه يعرض لولدها أنواع من الآفات (٢) , فلما كان الأمر كذلك أمر جل وعلا باعتزال المرأة في هذه الحالة وعدم مباشرتها, ولذلك فقد تغير وجه رسول الله ﷺ حين سأله أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ عن مجامعة النساء حال الحيض, فعن

стр. 121

أنس بن مالك ﵁: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ .. إلخ الآية﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال رسول الله ﷺ اصنعوا كل شيء إلا النكاح, فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه, فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما (١). فقد كان سؤالهما ﵄ للنبي ﷺ إمعانا في مخالفة اليهود, فلما طلبا ذلك تغير وجه رسول الله ﷺ كالمنكر عليهما هذا الطلب لكون النص نزل بتحريمه وبيان حكمته (٢) , وهذا يدل على ما يحث عليه الدين الإسلامي من البعد عن الرذائل وسيء الأعمال. وفي هذا الحديث بيان لمعنى الاعتزال في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ حيث قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي المباشرة فيما عدا الفرج, وهذا فيه إبطال كذلك للعادة اليهودية الجاهلية من نبذ المرأة وامتهانها لما فيها من السوء ومخالفة مقصد النكاح والسكن والطمأنينة. وكما أبطل النبي ﷺ هذه العادة بالقول, فقد أبطلها بفعله ﵊, فقد كانت عائشة ﵂ تغسل له رأسه وهي حائض وهو معتكف في المسجد فيدخل لها رأسه, وكان يأمرها أن تناوله الثوب وهي حائض بل كان يقرأ القرآن في حجرها وهي حائض (٣) , بل بالغ النبي ﷺ في إبطال هذه العادة السيئة أعظم المبالغة فعن عائشة

стр. 122

رضي الله عنها قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب, وأتعرق العَرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ) (١). فتأمل إكرام النبي ﷺ للمرأة في تلك الحالة التي يصيبها فيه النقص الخِلْقي, وتكون في أمسِّ الحاجة لمن يواسيها, وفي ذلك بيان لها ولجميع الأمة أن ما قدّره الله عليها ليس سببا لهجرها أو عدم صلاحها للخدمة في البيت والأسرة. • المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها . ومما جاء القرآن بالأمر بالبعد عنه إتيان المرأة في دبرها, فقد كان بعضهم في الجاهلية إذا حاضت امرأته يجتنب إتيانها في مخرج الدم ويأتيها في دبرها, فنهى الله عن اعتزالها حال الحيض على ما سبق بيانه, ونهى إتيانها في دبرها على أية حال (٢). وأنزل الله قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣]. فعن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل هذا الحي من الأنصار -وهم أهل وثن -مع أهل هذا الحي من يهود -وهم أهل كتاب -وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يَشْرَحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهن مقبلات

стр. 123

ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات -يعني بذلك موضع الولد (١). فبينت أسباب النزول ما احتف بهذه الآية من حوادث, وجاءت الآية الكريمة تقر ما كان موافقا للفطر السليمة وهو جواز إتيان المرأة حيث شاء زوجها شريطة أن يكون الإيلاج في مكان الحرث وهو القبُل حيث موضع الولد. كما يفهم من هذه الآية البعد عن تلك العادة القبيحة والفعلة السيئة ألا وهي إتيان المرأة في دبرها (٢). ولما في هذه العادة من القبح, وحرصا من الشريعة عن البعد عن سيء الأعمال جاء الوعيد الشديد والنهي الأكيد لمن يقوم بهذا العمل, فعن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ : (ملعون من أتى امرأته في دبرها) (٣). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول: فقد كفر يما أنزل على محمد) (٤).

стр. 124

فهذان الحديثان فيهما تغليظ شديد ووعيد هائل لمن يرتكب هذا العمل حيث لم يكتف بكفره بل ضم إليه بما أنزل على محمد ﷺ (١). وقد اشتد نكير الصحابة رضوان الله عنهم في هذا الأمر, فعن سعيد بن يسار (٢) قال: سألت ابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن, قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن. قال: أو يعمل هذا مسلم؟! (٣). وعن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الذي يأتي امرأته من دبُرها فقال: هذا يسألني عن الكفر (٤). وهكذا تدعو الشريعة الإسلامية العباد إلى البعد عن قبيح العادات وسيء الأفعال, تكريما لهم وتنزيها لهم عما يضرهم ويشينهم, وتقودهم إلى ما فيه هداية لهم للتي هي أقوم في جميع شؤون حياتهم.

стр. 125

الفصل الرابع وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: تقوى الله . المبحث الثاني: مراقبة الله . المبحث الثالث: شكر الله . المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله. المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية, وفيه مطلبان: المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان. المطلب الثاني: اجتناب الفسق.

стр. 126

المبحث الأول: تقوى الله إن القارئ لكتاب الله لا تكاد تمر عليه سورة إلا ويقرأ فيها الأمر بالتقوى والحث عليها، فما من حكم يشرعه الله إلا كانت التقوى مصاحبة له, وداعية إلى القيام به وامتثال أمر الله فيه , ومرشدة العباد إلى الصلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. تأتي هذه الإرشادات الربانية لتبني حياة العبد كلها على تقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه. ولما كان الإنسان مكوّنا من جسد وروح, والروح ممتزجة بالبدن امتزاجا لا تنفك عنه إلا إذا أراد الله , وكانت سلامة الإنسان بما يقتاته من الطعام والشراب, فدل هذا على أن ما يطعمه العبد يؤثر على روحه التي بين جنبيه, ولذلك فإن الله أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث فإن كان ما يطعمه العبد طيبا ظهر أثر ذلك في طبيعته وتعامله, وعلى العكس فإن كان مطعمه خبيثا أثر ذلك في سلوكه وتعامله. (١) ولذلك جاءت آيات الأطعمة مشتملة على الأمر بالتقوى والحث عليها مرشدة للعبادة وقائدة لهم لما فيه النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. ويتبين ذلك من خلال ما يلي: • المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام . قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]. فقد بين الله لعباده في الآية السابقة على هذه الآية ما هو محرم عليهم من الأطعمة إلا ما اضطروا إليه وفي هذه الآية بين الله ﵎ ما أحل لهم من الطيبات من الرزق

стр. 127

وما أحل لهم مما يصطادونه بالجوارح من السباع أو الطيور شريطة أن تكون معلّمة, وذُكِر اسم الله عليها (١). ثم ختم الله ﵎ هذه الآية بالأمر بالتقوى كي يجتنب العبد ما نهاه الله عنه في الآية السابقة من الميتة وذبائح المشركين وغيرها, ويتوخى الحذر فيما يطعمه من صيد الجوارح إن لم يذكر اسم الله عليه, أو كان الجارح صاد لنفسه ولم يدرك العبد ذكاة الصيد, أو كانت الجارحة غير معلمة إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من اتقى الله تعالى لأنها تحجز الإنسان عن الوقوع في الحرام, وتدفعه للحلال, وتوصله إلى مرضاة الله (٢). • المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. فكما أمر الله عباده بالتقوى في اجتناب ما حرم, فقد أمرهم بأن يتقوه فلا يحرموا طعام طيبا أباحه الله لهم!! فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ لأن الإيمان يحمل على التقوى في امتثال الأوامر واجتناب النواهي (٣) , فإذا حرّم العبد على نفسه المباح, فقد أصبح مخالفا أمر الله, وليخش من العقوبة وعليه بالتوبة إلى الله تعالى وملازمة التقوى. (٤)

стр. 128

كما أن الآية تدل على أن أكل الطيبات واللذائذ لا ينافي التقوى. وقد ورد النهي الصريح عن النبي ﷺ فيمن يزهد عما أحل الله له فعن أنس بن مالك ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا عن عمله في السر, فقال بعضهم: لا أتزوج النساء, وقال بعضهم: لا آكل اللحم, وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (١) , وفي لفظ من حديث عائشة ﵂: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية) (٢). فأعلمهم النبي ﷺ أنه وإن غفِر له إلا أن ذلك لا يمنعه من التعبد لله. فكل فعل يفعله ﷺ من عزيمة ورخصة فهو فيه في غاية التقوى والخشية, لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر, وما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط. وبهذا يُعلم أن التنزه مما ترخص فيه رسول الله ﷺ ليس من التقوى في شيء, بل قد يكون من أعظم الذنوب وأخطرها على العبد (٣). وقد أنكر الله على من امتنع عن أكل الطيبات تزهدا وتمنعا بلا حاجة أو لما يلقيه أهل الضلال من الشبهات فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].

стр. 129

فالاستفهام يتضمن الإنكار على من امتنع عما أباح الله تعالى له, و يتضمن الإنكار على من يتبع هواه فيقول: (ما ذبح الله بسِكِّينهِ خير مما ذبحتم بسكاكينكم) قولا على الله تعالى بغير علم لأن الحكمة إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه (١). ولكن الحق: أن اتباع أمر الله تعالى خير من اتباع الأهواء, وهذا هو التقوى ولذلك قال تعالى في الآية التالية: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠]. فالتقوى الحقيقية هي التقرب إلى الله بترك الآثام والمعاصي الظاهرة والباطنة التي حرمها الله ﵎ لا بترك الحلال الطيب. (٢) كما أن من تقوى الله عدم الاعتداء فيما هو حق له , وهو التحليل والتحريم فهو أعلم بما يصلح العباد. وقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى قتادة أنه قرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] فقال: (منْ حَرَّمَ حَلالَ اللَّهِ فَقَدْ أَحَلَّ حَرَامَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ) (٣). • المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله والثبات على دينه . قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. لقد كان بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشربون الخمر قبل أن يُحرَّم ويتداولونه بينهم وفي أنديتهم, ولكن إيمانهم بالله وتقواهم له غلب ما يشتهونه, فلما نزل تحريم الخمر وسمعوا المنادي ينادي بتحريمه, ما كان منهم إلا أن امتثلوا في الحال, بل إن بعض الصحابة مجَّ ما كان في فمه فور سماع تحريم الخمر.

стр. 130

فعن أنس بن مالك رضي الله قال: (إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر, قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس, قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل). (١) وبهذا يتبين أن تقوى الله حاملة على امتثال الأمر وسرعة الإذعان. ومن ذلك أن النبي ﷺ قد شهد لمن كان مؤمنا متقيا لله ووافته المنية قبل نزول تحريم الخمر بأنهم لو كانوا أحياء لكانوا من المنتهين عنها, وقد رفع الله عنهم الإثم والجناح، فعن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية. (٢). وقال النبي ﷺ : (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم). (٣) ومن هؤلاء المتقين: عمر بن الخطاب ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] كان يدعو الله ويقول: (اللهم بين لنا في الخمر بينا شافيا فإنها تذهب بالعقل والمال) حتى نزل تحريم الخمر على الإطلاق فقال: (انتهينا انتهينا) (٤) امتثالا لأمر الله وإذعانا له. فكل هذه الأحاديث تبين ما لتقوى الله تعالى من الأثر الكبير في امتثال أمر الله والإذعان له. وإذا لازم العبد التقوى واستمر عليها كانت خير معين له على الثبات على الدين وبعده عن الزيغ والانحراف.

стр. 131

ولذلك فإن الله ﵎ كرر التقوى في هذه الآية ثلاث مرات, فالاتقاء الأوّل في قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل, والاتقاء الثاني في قوله ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير. بل إن التقوى تصل بالعبد بعد ذلك إلى منزلة المراقبة ومقام الإحسان فقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المراد به: الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال. (١) فإن العبد إذا لازم تقوى الله منعته من اقتراف ما حرم الله وامتثال ما أمر. ولا يفهم من الآية أن العبد إن كان من المتقين فلا جناح عليه أن يقترف المحرمات, بل إن ذلك ينافي التقوى. فعن ابن عباس ﵄ أنه أتي في عهد عمر بن الخطاب ﵁ برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب, فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني بين وبينك كتاب الله؟ فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على المنافقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية, ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات , فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر.

стр. 132

فقال عمر: صدقت, ماذا ترون؟ قال علي ﵁: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلد ثمانين (١) فقد بين له ابن عباس ﵄ أن الذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتق. فتأمل .. كيف أن تقوى الله تعالى في المأكل والمشرب تقود العبد إلى منازل الصالحين وتحجبه عما يغضب رب العالمين. • المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه . الطعام والشراب نعمة من نعم الله التي أنعم بها على عباده, وبها يكون قوام الناس وانتفاعهم, وأعظم من هذا تيسير سبل الحصول عليهما, بحيث لا يجد الناس العناء في إيجاد لقمة العيش, أو التعب في تحصيل شرابهم وطعامهم, ولذا كان من نعيم أهل الجنة أن يحصل العبد فيها على ما يتمنى بمجرد أن يشتهي, كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ [الطور: ٢٢]. وشتان بين من يحصل على قوته بسهولة ويسر أينما ذهب وجده, وبين من يجلس الساعات الطوال يسعى ويكابد ثم يرجع خاوي اليدين. ولذا .. فقد أخبر الله عباده أن التقوى سبب من أسباب الحصول على الرزق فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾. [الأعراف: ٩٦]. فجعل الله ﵎ الإيمان والتقوى سببا في حصول بركات السماء والأرض, وهو قطر السماء ونبات الأرض وما لا يدركه البشر مما يخفى عليهم من بركاتهما التي لا يعلمها إلا الله ﵎.

стр. 133

وفي قوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا﴾ إشارة إلى سهولة وتناول هذه البركات (١) ومن أعظم ما ينفع العبد من هذه البركات, بركة المطعم والمشرب ولذا جاء التعبير في سورة المائدة بالأكل, حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]. ومما يدل على هذا المعنى ما أخبرنا الله عنه في قصة أصحاب السبت وأنه بسبب فسقهم عاقبهم الله, فصعب عليهم الحصول على الرزق, فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. فهذه القرية كانت قريبة من البحر وعلى شاطئه, ولكن حينما تحايلوا على أمر الله وانتهكوا حرمته في يوم السبت, عاقبهم الله تعالى فأتتهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهاهم الله فيه عن العمل ظاهرة من كل ناحية كشوارع الطرق قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد, وباقي الأيام غير يوم السبت الذي يعملون فيه لا تأتيهم الحيتان (٢) , كل هذا بسبب فسقهم ومخالفة أمر الله الذي أمرهم به. فعلى العبد أن يتعظ بحال هؤلاء فقد كانوا على مقربة من الرزق ولكن أنى لهم الحصول عليه وقد فارقوا التقوى.

стр. 134

المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى وعد الله أهل المراقبة من عباده بمغفرة الذنب وزيادة الأجر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢] ففرق بين من يعيش في هذه الحياة لأجل متاعها وزخرفها, لا يربطه بالآخرة رابط ولا يذكره بالله مذكر وبين من يعيش مستشعرا عبودية الله واطلاعه عليه, وكل ما يحصل حوله أو يعرض له فهو بمثابة الموقظ الذي يبصره ويأخذ بيده إلى الهدى والرشاد. فحين يقرأ العبد المسلم قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] يدعوه ذلك إلى مراقبة من في السماء جل وعلا الذي يراه, ويطعمه, ويرزقه, فهو سبحانه إن شاء أطعمه وإن شاء حرمه, فهو المستحق لهذه المراقبة جل وعلا. ولذا جاءت الآيات في حديثها عن الأطعمة متضمنة للمراقبة ومصرحة بها في مواضع أخرى. • المطلب الأول: مراقبة الله حال الاضطرار والمخمصة . أحل الله لعباده الطيبات, وبين لهم ما حرم عليهم, ثم استثنى جل وعلا حالة الاضطرار في خمس مواضع من القرآن يذكر فيها هذه المحرمات وهي قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله في المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].

стр. 135

وقوله في الأنعام: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله في النحل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٥]. ولما كانت هذه المحرمات الأربع من أغلظ المحرمات تحريما فقد جعل الله جل وعلا الاضطرار مشروطا بعدم البغي والعدوان (١) , ومعنى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد): فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله، وله عن ترك أكله -بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى. (٢) وقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن الحسن قال: (غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها). (٣) وبهذا المعنى يتضح أن حالة الاضطرار لدى العبد لا تخلوا من استشعار مراقبة الله لأن العبد في هذه الحالة لا يعلم أحد صدق اضطراره إلا الله, فقد لا يصل العبد إلى حالة الاضطرار ولكن نفسه تسوِّل له الأكل من المحرم, وقد يزيد عن حاجته من ذلك المحرم تلذذا, إلى غير ذلك من البغي والعدوان الذي لا يمنع العبد من الوقوع فيه سوى استشعار أن الله مطلع عليه وهو عالم بالسرائر والخفيات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].

стр. 136

• المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى, وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان . شهد الله لأهل المراقبة من عباده بالفضل ورفع عنهم الحرج فزكاهم وأخبر بمحبته لهم فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ ... [المائدة: ٩٣]. فبين الله أنهم لما اتقوا ربهم أوصلهم ذلك إلى المراقبة والإحسان, فلما كان هذا حالهم قبل نزول تحريم الخمر, بين أنهم حتى وإن ماتوا وقد شربوها قبل التحريم فقد رفع عنهم الجناح وزال عنهم إثمها ورجسها لما كان منهم من المراقبة. وذلك أنهم راقبوا الله تعالى فيما كان محرما عليهم, ثم راقبوه فيما قد حرم عليهم إلى أن لقوا الله تعالى وهم على هذه الحالة. كما أن في هذه الآية شهادة لأصحاب هذه المنزلة من الأحياء فهي أدعى لثباتهم, وأقوى في استجابتهم وإذعانهم, وهو ما حصل من الصحابة رضوان الله عليهم حين نزول آية تحريم الخمر, وقد شهد رسول الله ﷺ لبعض أصحابه بهذه المنزلة العظيمة, فعن ابن مسعود ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ قال رسول الله ﷺ : (قيل لي: أنت منهم) (١) وفي هذه الآية دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضّله بأجر الإحسان. (٢) أما شارب الخمر حين لم يراقب الله تعالى حال شربه ولم يستح من نظر الله تعالى له كان من عقوبته أن الله تعالى لا ينظر إليه يوم القيامة, فعن ابن عمر ﵄ قال:

стр. 137

قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان بما أعطى) (١). • المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق, ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]. ابتلى الله عباده واختبرهم بمنع نوع من أنواع الرزق عنهم وجعل تعليل ذلك ليعلم من يراقبه تعالى ويخافه, ممن لا يراقبه ولا يقوى على هذا الامتحان. وفي قوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ بيان أن هذا الابتلاء ليس بالابتلاء العظيم الذي يصيب الأنفس والأموال, فإذا لم يصبروا على هذا فكيف يصبرون على غيره (٢) ومع ذلك فقد كان العرب يفتخرون بالصيد ويتلذذون باقتناصه. فكان من الابتلاء سهولة تناوله وصيده إما بالأيدي أو بالرماح كما قال تعالى: ... ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ , ولقد حصل ذلك للصحابة رضوان الله عليهم في عمرة الحديبية فقد كان يتغشاهم الصيد والطير في رحالهم ولم يروا مثله قط قبل ذلك. فبيَّن الله أن النجاة والفوز في هذا الابتلاء هو مخافته بالغيب, باستشعار رؤيته في الدنيا, سواء كان العبد بين الناس أو بعيدا عنهم.

стр. 138

فتأمل .. كيف يربي الله تعالى عباده على مراقبته ويتدرج بهم حتى في أمور معاشهم وطعامهم, فإن هذه المنزلة توصل العبد إلى البعد عن المعاصي والآثام, بل تأخذ بيده إلى التزود من الطاعات حتى يكون من أهل الإحسان. وما أجمل ما وعظ به إبراهيم بن أدهم (١) حين جاءه سائل فقال له: يا أبا إسحاق: إني مسرف على نفسي, فاعرض علي ما يكون لها زاجراً, ومستنقذاً لقلبي قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة قال: هات يا أبا إسحاق قال: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل رزقه قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال له: يا هذا: أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا هات الثانية, قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده, قال الرجل: هذه أعظم من الأولى, إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا هات الثالثة, قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعاً لا يراك فيه مبارزاً له فاعصه فيه, قال: يا إبراهيم: كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال: يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟! قال: لا هات الرابعة, قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً وأعمل لله عملاً صالحاً قال: لا يقبل مني, قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص؟! قال: هات الخامسة قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم, قال: لا يدعونني

стр. 139

ولا يقبلون مني قال: فكيف ترجو النجاة إذاً؟! قال له: يا إبراهيم! حسبي حسبي! أنا أستغفر الله وأتوب إليه. (١) وبهذا يعلم أن من أدرك هذا المعنى العظيم وجعله حاضرا شاهدا في أفعاله, فإنه يقوده إلى الفلاح والسعادة في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة.

стр. 140

المبحث الثالث: شكر الله أنعم الله ﵎ على عباده بنعم عظيمة, لا يحصيها العبد كثرة, وأنى له ذلك وكل نَفَسٍ يتردد في صدر العبد دخولا وخروجا هو من نعمه جل وعلا!!. وإن من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده نعمة الطعام والشراب, فلئن كان الخلق سبب الوجود في هذه الحياة, فإن الطعام والشراب سبب البقاء والحياة, وإن الإنسان بطبعه مَدِينٌ لمن تفضل عليه, فكيف بمن حياتنا فضل من أفضاله؟ وطعامنا وشرابنا قطرة في بحر إنعامه؟! ولما كان جهل الخلق وغفلتهم عن هذه النعمة هما سبب انصراف الناس عن الشكر (١) عرّف الله خلقه بهذه النعمة الجليلة, وذكّرهم بآلائه وأفضاله على وجه الإجمال والخصوص, لأن في ذلك الخير والنجاة في الدنيا والآخرة. وقد جاء القرآن بالأمر بالشكر والتذكير به في المأكل والمشرب بصور شتى وأساليب متنوعة, فمن ذلك: • المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. لما أمر الله عباده في هذه الآية بالأكل مما أباحه لهم وطيّبه من الرزق, أمرهم بالشكر على هذه النعمة, وعلى تلك الكرامة التي أكرم الله بها عباده, فعن قتادة ﵀ قال: (كَرَامَةٌ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهَا فَاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعْمَتَهُ) (٢).

стр. 141

ومما يدل على وجوب الشكر في هذه الآية تعليق التوحيد والعبادة به, لأن الشكر لا يصح إلا بالتوحيد, واختصاص الله جل وعلا بالعبودية سبب للشكر, وهذا يدل على ارتفاع الأمرين بارتفاع أحدهما, وأن من لم يشكر الله لم يعبده وحده, وان من شكره فقد عبده ووحّده. (١) ولما كان العمل الصالح من الشكر كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] فقد أمر الله الرسل به كما أمر به عباده المؤمنين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. وهذا يدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال وبالعمل الصالح. وأمر الله جل وعلا بالشكر بعد الأكل من الطيبات؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة ويجلب النعم المفقودة. (٢) • المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه, وأن غاية ذلك هو الشكر (٣). امتن الله على عباده بما سخر لهم من المطعومات والمشروبات مع تعددها وتنوعها, فمرة يمتن عليهم بما خرج من الأرض, وتارة يمتن عليهم بما سخر لهم من الأنعام وتارة بما سخر لهم من صيد البحر وطعامه, وتارة يذكرهم بأنه هو المتفرد بالإطعام سبحانه دون غيره والمتكفل بجعله طيبا للآكلين, والآيات في هذا كثيرة, وسأذكر في هذا المقام بإذن الله من الآيات ما يدل على نظائرها من الآيات الأخرى, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤].

стр. 142

فقوله ﵎: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي هو الرازق لهم من غير احتياج إليهم جل وعلا (١). وخص الإطعام في هذه الآية دون غيرها من النعم, لأن الحاجة إليها أمس, ولا غنى للخلق عنها. (٢) وكان من دعاء النبي ﷺ بعد الطعام, ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ ، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين). (٣) وهذا من شكر النبي ﷺ لربه, وثنائه عليه بهذه النعم التي تفرد بها جل وعلا. (٤) وقد بين الله سبحانه في هذه الآية أن الإشراك, كفران للنعمة وليس شكرا لها, لأن الشكر يستلزم التوحيد والعبادة, وقد قرن الله بين العبادة والشكر عند طلب الرزق في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 143

لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت:١٧]. فجاءت هذه الآيات لتذكر العباد بنعمة الر زق وغيرها من النعم التي تقود العبد لحقيقة الشكر وهي التوحيد لله جل وعلا والاعتراف بالعبودية له دون غيره من الكائنات حيث لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق لأن أكلهم رزقه, وعبادتهم غيره كفر ظاهر. (١) • نعمة إحياء الأرض وإخراج النبات. ومن الآيات التي بين الله فيها فضل هذه النعمة وعظمتها قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ ... [يس: ٣٣ - ٣٥]. فبين الله سبحانه أنه هو الذي أحيا الأرض وقد كانت مواتا وأخرج منها النبات والحب, وجعل فيها الحدائق والثمار, كل هذا ليأكل العباد مما أنبت لهم وأنشأ جل وعلا, وما سخر لهم وأعانهم عليه من الحرث والغرس, أما إنضاجه وإخراجه فليس لهم فيه حول ولا قوة, وهذا كله يستحق شكر المنعم المطعِم جل وعلا. (٢) وهذه الآيات وإن كانت للاستدلال على البعث ففيها إدماج للامتنان ضمن الاستدلال ولذلك فرع عليه ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وفرع عليه ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. (٣) وبين الله تعالى أن نعمة الأكل تسبقها نِعَم, وهي إحياء الأرض وشق الحب وإخراجه وإنشاء الجنات التي تخرج منها الثمار والفواكه, ثم يأتي الأكل منها بعد كل هذه النعم.

стр. 144

وقد جاء في سورة عبس ما يفصل هذه المراحل ويبينها حتى تكون أدعى لتذكر النعمة وشكر المنعم, قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. فهذا أمر من الله سبحانه لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله ويعيش به من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته. هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ (١). وجيء بالمضارع في قوله ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: مبالغة في تكرار الشكر وإيقاعه على الدوام بسبب هذه النعم العظيمة. (٢) • نعمة تسخير لحوم الأنعام للأكل. وكما ذكّر الله عباده بنعمة ما يطعمونه من نبات الأرض فقد ذكرهم بنعمة الأنعام وأنه خلقها لهم وأباح لهم الأكل منها فقال في سورة النعم (٣): ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥].فلما أخبر الله قبل هذه الآية أنه خلق الإنسان, أخبر في هذه الآية ما امتن به عليه من خلق الأنعام (٤) فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ أي: ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان (٥). ومن جملة النعم التي امتن الله بها على خلقه, الأكل من هذه الأنعام فقال: ... ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وتقديم الجار والمجرور هنا إنما هو بيان للاهتمام بهذه النعمة العظيمة

стр. 145

التي هي من أعظم المنافع المتكررة من الخلق, ولذلك جاء التعبير بالمضارع لاستمرار هذا الفعل وتجدده من العباد, ورغبتهم الشديدة في الأكل من هذه اللحوم (١). وقد ختم الله هذه الآيات بما يوجب على العباد شكره والثناء عليه فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [النحل: ٧] , لأن من رحمته جل وعلا أن خلق هذه الأنعام وسخر لنا فيها هذه النعم العظيمة التي من أعظمها نعمة الطعام, فهي تعليل لقوله تعالى: ... ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ (٢). وقد جاء في آيات أخرى ما يوجب الشكر صراحة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]. ومن لطيف رحمة الله وعظيم رأفته, أن نوع لعباده ما يطعمونه من اللحوم فكما أن لكل أهل بلد ما يناسبهم حسب طبيعة أرضهم وما يوجد فيها من الرزق, فقد نوع لعباده الطيبات من اللحوم فكما أحل صيد البر, وأحل بهيمة الأنعام, فقد أحل لعباده كذلك صيد البحر رحمة منه جل وعلا وفضلاً, وحتى يحصل للعباد التلذذ والتفكه بتنوع الأكل من هذه الطيبات, وهذه من النعم العظيمة التي تستحق الشكر للمولى المنعِم جل وعلا, فامتن الله على الخلق بهذه النعمة حتى يؤدوا شكرها على ما أمر فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ
следующие страницы →