← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول: تقوى الله جبلت النفس البشرية على حب ملذات الحياة الدنيا وزينتها. وبين الله ﵎ أن المال والولد من زينة الحياة الدنيا وقد أوصى الله عباده وحثهم على النفقة للفقراء والمساكين. وحينئذ قد يقع العبد في حيرة, وخصوصا إذا حضرته الوفاة و أراد أن يوصي وبين يديه تركة , هل يوصي بإنفاقها على الفقراء والمحتاجين علها تكون سترا له من النار, أم يتركها لأولاده المستحقين, خاصة إذا كانوا ضعفة وليس لهم من يقوم على مصالحهم؟ وقد ورد النص القرآني صريحا مبينا أن امتثال التقوى يقود إلى الصواب والرشاد, فقال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]. فجاء الأمر بالتقوى الذي في امتثاله صلاح العبد وتوفيقه إلى القول السديد, سواء في ذلك الموصي أو من حضره حال وصيته. فإن كان يخشى إن هو أوصى بماله للفقراء والمساكين أن يضر بورثته وأولاده, فعليه أن يتقي الله في هؤلاء الورثة وألا يدعهم فقراء (١) , وهذا من السداد. فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا, قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: (فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ إنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ. (٢)

стр. 72

وكذلك فإن من حضر الميت أثناء وصيته ورأى في وصية الميت ما يضر بورثته, فعليه أن يتقي الله ويجعل ورثة الميت مكان أولاده, فهل يرضى لهم ما يرضى لأولاده, فإذا رآه أوصى بما يضر بورثته فعليه نصحه وتوجيهه إلى الهدي النبوي والشرع الإلهي. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ. (١) أما إن غلب على ظنه أنه لو أوصى للفقراء والمساكين ألا يضرَّ بورثته, فإن ذلك من التقوى, فكما أنه يحب أن يُحسَن إلى ذريته فعليه أن يتقي الله في الفقراء والمساكين. و من حضر الميت حين وصيته في هذه الحال فعليه أن ينصحه عن الزيغ وأن لا ينهاه عن الوصية لذوي القربى من الفقراء والمساكين, بل يأمره بذلك, وأن هذا الأمر فيه صلاحه, إذ لو كان مكانهم لسره أن يوصى له. (٢) فتقوى الله متحققة في كلا الحالين بالنظر فيما هو أقرب إلى الله وأصلح إلى عباده فيقوم به, ويراعي الأضعف والأحوج فإذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه, حتى لا يكون المال وزرا على صاحبه. (٣) وكذلك فإن من التقوى أن يوصي العبد لأهل قرابته المحتاجين بما لا يضر بورثته أيضا, فقد جعل الله ذلك حقا على المتقين لأنهم هم الذين يسعون إلى الكمال ويخافون التقصير وذلك في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠].

стр. 73

ومعنى (حقا) أي: ثابتا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب. (١) ومعلوم أن هذه الآية قد خرج منها الوالدان الوارثَان وبقى ذوو القرابة الذين لا يرثون فعن ابن عباس ﵄: (كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين, فأنزل الله آية الميراث, فبين ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت) (٢) قال النووي (٣) ﵀: (إِنْ كَانَتْ الْوَرَثَة أَغْنِيَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِي بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْقُص مِنْ الثُّلُث). (٤) فالحاصل أن التقوى تمنع العبد من الظلم وتعينه على حراسة حقوق الضعفاء من الضياع أو التبديد. (٥) والتقوى كذلك تقود العبد إلى الصراط السوي وامتثال ما أمر الله به وفرضه من أحكام المواريث. ومن التقوى كذلك: تعلم هذه الفرائض وتعليمها حتى يتعلم الناس ما يجب عليهم في أموالهم بالطريقة التي شرعها الله جل وعلا. فإذا امتثل العبد المسلم أمر ربه, سلم من الضلال والزيغ كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده ويوضح لكم شرائعه لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. (٦)

стр. 74

المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته أسماء الله غاية في الحسن والكمال, وصفاته عليا في القدر والمنزلة كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولما كانت هذه الأسماء العظيمة الدالة على صفات الله ختمت بها معظم آيات المواريث, فتارة يقرن صفة العلم بصفة السمع وتارة يقرن العلم بالحكمة, وأخرى يقرن المغفرة بالرحمة, كان من المهم أن تدرس هذه الصفات وما تدل عليها من حكم, وما تبعثه في نفس القارئ من آثار ومعانٍ عظيمة, فإن العارف بالله حقيقة المعرفة يستدل بما يعرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله جل شأنه, وعلى ما يشرعه من أحكام, لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته, فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة. (١) ومن الآثار والمعاني العظيمة التي تحصل من التفكر في هذه الأسماء ما يلي: • المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى . قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]. نهى الله جل وعلا عن تبديل ما أوصى به الميت أو كتم شيئا من وصيته ثم ختم الآية بقوله: (إن الله سميع عليم) وفي هذين الاسمين ما يدعو النفس إلى مراقبة الله جل وعلا وامتثال أمره, سواء في ذلك الموصي فلا يوصي بمحرم أو

стр. 75

بما يضر ورثته, فالله يسمع ما يوصي به الميت قبل موته حين يوصي هل يعدل أم يظلم؟ (١). وكذلك فإن الآية داعية لأهل الميت وورثته إلى أن يراقبوا الله فيما أوصى به الميت ويسعون في تنفيذها إن لم يكن فيها ظلم وجوْر, فلا يقومون بتبديلها أو كتمان شيء منها, في حين لا يراهم أحد ولا يعلم الموصَى له ما أوصى له الميت فيدفعهم ذلك إلى الظلم, فأخبر الله تعالى أنه يعلم تبديل المبدل وإن تحايل على الناس فإن الله عليم بما تخفيه نفسه. (٢) والتعبير بهاتين الصفتين لله جل وعلا من أقوى الدوافع لمراقبته تعالى والخوف من عقابه لأنه لا يخفى معهما شيء من جور الموصين وتبديل المعتدين (٣). ومتى تذكر العبد هذين الاسمين في جميع شؤونه وأعماله, فإن حياته ستؤول إلى الأفضل لأنها ستجعله دائم التعلق بالله , يخشى أن يسمع منه باطلا, ويخشى أن يخفي ويضمر سوءا وشرا فيطلع الله عليه. • المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح . وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢]. وهذه الآية مكملة للآية التي قبلها وقد ختمت باسمين من أسماء الله تعالى التي تحث على التوبة والاستغفار, وتدارك الظلم والزلل. وقوله: (غفور رحيم) أي: يغفر جميع الزلات ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه, رحيم بعباده، حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون.

стр. 76

فقد يريد الموصي أن يوصي بما فيه إضرار بورثته سواء عن طريق الخطأ أو عن طريق العمد أو بتحايل, كأن يوصي لزوج ابنته ليكثر مال ابنته إلى غير ذلك من الأشكال, فإن علم الولي أو المصلح بذلك فنهاه عن الجور في الوصية وأمره بالعدل والإحسان فيها _ وهذا غاية الصلح_ فإن الله تعالى غفور للموصي فيما حدث به نفسه من الظلم والجور إذا لم يقع منه, رحيم بالمصلح الذي منع الظلم أن يقع وحرص على أن تصل الحقوق إلى مستحقيها بالعدل والإحسان. (١) والله سبحانه غفور للمصلح كذلك حال تبديله للوصية فإن الله لما نهى عن تبديل الوصية في الآية السابقة بين في هذه الآية أن التبديل هنا مخالف للتبديل في الآية السابقة لأنه بدّلها من الجور إلى الحق والعدل وهذا هو المطلوب ولهذا بين الله تعالى أنه لا إثم عليه بل غفور له فيما أخطأ فيه بعد الاجتهاد وغرضه الوصول للحق رحيم يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم, حيث رحم الموصي وخشي عليه الوقوع في المعصية والظلم عند موته. والله يجازي من ترك بعض حقه لأخيه وتسامح في هذا الحق بالمغفرة والرحمة, لأن من سامح سامحه الله. وهو جل شأنه غفور للميت الجائر في وصيته إذا احتسب أولياؤه التسامح فيما بينهم لأجل براءة ذمته (٢). وبهذا تتبين الحكمة العظيمة من ختم هذه الآية بقوله: (غفور رحيم) وهي تطبيق مراد الله تعالى بتنفيذ الوصية المشروعة بالعدل والإنصاف بدون ميل أو ظلم. (٣) كما أن تغيير المنكر والأمر بالمعروف يحصل بهما المغفرة والرحمة من الله تعالى (٤).

стр. 77

ويدل على ذلك أيضا ما روته عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (يردُّ من صدقة الحائف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته) (١). • المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره . ويتضح ذاك في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ..... وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١]. وهذه الآية هي آية المواريث التي بين الله فيها ميراث الأولاد والوالدين وقدّر نصيبهم من تركة الميت, وقد ختمها الله بقوله: (إن الله كان عليما حكيما). وحكمة ختم الآية بهذين الاسمين المشتملين على صفتي العلم والحكمة لله , لِما في ذلك من إرشاد الخلق إلى امتثال أمر الله جل وعلا في تقديره للمواريث وفرضها على عباد الله لكونها تشريع ممن هو أعلم بعباده إذ هو خالقهم, وهو الحكيم الذي أحكم هذه القسمة, و له الحكمة البالغة في تقدير ما يصلح العباد وما ينفعهم, فلا مجال لمن آمن بذلك إلا التسليم والرضى. يقول ابن جرير ﵀ حول هذا المعنى: (وأما قوله: (إن الله كان عليمًا حكيمًا): فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. "حكيما"لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة). (٢) ولربما خطرت للنفس خاطرة بأن التركة لو قسمت على غير هذا الوجه لكانت أنفع وأولى, كما كان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء, أو يورثون من الرجال من يحمل السلاح أو نحو هذا, فبين الله _ جلت حكمته _ شيئا من هذه الحكم حتى تطمئن

стр. 78

النفس وتسلم لأمر الله فقال: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فأنكر علمهم بما هو أنفع لهم وبين أنهم لا علم لهم بحقيقة النفع, فبعضهم قد يرى النفع كما كان يراه أهل الجاهلية, وبعضهم قد يغلب جانب الأبوة أو جانب البنوة, واعتمدوا في ذلك على أسباب غير منضبطة فرد الله عليهم أنهم لا يدرون من هو أنفع لهم. (١) وهذه حكمة واحدة من حكم العليم الحكيم , ولذلك فقد تكفل الله فرض هذه الفرائض بنفسه تعالى وكفانا مؤونة الاجتهاد وأمرنا بما يصلحنا وهو الانقياد له سبحانه (٢). فختم الآية بقوله: (إن الله كان عليما حكيما) إنما هو تعليل لفريضته وهي كقوله تعالى للملائكة ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]. حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة, فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. (٣) وفي الآية التي تليها ختمها الله بصفة العلم مقرونة بصفة أخرى ألا وهي صفة الحلم فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ .... غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]. فلما بين الله في هذه الآية بقية أحكام الإرث, وبين أن هذا الإرث يكون بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية الجائزة, وأكد على النهي عن الإضرار بالورثة في الوصية, ختم الآية بقوله: (والله عليم حليم) فهو سبحانه عليم بما يصلح العباد وما يضرهم فيما فرضه عليهم , وهو عليم بنوايا العباد وأفعالهم سواء من عدل, أو من جار وظلم. وهو كذلك حليم: أي ذو أناة عن عباده لا يعجل لهم بالعقوبة فيما يحصل منهم من ظلم (٤). وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة فيها إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعاً مثارُه الجهل والقساوة.

стр. 79

فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب. فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم فالله عليم بالمصالح حليم بأهل الجهل. (١) فعلى العبد المسلم أن يؤمن بهذه الأسماء و الصفات حق الإيمان, فإن من مقتضى الإيمان مراقبة الله العليم بما في الصدور. ومن مقتضى الإيمان بها كذلك التوبة والاستغفار, فإذا أذنب العبد وعلم أن ربه حليم لا يعاجل العبد بالعقوبة دعاه ذلك إلى التوبة والاستغفار, وألا يتمادى في مخالفة أمر الله ومعصيته, فإن الله شديد العقاب لمن أصر وتمادى. ومن لوازم الإيمان بهذه الصفات كذلك أن على العبد أن يحرص على نجاة نفسه بتعلم ما يفيده من أمور دينه وأن يحذر أن يضل بعد أن هداه الله وبيّن له ما ينفعه مما هو بحاجة إليه فقد قال تعالى في آية الكلالة في آخر سورة النساء: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يبين الله لكم أحكامه التي تحتاجون إليها لكي تهتدوا وتعملوا بأحكامه ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم والله بكل شيء عليم ويعلم حاجتكم إلى تعليمه وبيانه فيعلمكم ويبين لكم. (٢) وكذلك فإن من لوازم علم الله : قدرته فهو الذي خلقهم وهو أعلم بما يصلحهم, وبهما تثبت ربوبية الله جل وعلا وألوهيته , وذلك يدعو العبد إلى أن يكون مطيعا للأوامر مجتنبا للنواهي منقادا لكل التكاليف. (٣)

стр. 80

الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى. المبحث الثاني: تقوى الله تعالى. المبحث الثالث: مراقبة الله . المبحث الرابع: شكر الله . المبحث الخامس: التوكل على الله. المبحث السادس: التربية على الصبر. المبحث السابع: البعد عن قول الزور. المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة.

стр. 81

المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى إن أول ما يتأمله القارئ لكتاب الله وهو يقرأ في آيات النكاح أن يتأمل في هذه الغريزة البشرية, كيف جعلها الله جل وعلا حاجة من حاجات الإنسان, وكيف جعلها سببا في التكاثر وإعمار هذه الأرض, فهي حقاً آية من آياته كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] إن هذا يدعونا إلى التأمل في هذه الآية وكيف أنها نعمة من الله الذي خلق الإنسان وشرع له ما يصلحه, فإذا تأمل العبد هذه النعمة العظيمة أورث ذلك في نفسه الإخلاص لخالقه الذي خلقه وخلق له ما يؤنسه. ولذلك فقد جاءت الآيات مذكرة بهذه النعمة العظيمة كي لا يغفل العبد بالنعمة عن المنعم جلا وعلا. ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢] فهذه الآية ساقها الله تعالى في سياق الامتنان على عباده فهو سبحانه الذي خلق للإنسان من جنسه ما يلتذُّ به ويأنس إليه, فكيف تجحد نعمة الله بعد ذلك فيعصى ولا يطاع ويشرك في عبادته سواه!! ولذلك جاء الاستفهام في هذه الآية توبيخا لمن يعبد من لا يملك الإنعام ويترك عبادة المنعم المتفضل. (١) وقد بيّن النبي ﷺ عاقبة من تناسى أن الله هو المنعم عليه بهذه النعمة وغيرها من النعم فبدّل نعمة الله كفرا والعياذ بالله , فعن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا.

стр. 82

قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما, قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل (١) , ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى, قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا, فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب, فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول: فإني أنساك كما نسيتني, ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول: ههنا إذا, قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه) (٢) فتأمل قوله: (ألم أكرمك وأسودك و أزوجك؟) كيف جعل نسيان هذه النعم سببا في حرمان العبد من رحمة ربه لأنه لم يسخِّر هذه النعم في طاعة الله جل وعلا (٣). ومن الآيات التي تشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ

стр. 83

اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦] ففي هذه الآية إشارة لكل من غفل ونسي حق الله عليه وهو الذي خلقه وخلق زوجه ليقوم ناموس التناسل وتعمر الأرض, فلذلك كان لزاما على العبد أن يخلص العبادة للمنعم , ولقد نبه الله إلى ذلك في آخر هذه الآية فقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فجعل سبحانه خلق زوج من آدم ﵇ دليل على عظيم قدرته جل في علاه, فمن غيرُ الله ﵎ قادر على هذا فلا يجب صرف شيء من العبادة لغيره (١). ولذلك فقد جاء الاستفهام إنكاريا على من لم تقده هذه الظواهر التي يتقلب بها صباح مساء إلى عبادة ربه, إذ كيف يُصرَف عن عبادة الله بعد إدراكه لهذه النعم العظيمة وأنها منه ﵎. وبهذا يعلم العبد أن هذه الظاهرة الغريزية ألا وهي النكاح تدعو إلى تذكر نعمة الله بتحقيق العبودية له جل وعلا, فلا تلهيه عن نسيان حق الله, فهو الذي خلقه وخلق زوجه فهو المستحق للعبادة دون سواه.

стр. 84

المبحث الثاني: تقوى الله تعالى لما كانت التقوى سببا لصلاح العبد في دينه ودنياه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أمر الله بها عباده في أحوال كثيرة من أمور دينهم ودنياهم إذ هم بحاجة إلى التذكير بالتقوى والأمر بها. والنكاح من جملة الأحوال التي جاء فيها التذكير بالتقوى. وقد جاء الأمر بالتقوى والحث عليه في آيات النكاح متكررا ومتنوعا بتنوع أبوابه, وما ذاك إلا لتكون هذه الحياة الأسرية قائمة بأمر الله وعلى منهج الله كي تحيا حياة كريمة مستقيمة لا ظلم فيها ولا جور, فتكون سببا في صلاح العبد - رجلا كان أو امرأة- وسعادته في دينه ودنياه. ومن تلك الأحوال التي جاء فيها الأمر بالتقوى: • المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة: قال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. جاء الأمر الرباني في هذه الآية بالتقوى مذكرا جميع الناس بأصل الخلق وأنهم خلقوا من ذكر وأنثى وأن أصل الجنس البشري كان مطيعا لله متقيا له, ولذلك يجب على الفروع التي نشأت من هذا الأصل أن تقيم حياتها على تقوى الله تعالى. وفي هذا التذكير إشارة أيضا لما في توافق الرجل والمرأة وأنسهما مع بعضهما البعض أن يتعاونا على التقوى في شؤون حياتهما, وأن تكون التقوى دافعة لهما في حفظ حقوقهما

стр. 85

فيحفظ الرجل للمرأة حقها, وتحفظ المرأة للرجل حقه, وكأن هذا النداء يذكرهم أنهم من نفس واحدة, فيحافظ كل واحد منهما على زوجه وبذلك تصلح الحياة ويسعد العباد (١). وفي الآية تذكير للرجال بأن يتقوا الله في نسائهم وفي طبيعة خلقهن وكيف يتعاملون مع أزواجهم, حيث بيّن تعالى أن المرأة خلقت من الرجل, وبين النبي ﷺ أنها خلقت من ضلع , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خيرا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاء خيرا) (٢). فينبغي على العبد حينئذ أن يتقي الله في زوجه ويستوصي بها خيرا ويحسن تربيتها ويصبر على ذلك كما أوصانا رسول الله ﷺ . • المطلب الثاني: تقوى الله تعالى تمنع العبد أن يقدم محبة زوجه على حق ربه: ذلك أن طبيعة النفس البشرية: أن يأنس الرجل بالمرأة وتأنس المرأة بالرجل, ولذلك فقد حذر الله تعالى من صنف من الأزواج يصبح عدوا لزوجه, وذلك حين يصل الأمر إلى التهاون بحقوق الله تعالى وما أمر به من حقوق العباد المتعلقة بالفرد، كبر الوالدين وصلة الأرحام ونحو ذلك فحينئذ تكون هذه العلاقة علاقة معاداة وإن كان ظاهرها المحبة والمودة والشفقة, وفي ذلك يقول الباري جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٤ - ١٦].

стр. 86

قال مجاهد (١) ﵀: (يحملُ الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه) (٢) ويبين هذا المعنى ما ورد في سبب نزولها فقد أخرج الطبري ﵀ بسنده عن عكرمة (٣) عن ابن عباس قال: سأله رجل عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: هؤلاء رجال أسلموا فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدَعوهم يأتوا رسول الله ﷺ فلما أتوا رسول الله ﷺ فرأوا الناس قد فقهوا في الدين همُّوا أن يعاقبوهم فأنزل الله جل ثناؤه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. (٤) فإذا كانت الزوجة بهذه المنزلة من العداوة ولم يتنبه الرجل لذلك فإنها تفسد عليه دنياه وآخرته, أما في الدنيا فبإذهاب ماله وعرضه، وأما في الآخرة فبما يسعى في اكتسابه من الحرام لها ولأولادها، وبما تكسبه وأولادها منه بسبب جاهه. (٥) وقد بين الله في هذه الآيات علاج هذه العداوة وكيفية التعامل معها فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ , فأمر الله عباده أن يتقوه فيما جعل فتنة لهم من أزواج وأموال وأولاد وألا تغلبهم فتنتهم وتصدهم عما يجب عليهم مما أمرهم الله ﵎ به, بل عليهم الانقياد

стр. 87

لأمر الله وطاعته والإنفاق في سبيله, فلا ينساق العبد لهواه في طاعة زوجته في معصية الله بل عليه الحذر منها, والتعامل معها بالحسنى وبذلك يسعد العبد بطاعة ربه وإصلاح زوجته (١). وكذلك على الزوجة ألا تطيع زوجها فيما يأمرها به من معصية إن هو أمرها بل عليها أن تتقيَ الله في القيام بعبادته وأن تتقيَ الله في زوجها بطاعته فيما لا معصية فيه والتودد له والإحسان إليه. فمن امتثل الأمر وأطاع الله فقد وعده الله بالأجر العظيم والثواب الجزيل أما من انساق وراء هواه وتغلبت عاطفته ومحبة زوجه على أمر الله ورسوله فقد وعده الله في آية أخرى بعذاب منه حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. فعلى العبد الذي يرجو صلاحه ونجاته أن يمتثل أمر الله ويتبع شرعه ففيه النجاة في الدنيا والآخرة. • المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح . لقد أقام الله السماوات والأرض على العدل، وأمر به, وفي المقابل فقد حرم الظلم على نفسه, وحرمه على عباده, فعن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ... الحديث) (٢). ولما أمر الله عباده بالعدل بين الزوجات حال التعدد, كانت التقوى من أعظم ما يدعو إلى العدل, ولذلك فقد ذكّر الله عباده وأمرهم بها كي تستقيم الحياة وينعم العبد (٣).

стр. 88

فأخبر في هذه الآية ألا جناح على المرأة إذا هي خافت من زوجها نشوزا وأثرة عليها إلى غيرها واستعلاء منه أو انصرافا عنها, أن تتصالح معه فيما يتفقان عليه لبقاء واستدامة عقد النكاح من ترك يومها له أو إعطائه مالا أو نحو ذلك, فلما بيّن ذلك ذكر عباده بالتقوى وأن ذلك خير من إلجاء المرأة إلى التنازل عن شيء من حقها فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨]. فوعد الله بالأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقى الله في نسائه وأبقى من كرهها وقسم لها ما قسم لمثيلاتها، وإن وجد في ذلك مشقة وكراهية, فما عند الله خير وأبقى، ولعله بامتثال أمر الله وبالصبر عليها وحسن معاشرتها وتحمل خلقها وطبعها تصفو حياتهما وتنقلب الكراهية إلى محبة, فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) (١). ولما كان قلب العبد بمنزلة لا يستطيع معها أن يساوي ويعدل في محبته لأزواجه رفع الله ﵎ الحرج عن عباده في ذلك وبين أن التقوى هو إصلاح العمل بالقسم بين النسوة بالسوية وعدم الميل والجور في التعامل. فقد قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩].

стр. 89

فقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١) بسنديهما عن علي أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، يعني: في الحب والجماع. (٢) فالواجب على الرجل حينئذ ألا يتعمد الإساءة لزوجته, أو يظلمها في حقها فتكون كالمعلقة لا هي مطلقة ولا هي متزوجة فهذا هو المنهي عنه، فعن مجاهد قال: لا تعمدوا الإساءة. وعن ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ قال: تذروها لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج. (٣) و عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك و لا أملك) (٤). ثم بين ﵎ أن تقوى الله وامتثال أمره فيما يملك العبد من الإحسان إلى زوجته وإصلاح ما سلف سبب لمغفرة الذنوب. فقال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ وما أسعد العبد إذا غفر الله له ذنوبه ورحمه لأنه اتقاه. فالعبد محتاج لهذه التقوى لأن فيها صلاح له ونجاة في الدنيا والآخرة.

стр. 90

• المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق . إن صلاح حياة العبد وسعادته ونجاته في الدنيا والآخرة لا يتحقق إلا إذا كان العبد متبعا لهذه الشريعة الغراء, فمهما حاول المرء أن يبحث عن أحكام وقوانين تناسب هذا الكون وتضبطه فلن يجد خيرا من حكم الله ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. إن القوانين الجاهلية قوانين لا تخاطب الفرد بكونه عبدا منقادا لأمر الله فلا تلامس روحه ومشاعره فتقوده إلى الفوز والفلاح. فإذا قرأ العبد قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]. وتأمل هذه الوصية العظيمة التي أوصى الله تعالى بها الخلائق أجمعين ألا وهي تقوى الله تعالى الجامعة لكل خير وعلم أن هذه الوصية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠]. تبين له أن هذه الآية جاءت لترشد العباد أنه إذا أغلقت كل السبل بين الزوجين, ولم ترض الزوجة بنشوز زوجها عنها, وأبى الزوج الإحسان إليها, ففي هذه الحالة شرع الله لعباده المتقين مخرجا ألا وهو الطلاق, وأن الله سيغني كلا من سعته, فقد يغني الله المطلقة بزوج أصلح لها من زوجها السابق, أو برزق أوسع, ويغني الله الزوج بزوجة أصلح له من زوجته السابقة أو عفة أو غير ذلك من رزق الله الواسع (١). وإذا تأمل العبد مناسبة قوله تعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ مع قوله تعالى في الآية التي بعدها ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدرك أنّ الذي له ما في السماوات

стр. 91

وما في الأرض قادر على أن يغني كلّ أحد من سعته. وهذا تمجيد لله تعالى وتذكير بأنّه ربّ العالمين، وكناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى. (١) فعلى المسلم إذا لجأ إلى الطلاق أن يكون متقيا لله جل وعلا, ولا ينوي بذلك شرا أو إضرارا, حتى يحقق الله له ما وعده ويغنيه من فضله. وقد جاءت الآيات المبينة لأحكام الطلاق مذكرة بالتقوى لأنها تمنع العبد من تغلب هواه عليه في هذه الحالة التي يغلب فيها الغضب ويكون مدعاة إلى الظلم والبغي. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١] فقد أمر الله عباده بالتقوى في مطلع هذه السورة لما في هذا الأمر من المصالح العظيمة التي تعود على الرجل والمرأة. وإذا تأملت وجه المناسبة بين مطلع هذه السورة والتي قبلها يتبين لك أنه لما ختمت سورة التغابن بالحذر من عداوة النساء, وقد تكون هذه العداوة جالبة إلى الفراق افتتحت هذه السورة بالأمر بالتقوى عند ثوران الغضب وتغلب حظوظ النفس, وأنه يجب على العبد أن يتقي الله في أمر الطلاق وألا يلقيه كيف شاء ومتى شاء. ولقد جاء قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ معترضا بين جملة ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وجملة﴾ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وحذف متعلق (واتقوا الله) وذلك ليعم جميع ما يتقى الله فيه, وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله.

стр. 92

فأمر الله ﵎ الرجل أن يتقيه فلا يطلق إلا في زمن العدة التي شرعت له وسنها النبي ﷺ , وفي هذا ما يعود على الفرد بالخير لما فيه من التأني والتريث الذي يجعل كلا الزوجين يصطلحان وتعود الأسرة متماسكة, بفضل امتثال أمر الله ورسوله. (١) ولقد أنكر رسول الله ﷺ صنيع ابن عمر ﵄ وتغيظ لذلك حينما علم أنه طلق امرأته وهي حائض, فقد ثبت في الصحيحين أن عبد الله بن عمر طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: (مره فليرجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). (٢) فعلى العبد أن يتقي الله في الطلاق وألا يطلق إلا في العدة التي أمر الله بها فلا يطلقها وهي حائض أو في طهر قد جامعها فيه وأن يطلقها تطليقة, كما أخرج ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: (لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة) (٣). كما أمر الله ﵎ الرجل إذا طلق أن يتقي الله فلا يدفعه الغضب أن يظلمها بل يجب عليه السكنى والنفقة حتى تنتهي عدتها, ولتأكيد استحقاقها لذلك جاء النص القرآني في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ فأضاف البيوت لهن لأنهن في حال العصمة كن مالكات له فكذلك في حال العدة. وعلى المرأة أن تتقي الله ﵎ في حال العدة كذلك, فلا يجوز لها أن تعتدي على زوجها أو تؤذيه بالسباب والشتائم أو خروجها دون إذنه أو أن تفعل كل ما هو معصية فقد حذرها الله من ذلك فقال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ

стр. 93

بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والفاحشة في هذه الآية تشمل الزنا ?والعياذ بالله- أو النشوز والعصيان أو البذاءة في القول والفعل, فإذا فعلت ذلك جاز لزوجها إخراجها (١) وفي امتثال التقوى وملازمتها الخير والسعادة وذلك أنه أدعى لرجوع المودة لما يظهر من حسن تعامل الزوج وكرمه ومروءته وعدم الفحش في التعامل, ولما في أدب الزوجة وعدم الإتيان بما فيه معصية من بقاءها في بيتها حتى تنقضي عدتها, ولما في ذلك أيضا من إطفاء جذوة الغضب لدى الزوج ورجوع المودة بينهما كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ والمعنى أننا إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَها، فيكون ذلك أيسر وأسهل. (٢) ولما أمر الله تعالى بتقواه في العدة وإحصاءها وما ينبغي فيها أمر بتقواه بعد انتهاء العدة وانقضاء أجلها وجاء هذا الأمر مخاطبا به الزوج وأولياء المطلقة. أما الزوج فعليه أن يتقي الله في طليقته إذا انقضت عدتها ألا يبقيها في عصمته بقصد الإضرار وإنما يسرحها بإحسان أو يمسكها بمعروف, وفي ذلك يقول الله جل شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال في سورة الطلاق: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ... ﴾ الآية [الطلاق: ٢ - ٣] فأمر الله بتقواه وبين عقوبة من خالف أمره في الموضع الأول ثم بين ما تورثه التقوى من الخير في الموضع الآخر وذلك لما في أمر الطلاق وما يصاحبه من خصومات ونزاعات من حضور داعي الظلم والعدوان على المرأة, حيث إنها ما زالت في عصمته فيدعوه الشيطان ويزين له الإضرار بهذه المرأة الضعيفة بأن يرجعها قبل انقضاء عدتها إضرارا بها فنهى الله

стр. 94

عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ فعن مجاهد قال: (الضرار: أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به) وعن قتادة قال: (هو في الرجل يحلف بطلاق امرأته، فإذا بقي من عدتها شيء راجعها يضارها بذلك ويطول عليها، فنهاهم الله عن ذلك) (١). بل أمره الله تعالى إن أمسكها أن يمسكها بمعروف أو أن يفارقها بمعروف، والمعروف هو ما تعارفه الأزواج من حسن التعامل في المعاشرة أو الفراق, فإن أمسكها فإنه يحسن لقاءها ويعود لحسن المعاشرة, والمعروف في الفراق ألا يذكرها بسوء في غيبتها ويكف لسانه عن ذكرها بسوء (٢) , فهذه هي تقوى الله حقا, ومن خالف ذلك فهو غير متق وقد ظلم نفسه, وظلْم النفس يؤثر على العبد في دينه ودنياه، أما في دينه فإنه يكسب بذلك إثما لمخالفته أمر ربه, ويعرض نفسه للعقاب, ويضيع على نفسه ما أعد الله من الثواب لمن أطاعه وأحسن إلى زوجه. أما في الدنيا فإنه يعيش في بيته مضطربا قلقا, ويصبح خاطره مكدرا بالخصومات والمشاحنات, وقد يشتهر ذلك عنه فيؤدي إلى رغبة النساء عنه لاتصافه بهذا الفعل القبيح (٣). أما من اتقى الله تعالى فتعامل بالمعروف في الإمساك أو المفارقة فقد وعده الله بالصلاح والفوز في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ -والسياق في هذه الآية نكرة في سياق الشرط فهو يفيد العموم- (٤) وقال في الآية التي تليها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٤ - ٥].

стр. 95

أما في الآخرة فيجعل الله له مخرجا بما يخص به المتقين من تخليصهم من أهوال الحساب والانتظار, كما وعدهم الله بتكفير السيئات ومضاعفة الأجور (١). وفي الدنيا يدفع الله تعالى عنه المضار مما أحاط به من الشرور, ويكفيه ما يحصل له في هذه الحال من الغموم والوقوع في المضايق, ويكشف عنه الكروب فهو القادر على ذلك , كما يجعل الله له مخرجا بالرجوع إلى زوجه مرة أخرى إن أراد, فقد جعل الله له السبيل إلى ذلك (٢). فقد أخرج الطبري بسنده عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ يقول: (نجاته من كل كرب في الدنيا والآخرة) , وأخرج عن الربيع بن خثيم (٣) في هذه الآية أنه قال: (من كلّ شيء ضاق على الناس) (٤) , وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ قالت عن هذه الآية: (يَكْفِيهِ غَمَّ الدُّنْيَا وَهَمَّهَا) (٥). كما وعده الله بالرزق بل بأفضله وهو من حيث لا يحتسب, حيث إن أفضل الهبات ما جاء من مكان لا يرجى, كما وعده الله تعالى بتيسير أموره. فمن كان يبتغي الخير لنفسه فعليه بتقوى الله فيما أمره به وخصوصا عند الطلاق فإن النفس في هذه الحال قد تحجم أو تقصر في القيام بهذه التكاليف ولكن المؤمن حين يرى ما وعد الله به ورغب فيه من امتثال أمره وتقواه فإن ذلك يدعوه للإذعان والامتثال.

стр. 96

وقد جعل الله على المتقين حقاًّ لطليقاتهم ألا وهو حق المتعة فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]. واختلفوا هل المتعة على سبيل الوجوب أم الندب, فمذهب الإمام مالك و بعض الأئمة كالليث (١) وابن أبي ليلى (٢) أنها مستحبة وغير واجبة لأن الله تعالى خص بها المحسنين فدل هذا أنها على سبيل الإحسان والتفضل, والجمهور على أن المتعة واجبة لأنه أمر والأمر يقتضي الوجوب (٣) وهو الراجح (٤). بل جعل القرطبي ﵀ قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ دليلا على تأكيد وجوب المتعة إذ يجب على كل عبد أن يتقي الله. (٥)

стр. 97

فعلى المطلِق الذي يرجو التوفيق والصلاح أن يتقي الله في مطلقته بفرض نصيب لها تتمتع به, ولا يشترط لذلك نصيب محدد (١) وذلك كما بين الله تعالى: ... ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وفي ذلك جبر لخاطر المرأة وصلا ح للرجل, فحين يشعر العبد أنه أحسن للمرأة بهذه المتعة فإنه بذلك قد تصلح نفسه وتتهذب فلا يدعوه ذلك لغيبتها أو الكلام فيها فيفسد ما أمره الله تعالى به من الإحسان إليها. • المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود: لما بين جل وعلا أحكام الرضاعة أمر بتقواه إذ فيها السعادة والفلاح وهي الطريق المبعد عن الوقوع في الظلم والضرر والخلافات والمشاحنات, والتقوى هي التي تخاطب النفس البشرية بما يصلحها وتردعها عما لا يجب أن تقوم به. فقال : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وفي هذه الآية أمر الباري جل وعلا الوالدين بتقواه فيما يحفظ حق ولدهما في الرضاعة وجعل الأمر شورى بينهما, فلا يجوز لواحد أن يستبد بالأمر دون مشاورة الآخر وهذا من رحمة الله بعباده حيث أرشدهما إلى ما فيه الخير لهما ولمولودهما (٢).

стр. 98

كما بين ﵎ أن على والد الطفل أن يستحضر تقوى الله تعالى فيما يخص والدة طفله فلا يمنعْها من إرضاعه إضرارا بها فهو حق لها, وذلك لأن الأم أحنى وأرق على ولدها من غيرها (١). وكذلك فإن عليه ما يلزمها من نفقة وكسوة, وذلك أن إرضاع الطفل يحتاج إلى ما يدر لبن الأم وتقوى به على الإرضاع, فتحتاج الأم إلى قوت لها ولولدها, سواء كانت الأم زوجة أم مطلقة (٢) وبين تعالى أن النفقة والكسوة على قدر الاستطاعة حيث قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وإذا كان هذا فيما يتعلق بالآباء, فإن على الوالدات أن يتقين الله في أمر أولادهن فلا يمتنعن عن إرضاع أولادهن اللبأ الذي لا يعيش بدونه غالبا, قبل تسليمه لوالده، إن لم ترد إرضاعه, وكذلك عليها الحذر من أن يكون امتناعها عن إرضاع المولود بقصد الإضرار بوالده (٣) فإن ذلك ينافي التقوى, هذا إن كانت مطلقة أما إن كانت في حال الزوجية وتستطيع إرضاعه فيجب عليها (٤) وبهذا تتبين الحكمة بالأمر بالتقوى في ختام هذه الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ وذلك حتى تحفظ الحقوق فيما ألزم الله به كلا من الرجل والمرأة وفي ذلك صلاح لهما ولولدهما.

стр. 99

المبحث الثالث: مراقبة الله من رحمة الله بعباده أن يسر لهم ما يصلحهم في شؤون دينهم ودنياهم, ولئن كانت النفس البشرية تتقلب على صاحبها إما بوسوسة أو طغيان أو ظلم أو جشع فتعرض عما شرعه الله لها, فلقد أودع الله في كتابه الكريم من المواعظ والتذكير ما يصلح هذه النفس ويردها إلى الطريق المستقيم, ولاشك أن أعظم ما يجنبها الهوى ويقودها إلى الصلاح هو تذكر عظمة الباري جل وعلا ومراقبته في السر والعلن. وتشتد الحاجة إلى المراقبة حين يستتر العبد عن أعين الناس, حينها لا رادع له عن غيه وظلمه إلا تذكر عظمة الله وأنه يراه في كل حال. ولما كانت الحياة الزوجية وما يكون فيها بين الزوجين مما لا يطلع عليه غيرهما من الخلق كان الأمر بمراقبة الله وتذكير العباد بأنه سميع بصير, من أعظم الحِكَم التي تأخذ بيد العبد إلى الإيمان والصلاح. ولذا فقد جاءت آيات الكتاب المبين تشير إلى أهمية المراقبة وأثرها وأنها سبب في إيمان العبد رجلا كان أو امرأة. ومن ذلك الإشارة إليها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] فكما أمر الله تعالى بالتقوى في بداية هذه الآية كما سبقت الإشارة لذلك , فقد ختمها بالإخبار عن مراقبته لعباده, إذ هو المطلع عليهم في السر والنجوى, فإذا نسي الزوجان أنهما من أب واحد وأم واحدة الأمر الذي يوجِد العطف والمودة بينهما, فعليهما أن يتذكرا أن الله مطلع عليهما مراقب لأعمالهما وسيجازي المحسن على إحسانه والمسيء

стр. 100

على إساءته (١) ولذا جاءت الآيات في هذه السورة مبيِّنة مفصِّلة لأحوال النكاح، فكأن هذه الأحكام مبنية على مراقبة الله تعالى والأمر بتقواه. (٢) ومن الأحوال التي ينبغي استحضار المراقبة فيها ما يلي: • المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا .... ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. لما كانت عدة المطلقة دائرة بين الحيض أو الطهر، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا بطريق الزوجة, وَكَل الله هذا الأمر إليها ونهاها أن تكتم ما في رحمها إن كان حملا أو حيضا. وقد يزين الشيطان للمرأة المطلقة أنه بكتمان ما في رحمها يحصل لها بعض المصالح من التعجيل بفراق زوجها, أو التأخير في انقضاء العدة مما يجعلها تبقى في بيت زوجها, أو إن كان حملاً ينسب المولود لغير والده. فنهاها الله عن الكتمان وذكّرها بمراقبته, فهي وإن كتمت ذلك عن الخلق, فأين هي عن الخالق الذي خلقها وخلق ما أرادت كتمانه ولذا فإن التذكير بالإيمان بالله واليوم الآخر في قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إشارة إلى مراقبة الله تعالى, وفي ذلك الخير لها, فإنها لا تدري إن هي أرادت تعجيل انتهاء العدة فقد يكون بقاؤها عند زوجها خير لها, وإن هي أرادت تأخير انقضاء العدة فقد يكون طلاقها خير لها, فلا علم لأحد بذلك إلا الله جل شأنه الذي خلق ما في الأرحام وهو أعلم بما يصلح عباده, فلذلك يجب على المرأة التسليم لأمر الله ومراقبته, فإن المراقبة سبب في زيادة الإيمان وسبب التوفيق في الدارين.

стр. 101

• المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخِطبة . وذلك في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥] لما أباح الله التعريض بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة المبتوتة - والتعريض هو عدم التصريح بالنكاح, وإنما يقول: وددت لو أني تزوجت امرأة صالحة أو نحو هذا - نهى عن مواعدتها في السِّر. وذلك أن الله تعالى أباح للعبد أن يبوح بما يجول في صدره من التعريض بالخطبة, ونهاه عما دونها مما قد يتساهل فيه العبد أو يوسوس به الشيطان له خوفا من أن تفوته تلك المرأة فقد يدعوه ذلك لمواعدتها في السر وحينها يقع المحذور, وقد يقعا في الزنا والعياذ بالله, وقد يتناكحا سرا قبل انقضاء العدة ثم يعلنان الزواج بعد ذلك, وقد يذكر الرجل لها من الألفاظ التي نهى الله من التصريح بها كأن يقول لها: " إني عاشق، وعاهديني ألا تتزوجي غيري " ونحوها من الألفاظ. (١) فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فيقول: (عَاهِدِينِي أَلا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي، وَنَحْوَ هَذَا). وفسَّر قتادة والحسن (٢) رحمهما الله هذه الآية بالزنا. (٣)

стр. 102

وأخرج الطبري بسنده عن ابن زيد (١) قال في هذه الآية: (كان أبي يقول: لا تواعدها سرا، ثم تمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلَّت أظهرت ذلك وأدخلتها) (٢) ولما كانت هذه المواعدة في جميع صورها لا تقع إلا في حالة تستر من الناس واستخفاء أمر الله عباده بالحذر منه ومراقبته, فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ وهذا فيه تنبيه على أنه تعالى لما كان عالماً بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في سره وجهره (٣) , وهذا من أعظم ما يصلح العبد ويربطه بخالقه جل وعلا وهو ربط الأوامر والنواهي بما يقوم في قلب العبد من الخوف والرجاء والمحبة والخوف, فهذه الأعمال مما تعين العبد على تطبيق شرع الله وتنفيذ أمره. • المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره . كان العرب في الجاهلية إذا كانت اليتيمة في حجره, كره أن يشاركه فيها أحد غيره فإن كانت جميلة تزوجها بدون أن يُصْدِقها, أما إن كانت دميمة عضلها ومنعها من الزواج خشية أن يشاركه أحد في مالها أو يفوت عليه هذا المال, فأنزل الله قوله (٤): ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].

стр. 103

ولما كان الأمر في الجاهلية بهذه المنزلة أمر الله عباده المؤمنين باجتناب ظلم اليتيمة, ثم حثهم على فعل الخير فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ وفي هذا إشارة إلى سعة علم الله واطلاعه على عباده, وهذا يدعو العبد إلى مراقبة الله والخوف من عقابه إن هو عضلها أو ظلمها. و في الآية دعوة كذلك إلى المنزلة العليا من المراقبة وهي الإحسان إلى اليتيمة بأن يتطلب لها الولي من هو خير منه, أو لا يرد مَن طلبها فإن الله وعد على ذلك بأحسن الجزاء فقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل:٩٦]. ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ الناس بالدرجة العليا في هذا المعنى فكان إذا سأل الوليَّ عن مولاته فقيل: هي غنية جميلة قال له: اطلب لها من هو خير منك وأعْوَد عليها بالنفع. وإذا قيل: هي دميمة فقيرة قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك (١). • المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين . ويتضح ذلك جليا في حال المجادلة مع زوجها التي أنزل الله فيها قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ١ - ٢]. فعن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء، إني لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني

стр. 104

اللهمّ إني أشكو إليك، قال: فما برحت حتى نزل جبريل ﵇ بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ قال: زوجها أوس بن الصامت (١) وفي مطلع هذه السورة إشارة إلى مراقبة الله في التعامل بين الزوجين عند الخصومة فكما أن الله سمع شكوى تلك المرأة الضعيفة وما أصابها جراء تلك الكلمة وهي تسارُّ النبي ﷺ فهو سميع لما يكون بين الزوجين. فقد يحصل بين الزوجين ما يدعوا إلى الشحناء والتخاصم. واستحضار مراقبة الله في هذه الحالة يحجز كِلَا الزوجين عما يوقعهما في الإثم والعقوبة والضرر, وفي ذلك الخير للزوج وزوجته في العاجل والآجل.

стр. 105

المبحث الرابع: شكر الله النكاح من الأحوال العظيمة التي تتجلى فيه حكمة شكر الله لمن تأمل وتبصر في شأنه. والشكر لغة: عرفان الإحسان ونشره (١). وحقيقته: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا, وعلى قلبه شهودا ومحبة, وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. (٢) ولما كان الأمر كذلك فقد امتن الله على العباد بأن خلقهم أزواجا كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ: ٨] ففي الآية إيماء إلى امتنان الله على خلقه بأن خلقهم بحالة تجعل لكل واحد من الصنفين ما يصلح لأن يكون له زوجاً ليحصل التعاون والتشارك في الأنس والتنعم (٣). فلو تأمل العبد أن الله سخر له ما يؤنسه ويسكن إليه لكان حقيقا به أن يشكر الله على هذه النعمة, فكيف به إذا علم أن هذه النعمة تقود إلى نعم أخرى ومنها حصول الولد, فلو لم يسكن الرجل إلى المرأة لما حصل التناسل بينهما ولذلك فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ... الآية﴾ [الأعراف: ١٨٩] فبين تعالى أنه تغشاها فقضى حاجته منها بعد أن سكن إليها, فحصل بذلك الحمل والولد بإذنه تعالى. وحصول الولد بعد النكاح يورث في النفس بهجة وفرحة كيف لا وهم من زينة الحياة. فهذه النعمة تستحق من الزوجين أن يشكرا ربهما عليها, وخصوصا أنهما في حالة انتظار وترقب فهما لا يعلمان أيعيش ولدهما أم يموت, ولا يعلمان أيكون سليما مستوي الخلقة

стр. 106

أم يكون مريضا, كما أنهما لا يعلمان أيكون صالحا سعيدا أم يكون شقيا - نسأل الله العافية - فلذلك تجدهما قد غلبا جانب الرجاء والطمع في رحمة الله فيدعوانه صباح مساء أن يكون صالحا بجميع ما تحمله هذا الكلمة من معاني الصلاح (١) , فإذا يسر الله لهما ما أمّلا وحقق لهما ما كانا يرجوان كان جل وعلا هو الحقيق بالشكر على هذه النعمة, وكان الانصراف عن طاعته كفرانا (٢) , وقد بينت آية الأعراف هذا المعنى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) [الأعراف: ١٨٩] (٣). فالنكاح في ذاته يدعو العبد إلى الشكر, كما أن فيما يلحق هذا النكاح من نعم يتقلب فيها الزوجان دعوة كذلك إلى الشكر, فالشكر فيه صلاح للإنسان ونجاة في الدنيا والآخرة, كما أن في الانصراف عن شكره الخزي والعقوبة كما قال تعالى: ... ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].

стр. 107

المبحث الخامس: التوكل على الله التوكل على الله: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد (١) وهو من العبادات التي تجلب للعبد السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة, فالمتوكل على الله قد علق قلبه بالله وترك ما في أيدي الناس فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وحيث إن النكاح من الأمور المستقبلية التي يستشرفها العبد ولا يعلم ما هو مقبل عليه فإن التوكل على الله والاستعانة به من أعظم ما يعين العبد المسلم في كل ما يستقبله في شؤون حياته ومعاشه. فكثير من الناس قد يعيقه التفكير في هم الرزق عن المضي قدما في النكاح ومتطلباته , فبيّن الله أن التوكل والاعتماد عليه يضمن للعبد الرزق, فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. بل جعل النكاح بابا من أبواب الرزق لمن توكل عليه حق التوكل, فقد أخرج ابن جرير ﵀ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية: (أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (٢)

стр. 108

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (١) أنه قال: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁, قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ, يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى, قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) فكيف لا تطمئن النفس ويركن العبد لهذا الوعد الصادق من الله لمن توكل عليه؟! وقد أكّد النبي ﷺ هذا الوعد, فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله, والمكاتب الذي يريد الأداء, والناكح الذي يريد العفاف) (٣). فهذه الأمور الثلاثة التي وردت في الحديث من الأمور الشاقة التي تقصم ظهر الإنسان وتشق عليه ولولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها, وأصعبها العفاف, لأنه قمع الشهوة الجبلِّية المركوزة في الإنسان, وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين. (٤) وحين يحصل النكاح ويرى العبد ما أنعم الله به عليه من الغنى والرزق بفضل التوكل تنشرح نفسه وتطمأن, فينبغي عليه حينئذ أن يستصحب التوكل في جميع شؤون حياته في العسر واليسر والشدة والضيق, وحين يرزقه الله الأولاد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].

стр. 109

• مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق . وينبغي للعبد أن يستحضر التوكل كذلك في تعامله مع زوجته وما يحصل بينهما من خلاف أو غير ذلك فالله هو الذي بيده تغيير الأحوال, ولذا فإن الله ﵎ أشار إلى فضيلة التوكل في سياق آيات الطلاق وذلك لأن الركون إلى الله والتوكل عليه هو المُخْرِج من هذا الظرف العصيب, فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ففي الطلاق تشتد دواعي الغضب والكراهية, فيتسع مجال الكيد والظلم وتكثر مسالكه فالزوج يفكر كيف يقهر زوجته إما بإمساكها ضرارا, أو بأي طريق من طرق الكيد وكذلك الزوجة تفكر كيف تدفع هذا الظلم بالظلم والمكيدة, فبيّن الله أن من يتوكل عليه سيجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا, ومن التوكل التعامل بالمعروف وترك الكيد والإضرار, فالله هو الفعال لما يريد وبيده كفاية عبده إذا توكل عليه. (١) وقد يكون من أسباب الافتراق والخلاف ما يحصل من تقتير في الإنفاق لضيق ذات اليد مما يسبب وقوع الطلاق, أو عدم المراجعة إن وقع, فأتبع الله الوعد بجعل المخرج للمتقين .. بالوعد بمخرج خاص لمن توكل عليه وهو توسعة الرزق, فلا يظن أحد أن طرق الرزق معطلة بل إن الرزق يأتي للعبد من حيث لا يظن ولا يحتسب. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) فعلى العبد المسلم أن يربي نفسه على التوكل على الله ويجاهد نفسه, ويربي زوجته على ذلك, فإذا حقق التوكل علم يقينا أن الله لن يضيعه, فكل ما يصيبه بقدر الله فإن ضاق عليه الأمر صبر وإن أنعم الله عليه شكر, وبذلك تنعم حياته وتسعد نفسه ويعيش مطمئنا.

стр. 110

المبحث السادس: التربية على الصبر الصبر من الصفات العظيمة التي أمر الله جل وعلا بالتحلي بها ووعد عليها أعظم الجزاء. وأصل الصبر الحبس (١) , والمراد به حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن البطش والأذى. والله يعطي على الصبر ما لا يعطي على غيره كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦]. والصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإذا ثبت العبد على مخالفة الشهوة التحق بالصابرين (٢) ولذلك فإن الصبر عن الشهوات يحتاج من العبد إلى مجاهدة ورياضة , وقد بيَّن ذلك النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) (٣). وفي أبواب النكاح ما يربي العبد المؤمن على الصبر والتصبر ويأمره به, وفي التحلي بذلك الخير العظيم والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة. • المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح . فحين لا يستطيع العبد المسلم تحصيل ما أباح الله له من شهوة النساء بطريق النكاح فقد أُمِر بالصبر حتى يأتي الله له بالفرج.
следующие страницы →