← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومما يدل على وجوب الشكر في هذه الآية تعليق التوحيد والعبادة به, لأن الشكر لا يصح إلا بالتوحيد, واختصاص الله جل وعلا بالعبودية سبب للشكر, وهذا يدل على ارتفاع الأمرين بارتفاع أحدهما, وأن من لم يشكر الله لم يعبده وحده, وان من شكره فقد عبده ووحّده. (١) ولما كان العمل الصالح من الشكر كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] فقد أمر الله الرسل به كما أمر به عباده المؤمنين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. وهذا يدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال وبالعمل الصالح. وأمر الله جل وعلا بالشكر بعد الأكل من الطيبات؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة ويجلب النعم المفقودة. (٢) • المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه, وأن غاية ذلك هو الشكر (٣). امتن الله على عباده بما سخر لهم من المطعومات والمشروبات مع تعددها وتنوعها, فمرة يمتن عليهم بما خرج من الأرض, وتارة يمتن عليهم بما سخر لهم من الأنعام وتارة بما سخر لهم من صيد البحر وطعامه, وتارة يذكرهم بأنه هو المتفرد بالإطعام سبحانه دون غيره والمتكفل بجعله طيبا للآكلين, والآيات في هذا كثيرة, وسأذكر في هذا المقام بإذن الله من الآيات ما يدل على نظائرها من الآيات الأخرى, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤].

стр. 142

فقوله ﵎: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي هو الرازق لهم من غير احتياج إليهم جل وعلا (١). وخص الإطعام في هذه الآية دون غيرها من النعم, لأن الحاجة إليها أمس, ولا غنى للخلق عنها. (٢) وكان من دعاء النبي ﷺ بعد الطعام, ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ ، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين). (٣) وهذا من شكر النبي ﷺ لربه, وثنائه عليه بهذه النعم التي تفرد بها جل وعلا. (٤) وقد بين الله سبحانه في هذه الآية أن الإشراك, كفران للنعمة وليس شكرا لها, لأن الشكر يستلزم التوحيد والعبادة, وقد قرن الله بين العبادة والشكر عند طلب الرزق في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 143

لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت:١٧]. فجاءت هذه الآيات لتذكر العباد بنعمة الر زق وغيرها من النعم التي تقود العبد لحقيقة الشكر وهي التوحيد لله جل وعلا والاعتراف بالعبودية له دون غيره من الكائنات حيث لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق لأن أكلهم رزقه, وعبادتهم غيره كفر ظاهر. (١) • نعمة إحياء الأرض وإخراج النبات. ومن الآيات التي بين الله فيها فضل هذه النعمة وعظمتها قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ ... [يس: ٣٣ - ٣٥]. فبين الله سبحانه أنه هو الذي أحيا الأرض وقد كانت مواتا وأخرج منها النبات والحب, وجعل فيها الحدائق والثمار, كل هذا ليأكل العباد مما أنبت لهم وأنشأ جل وعلا, وما سخر لهم وأعانهم عليه من الحرث والغرس, أما إنضاجه وإخراجه فليس لهم فيه حول ولا قوة, وهذا كله يستحق شكر المنعم المطعِم جل وعلا. (٢) وهذه الآيات وإن كانت للاستدلال على البعث ففيها إدماج للامتنان ضمن الاستدلال ولذلك فرع عليه ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وفرع عليه ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. (٣) وبين الله تعالى أن نعمة الأكل تسبقها نِعَم, وهي إحياء الأرض وشق الحب وإخراجه وإنشاء الجنات التي تخرج منها الثمار والفواكه, ثم يأتي الأكل منها بعد كل هذه النعم.

стр. 144

وقد جاء في سورة عبس ما يفصل هذه المراحل ويبينها حتى تكون أدعى لتذكر النعمة وشكر المنعم, قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. فهذا أمر من الله سبحانه لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله ويعيش به من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته. هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ (١). وجيء بالمضارع في قوله ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: مبالغة في تكرار الشكر وإيقاعه على الدوام بسبب هذه النعم العظيمة. (٢) • نعمة تسخير لحوم الأنعام للأكل. وكما ذكّر الله عباده بنعمة ما يطعمونه من نبات الأرض فقد ذكرهم بنعمة الأنعام وأنه خلقها لهم وأباح لهم الأكل منها فقال في سورة النعم (٣): ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥].فلما أخبر الله قبل هذه الآية أنه خلق الإنسان, أخبر في هذه الآية ما امتن به عليه من خلق الأنعام (٤) فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ أي: ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان (٥). ومن جملة النعم التي امتن الله بها على خلقه, الأكل من هذه الأنعام فقال: ... ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وتقديم الجار والمجرور هنا إنما هو بيان للاهتمام بهذه النعمة العظيمة

стр. 145

التي هي من أعظم المنافع المتكررة من الخلق, ولذلك جاء التعبير بالمضارع لاستمرار هذا الفعل وتجدده من العباد, ورغبتهم الشديدة في الأكل من هذه اللحوم (١). وقد ختم الله هذه الآيات بما يوجب على العباد شكره والثناء عليه فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [النحل: ٧] , لأن من رحمته جل وعلا أن خلق هذه الأنعام وسخر لنا فيها هذه النعم العظيمة التي من أعظمها نعمة الطعام, فهي تعليل لقوله تعالى: ... ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ (٢). وقد جاء في آيات أخرى ما يوجب الشكر صراحة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]. ومن لطيف رحمة الله وعظيم رأفته, أن نوع لعباده ما يطعمونه من اللحوم فكما أن لكل أهل بلد ما يناسبهم حسب طبيعة أرضهم وما يوجد فيها من الرزق, فقد نوع لعباده الطيبات من اللحوم فكما أحل صيد البر, وأحل بهيمة الأنعام, فقد أحل لعباده كذلك صيد البحر رحمة منه جل وعلا وفضلاً, وحتى يحصل للعباد التلذذ والتفكه بتنوع الأكل من هذه الطيبات, وهذه من النعم العظيمة التي تستحق الشكر للمولى المنعِم جل وعلا, فامتن الله على الخلق بهذه النعمة حتى يؤدوا شكرها على ما أمر فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ

стр. 146

شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١٢]. فامتن الله ﷻ على عباده في هاتين الآيتين بأن سخر لهم البحر, والتسخير: هو التذليل (١) , وهذه من أعظم النعم أن مكّن لعباده هذا البحر العظيم المتلاطم, وتلك اللجج التي تغشاها الظلمة, فجعلهم يغوصون في أعماقه, ويركبون على أمواجه (٢). فهيأ لهم هذا التسخير, لعدة منافع, ومن أولها وأعظمها ما قال عنه: ... ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فجعل الله جل وعلا من تسخير البحر نعمة استخراج اللحم. وفي وصف اللحم بالطري مزيد فائدة فإن السمك مع مكوثه في البحر الشديد الملوحة إلا أن لحمه في غاية العذوبة، فسبحان الخالق الرازق الذي أخرج الضد من الضد (٣). ولما بين الله جل وعلا لعباده منافع تسخير البحر لهم, ختم الآية بحكمة من حكم هذا التسخير وهي شكر الله بالاعتراف بعبوديته واستعمال هذه النعم في طاعته فقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. (٤) • التفكر في هذه النعم لو سلبت من العباد, كيف يكون حالهم؟ وكما عدد الله ﵎ هذه النعم على عباده مع تنوعها حتى يشكروه, فقد أمرهم بالتفكر فيما لو سلب هذه النعم حلاوتها وعذوبتها ونفعها, فجعل النبات يابسا والماء غائرا مالحا, وماذا لو جعل اللحم يابسا لا يلين إذا استنضج بالنار؟! فأمرنا الله بالتفكر في هذه النعم لحكمة عظيمة, ألا وهي شكره على تسخير هذه المطعومات بما يجعله نافعا لنا, فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ

стр. 147

نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٧٠]. فأمرنا الله بالنظر في هذا الزرع الذي غاية ما نقوم به هو حرث الأرض ووضع الحب فيها, ثم يتكفل الله بزرعها وحفظها من التعفن والأرضة والدواب, ثم يخرج هذه الحبة من التراب نباتا أخضر يانعا, أو شجرا باسقا مليئا بالثمر, ولو شاء الله لأهلكه, أو جعله يابسا فلا نستطيع الانتفاع به, وحينها تحصل الندامة ويعلم العباد أنهم قد أصابهم العذاب والحرمان من الله بسبب كفرهم وعدم شكرهم. وكذلك الأمر في الماء الذي نشرب منه, كيف أنعم الله علينا وأنزله من السحاب عذبا طيبا مستساغا, ولو شاء لأنزله مالحا لا نستطيع تذوقه فضلا عن شربه أو الارتواء به. والحكمة من هذا النظر إنما هو شكر الله, والقيام بعبادته وحده لا شريك له, والاجتهاد في طاعته والبعد عن معصيته, ولذلك ختم الله هذه الآيات بقوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. • المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها . لما أمر الله عباده بالشكر, وعدد لهم أنواع النعم ليشكروه وأمرهم أن يتفكروا فيها وأنه لو شاء لسلبها عنهم, بين لعباده عاقبة من كفر بنعمة الله فلم يشكرها ولم يؤد حقها, وذاك لبيان أهمية الشكر وأنه مطية لنجاة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة, فضرب لهم الأمثال وقص عليهم القصص, وبيّن لهم حقيقة الشكر الذي يريده منهم. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل: ١١٢ , ١١٣]. وهذا مثل ضربه الله بهذه القرية, وقد اختلف المفسرون في المراد بها فمن العلماء من ذكر أن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة, حين

стр. 148

استعصت على رسول الله ﷺ كمجاهد وقتادة عن ابن عباس ﵄, وروي عن أم المؤمنين حفصة ﵂ أنها المدينة حين قتل عثمان بن عفان ﵁ ومنهم من قال: إنها قرية غير معينة, ولذلك جاءت القرية بصيغة التنكير. (١) وأما ما جاء من وصف هذه القرية فقد حصل لأهل مكة, وبينه الله في آيات كثيرة من كتابه, فقوله : ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أخبر الله أنه أنعم على أهل مكة بالأمن حيث كان الناس في خوف فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت:٦٧] وبين أنهم مع نعمة الأمن فإن رزقهم وطعامهم يأتيهم في ديارهم وهذه نعمة أخرى عظيمة, كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧] وقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش:١ - ٤]. وجعل هذا الرزق متجددا متنوعا ولذلك عبر عنها بالمضارع فقال: (يأتيها) (٢) وأما قوله عن القرية: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ فقد دل عليها قوله عن كفار مكة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ ... [إبراهيم: ٢٨].

стр. 149

وأما بيان ما نزل بأهل القرية في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فقد حصل ذلك لأهل مكة حين تولوا واستكبروا, فدعا عليهم رسول الله ﷺ فقال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف) (١) فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف ووبر البعير , وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن من جيوش رسول الله ﷺ وغزواته وبعوثه وسراياه. (٢) ولما وعظ تعالى بضرب ذلك المثل, وصل هذا الأمر للمؤمنين بالفاء، فأمر المؤمنين بأكل ما رزقهم وشكر نعمته ليباينوا تلك القرية التي كفرت بنعم الله فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤] ولما أخبر عن القرية أنها كفرت بأنعم الله, جاء الخطاب للمؤمنين بقوله: واشكروا نعمة الله (٣). وكما ضرب الله هذا المثل فقد قص علينا ما حصل من قوم سبأ من الإعراض وما كانوا فيه قبل ذلك من النعم العظيمة, فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ ... [سبأ: ١٥]. فأخبر الباري جل شأنه أنه أنعم على قوم سبأ بنعم عظيمة كان من أولها نعمة الرزق فقد أنعم الله عليهم في بلدتهم ببستانين جهة اليمين وجهة الشمال, وكان ثمرهما سهل التناول, بل إنه لا يحتاج إلى هذا الجهد, فقد روي أن المرأة كانت تُخرِج مكتلها على رأسها فتمشي بين الجبلين، فيمتلئ مكتلها، وما مست بيدها (٤).

стр. 150

فأمرهم الله جل وعلا أن يشكروه على هذه النعمة, فيجازيهم بالعفو الرحمة والغفران. وأي نعمة أعظم من أن يكون العبد في رغد من العيش ومغفرة وصفح من الرب ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ولكنهم حين أعرضوا عن طاعة الله وشكره, وكفروا هذه النعمة العظيمة بدل الله حالهم ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٦, ١٧]. فأرسل الله عليهم سيلا بدلت بساتينهم الجميلة وثمارهم الناضجة ومناظرهم الحسنة إلى أشجار مليئة الشوك قليلة الثمر من الأراك والسدر, ولما كان أجود هذه الأشجار المبدلة هو السدر قال جل وعلا: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله بسبب كفرهم وعدم شكرهم (١). ولذلك جعل الله ما حل بهؤلاء القوم من النكال والعذاب, عبرة وآية لكل صبار على المصائب, شكور على النعم فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ ... [سبأ: ١٩]. فهذه الآيات وما حوته من معانٍ وعظات تبين أهمية الشكر, وأنه سبب النجاة, وطريق للسعادة وطيب الحياة. وليعلم العبد أنه مهما بذل من الشكر لهذه النعمة فإنه لن يؤديَ شكرها على أتم وجه وأكمله. ومن شكر الله على هذه النعمة الثناء عليه وحمده عليها فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (٢).

стр. 151

ومن الشكر كذلك إظهار ما في القلب من حقوق هذه النعمة باللسان، بتأليه الله وتوحيده, وبالجوارح بالعمل بطاعته والانتهاء عن معصيته, وأن يشفق العبد من زوال هذه النعمة (١) , فعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: ... (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوٍ). (٢)

стр. 152

المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله لقد أمر الله في كتابه الكريم بتعظيم شعائره فقال : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج:٣٢]. والمراد بشعائر الله: هي جميع ما أمر الله به ونهى عنه (١) , ومن ذلك تعظيم حرمات الله كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ... [الحج:٣٠]. وقد أخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبي رباح (٢) أنه سئل عن شعائر الله فقال: (حُرُمات الله: اجتناب سَخَطِ الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله). (٣) وقال الحسن: (دين الله كله) (٤). فتعظيم شعائر الله: إظهار ما في القلب من تعظيم الله بتعظيم أمره ونهيه (٥). وقد ورد في سياق آيات الأطعمة الأمر بتعظيم شعائر الله, والوعيد الشديد لمن تساهل فيها.

стр. 153

فقد ابتدأ الله جل شأنه سورة المائدة في الآية الثانية منها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ... ﴾ الآية [المائدة:٢] , ومن المواضيع التي تعرضت لها سورة المائدة أحكام الأطعمة والذبائح والصيد وما يتعلق بهذا الباب من أحكام, ويتبين فيه ما لتعظيم هذه الأحكام والأوامر من الخير والسعادة, وما للمخالفة من الإثم والعقوبة. وتتجلى صور هذا التعظيم في مواضع من كتاب الله, ومن ذلك: • المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله . ففي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ... ﴾ الآية [المائدة:٣]. فذكر جل وعلا من جملة المحرمات في هذه الآية: ما أهل به لغير الله, وما ذبح على النصب. فما أهل به لغير الله: هو ما ذبح وذكر عليه غير اسم الله تعالى (١) , والإهلال رفع الصوت والجهر به (٢). وقد أمر الله أن يذكر اسمه العظيم على الذبيحة, فمتى ما ذبح الذابح وذكر عليها غير اسم الله ورفع بها صوته, فليس هذا من تعظيم الله في شيء وإنما هو تعظيم لما ذبح له. وقد كان المشركون إذا ذبحوا للأصنام يرفعون أصواتهم فيقولون: باسم اللات, باسم العزى, تشريفا لهم وتعظيما (٣) ولذلك فقد أجمع العلماء أن ما ذبح للأصنام والأوثان والطواغيت فلا يجوز أكلها. (٤)

стр. 154

وبهذا يتبين أن التسمية على النسك من تعظيم الله وتعظيم شعائره. ولما كانت الأنصاب من شعائر الشرك حرّم الله أكل ما ذبح عليها فقال: ... ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ , والنصب: الأوثان من الحجارة، وهي مجموعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض فكان المشركون يقرِّبون لها، وليست بأصنام. وكان الذبح عليها مختصا بأهل الجاهلية, فعن مجاهد ﵀ قال:: النصب: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها. (١) فلما كانت هذه النصب علامة على أهل الشرك وشعيرة لهم, وكانوا يذبحون عليها وينضحون عليها الدم ويشرحون اللحم تعظيما لها في نفوسهم, وتشريفا لهذه النصب ويزعمون بذلك أنهم يعظمون البيت الحرام (٢) , أبطل الله دعواهم بهذا التعظيم وحرم الأكل من هذا اللحم, وبين لهم حقيقة التعظيم فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ ... [الحج:٣٧]. فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن زيد أنه قال في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ (٣) ولذلك فقد نهى العلماء عن أكل ما ذبح عليها حتى ولو ذكر عليها اسم الله, لما في الذبح عند هذه النصُب من الشرك, ومخالفة أمر الله (٤).

стр. 155

• المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله . إن تعظيم الله وتعظيم شعائره من الأسباب التي تحجز العبد عن الوقوع في محارم الله ونواهيه, حتى لو وقع العبد في معصية أو ارتكب حراما لغلبة شهوة أو نسيان فاستحضر عظمة الله, فإنه سرعان ما يتوب ويقلع, فإذا صدقت توبته فإن الله يتوب عليه. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قال: (إن عبدا أصاب ذنبا وربما قال أذنب ذنبا فقال رب أذنبت وربما قال أصبت فاغفر لي فقال ربه أَعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي, ثم مكث ما شاء الله, ثم أصاب ذنبا أو أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت - أو أصبت - آخر فاغفره؟ فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي, ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا وربما قال أصاب ذنبا, قال: رب أصبت - أو قال أذنبت - آخر فاغفره لي, فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثا فليعمل ما شاء) (١). أما الذين يصرون على المعصية, ويتجرؤون على ما نهى الله عنه, بل ويتحدثون بمعاصيهم أمام الناس, فهؤلاء لم يرعوا لله حرمة, ولم يقدروا الله حق قدره, وقد جاء الحديث بالوعيد الشديد لهم, فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) (٢). والله جل وعلا في كتابه العظيم حين نهى عباده عن قتل الصيد حال الإحرام, وفصّل لهم الحكم, توعد من تعمد قتل الصيد بعد ذلك بانتقامه وعظيم بأسه فقال: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ

стр. 156

النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥]. فإن الله لما أباح لعباده الصيد حال الحل, نهاهم عن قربان الصيد وقتله حال الإحرام, وعظم هذا النهي أشد التعظيم لمن تعمد ارتكابه. فجعل على من تعمد قتل الصيد الجزاء فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ , وذلك تأديب وعقوبة من الله تعالى لمن هتك حرمة الله (١). ومن تعظيم هذه الحرمة: تعظيم أمر الكفارة وتغليظها, وجعل الحكم فيها لاثنين من العدول. فقال: ... ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ , فجعل الكفارة جزاء المثل أو الإطعام أو الصيام, وهذه الثلاثة ثقيلة على الطبع فاثنان منها يوجبان نقص المال, وواحدة توجب إيلام البدن (٢). فأي هذه الثلاثة اختارها العبد كان تأديبا وردعا له على هذه المخالفة (٣). ومن تعظيم الله لهذه الحرمة أنه لم يجعل الحكم بالمثلية لشخص واحد فقط, بل جعله لاثنين عدلين يتشاوران ويحكمان فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ , ولذلك فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سئل أحدهم عن الجزاء, ما كان يحكم فيها حتى يستشير رجلا آخر, وذلك لتعظيمهم أمر الله, وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 157

فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى ميمون بن مهران (١) أَنَّ أَعْرَابِيًّا، أَتَى أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: قَتَلْتُ صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَمَا تَرَى عَلَيَّ مِنَ الْجَزَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: (مَا تَرَى فِيهَا؟) , قَالَ: قَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَتَيْتُكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُكَ، فَإِذَا أَنْتَ تَسْأَلُ غَيْرَكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (وَمَا تَذْكُرُ قَوْلَ اللَّهِ: ... ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟، فَشَاوَرْتُ صَاحِبِي حَتَّى إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَمْرٍ أَمَرْنَاكَ بِهِ). (٢) فلم يستنكف خليفة رسول الله ﷺ أن يشاور أبياًّ ﵁ أمام الأعرابي, امتثالا لأمر الله وتعظيما له. وأخرج الطبري بسنده إلى قبيصة بن جابر (٣) قال: (خرجنا حُجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث، قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ خُشَّاءه فركب رَدْعه ميتًا (٤)، قال: فَعَظَّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر ﵁، قال: فقص عليه القصة قال: وإلى جنبه رجل كأن وجهه قُلْب فضة -يعني عبد الرحمن بن عوف-فالتفت عمر إلى صاحبه

стр. 158

فكلمه قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عَظّم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه: اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدّرّة. قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفَّهت الحكم؟ قال: ثم أقبل عليَّ فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئا يحْرُم عليك مني، قال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شابّ السن، فسيح الصدر، بيّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلقُ السيئ الأخلاقَ الحسنة، فإياك وعثرات الشباب) (١). فتأمل موقف عمر من الرجل حين قال له: (أقتلت في الحرم وسفَّهت الحكم؟) وهذا من تعظيم الفاروق ﵁ لحرمات الله أن استشار عبد الرحمن بن عوف ﵁, ثم عاتب الرجل حين خالف حكمهما الذي أمر الله به. ومن تغليظ عقوبة قتل الصيد حال الإحرام كذلك قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ , فجعل الله جل وعلا العفو عما سلف بين قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. وجملة: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ دلّت على أن مقصد التشريع في جزاء قتل الصيد إنما هو العقوبة, وقد جاء التعبير بلفظ الوبال: حتى يحس القاتل بعظمة وشدة الفعل الذي ارتكبه إذ أصل الوبال: الشدة في المكروه. (٢)

стр. 159

ثم أعقب الله بعد ذكر العفو عما كان في الجاهلية تهديدا للمتساهلين المتعمدين بقتل الصيد حال الإحرام فقال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. وقد اختلف أهل التفسير في هذا المعنى فمنهم (١) من أسقط الجزاء عمن تكرر منه القتل عمدا ويقال له: ينتقم الله منك. ومنهم (٢) من قال: أن من عاد لقتل الصيد متعمدا بعد نهي الله ﵎ فإن الله ينتقم منه وعليه مع ذلك الجزاء. وهذا القول هو القول الراجح. (٣) وهذا يدل على عظيم ما اقترف القاتل من الجرم خصوصا عند تكرر الفعل منه عمدا لأن الله ﵎ أوجب عليه في المرة الأولى الجزاء حتى يشعر بعظيم ما اقترفه, ثم زاد العقوبة على من تكرر منه الفعل بالانتقام منه, فحصل له الوبال في الدنيا والانتقام من الله جل وعلا إما في الدنيا أو الآخرة, ولا يلزم أن يكون الجزاء مانعا للانتقام. (٤) ولا شك أنه لا يعود لمثل هذا الفعل متعمدا بعد بيان الحكم والتغليظ فيه إلا من خف قلبه من تعظيم الله ﵎, والتساهل فيما أمر به, ولذلك ختم الله ﵎ الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. فمن اعتز وتعاظم بقتل الصيد الذي حرم الله قتله وجعله آمنا, فإن الله ﵎ هو القوي القادر على الانتقام. • المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم . قال جل وعلا مبينا ما عليه أهل الشرك من السخف والتعدي عليه ﵎: ... ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ

стр. 160

بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ ... [الأنعام:١٣٦]. أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس: (جعلوا لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا. فإن سقط من ثمرة ما جَعَلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقَطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه. فهذا ما جعلوا من الحروث وسِقْي الماء. وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]) (١). وهذا الفعل منهم في غاية الجهل والتعالي على الله . ولا شك أن من خف قلبه من تعظيم الله الخالق البارئ الذي ذرأ وبرأ (٢) لهم الحرث والأنعام ليأكلوا منها, وركب سبيل الهوى فإنه يعظم ما لا يستحق التعظيم من الأوثان والأحجار بل ويقدم لهم القرابين التي خلقها الله وأوجدها, فأين تعظيم الله ﵎؟!! بل هذا غاية الجهل والسفه, فعن ابن عباس ﵄ قال: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]) (٣). وذلك أنهم فضلوا ما جعل لغير الله على ما جعل له وعظموا غير الله على الله ﵎, ولذلك ذمهم الله ﵎ ووبخهم, وختم الآية بقوله:

стр. 161

﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما يقسمون, فقسمتهم بين الله الخالق المالك الذي لا يتقرب إلا إليه, وبين آلهتهم في ذاتها سيئة وآثمة, ثم تفضيل ما جعل لغير الله والجور في القسمة, يدل على سوء حكمهم (١) , وجرم صنيعهم, وقد بين الله في الآيات بعدها أنه سيجزيهم على هذه الفرية العظيمة, والوصف الظالم الآثم. وبهذا يعلم العبد أن الفلاح والفوز بتعظيم شعائر الله جل وعلا فيما أمرنا ونهانا, وأن تعظيم هذه النعم إنما هو تعظيم للمنعم سبحانه. وأن الشقاء كل الشقاء في التعدي على ما نهى الله عنه, والتجرؤ على حقوقه ﵎ بإشراك أي أحد معه.

стр. 162

المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية امتن الله على عباده المؤمنين أن بعث فيهم رسولا يزكيهم ويتلو عليهم الآيات كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ ... [آل عمران:١٦٤]. فلا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فطاعته ﷺ واتباع شرعه إنما هو عين الخروج من الضلال والغواية, ومن رحمة الله بهذه الأمة أن بين لها مسالك الغواية حتى تهتدي وترشد. وإن مما تكثر فيه سبل الغواية ومسالك الضلال باب الأطعمة وما يتعلق به, ذلك أنها تدخل على العبد من بابي الشهوات والشبهات. وقبل الحديث عن مسالك الغواية يحسن التعريف بمعناها. فالغواية: من الغي وهو الضلال والخيبة. (١) والغي في قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: تعدي الحق وتجاوزه إلى الضلال. (٢) وقد جاءت آيات الأطعمة محذرة من هذا المزلق الخطير ومبينة أعظم الطرق التي توقع العبد في الغواية والضلال, حتى نجتنبها ونبتعد عنها. فالطريق الأول: اتباع خطوات الشيطان. والطريق الثاني: الفسق, وهما طريقان عظيمان كل طريق منهما يتشعب إلى شعاب يوقع في غياهب الضلال.

стр. 163

وحتى ننجو من هذين الطريقين فقد أرشدنا الله إلى كيفية تجنبهما, حتى نهتدي ونرشد • المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان . لقد نهى الله تعالى عباده نهيا عاما عن اتباع خطوات الشيطان وبين لهم مغبة ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور:٢١]. وفي آيات الأطعمة أكّد الله هذا النهي وقرنه بالأمر بأكل الطيبات تحذيرا لعباده وتنبيها, لما في ذلك من الخطر العظيم في هذا الباب, ولا أدل على هذا الخطر من المعصية الأولى التي عصي الله تعالى بها من قِبَل البشر, فقد كانت من تزيين الشيطان وإيحاءه لنبي الله آدم ﵇ في الأكل مما حرَّمه الله عليه, فكانت النتيجة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ ... [طه:١٢١]. وحتى ينجو العبد ويسعد في الدارين يجب عليه معرفة خطوات الشيطان ومكايده التي حذرنا الله تعالى منها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة:١٦٨]. وقال: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ [الأنعام: ١٤٢]. ففي الآية الأولى يأمر الله تعالى عباده بالأكل مما في الأرض من زروع وثمار وأنعام على أن تكون طيبة حلالا. وفي الآية الثانية: يأمر الله عباده بالأكل مما رزقهم من الأنعام ومن غير ذلك من الحرث والزرع.

стр. 164

والحمولة: اسم لما حمَلَ من الأنعام على ظهره, والفرش: كل ما لطف فقرب جسمه من الأرض (١). وفي كلتا الآيتين ينهى الله عباده عن اتباع خطوات الشيطان حيث قد ظهرت وبانت عداوته. ولما كانت عداوة الشيطان ظاهرة بينة, فأي خطوة من خطواته يجب الحذر منها حتى ولو تلبس فيها بلباس النصح كما فعل مع آدم ﵇ حيث قال الله تعالى عنه: ... ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف:٢١]. ولهذا فقد بين السلف ﵏ خطوات الشيطان ومكايده في باب الأطعمة حتى نحذر وننتبه. فمن تلك الخطوات: • تحريم ما أحل الله . فكما أن الشيطان يزين للعبد المعصية, فإنه قد يأتيه من جانب الورع والزهد فيجعله يحرم على نفسه أمورا قد أباحها الله له فهذه من خطوات الشيطان التي أمرنا الله تعالى باجتنابها فعن عبد الله بن مسعود ﵁, أنه أتي بضرع (٢) وملح فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم, فقال: لا أريد. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا, قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعاً أبداً. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك. (٣) ولما امتنع أقوام عن أكل اللحم وغير ذلك مما أباحه الله ظنا منهم أن في ذلك تعبدا لله قام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي

стр. 165

وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) , ولا شك أن ما يخالف سنة النبي ﷺ من خطوات الشيطان. ومن خطوات الشيطان في تحريم ما أحل الله ما كان يفعله أهل الجاهلية من تحريم ما أباحه الله لهم, مثل البحائر التي كانوا يجدعون آذانها فلا ينتفع أهل البيت بها ولا بشيء من أشعارها وألبانها, والسوائب التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ويحرمونها على أنفسهم, والوصائل التي كانت تلد ستة أبطن فإذا ولدت سبعة جدعت وقطع قرنها ويقولون: وصلت فلا يذبحونها, وكذلك الحام وهو الفحل من الإبل, فقد كان إذا ولد لولده قالوا: حما هذا ظهره فلا يذبحونه (١) ,فخص الله هذه بالإبطال فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة:١٠٣] وحذر من اتخاذ هذه الوسيلة الشيطانية بالعموم فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس:٥٩].وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل:١١٦] وقد حذر النبي ﷺ من هذا الطريق فعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال في إحدى خطبه: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا (كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ... ) الخ الحديث. (٢).

стр. 166

قال النووي ﵀ في تعليقه على الحديث: والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي وغير ذلك وأنها لم تصر حراما بتحريمهم (١) • الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله . فإن الشياطين يوسوسون لأتباعهم ويوحون لهم بما يصد عن سبيل الله وقد بين الله أن هذه خطوة من خطوات الشيطان التي نهانا سبحانه عن اتباعها فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. وإن مما أوحاه الشيطان إلى أوليائه في باب الأطعمة من أن الميتة التي حرمها الله أولى بالأكل مما يذبحه الذابح بنفسه لأن ذبح الله أولى من ذبح العبد, وهي في الحقيقة وسوسة شيطانية يراد منها الجدال بالباطل والصد عن دين الله فنهانا الله عن سلوك هذه الوسيلة التي توقع في الشرك فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ ... [الأنعام:١٢١]. فقد أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس في قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨] قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه! فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذًا لمشركون.

стр. 167

وأخرج بسنده إلى قتادة أن عدوّ الله إبليس، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله! فأنزل الله على نبيه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث: أن يدعو مع الله إلهًا آخر، أو يسجد لغير الله، أو يسمي الذبائح لغير الله (١) • تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس . لما حرم الله على آدم ﵇ الأكل من الشجرة لم يطمعا في الأكل من الشجرة حتى أتاهما الشيطان وغرهما وأسمى هذه الشجرة بشجرة الخلد مكرا وكيدا منه. وكذلك الحال مع بني آدم فإن الشيطان يزين لهم ما حرمه عليهم من الطعام والشراب فيزين لهم الخمر بتسميتها شراب الأفراح, أو مشروب الروح ونحو ذلك, فيقع العبد بهذه الوسيلة في المعصية, حيث يخف وقع الاسم عليه فيدعوه ذلك لشرب الخمر. (٢) وقد بين النبي ﷺ لأمته هذه المكيدة الإبليسية, فعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويضرب على رءوسهم المعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة، والخنازير) (٣) فهاهو النبي ﷺ يبين لأمته ما يحصل من تسمية ما حرمه الله تعالى بغير اسمه ومن ذلك الخمر وأخبر بالوعيد الشديد لمن يغير الحقائق ويغر الناس.

стр. 168

فعلى العبد أن يحذر الوقوع في حبائل الشيطان, فإن أي عمل محرم فهو من خطوات الشيطان, فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: خطوات الشيطان: عمله (١). وأخبرنا الله تعالى أن الخمر من عمل الشيطان وحذرنا وأمرنا باجتنابها فقال: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠]. ومن عمل الشيطان كل طعام حرمه الله تعالى علينا من ميتة أو مما لم يذكر اسم الله عليه, فهو الذي يحمل العبد على الوقوع في شراكه وفي أعماله المحرمة. وقد جاء في تفسير قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أنه هو الذي عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه ثم اقتدى بها غيره (٢). ويعضد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق (٣) عن معمر (٤) عن قتادة قال: (لما أهبط إبليس قال: أي رب! قد لعنته فما عمله؟ قال: السحر، قال: فما قراءته؟ قال:

стр. 169

الشعر، قال: فما كتابه؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام، قال: فأين مجلسه؟ قال: الاسواق، قال: فما صوته؟ قال: المزمار، قال: فما مصايده؟ قال: النساء) (١). فدل هذا الأثر على أن شرب المسكر وأكل المحرمات من أعمال الشيطان, ويريد الشيطان أن يوقع بني آدم في هذه المحرمات التي سماها الله تعالى رجسا أي: شرّاً وسخطا (٢) , وهي توصل إلى الغواية ولا شك, كيف لا وهي تصد العبد عن ذكر ربه, وعن الصلاة كما نصت الآية الكريمة فهي تلهي القلب والبدن عن خالقه, وتبعده عن النجاح والفلاح, وقد بين الله تعالى في سورة النور أن خطوات الشيطان تقود كذلك إلى الفحشاء والمنكر فقال : ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]. فمن رحمة الله تعالى وحكمته أن أمرنا باجتناب ما يبعدنا عنه, ونهانا عن كل ما يشين العبد في الدنيا ويوبقه في الآخرة.

стр. 170

• المطلب الثاني: اجتناب الفسق . الفسق هو: العصيان والترك لأَمر الله والخروج عن طريق الحق (١) , ومنه الضلالة والغواية (٢). ومن فضل الله أحكم الحاكمين أن بين لنا في باب الأطعمة ما يورث الفسق, حتى يكون العبد على بينة مما يطعم, ويتغذى بدنه على الطيب الذي يحبه الله ولا يقبل سواه فـ (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا) (٣). ومن الوسائل التي تفضي إلى الفسق مما حذرنا الله منها في باب الأطعمة: • التحذير من أكل ما يورث الفسق: لما ذكر الله ما يحرم علينا من الطعام في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ ... [المائدة:٣]. وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥] ختم المحرمات في الآيتين بأنه فسق والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ تعود إلى جميع المحرمات التي حرمها الله تعالى في هذه الآية, كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يعني: (من أكل من ذلك كله فهو فسق) (٤). وهذا يدل على أن أكل هذه المحرمات يورث الفسق والمعصية.

стр. 171

ثم إن هذه المحرمات وأمثالها تولد في نفس آكلها هيئات دنيئة توجب أخلاقا سيئة وفسادا في الطبع مما قد يؤدي إلى الفسق والعياذ بالله. فالميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كلها تشترك في علة أنها ماتت والدم محبوس فيها ومحتقن فأصبحت خبيثة تورث خبثا لدى آكلها, ثم إن الشطان يجري في مجاري الدم من الحيوان, ولذلك كانت التذكية الشرعية واجبة لما فيها من تطهير الذبيحة من الدم وخروج الشيطان منها حتى تصبح من الطيبات التي أبيحت لنا. وأما لحم الخنزير: فإنه الحيوان الذي مسخ الله اليهود الفاسقين بصورته, فأصبح بين هذا النوع من الحيوان وبين هؤلاء المغضوب عليهم البعيدين من الرحمة مناسبة خفية, وأصبح بينه وبين النفوس السوية نفورا, فضلا عما يأكله الخنزير من القذارات والنجاسات. وأما ما أهل به لغير الله مما يذبحه المجوسي أو المرتد وتارك التسمية: فإن قيامهم بالذبح أكسب المذبوح خبثا أوجب تحريمه, وقد يكون ما يذكرونه عليها من الكواكب والشياطين تكسبها خبثا أيضا, فقبح الفعل يسري ويصل إلى الذبيحة (١) وقد حرم النبي ﷺ الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع, لشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها وخروجها عن طبيعة الاعتدال (٢) فكل هذه المحرمات تورث فسقا والعياذ بالله لدى آكلها, وقد كرّه الله عباده من الفسق والعصيان وكرهه لهم, كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات:٧]. • التحذير من مشابهة الفاسقين . كما نهانا الله تعالى عما يورث الفسق من الطعام, نهانا عن طاعة الفاسقين والتشبه بهم في ذبائحهم وطعامهم وما يعتقدونه فيه.

стр. 172

ومن الآيات التي حذرتنا من مشابهة أهل الفسق ما حكاه الله عن المشركين من عاداتهم الجاهلية في طعامهم فقال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٤٠]. فقد كان من شأنهم أن حرموا بعض الأنعام وقالوا لا نطعمها إلا لمن شئنا, وكانوا يحرمون اللبن على النساء ويشربه ذكرانهم, وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء (١). فأخبر الله تعالى في الآية الثالثة أن من هذا شأنه فهو من الخاسرين وذلك لما اتصف به من صفات الفاسقين ومن أعظمها: افتراء الكذب على الله والجرأة عليه, ثم وصفهم الله بالضلال وهو الانحراف عن سواء السبيل فلا يرجعون إلى الحق ولا يهتدون إليه, وهي الصفة التي ختم الله بها الآية فقال: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ , والآية فيها تحذير وتهديد لمن تشبه بهم, واقتدى بفعلهم. قال ابن العربي (٢) ﵀: (فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه الرسول ﵇, فكان من الظاهر لنا أن نميته

стр. 173

حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر، إلا أن ربنا ﵎ ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة) (١). وقد حذرنا الله جل شأنه في آيات أخر من مشابهة الفاسقين في بغيهم حتى ننجو من عقوبته تعالى, فقال : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام:١٤٦] إلى قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]. فما حصل لبني إسرائيل من التضييق إنما هو بسبب بغيهم وظلمهم وصدهم عن سبيل الله كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. (٢). وقد حذرت الآيات من التشبه بفعل القوم الفاسقين من عدة أوجه: الوجه الأول: أن ذكر ما حصل لبني إسرائيل إنما هو تحذير لهذه الأمة أن يحصل منهم بغي أو ظلم فيعاقبوا كما عوقب بنو إسرائيل. (٣) ولقد حذر النبي ﷺ أمته أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود, فعن ابن عباس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسا عند الركن, قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال:

стр. 174

(لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله تعالى إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) (١). فبين الحديث أن من شابه اليهود في تحليل ما حرم الله بأي نوع من أنواع الحيل فإنه يستحق اللعن والعياذ بالله. (٢) ولذلك فقد أنكر عمر ﵁ ودعا على من فعل كما فعلت اليهود, فعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: (قاتل الله فلانا ألم يعلم أن النبي ﷺ وسلم قال (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) (٣). الوجه الثاني: ما أخبر الله به عما سيقوله المشركون للرسول ﷺ في احتجاجهم بالمشيئة في شركهم وتحريمهم ما أحل الله لهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام:١٤٨] فبين الله تعالى أن تكذيبهم مشابه لتكذيب الأمم السابقة التي حل عليها العقاب والبأس وهو ما حصل مع المشركين فقد أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم. (٤) وهي دلالة واضحة أن من شابه فعله فعل المكذبين بإلقاء الشبه لتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله وتكذيب المرسلين فإن الله سيذيقه بأسه وعقابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

стр. 175

الوجه الثالث: ما ختم الله به هذه الآيات من نهيه عن اتباع المكذبين المشركين حيث قال: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ... [الأنعام: ١٥٠]. فنهى الله نبيه عن اتباع أهل الأهواء المكذبين الذين يزعمون أن الله حرّم عليهم ما حرموه من البحائر والسُّيَّب, والمراد بهذا النهي إنما هم أصحاب النبي ﷺ والمؤمنون به (١). وفي قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أظهر ما مقامه الإضمار ليعم جميع أهل الأهواء المكذبين بآيات الله, فيدخل في ذلك المشركين واليهود وجميع من اتبع هواه. (٢) فهذه الآيات تحذر المسلم من التشبه بأهل الفسق حتى لا ينقاد إلى الغواية والضلال. • وقد جمع الله ﵎ النهي عن اتباع خطوات الشيطان والتحذير من الفسق والنهي عن اتباع الفاسقين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]. فبين تعالى أن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من ميتة أو مما أهل به لغير الله أو ما ذبحه أهل الأوثان فسق ومعصية (٣). وتوعد جل شأنه من أطاع ما يوحيه الشياطين لأوليائه في النصف الثاني من الآية, وهي تشمل شياطين الجن وشياطين الإنس أهل الأهواء. قال ابن جرير ﵀: (وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم, وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس, وجائز أن

стр. 176

يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام:١١٢] بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم) (١). فالفلاح كل الفلاح هو البعد عما يوقع الإنسان في الغواية, والبحث عن سبل الهداية ففيها النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.

стр. 177

• الباب الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات الفصل الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المواريث الفصل الثالث: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات النكاح الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة

стр. 178

الفصل الأول وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: التعامل بالمعروف. المبحث الثاني: تحقيق العدل. المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة. المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة. المبحث الخامس: حفظ الحقوق.

стр. 179

المبحث الأول: التعامل بالمعروف حث الله ﵎ على المعروف وأمر به, بل استثنى من التناجي المذموم التناجي بالمعروف. والطبائع السليمة كلها متفقة على قبول المعروف, وبغض المنكر أيا كان, وذلك لما له من آثار حسنة في بناء المجتمع المسلم على التعارف والتسامح, بحيث يكون مجتمعا صالحا مستقيما. والمعروف: هو اسم لكل ما يعرف بالعقل أو الشرع حسنه, والعرف المعروف من الإحسان (١) ولقد أمر الله نبيه ﷺ بذلك فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والمراد به في الآية: هو كل ما أمر الله به من الأعمال وندب إليه (٢) , فيدخل في ذلك جميع خصال المعروف. وقولك المعروف للسائل دون إعطائه المال, خيراً من إعطاء المال بالمن ومنكر القول فإن ذلك مبطل له كما قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]. ولما كانت النفس مجبولة على حب المال وجمعه, فقد يسبب ذلك شيئا من الشح والتنافس الذي يورث العداوة والبغضاء. ولذلك جاءت الإشارة في القرآن إلى أهمية التعامل بالمعروف في المعاملات المالية كي لا تتكدر النفوس ويكون المجتمع بذلك مجتمعا سليما متآلفا. ومن المواضع التي جاء فيها الأمر بالتعامل بالمعروف ما يلي:

стр. 180

• المطلب الأول: قول المعروف عند الحجر على مال السفيه. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]. نهى الله في هذه الآية أن تُجعل الأموال في يد السفهاء رحمة بهم, والسفيه في هذه الآية هو كل من لا يحسن التصرف في ماله, بالتضييع والإفساد وسوء التصرف فيه رجلا كان أو امرأة صغيرا أو كبيرا (١) , فيدخل في ذلك الأيتام (٢) المتصفين بالسفه , فيجب أن يحجر عليهم حتى لا يحصل منهم تضييع للمال. وكما أمر الله ولي السفيه بالإنفاق عليه فقد أمره بحسن التعامل معه وقول المعروف له بأن يعده بإعطاء المال له حال رشده, وأن يطمئنه أن مآل المال راجع إليه, ويبين له أنه قائم على رعاية هذا المال, إلى غير ذلك مما هو من قول المعروف (٣). وهذا القول الحسن يسهم في بناء المجتمع بناء أخلاقيا, وذلك من وجوه: • الوجه الأول: أن قول المعروف يؤثر في نفس السفيه وقلبه فيزيل السفه عنه, فإن الولي إذا قال لوليه: إن المال صائر إليك حال رشدك, يثير في نفس السفيه تفكيرا في تدبير الأمور, ويكون حافزا له ليتدرب على الترشد في المال, أما إن أغلظ القول له فإنه يزيد سفها إلى سفهه, ويجعل تفكيره محصورا في استخلاص المال من الولي بأي وسيلة كانت. (٤) • الوجه الثاني: أن قول المعروف أبقى للمودة بين الولي ووليه, فإن السفيه يستنكر منع ما يطلبه دون النظر في مصلحة ذلك, فإذا أضاف الولي إلى منعه قولا منكرا
следующие страницы →