يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام:١١٢] بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم) (١).
فالفلاح كل الفلاح هو البعد عما يوقع الإنسان في الغواية, والبحث عن سبل الهداية ففيها النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
стр. 177
• الباب الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات
الفصل الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المواريث
الفصل الثالث: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات النكاح
الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة
стр. 178
الفصل الأول
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: التعامل بالمعروف.
المبحث الثاني: تحقيق العدل.
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.
المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة.
المبحث الخامس: حفظ الحقوق.
стр. 179
المبحث الأول: التعامل بالمعروف
حث الله ﵎ على المعروف وأمر به, بل استثنى من التناجي المذموم التناجي بالمعروف.
والطبائع السليمة كلها متفقة على قبول المعروف, وبغض المنكر أيا كان, وذلك لما له من آثار حسنة في بناء المجتمع المسلم على التعارف والتسامح, بحيث يكون مجتمعا صالحا مستقيما.
والمعروف: هو اسم لكل ما يعرف بالعقل أو الشرع حسنه, والعرف المعروف من الإحسان (١)
ولقد أمر الله نبيه ﷺ بذلك فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والمراد به في الآية: هو كل ما أمر الله به من الأعمال وندب إليه (٢) , فيدخل في ذلك جميع خصال المعروف.
وقولك المعروف للسائل دون إعطائه المال, خيراً من إعطاء المال بالمن ومنكر القول فإن ذلك مبطل له كما قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
ولما كانت النفس مجبولة على حب المال وجمعه, فقد يسبب ذلك شيئا من الشح والتنافس الذي يورث العداوة والبغضاء.
ولذلك جاءت الإشارة في القرآن إلى أهمية التعامل بالمعروف في المعاملات المالية كي لا تتكدر النفوس ويكون المجتمع بذلك مجتمعا سليما متآلفا.
ومن المواضع التي جاء فيها الأمر بالتعامل بالمعروف ما يلي:
стр. 180
• المطلب الأول: قول المعروف عند الحجر على مال السفيه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
نهى الله في هذه الآية أن تُجعل الأموال في يد السفهاء رحمة بهم, والسفيه في هذه الآية هو كل من لا يحسن التصرف في ماله, بالتضييع والإفساد وسوء التصرف فيه رجلا كان أو امرأة صغيرا أو كبيرا (١) , فيدخل في ذلك الأيتام (٢) المتصفين بالسفه , فيجب أن يحجر عليهم حتى لا يحصل منهم تضييع للمال.
وكما أمر الله ولي السفيه بالإنفاق عليه فقد أمره بحسن التعامل معه وقول المعروف له بأن يعده بإعطاء المال له حال رشده, وأن يطمئنه أن مآل المال راجع إليه, ويبين له أنه قائم على رعاية هذا المال, إلى غير ذلك مما هو من قول المعروف (٣).
وهذا القول الحسن يسهم في بناء المجتمع بناء أخلاقيا, وذلك من وجوه:
• الوجه الأول: أن قول المعروف يؤثر في نفس السفيه وقلبه فيزيل السفه عنه, فإن الولي إذا قال لوليه: إن المال صائر إليك حال رشدك, يثير في نفس السفيه تفكيرا في تدبير الأمور, ويكون حافزا له ليتدرب على الترشد في المال, أما إن أغلظ القول له فإنه يزيد سفها إلى سفهه, ويجعل تفكيره محصورا في استخلاص المال من الولي بأي وسيلة كانت. (٤)
• الوجه الثاني: أن قول المعروف أبقى للمودة بين الولي ووليه, فإن السفيه يستنكر منع ما يطلبه دون النظر في مصلحة ذلك, فإذا أضاف الولي إلى منعه قولا منكرا
стр. 181
فسينتج عن ذلك سوء أخلاق المحجور عليه بل قد يتهمه ويسمع وليه كلمات مكروهة فيحصل بذلك الخلاف والشقاق.
أما إذا أحسن الولي القول, ووعظه بالحسنى, فذلك أدعى لبقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم, وقد ينتفع السفيه بقول المعروف, فتكون سببا في صلاح حاله (١) , وهكذا تقوى أواصر المجتمع وتترابط.
• الوجه الثالث: أن جانب السفيه موصوف بالهوان لنقصان عقله وقلة تدبيره ... - وهي نقصان في الخِلقة- وذلك قد يحمل وليه على التلفظ عليه بسيء الألفاظ وإسماعه ما يكره, وهذا يجعل حال السفيه من صغار إلى صغار, أما إذا أكرمه الولي وتحمّل ضعفه الجبلّي وألان له القول, فذلك يرفع من شأن المحجور عليه ويشعره بالكرامة, فلا يشعر بالهوان والدون في تعامله مع الناس ولذلك فإن الله تعالى نهى أن يقهر اليتيم فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. فقد يحصل من اليتيم ما يستدعي قهره فنهى الله ﵎ عن جميع أنواع القهر بالقول والفعل (٢).
• المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦].
أباح الله ﵎ لولي اليتيم إن كان فقيرا أن يأكل من مال وليه شريطة أن يكون بالمعروف, فلا يكون الأخذ بغير المعروف.
وقد بين النبي ﷺ ضابط الأخذ بالمعروف من مال اليتيم, فعن قتادة ﵀ أن عم ثابت ابن رفاعة وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره، أتى نبيّ الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ
стр. 182
في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: (أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله ولا تتخذ من ماله وَفْرًا) (١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: (كُلْ من مال يتيمك غير مُسْرِف ولا مُبذر ولا متأثِّل مالاً ومن غير أن تقي مالك -أو قال: تفدي مالك -بماله) (٢).
فمن رحمة الله وفضله أن يسر لليتيم من يرعاه ويقوم على مصالحه, وأباح لولي اليتيم إذا كان فقيرا أن يأخذ من مال وليه بالمعروف, وبذلك تتكاتف المجتمعات وتقوى أواصرها فيجد اليتيم من يعوله ويرعاه, ويجد الفقير ما يسد عوزه وفقره (٣).
• وكما أن الله تعالى أمر بالمعروف في التعامل مع مال اليتيم, فيجب أن يكون التعامل بالمعروف في سائر المعاملات المالية, ولقد بين النبي ﷺ ما للتعامل بالمعروف بين الناس في البيع والشراء من البركة فعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) (٤).
فإذا حصل الصدق من الطرفين بارك الله للمشتري في سلعته وللبائع في ثمنها, أما إن حصل الكذب والغش من الطرفين أو أحدهما فحينئذ تمحق البركة وتزول.
فإن كان الكاذب أحد الطرفين فإن الحديث يحتمل زوال البركة من كليهما وإن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا, ويحتمل أن تمحق البركة من الكاذب وحده. (٥)
فعلى المجتمع المسلم الذي يرجو الفلاح والبركة أن يبتعد عن التعاملات المحرمة ويحرص على التعامل المباح والمعروف, حتى تعم البركة وينتشر الخير.
стр. 183
المبحث الثاني: تحقيق العدل
جبلت النفس البشرية على الشح والحرص كما قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. والشح المذموم هنا هو حرص العبد على المال والممتلكات مما يؤدي إلى ضياع الحقوق (١) , وقد بين الله ﵎ أن الفلاح في وقاية العبد نفسه من الشح فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
فبالشح يقع الظلم بين الناس فيؤدي إلى فساد المجتمع وأكل المال بالباطل, فإذا أطلق الإنسان العنان لنفسه في طاعة شحها فقد هلك وظلم وجانب العدل, فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث مهلكات: شح مطاع, وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء, وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب, والقصد في الغنى والفاقة, ومخافة الله في السر والعلانية) (٢).
فبين النبي ﷺ أن الهلاك في الشح المطاع أما النجاة ففي العدل على كل حال, و لما كان المال أغلب ما يوقع في الشح (٣) , كان العدل أعظم ما يعالج به البخل والظلم.
ولقد شرع الله العدل لحكمة عظيمة وهي صلاح المجتمع, فبالعدل قامت السماوات والأرض, وشرعه الله ليقوم الناس به في معاملاتهم وسائر شؤون حياتهم كما في قوله:
стр. 184
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (١).
فالآية قررت أصلا عظيما وهو أن من الغايات الكبرى للرسالة الإلهية قيام نظام عادل للتعامل بين الناس (٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]
فهذا أمر من الله لجميع من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل في سائر المعاملات, ومنها: أبواب المعاملات المالية (٣).
ومن هذه المواضع التي قررت هذه الحكمة العظيمة.
• المطلب الأول: تحريم الربا لقيامه على الظلم.
حرم الله الربا في آخر سورة البقرة ونهى العباد عنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨, ٢٧٩]
ففي قوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ إشارة إلى أن الحكمة من تحريم الربا رفع
الظلم (٤).
وبين الله في هذه الآية طريق التوبة وأن العدل وعدم الظلم شرط لها (٥) , وكما نهي المرابي حال التوبة عن الظلم فقد نهي غيره عن ظلمه, فشرع له رأس المال وهذا غاية العدل, فلا
стр. 185
يأخذ زيادة عن رأس المال ولا يبخسه غيره حقه فينقص من رأس ماله (١) , وهكذا ينمو المال في المجتمع نموا سليما قائما على العدل بعيدا عن الظلم.
وقد بين الله في هذه الآيات المنهج العدل الذي ينمو به المال بصورة صحيحة فقال:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال ابن تيمية ﵀: (وقد ذكر الله في آخر البقرة أحكام الأموال وهى ثلاثة أصناف: عدل وفضل وظلم, فالعدل البيع, والظلم الربا, والفضل الصدقة, فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم, وذم المرابين وبين عقابهم, وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى) (٢).
وهذا يدل على أن هذه الآيات أصل عظيم في البيوع المنهي عنها, وأن أي بيع لا يبنى على العدل فهو محرم ولذلك فقد نهى النبي ﷺ عن تلقي الركبان فيشترى منهم فقال: (لا يتلقى الركبان لبيع) (٣) لأن فيه ظلما وغبنا لأصحاب السلعة فربما يُضِرون بهم في القيمة, كما أن فيه ضررا لأهل البلدة كذلك, وهذا مناف للعدل.
كما نهى النبي ﷺ عن احتكار الأقوات فقال: (من احتكر فهو خاطئ) (٤) لأنه يحصل به تضرر الناس فهذا كذلك من الظلم وعدم العدل (٥).
• المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات .
لما كان التداين من أسباب رواج المعاملات (٦) ,أباحه الله للعباد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ
стр. 186
كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا .... ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
وقد اشتملت هذه الآية على وسائل تحقيق العدل (١) في المداينات, وهي:
أ) الكتابة وتعظيم منزلتها: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ بأن يكتب الكاتب بين المتداينَيْنِ بالحق والإنصاف, وهذا يتضمن أمورا:
• أن يكون الكاتب عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا كتابته.
• أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق , وما يحصل به التوثيق، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك. (٢)
• ألا يزيد الدائن في حقه ولا ينقص منه, كما قال قتادة ﵀: (اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدنَّ فيه باطلا) (٣).
ثم كرر الله الأمر بالكتابة مبينا منزلتها فقال: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبين الله جل وعلا هنا الحكمة من مشروعية الكتابة, قلّ الدين أو كثر, وأن من أعظم هذه الحكم أنها أقسط عند الله, أي: أعدل عند الله.
وهذا يدل على محبته لها لأن فيها العدل والقسط.
وكانت الكتابة بهذه المنزلة, لأنه جل وعلا أمر بها وحث عليها, وإذا كان الأمر كذلك فما أحرى العباد أن يمتثلوا تطبيقها والعمل بها. (٤)
стр. 187
ب) أن يكون الإملاء بالحق من المدين أو وليه, كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فهذه الآية بينت أنه على المدين أن يملي بالحق فإن حصل له سبب من أسباب القصور التي ذكرها الله جل وعلا وهي:
• السفه, وذلك بجهل الصواب من الخطأ فيما يكتب.
• والضعف, وذلك إما بعجز في المدين أو عي في لسانه ونحو ذلك.
• أو عدم الاستطاعة, وذلك لغَيْبَتِه وعدم حضوره (١).
ففي هذه الحالة يتعين على ولي المدين أن يملي بالعدل, فلا يظلمه بسبب ما فيه من القصور.
وهذا المعنى هو الذي عليه جمهور المفسرين (٢) , أما الطبري ﵀ فقد ذهب إلى أن الضمير في (وليه) يعود على صاحب الحق وهو الدائن (٣) , وعلى هذا القول فإن ذلك أدعى لتحري العدل واجتناب الظلم من صاحب الحق فلا يملي إلا بما يوجب الحق على كلا الطرفين.
وإذا تأملت في هذا الموضع والذي قبله يتبين أن فيه الأمر بالعدل للكاتب والدائن والمدين , فإذا امتثلوا العدل في أقوالهم وكتابتهم, يكون المجتمع متمثلا للعدل في المداينات.
стр. 188
• المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه ا.
نهى الله تعالى عباده وزجرهم عن التطفيف في الميزان, فالميزان إنما وضع لإقامة العدل ونشره, فالتطفيف فيه مناف لهذه الحكمة العظيمة ومخالف له.
فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣].
فحذر الله تعالى من هذا الصنيع, وكفى هذا الفعل قبحا أن صاحبه لا يرضاه لنفسه فهو إن نقص في ميزان غيره إذا كال له أو وزن, فإنه لا يرضى ذلك لنفسه, بل إنه يستوفي حقه كاملا وقد يزيد .. فأين هذا من العدل؟!
ولقد عظّم الله أمر المكيال والميزان وجمع بينه وبين رفع السماوات بغير عمد فقال:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] فنهى الله جل وعلا عن ظلم الناس في الوزن حال بيعهم وشرائهم واستيفائهم حقوقهم.
وبهذا العدل يصلح الناس, فقد أخرج الطبري بسنده إلى قتادة في قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: (اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك، وأوف كما تحبّ أن يُوَفى لك، فإن بالعدل صلاح الناس) (١).
ومن منافع العدل في المكاييل والموازين ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء: ٣٥].
وجاء التعبير بـ (خير) منكرا ليعم ويشمل كل خير في الدنيا والآخرة, وهو كذلك أحسن مآلا وعاقبة فإن من يوفي الناس يكسب محبة الله, فتسري محبته بين الناس, إضافة إلى ما يشتهر عنه من السمعة الحسنة والذكر الجميل, كما يبارك له في رزقه أضعاف أضعاف ما يأخذه المطفف من اليسير القليل الممحوق البركة. (٢).
стр. 189
أما ما يعود على المطفف من المضار فهو الظلم, وابتعاد الناس عنه, إضافة إلى لؤم النفس والعياذ بالله (١).
وأما إذا اتفق المجتمع على هذا الظلم والتطفيف في الميزان, فذلك إيذان بالهلاك والعقوبة الدنيوية, كما حصل مع قوم شعيب ﵇ حينما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.
وقد كان ابن عباس ﵁ يعظ الناس ويقول في سوق المدينة: (يا معشر الموالي إنكم قد بُليتم بأمرين أهلك فيهما أمتان من الأمم: المِكْيال، والميزان) (٢).
فهذه النصوص والشواهد تدعو الأمة إلى أن تكون معاملاتهم وبيعهم وشراؤهم قائما على العدل, وأن يبذلوا النصيحة فيما بينهم, فإن في ذلك الصلاح والنجاة, والبركة في المال بإذن الله.
فإن الحاجة ماسة إلى ذلك خصوصا مع تنوع المعاملات وكثرتها في هذه الأزمنة واختلاط الحلال بالحرام, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالعدل, وأن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه.
стр. 190
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة
الأخوة الإسلامية نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده وأمرهم بشكرها فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كما أخبر سبحانه وأكّد أن الأصل في المسلمين الاجتماع والتآخي, وأن التفرق عارض. وأوجب على العباد نبذه والعمل على معالجته فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقد وردت في آيات المعاملات سبل ووسائل يحصل بسببها تقوية روح الأخوة وإذكائها و تقضي على التفرق والتباعد وهي كالتالي:
• المطلب الأول: النهي عن أكل المال بالباطل.
فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
فنهى الله في هاتين الآيتين عباده أن يأكل بعضهم مال بعض بغير وجه حق أيا كانت هذه الوسيلة من ربا أو قمار أو غش أو حيلة لأن ذلك مناف للأخوة (١).
والتعبير في الآيتين بضمير المخاطب في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ على ما فيه من العموم والشمول, فهو يوحي للعبد أن مال أخيه بمنزلة ماله, فيجب أن يحافظ عليه كما يحافظ
стр. 191
على خاصة ماله, فهي رحمة من الله بعباده المؤمنين, إذ اجتماعهم وتوحدهم باسم الإيمان يدعوهم إلى الحفاظ على مال بعضهم البعض (١).
ولما نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل, ذكر في آية البقرة وسيلة من الوسائل التي تباعد بين الإخوة, وتُحْدِث الفجوة, ألا وهي الرشوة (٢).
ففي قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. حرم الله على العباد أن يرشوا الحكام والقضاة ويآكلوهم أموالهم حتى يستعينوا بذلك على أكل مال غيرهم بغير وجه حق (٣).
فتخصيص الله تعالى لهذه الصورة لشناعتها وجمعها صورا كثيرة من المحرمات, ومن هذه المحرمات ما يجده العبد المسلم صاحب الحق من قهر وذل عند من كان يظن أنه سيوفيه حقه (٤).
وهذا من قهر الرجال الذي كان يتعوذ منه النبي ﷺ , (٥) فهو يشعر بقلة حيلته وعجزه في إرجاع حقه, مما يسبب الضغينة والبغض, ويورثه العداوة والحقد.
وفي آية سورة النساء بين الله أثرا سيئا وخطيرا من آثار أكل المال بالباطل ألا وهو أن أكل المال بالباطل يثير في صاحب الحق الشحناء والرغبة في إرجاع حقه فتحصل
стр. 192
بذلك فتن ومصائب قد تؤدي إلى القتل -عياذا بالله- فقال تعالى محذرا ومحرما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١).
والضمير المضاف إلى النفس في هذه الآية, تجعل آكل المال بالباطل يحذر وينظر في عواقب الأمور, فأكله مال أخيه بالباطل, هو الذي تسبب في جعل أخيه يتعدى عليه بالقتل فكأنه قتل نفسه, مما قد يوجب القصاص على القاتل وبهذا تفسد المجتمعات وتنتهك الحرمات وتسفك الدماء, والله أرحم بعباده منهم بأنفسهم فحرم هذه السبل البغيضة التي تورث الأحقاد, ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
• المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدَّين .
أمر الله المتدايِنَيْن بكتابة الدين بينهما سواء أكان صغيرا أم كبيرا فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وبين جل وعلا أن لهذه الكتابة حِكما عظيمة, ومن تلك الحكم ما نص عليه جل وعلا في قوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومعنى الآية: أن من حِكَم كتابة الدَّين وكيفيته ومقداره بين المتدايِنَيْن أنه أقرب إلى عدم الريبة بين الطرفين, حيث يرجع للكتاب الذي كتِب فيفصل النزاع, ويزيل ما يعلق في القلب من شكوك. (٢)
وهذا من عظيم فضل الله بالمجتمع المسلم أن قطع عنهم السبل والوسائل التي تؤدي إلى حصول الريبة والشكوك.
فأي أخوة ترجى بعد ذلك؟ وخصوصا إذا اتسع الأمر وانتقل الأمر من مجرد الظن إلى التباغض والتنازع وما يحصل جراء ذلك من غيبة ونميمة (٣).
стр. 193
وقد بين الله ﵎ أن هذه الظنون تقدح في الأخوة فوصفها بالإثم فقال:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] , وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) (١).
ولأجل هذا فقد حث أحكم الحاكمين على قطع ما يفضي إلى الشكوك والظنون في مثل هذه الحالة, حرصا على تكاتف المؤمنين وتآخيهم كما نص الحديث السابق.
وفي بعض الأحوال يحصل من حسن الظن والمحبة بين الأخ وأخيه ما يُشعر الدائن بالأمان والاطمئنان نحو المدين, فإن وصل الأمر إلى هذا الحد فلا بأس حينئذ من عدم الكتابة أو الرهن (٢) كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهكذا تتوثق الصلات بين المجتمع, ويحب كل أخ لأخيه ما يحبه لنفسه. (٣)
• المطلب الثالث: التخفيف على الأُجَراء والرحمة بهم .
من رحمة الله اختلاف مشارب العباد ومنافعهم وتسخير بعضهم لبعض, وقد شرع الله لعباده الإجارة, فيقضي صاحب الحاجة حاجته, ويأخذ الأجير أجره.
وقد رغبت الشريعة في الرحمة بالأجراء والتخفيف عليهم, فشتان بين أجير لا يَسْلم من توبيخ أو نقد مع مايبذله من العمل, وبين أجير قد عامله مؤجره بالحسنى مع اشتراطه إتمام العمل وإنجازه, فهو وإن كان أجيرا لديه, فهو أخ له في الله قبل ذلك.
وقد قص الله لنا ما حصل بين موسى ﵇ والعبد الصالح صاحب مدْين, لنتفكر ونتأمل في هذه القصة.
стр. 194
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧].
فقد طلب صاحب مدين من موسى ﵇ أن يأجره على رعيه الغنم ثمان سنين والزيادة إلى عشر إنما هو تفضل وتبرع, ثم بين له أن هذه المؤاجرة إنما هي قائمة على السهولة وعدم المشقة فقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
وعدم المشقة إما بالتخيير بأي الأجلين وعدم الإلزام بالعشر كاملة. وإما بعدم مؤاخذته وتكليفه ما لا يطيق من الاحتياط الشديد في كيفية الرعي, أو تكليفه أمرا خارجا عن الشرط. (١)
فلما كان من صاحب مدين التخفيف وعدم المشقة, كان من موسى إتمام الأجل فقد أكمل موسى ﵇ الأجل الأوفى والأكمل, فقد سأل سعيد بن جبير (٢) عبد الله بن عباس عن أي الأجلين قضى موسى؟ فأجابه أنه قضى عشر سنين. (٣)
ولهذا ينبغي على المستأجر أن يحسن أخلاقه مع أجيره وخادمه وألا يشق عليه, فإذا وجد الأجير الخلق الجميل والتيسير دعاه ذلك إلى رد الجميل وإتقان العمل.
стр. 195
المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة
حذر الله جل وعلا عباده أشد التحذير من كتمان الشهادة, وأخبر أنه لا أحد أشد ظلما من كاتم الشهادة فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠].
وفي المقابل فقد امتدح جل شأنه من يؤدي الشهادة ويقوم بها على أتم وجه فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣] فأخرجهم من وصف الهلع والجزع.
وما الترغيب في إقامة الشهادة إلا لأهميتها ودخولها في أبواب كثيرة من حوائج الناس ومنها المعاملات المالية, فهي تدخل في البيوع كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وتدخل في كتابة الديْن كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وتدخل في دفع مال اليتيم إذا رشد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]. (١) فاستوجبت هذه المصالح الحث بالقيام بالشهادة, والتحذير من كتمانها.
стр. 196
ولذلك نهى الله سبحانه الشهداء أن يمتنعوا عن الشهادة إذا دعوا إليها فقال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقد اختلف العلماء هل الآية تشمل التحمل أم يقصد بها أداء الشهادة إذا دعي إليها؟
فذهب الطبري إلى أن المراد بالآية أداء الشهادة دون التحمل (١) , وذهب غيره من العلماء إلى أن الآية تعم التحمل والأداء (٢).
فدلّت الآية على أن من تحمل الشهادة وجب عليه أداؤها ويحرم عليه كتمانها, كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فالنهي في هذه الآية مع الوعيد المترتب على الكتمان يقتضي تحريم هذا الفعل (٣).
وقد حذر السلف من كتمان الشهادة, فقد أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع في قوله:
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.
عن ابن عباس ﵄ قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. (٤)
وإذا تأملنا هذا الوعيد الشديد عرفنا ما يحويه من الحِكم العظيمة مما يقِّوم المجتمع ويصلحه فمن ذلك:
стр. 197
١ - أن القيام بأداء الشهادة إنما هو قيام بشرع الله ومراده بين الناس وقد نص الله على ذلك فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقوله: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ تدل على أن مراد الله إقامة الشهادة على وجهها, وكفى بهذه حكمة في صلاح المجتمع وسعادته. (١)
٢ - منع الظلم وإظهار الحق, فإذا قام الشاهد بأداء الشهادة فقد منع الظلم أن يقع بين الناس ودل على طهارة قلبه وأمانته, وخصوصا إن لم يشهد عليها غيره, فإذا كتمها دل على ما انطوى عليه قلبه من الإثم والخيانة, ولذلك نسب الله الإثم إلى القلب.
وهذا يؤكد القول بفرضية تحمل الشهادة وأدائها سواء كانت فرض عين أم فرض كفاية, فإن المجتمع قد يأثم بترك الشهادة لتسببه في وقوع الظلم والله المستعان. (٢)
فإذا تبيّن هذا علم العبد ما للقيام بالشهادة من الخيرية والفضيلة التي أخبر عنها النبي ﷺ فعن زيد بن خالد الجهني (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (٤).
ومعنى الحديث: أن خير الشهداء من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له (٥).
стр. 198
٣. قطع النزاعات والخصومات, فالقيام بالشهادة يحسم النزاع ويرفع الخصومة قبل حصولها (١).
٤. الاحتياط وبراءة الذمة: وهذه عند الإشهاد على دفع الولي لمال اليتيم, فلا يدّعي اليتيم ما ليس له, ويقطع الولي اتهام اليتيم بإبراء ساحته وإظهار أمانته (٢).
فهذه الحِكم تبين ما لأداء الشهادة وعدم كتمانها من صلاح للمجتمع.
стр. 199
المبحث الخامس: حفظ الحقوق
جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق, والاهتمام بها, وأعظم هذه الحقوق هي الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض, فمصالح الدين والدنيا مبنية على الحفاظ على هذه الحقوق وبضياعها ضياع الدنيا ومصالحها.
وقد جاءت الأحكام الشرعية لتحقيق هذه المصالح الضرورية وحفظها أن تضيع أو تنتهك.
والمال داخل في هذه المصالح , فلو ضاع وعُدم لم يبق في الدنيا عيْش (١).
وقد جاءت الآيات في كتاب الله حافظة لهذا الحق العظيم, ومشرعة للأمة ما يحفظه لها.
ويتضح ذلك فيما يلي:
• المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام .
إن الأمة مكونة من مجموع الأفراد الذين ينتمون إليها, فإذا نقص دخل كل فرد من المال أو ضاع حقه منه, تطرق النقص إلى الأمة بمجموعها, وضاع حقها, لما للمال من سد حاجة الناس.
وإذا ضاع المال بين أفراد المجتمع احتاجت الأمة إلى غيرها, وقد يطمع فيها أعداؤها فيصبح المجتمع ذليلا فقيرا, بخلاف ما إذا نما المال وحفظت الحقوق, فإن الأمة تكون في عزة ومنعة لا تحتاج إلى غيرها من الأمم.
ولذلك فإن الله أمر الأمة بما يحفظ لها المال من جانب الوجود ومن جانب العدم, فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 200
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] (١).
فهاتان الآيتان من أهم الأصول في حفظ مال الأمة, فقد بين الله تعالى لعباده ما يباح لهم من الزيادة المشروعة, وحرم عليهم الزيادة الباطلة الممنوعة.
وإذا كان بعض الناس, لا يرى فرقا بين البيع والربا, وأنهما سيان في الزيادة, فذلك لجهله بالشريعة وبعده عن منهج الله.
وأي فرق أعظم من تفريق أحكم الحاكمين بينهما بأن أباح لنا البيع وجعله وسيلة لحفظ المال وزيادته, وحرم الربا وجعله سببا للهلاك والنقص وتلف الأموال (٢).
وفي الآيتين دليل على أن الأصل في البيوع والتجارات الحل إذا سلمت من المحاذير التي بينها الله ورسوله ﷺ , وحصل التراضي بين المتبايعين, وبذلك تتنوع سبل تنمية المال وتكثر من عقارات وأمتعة وأشربة وأوان مما ينمي المال ويحفظه من الزوال (٣).
وهذا يدعو الأمة بمجموع أفرادها إلى التكسب وحفظ الأمة من أن يضعف اقتصادها فتزول هيبتها وكرامتها, وقد ورد عن النبي ﷺ وسلف الأمة ما يشير إلى هذا المعنى, فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (٤).
وقال سفيان الثوري (٥) ﵀: (كان المال فيما مضى يكره, فأما اليوم فهو ترس المؤمن)
стр. 201
وقال: (من كان في يده من هذه الأموال شيء فليصلحه, فإنه زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه) (١).
• وكما بين الله لنا سبل حفظ المال فقد حذرنا ونهانا عن اقتراف ما يسبب ضياعها وتلفها فنهانا عن الربا وأكل المال بالباطل, فأي نوع من أنواع البيوع أو المعاملات يحصل فيها أكل مال بالباطل من ربا أو غرر أو جهالة أو ظلم فإنه منهي عنه, ويدخل في ذلك أيضا القمار وصنوف الحيل التي يحتال بها صاحبها على الحكم الشرعي ليتعاطى الربا, ويدخل في ذلك البخس الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] , والميسر الذي أخبر أنه رجس فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. (٢).
فحق على ولاة أمور الأمة أن ينظروا فيما يحفظ أموالها العامة والخاصة, ويبقي المال في يدها, سواء بالاتجار بأساليب التجارة المشروعة, والاحتساب على من احتكر مالا أو أكل بالباطل مما حرمه الله (٣).
• المطلب الثاني: حفظ حق الدائن .
لما نهى الله تعالى الدائن أن يشترط أخذ زيادة على رأس المال, وأمره بإنظار المعسر فقد بين ما يضمن له حقه من الضياع أو الظلم.
ومما يبين عناية الله سبحانه بحفظ حق الدائن, أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار وفي آية الدين وصف مفصل فإنه تعالى أمر في هذه الآية و التي تليها بأوامر
стр. 202
لحفظ حق الدائن في الحضر والسفر ثم أكدها بمؤكدات وبالغ في التأكيد ووعظ فيها وأمر بالتقوى, كل هذا مبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصيانته عن الضياع.
وتتلخص هذه الأحكام فيما يلي:
أ- الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا أو استحبابا, لشدة الحاجة لذلك وأنه إذا عدمت الكتابة حصل من الغلط والنسيان شر عظيم.
ب- أمر الكاتب أن يكتب بالعدل.
ج- أمر المدين - الذي عليه الحق- أن يبين جميع ما عليه من الحق ولا يبخس منه شيئا.
د- الأمر بالإشهاد على الديْن على وجه الاستحباب أو الوجوب, لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق.
هـ - مشروعية الرهن وأنه عوض عن الكتابة للتوثق إذا لم تتوفر أسبابها, سواء في الحضر والسفر, وإنما نص الله على السفر لأنه مظنة الحاجة.
و- أمر الذي عليه الحق بأداء الحق كاملا إذا أمنه صاحب الحق فلم يكتب ولم يشهد ولم يرهن.
وكل هذه الأوامر لها تفصيلات وتأكيدات لبيان أهمية حفظ حق الدائن حتى لا يضيع ماله أو يؤكل بغير وجه حق.
وفي هذه الآية دليل على عناية الشريعة بما يحفظ مصالح العباد وحقوقهم من التلف والضياع. (١)
• المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه .
إن الشريعة الإسلامية كما اعتنت ببيان حفظ المال بين الناس, فقد جاءت مؤكدة على حفظ حق الضعفاء في المجتمع لضعفهم وعجزهم عن القيام على حفظ حقوقهم
стр. 203
ومصالحهم (١) , وقد نبه النبي ﷺ أمته وحذرهم من الاقتراب من حقوق الضعفاء, فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) (٢).
ومن أعظم هذه الحقوق المال كما قال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه .. ) (٣) الحديث.
وقد أرشد الله جل وعلا في كتابه الكريم إلى حفظ هذا الحق من الضياع, بعدة طرق وهي:
١. منع السفيه من التصرف بماله.
كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
فأمر الله تعالى عباده بإمساك أموال السفهاء حفظا لأموالهم من الضياع.
والتعبير بضمير المخاطب في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ مبالغة في محافظة الأولياء على أموال الضعفاء, وكأن أموالهم هي عين أموال الأولياء, وهي دعوة كذلك لجميع المخاطبين بهذه الآية بالسعي إلى حفظ المال, وأن في حفظ مال المحجور عليهم حفظ لمال المجتمع الذي توجه إليه النداء في بداية السورة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ تأكيد لحفظ المال الذي به قيام الحياة ومصالحها وبضياعه ضياعها, وهو كذلك كالقيم للنفوس لأن بقاءها بها كما تدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿قِيَماً﴾ , (٥) وهذا توجيه للناس إلى حفظ ما به قيام الحياة وبقاؤها.
стр. 204
وفي قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ حفظ لحق اليتيم ومن في حكمه من الإنفاق عليهم بما ينفعهم ويصلحهم, فلا يضيّق عليه في رزقه وكسوته.
وفي التعبير بـ (في) بدل (من) في الآية إشارة إلى حفظ المال بالاتجار فيه وتنميته حتى لا ينقص من الإنفاق حال تسليمه للسفيه إذا رشد, والمراد أن جملة المال ما يحصل به الرزق والكسوة تارة من عينه وتارة من ثمنه وتارة من نتاجه (١).
٢. النهي عن الاقتراب من مال اليتيم.
وقد كرر الله النهي عن القرب من مال اليتيم فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
فنهى الله ﵎ عن إتلاف أموال اليتامى, إذ هم أحق الناس بالنهي عن قربان أموالهم لضعفهم وعجزهم, وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى فيأكلونها, فهم ضعفاء في حجرهم, لا يستطيعون رد الحق, ولا يفطن أحد لمظلمتهم
ولذلك نهى الله عن مجرد قربان شيء منها فضلا عن الأكل, مبالغة في الابتعاد وسدا للذريعة, وتحذيرا من الأخذ ولو كان أقل القليل.
ومجيء النهي ثلاث مرات بضمير الجماعة إشارة إلى أن المجتمع مسؤول عن اليتيم والحفاظ على ماله من التلف والضياع (٢).
والنهي عن الاقتراب في الآية يشمل ما تتطلع إليه النفس من الفوارق الخفيفة والتحايل من استبدال شيء مكان شيء فيحصل بذلك استبدال الخبيث بالطيب, وقد نص الله على تحريم ذلك فقال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢]. (٣)
стр. 205
• وقد استثنى الله جل وعلا القرب منها بالتي هي أحسن وفي ذلك حفظ لمال اليتيم من الفساد فعن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ قال: اجتنب الناس مالَ اليتيم وطعامه، حتى كان يفسُد، إنْ كان لحمًا أو غيره. فشقّ ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. (١)
فالتعامل مع مال اليتيم إذاً لا يكون إلا بالتي هي أحسن في حقه وأصلح لماله, ومن ذلك ما نص عليه الفقهاء أن من ولي مال اليتيم واستحق أجراً، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله حفظا لماله (٢).
وقد يحتال بعض الناس أو تسول له نفسه حاجته للأكل من مال اليتيم فيأكله من غير حاجة ضرورية قبل بلوغ اليتيم فلا يبقى له عند البلوغ إلا النزر اليسير من المال فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦].
٣. دفع أموالهم إليهم بعد البلوغ ومؤانسة رشدهم:
فقد أمر الله الأوصياء بدفع أموال اليتامى إليهم فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
والأمر بالدفع متعلق بشرطين لا بد من تحققهما:
الأول: البلوغ.
الثاني: إيناس الرشد منهم.
وهي دعوة للأوصياء باختبار اليتامى ومؤانسة الرشد منهم قبل التسليم فإن حصل أدنى مؤانسة وجب دفع المال إليه بدون مماطلة أو تأخير (٣).
стр. 206
والرشد المراد: هو الرشد في العقل وحصوله في رعاية الأموال وحفظها من التلف
والضياع (١).
• ولما كان اليتيم قبل البلوغ غير قادر على إصلاح المال وحفظه أضافه الله لمن يصلحه بإضافته إلى ضمير المخاطبين بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ , فلما أصبح رشيدا قادرا على القيام على ماله بما يصلحه أضافه الله إليه فقال: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢).
وبهذا يتبين ما على المجتمع القيام به من حفظ مال اليتيم, وأن في حفظ ماله حفظا لمال الأمة ورعاية لمصلحتها.
• المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد .
لئن كان ما سبق بيانه في هذا المبحث بيان حفظ الحقوق المالية, فقد بين الله تعالى في آية الدين حفظ حق الكاتب والشهيد في الديون والمبايعات, فلهما حق غير حق المال.
فإن الله تعالى لما أمر الكاتب أن يكتب الدين ونهاه عن الإباء, ونهى الشهداء عن التخلف عن الشهادة إذا دعوا إليها, نهى عن الإضرار بهم فقال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقد بين السلف رحمهم الله تعالى سبل الإضرار بالكتبة والشهداء.
فعن مجاهد ﵀: (ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبَه وشاهدَه إلى أن يشهد، ولعله أن يكون في شُغل أو حاجة، ليؤثمه إن ترك ذلك حينئذ لشغله وحاجته) وقال: (لا يقمْ عن شغله وحاجته، فيجدَ في نفسه أو يحرَج).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (والضِّرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غنىّ: إنّ الله قد أمرك أن لا تأبَى إذا دعيت! فيضارُّه بذلك، وهو مكتف بغيره. فنهاه الله عن ذلك وقال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. (٣)
стр. 207
وبهذا يحفظ للكاتب والشهيد حقهما, فلا يقعان في حرج إذا حصل لهما بسبب الكتابة أو الشهادة إضرار (١).
стр. 208
الفصل الثاني
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه.
المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي.
المبحث الثالث: صلة الرحم.
المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة.
المبحث الخامس: حفظ الحقوق.
стр. 209
المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه
لقد كان من عادة العرب في الجاهلية أنهم لا يورثون النساء ولا الصبيان, فهم لا يشاركون في جلب المال, ولا يقاتلون الأعداء ولا يحوزون الغنائم, فالأوْلى بمال الميت هو من يقاتل ويضرب بالسيف ويحوز الغنائم.
هكذا كانت عادتهم, فالمرأة والطفل عندهم ليس لهم حق في الميراث.
ولما نزل القرآن على أهل الإيمان مشرعا لهم ومبينا أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية جاء بما فيه صلاحهم ونجاتهم, يدعوهم ويأخذ بيدهم لإقامة حكم الله.
وقد ورد في آيات المواريث ما يدعو الفرد والمجتمع لإقامة حكم الله في المواريث, وإزالة الباطل الذي كانوا يعتقدونه من قلوبهم ونفوسهم.
ومن ذلك:
١. المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض, وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها .
قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
فقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يدل على أنه نصيب مبيّن معيّن المقدار والنصاب والمجيء باسم المفعول يدل على أن هناك من فرض هذه الأنصبة وقدرها.
ويأتي بيان المشرّع المقدِّر لهذه الأنصبة في الآية الأخرى بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. فالذي فرض الأنصبة وقدرها هو الله, وهو الذي حكم بها وقضاها.
وهذه دعوة إلى التسليم لأمر الله والانقياد لحكمه (١).
стр. 210
وهذا حال الجماعة المؤمنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
ومما يدعو العبد كذلك للعناية بهذه الفرائض أن الله لم يفتتح شيئا في كتابه كما افتتح هذه الأحكام ولم يختم شيئا بما ختمها به فقال في افتتاحها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... ﴾ الآية [النساء: ١١].
والوصية: العهد (١).
والمعنى: يعهد الله إليكم فيما بين لكم من آيات المواريث (٢).
فالمجيء بلفظ الوصية مضافا للفظ الجلالة يراد منه الاهتمام بتطبيق هذه الوصية وتعظيم الموصِي بها والترهيب من إضاعتها, فإن هذا اللفظ أحق الأسماء بالتعظيم.
ثم ختم الآيات بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]. فأكد هذا الأمر بالوصية تأكيدا بعد تأكيد ليدل على وجوب طاعة الله وامتثال أمره في المواريث.
وهذا الخطاب موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لتنفيذ وصية الله في تقسيم التركة (٣).
• المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم, وتسليم الحكم لله .
لما بين الله جل شأنه مقادير كل من الآباء والأبناء قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].
بينت الآية أن العباد عاجزون عن إدراك الأنفع لهم في تقسيم المواريث, فلو كان الأمر موكل إليهم, فمنهم من ينظر في غنى كل واحد من الورثة ويعطي الأقل فالأقل ومنهم من يرى أن صنفا أحق من صنف آخر, ومنهم من يرى أن شخصا أولى من شخص, وكلها أمور لا تنضبط وتعم بها الفوضى ويحصل بسببها ضرر كثير.
стр. 211
فإذا أدرك العباد عجزهم عن ذلك تطلعوا لما فيه نفعهم وصلاحهم, ويسعون في تطبيقه بينهم, ولا يكون ذلك إلا بالقيام بوصية الله التي أوصى بها.
وهذا ما دعت إليه الآية الكريمة (١).
وقد أخبر الله جلت حكمته أن فيما شرع لنا من الأحكام هداية لنا إلى سلوك الطريق السوي والصراط المستقيم الذي سار عليه من قبلنا من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان وإن خفي علينا من المصالح ما لا ندركه, فقال تعالى بعد بيان أحكام المواريث وغيرها من الأحكام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. وهذا أدعى لقبول هذه الأحكام وأعون على امتثالها. (٢)
• المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها .
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فبعد أن فصّل الله ﵎ آيات المواريث, أخبر أنها حدوده جل وعلا التي لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها.
والحد في اللغة: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر (٣).
والمعنى في الآية: أن هذه القسمة التي قسمها الله في المواريث فصل بين طاعته ومعصيته (٤).
стр. 212
وفي هذه الآية ترغيب لأهل الطاعة بدخول الجنة لكونهم من المقيمين لحدود الله في المواريث, وترهيب لمن عصى الله بدخول النار, وكان الدخول مقرونا بالخلود لكون هؤلاء غيروا حكم الله ولم يرضوا بما قسم الله به لعباده, فاستحقوا بذلك هذا الوعيد (١).
فيتبين مما سبق أن آيات المواريث جاءت داعية المجتمع لتطبيق هذه الأحكام مبينة لهم ما يترتب على إقامتها من صلاح ونجاة في الدنيا والآخرة.
стр. 213
المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي
جاء الدين الإسلامي داعيا إلى محاسن الأخلاق ومحذرا من مساوئها, وهذا من أعظم أسباب الدخول في هذا الدين (١) , وقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ومن أعظم هذه الأخلاق الحسنة هي التكاتف والتكافل بين المؤمنين غنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم, حتى يكون المجتمع كالبنيان المرصوص.
وفي آيات تشريع المواريث الحكمة البالغة الدالة على تكافل المجتمع وتعاونه.
ويتضح هذا التكافل بأمور منها مايلي:
• المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة:
عاش المسلمون في مكة ثلاث عشرة سنة في اضطهاد من قومهم وصبر على أذاهم وجهاد في تمسكهم بدينهم, حتى أذن الله للمؤمنين بالهجرة إلى دار الإسلام - وهي المدينة في ذلك الوقت- وأوجبها عليهم.
وقد خرج المسلمون من أهل مكة فرارا بدينهم تاركين وراءهم الأموال والأولاد, ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه.
وما إن وصل المسلمون إلى المدينة حتى آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار, مؤسسا في ذلك مبدأ التكافل الاجتماعي بين الفئة المؤمنة والتناصر فيما بينهم.
وكان من هذا التآخي قيام التوارث على هذا المبدأ بين المهاجرين والأنصار, فقد كان كل أخوين يتوارثان إرثا مقدما على القرابة.
стр. 214
وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ... ﴾ الآية [الأنفال: ٧٢].
وعن ابن عباس ﵁ قال: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأَنْصَارِي الْمُهَاجِرِي دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِي ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ... قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿ ... وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) [النساء: ٣٣].
فجعل الله التكافل قائما على أخوة الإسلام في بداية المجتمع المسلم, وهذا من حكمة الله وفضله على أهل الإيمان من المهاجرين الذين تركوا أموالهم ابتغاء وجه الله ووفدوا إلى أرض ليست بأرضهم, لا عمل يكسبون به, ولا مال ينفقون منه , فأبدلهم الله بإخوة خير لهم من أخوة النسب, يعينونهم وينصرونهم ويتوارثون فيما بينهم.
فلما قويت الشوكة ومكّن الله للمسلمين بعد غزوة بدر أنزل الله قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].فجُعِل التوارث بين القرابات وبقيت الولاية والنصرة. (٢)
قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني: في الميراث جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام (٣).
стр. 215
• المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها, من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء .
فقد ندب الله عباده لذلك فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨].
وقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها, وقد ذهب عدد من السلف على أنها محكمة ليست بمنسوخة (١).
فإذا حضر الفقراء والمساكين وغيرهم من الأقارب الذين لا يرثون مجلس قسمة المواريث وكان المال كثيرا فإن نفوسهم قد تتطلع لشيء من هذا المال, ولا يستطيعون إليه سبيلا لأنهم ليسوا من الورثة, فقد يثقل عليهم أن يروا الناس يأخذون من المال وهم منه محرمون.