← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فإذا أدرك العباد عجزهم عن ذلك تطلعوا لما فيه نفعهم وصلاحهم, ويسعون في تطبيقه بينهم, ولا يكون ذلك إلا بالقيام بوصية الله التي أوصى بها. وهذا ما دعت إليه الآية الكريمة (١). وقد أخبر الله جلت حكمته أن فيما شرع لنا من الأحكام هداية لنا إلى سلوك الطريق السوي والصراط المستقيم الذي سار عليه من قبلنا من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان وإن خفي علينا من المصالح ما لا ندركه, فقال تعالى بعد بيان أحكام المواريث وغيرها من الأحكام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. وهذا أدعى لقبول هذه الأحكام وأعون على امتثالها. (٢) • المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها . قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. فبعد أن فصّل الله ﵎ آيات المواريث, أخبر أنها حدوده جل وعلا التي لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها. والحد في اللغة: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر (٣). والمعنى في الآية: أن هذه القسمة التي قسمها الله في المواريث فصل بين طاعته ومعصيته (٤).

стр. 212

وفي هذه الآية ترغيب لأهل الطاعة بدخول الجنة لكونهم من المقيمين لحدود الله في المواريث, وترهيب لمن عصى الله بدخول النار, وكان الدخول مقرونا بالخلود لكون هؤلاء غيروا حكم الله ولم يرضوا بما قسم الله به لعباده, فاستحقوا بذلك هذا الوعيد (١). فيتبين مما سبق أن آيات المواريث جاءت داعية المجتمع لتطبيق هذه الأحكام مبينة لهم ما يترتب على إقامتها من صلاح ونجاة في الدنيا والآخرة.

стр. 213

المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي جاء الدين الإسلامي داعيا إلى محاسن الأخلاق ومحذرا من مساوئها, وهذا من أعظم أسباب الدخول في هذا الدين (١) , وقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ومن أعظم هذه الأخلاق الحسنة هي التكاتف والتكافل بين المؤمنين غنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم, حتى يكون المجتمع كالبنيان المرصوص. وفي آيات تشريع المواريث الحكمة البالغة الدالة على تكافل المجتمع وتعاونه. ويتضح هذا التكافل بأمور منها مايلي: • المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة: عاش المسلمون في مكة ثلاث عشرة سنة في اضطهاد من قومهم وصبر على أذاهم وجهاد في تمسكهم بدينهم, حتى أذن الله للمؤمنين بالهجرة إلى دار الإسلام - وهي المدينة في ذلك الوقت- وأوجبها عليهم. وقد خرج المسلمون من أهل مكة فرارا بدينهم تاركين وراءهم الأموال والأولاد, ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه. وما إن وصل المسلمون إلى المدينة حتى آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار, مؤسسا في ذلك مبدأ التكافل الاجتماعي بين الفئة المؤمنة والتناصر فيما بينهم. وكان من هذا التآخي قيام التوارث على هذا المبدأ بين المهاجرين والأنصار, فقد كان كل أخوين يتوارثان إرثا مقدما على القرابة.

стр. 214

وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ... ﴾ الآية [الأنفال: ٧٢]. وعن ابن عباس ﵁ قال: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأَنْصَارِي الْمُهَاجِرِي دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِي ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ... قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿ ... وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) [النساء: ٣٣]. فجعل الله التكافل قائما على أخوة الإسلام في بداية المجتمع المسلم, وهذا من حكمة الله وفضله على أهل الإيمان من المهاجرين الذين تركوا أموالهم ابتغاء وجه الله ووفدوا إلى أرض ليست بأرضهم, لا عمل يكسبون به, ولا مال ينفقون منه , فأبدلهم الله بإخوة خير لهم من أخوة النسب, يعينونهم وينصرونهم ويتوارثون فيما بينهم. فلما قويت الشوكة ومكّن الله للمسلمين بعد غزوة بدر أنزل الله قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].فجُعِل التوارث بين القرابات وبقيت الولاية والنصرة. (٢) قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني: في الميراث جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام (٣).

стр. 215

• المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها, من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء . فقد ندب الله عباده لذلك فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨]. وقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها, وقد ذهب عدد من السلف على أنها محكمة ليست بمنسوخة (١). فإذا حضر الفقراء والمساكين وغيرهم من الأقارب الذين لا يرثون مجلس قسمة المواريث وكان المال كثيرا فإن نفوسهم قد تتطلع لشيء من هذا المال, ولا يستطيعون إليه سبيلا لأنهم ليسوا من الورثة, فقد يثقل عليهم أن يروا الناس يأخذون من المال وهم منه محرمون.

стр. 216

فحث الله العباد وندبهم أن يكرموهم ويعطوهم شيئا من هذا المال بِراًّ بهم وإشفاقا عليهم فإن كان المال قليلا أو كان عقارا فإنه يقال لهم قولا معروفا يطيّب خواطرهم ويجبر كسرهم. (١) ولذلك فقد نبه السلف ﵏ على هذه السنة التي قد هجرت, فعن يحي بن يعمر (٢) قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية وآية الاستئذان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: (أمر الله جل ثناؤه المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يَصِلوا أرحامهم ويتاماهم من الوصية، إن كان أوصىَ، وإن لم تكن وصية، وصَل إليهم من مواريثهم) (٤). وقال الحسن: (ولكن الناس شحوا) , وبه عمل عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ حين قسّم ميراث أبيه لم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه (٥). وفي ذلك أعظم برهان على ما تميزت به الشريعة الغراء من ترابط المجتمع وتكاتفه, كما أن فيه تربية للأمة على التعاون والتأدب بالأدب الرفيع عند الإعطاء أو عدمه بقول الكلام المعروف الحسن الذي لا يجرح ويطيب الخواطر.

стр. 217

المبحث الثالث: صلة الرحم كما أمر الله ﵎ بالتعاون والتكافل بين المؤمنين, فقد أمر وأوجب صلة الرحم فهي آكد وأقوى لما جبل عليه الناس من نصرة ذوي أرحامهم والانتماء إليهم. ولما كان الأمر كذلك أمر الله بصلتها وامتدح الواصلين لها ونهى عن قطيعتها وذم قاطعيها فقال مادحا ومبشرا للواصلين: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١]. وقال محذرا ومهددا لقاطعي الرحم: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. وأخبرنا الله تعالى كذلك أن اتباع شرائع الإسلام سبب لصلة الأرحام, وأن الإعراض عن القرآن سبب لقطع الأرحام فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣]. ومن شرائع الإسلام التي تتبين فيها صلة الأرحام أحكام المواريث. ولئن كان الأمر في بداية الهجرة أن التوارث كان قائما على التآخي, فقد كانت الحكمة في ذلك الوقت أن يتوارث المسلمون بالهجرة, تمكينا لأواصر الأخوة الإسلامية, وتقوية للدولة الإسلامية الناشئة, ولما قوي المسلمون وانتصروا في غزوة بدر أرجع الله أمر التوارث بين الأقربين وذوي الأرحام قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].

стр. 218

ولما كانت أبواب صلة الرحم كثيرة, أوجب الله على الأقرباء ما يلزمهم من هذه الرابطة العظيمة كإعالتهم عند الحاجة ومساعدتهم في الديات والتعويضات, ومن ذلك التوارث فيما بينهم إذا مات أحدهم على ما بيّن الله ﵎ في سورة النساء. وقد نص الله على ذكر الوالدين والأقربين في بداية ذكر الميراث فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]. ولما كانت جهة القرابة متفاوتة, فمنهم القريب ومنهم البعيد, قسّم الله ﵎ المواريث حسب الأقرب فالأقرب كما هو بيّن في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية [النساء: ١١]. وقال النبي ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) (١). والمعنى أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فان استووا اشتركوا (٢). وبهذا يتبين ما للتوريث من تقوية لأواصر القرابة والرحم, وما يحصل بسببها من النفع في الدنيا والآخرة فإن الله تعالى قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. فإن صاحب الميراث قد يعطي أحد أبنائه زيادة على الآخر ظنا منه أنه أنفع له, فنفى الله الدراية عنهم بمن هو أنفع من الآخر وجعل النفع عاما في الدنيا والآخرة. (٣) ومن أعظم النفع ما يحصل بسبب تقسيم التركة على الجميع من صلة للرحم بين الأولاد فيما بينهم وبين الأولاد والآباء أو الآباء والأولاد بعد وفاة أحدهم, كما أن في ذلك قطعا للنزاع والخلاف بين الأقرباء (٤)

стр. 219

فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قال: (أطوعكم لله من الآباء والأبناء: أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض) (١). وعن مجاهد ﵀ أنه قال في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: في الدنيا. (٢) وبين النبي ﷺ أن الأولاد ينفعون الميت بعد موته, فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) (٣). • توريث ذوي الأرحام (٤). ومن أحكام المواريث التي ذكرها الفقهاء ولها تعلق بصلة الرحم, توريث ذوي الأرحام كالعمة والخال والخالة وابن الأخت, وابن البنت. إذا لم يوجد للميت من يرثه بالتعصيب أو بالفرض غير الزوجين, ينتقل المال إليهم لكونهم يرتبطون بالميت بالرحم الذي بينهم فيقدمون في الميراث على بيت مال المسلمين لهذا السبب. (٥) • التوريث بالنكاح والولاء . ولا شك أن الزوجين داخلان في الأرحام وملحقان بهم, لأن النفع الذي يرجع على أحد الزوجين راجع للآخر وكذلك الضرر.

стр. 220

والزوج ينفق على زوجته ويستودع منها ماله, والزوجة تلد من زوجها الأولاد, فالنكاح متصل بالرحم اتصالا قويا (١) , ولذلك فإن توريث الزوجين من بعضهما فيه صلة لما كان بينهما في حياتهما. ولما كان الولاء شبيها بما يحصل بالنسب من النصرة والحماية, وأن السيد إذا أعتق مولاه ثبت له الولاء كثبات النسب للمولود, فقد أُلحق بأسباب الميراث تنزيلا له منزلة النسب (٢) فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الولاء لُحمة كلُحمة النسب لا تباع ولا توهب) (٣). وبذلك يُعلم ما في التوارث من صلة للأرحام, ودوام للمودة, وإبقاء للمحبة بين أهل النسب والقرابة, ولكن إذا قطعت هذه الرحم بما يزهق الروح ويتلف النفس, فلا حق حينئذ للقاتل من الميراث فقد طغت شهوته وهواه وحبه للمال فأزهق ذو رحمه وقريبه ولذلك منع من أن يرث من المقتول, وقد قال ﷺ : (ليس لقاتل ميراث) (٤). وكذلك الكافر فإنه لا يرث فهو وإن كان قريبا من جهة النسب فقد قطع هذا القرب ببعده عن الدين, وأصبح في عداد الأموات, كما قال محمد بن عبد الرحمن البخاري: (إذا مات المسلم فالكافر لا يورث منه لأن الكافر ميت كما قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والميت لا يرث الميت) (٥)

стр. 221

المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة أمر الله تعالى بالعدل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] وأخبر في غيرما آية أنه يحب القائمين به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [المائدة: ٤٢]. والله قائم بالعدل كما أخبر عن نفسه جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]. فأفعال الله ﵎ كلها عدل, وأحكام الشريعة قائمة على العدل مبنية عليه. ولذا فإن الناظر في أحكام المواريث وفروضها التي فرضها الله يرى فيها غاية العدل والقسط, ولو اجتمع أهل الأرض قاطبة على قسمة غير قسمة الله ﵎ لهذه الفرائض يمكنهم أن يعدلوا فيها لما استطاعوا, والواقع يشهد بذلك من زمن الجاهلية وحتى زماننا هذا ممن وضعوا القوانين على غير منهج الله. ولو تأمل القارئ لآيات المواريث يظهر له ما حوته تلك الآيات من تحقيق العدل, ومن ذلك: • المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير . فقد جاءت آيات المواريث مبطلة ومنكرة لهذه العادة الجاهلية, ولا أدل على ذلك مما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا و أن عمهما أخذ مالهما فلم

стр. 222

يدع لهما مالا فقال: (يقضي الله في ذلك) قال: فنزلت آية الميراث, فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين و أمهما الثمن و ما بقي فهو لك. (١) فبيّن هذا الحديث أن ما كان يفعله الجاهليون في صدر الإسلام لم يكن شرعا مسكوتا عنه مقرا عليه؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي ﷺ على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما تؤثر في المستقبل، ولا ينقض به ما تقدم، وإنما كانت هذه الحادثة ظلما وقع فنزلت هذه الآية ترد الظلم وتبطله. (٢) فبيّن الله ﵎ في آيات المواريث العلة التي يقوم عليها الإرث, وهذا غاية العدل لأنه يسد الطريق على كل علة أو سبب يوصل لمنع فريق من مستحقي الميراث حقهم. • المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين . فإن الله - جلت حكمته- فرض عند اجتماع الذكور والإناث في الميراث أن للذكر مثل حظ الأنثيين سواء كانوا أولادا أو إخوة فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... ﴾ الآية [النساء: ١١]. وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]. وفي هاتين الآيتين تتجلى مظاهر العدل للقارئ المتبصر في أمرين: • الأول: التسوية بين الذكور فيما بينهم من الميراث, وبين الإناث كذلك. فلقد كان أهل الجاهلية يورثون من الذكور الأكبر فالأكبر ولا يعطون الصغير شيئا, معللين ذلك بأن الكبير أنفع لهم من الصغير, فأبطل الله هذا الحكم وأمر بالتسوية بين

стр. 223

الذكور فيما بينهم ملغيا في ذلك أي علة يراد منها تغيير فرض الله الذي فرضه (١) فقال: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. ولذلك فقد جاء التعبير بلفظ (الذكر والأنثى) دون ذكر (الرجال والنساء) في هذه الآية للتنصيص على استواء الصغار والكبار من الفريقين في الميراث دون البلوغ (٢). وهذا عدل منه جل وعلا, فلئن كان الكبار أحوج إلى المال لحملهم السلاح في نظر قوم فإن الصغار الذين لا يستطيعون التكسب والحصول على المال هم أحوج في نظر آخرين فكان العدل في ذلك هو ما حكم به أحكم الحاكمين. • الثاني: تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث. فإن من عدل الله ﵎ عدم التسوية بين الرجال والنساء في الميراث, وكيف يُسوَّى بمن فرّق الله بينهما وفضل بعضهما على بعض فقال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]. وقد بيّن الله ﵎ أن هذه القسمة أعدل قسمة وأقومها, وأن من رام غيرها فهو في ضلال كما ذكر في آخر سورة النساء. وإذا وجد من يعترض على توريث النساء لضعفهن وعدم قيامهن بما يقوم به الرجل ووجد من يعترضون على عدم التسوية بين الرجل والمرأة فقد ردّ الله ﷻ عليهم جميعا بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢]. فعن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٣).

стр. 224

فالله ﵎ هو العدل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. وتتجلى مظاهر العدل لنا في هذه القسمة الربانية بما أخبر الله تعالى عن الرجال والنساء في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] فإن الله ﵎ جعل الرجال أكمل من النساء, ولما كان ضعف النساء ونقصهن جبلة وطبيعة خلقهن الله عليها, فقد كلف الرجال بما لم يكلف به النساء, وجعل المرأة الضعيفة تحت نظر الرجل, ولذلك فإن الرجل مكلف بالإنفاق عليها والقيام على حوائجها دون أن يُطلَب منها ذلك, فالرجل أحوج منها للمال لما يجب عليه من النفقة وتكلف معاناة التكسب والتجارة, ولذلك كان من العدل أن يكون ميراثه ضعفي ميراث الأنثى. ثم إن هذا المال الذي ورثاه لم يتعبا في جمعه, وليس هو حق من أحدهما أعطي للآخر, بل هو فضل من الله وتمليك منه سبحانه ملّكهما إياه تمليكا جبريا, فاقتضت حكمته سبحانه أن يضاعف للرجل لأنه مترقب النقص بالنفقة ودفع المهور, والبذل على نوائب الدهر. بينما المرأة مترقبة للزيادة بدفع المهر والميراث لها, والنفقة عليها, وإيثار مترقب النقص دائماً على مترقب الزيادة دائماً لجبر بعض نقصه المترقب, حكمة ظاهرة واضحة لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي (١). وكفى بالإشارة لهذا المقدار وما فيه من العدل بيانا لما احتوته بقية الفروض من العدل والإنصاف, وكله فضل من الله في أن يملك عباده تمليكا ملزما ما لا جهد لهم فيه.

стр. 225

فإذا تدبر المجتمع هذه الحكمة علم أنه نجاته وصلاحه في امتثال شرع الله وحكمه مهما تغير الزمن, وتجددت الأحوال, فلن يجدوا غير حكم الله العدل العليم بما كان وما سيكون, فلا مبدل لكلماته ولا مغير لأحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. وثمت ملحظ في الآية نختم به هذا المبحث يجدر التنبيه عليه لما فيه من بيان فضل الله وإكرامه للمرأة, وذلك في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإن المراد من هذه الآية تضعيف حظ الذكر على الأنثى, وقد كان صالحا أن يؤدى بمثل: للأنثى نصف حظ الذكر أو للأنثيين مثل حظ الذكر, ولكن جاء هذا التعبير للإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهَمّ من حظّ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها, وكأنه هو المقدار الذي يقدّر به حظ الرجل (١).

стр. 226

المبحث الخامس: حفظ الحقوق جاءت آيات المواريث وما اشتملت عليه من أوامر ونواهٍ بحفظ حقوق العباد, فبينت لكل صاحب حق حقه, حتى لا يحصل البغي ولا تضيع الحقوق, لاسيما وأن هذه الحقوق متعلقة بالمال الذي جبلت النفس على حبه والحرص عليه. ولذلك فإن كل من له علاقة بتركة الميت فقد أمر الله بحفظ حقه ووصى بذلك. • المطلب الأول: حفظ حق الورثة: وأعظم من تحفظ حقوقهم هم ورثة الميت ولذا فإن الله لما وصى بهم, تكفل جل شأنه ببيان حقهم ونصيبهم بيانا شافيا وأوجبها على مستحقيها, ونهى عن الإضرار بهم وذلك في آيات سورة النساء (١). ولذلك فإن من رام تعلم الفرائض دون الرجوع لكتاب الله فأنى له بتحصيل ذلك العلم كما روى الإمام مالك ﵀ قال: كنت أسمع ربيعة (٢) يقول: (من تعلم الفرائض دون علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها) (٣) لأن فيها بيان حقوق الورثة.

стр. 227

وقد وصى السلف على تعلم الفرائض, فعن ابن مسعود ﵁ قال: (تعلموا الفرائض والحج والطلاق فإنه من دينكم) (١) , وما ذاك إلا أن بتعلمها حفظ حقوق الخلق من الضياع. وقد ورد في آيات المواريث الأمر بحفظ حق صنفين ممن لهم حق في تركة الميت إضافة إلى الورثة وهما: الدائن والموصَى له. فقد اهتم جل وعلا بحفظ حقهما, فبعد أن ذكر الله ﵎ كل صاحب فرض وحقه أعقبه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] , فكرر هذا القيد أربع مرات (٢) , لاهتمامه جل وعلا بالدين والوصية. • المطلب الثاني: حفظ حق الدائن: وقد أجمع العلماء على أن الدين أحق الحقوق المتعلقة بتركة الميت ثم تليها الوصية (٣). و عن علي بن أبي طالب ﵁, أن النبي ﷺ (قضى بالدين قبل الوصية) وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين. (٤)

стр. 228

ويتبين مما سبق أن من حفظ حق صاحب الدين, أن لا يعطى صاحب ميراث إرثه ولا صاحب وصية وصيته حتى يستوفي الدائن حقه وإن استغرق جميع المال, وذلك لأنه الأحق بهذا (١). • المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له: وأما الموصى له فقد حفظ القرآن حقه فقدّمه على الدين في الذكر في جميع المواضع, مع أن الدّين مقدم عليه في الحكم, وقد ذكر العلماء لذلك أسبابا متقاربة, وحاصلها: أنها مظنة التفريط لأنها تؤخذ بلا عوض كحال الميراث, فقد يشق على الورثة أداؤها بخلاف الدين الذي قد لزم الميت, و أن الوصية قد تكون حظ المساكين والفقراء أما الدين فحق للغريم, والغريم يطلب ماله بالقوة والسلطان, ولذلك جاء تقديمها لإظهار كمال العناية بها والاهتمام بشأنها. (٢) ومن حفظ الحقوق النهي عن الإضرار في الوصية, ففي ذلك حفظ لحق الورثة والموصى له كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى في الباب الثالث. • المطلب الرابع: حفظ حق الميت: ومما يستنبط من آيات المواريث في هذا المبحث: حفظ حق الميت من غسله وتكفينه وما يتبع ذلك من مؤن, فإن الآيات التي قدمت الدين والوصية إنما قدمتهما على الميراث, ولم تدل الآيات أنهما أسبق ما يخرجان من مال الميت, وإن مما يتعلق بمال الميت مؤونة تجهيزه وتغسيله وتكفينه (٣). وبهذا يتبين ما اشتملت عليه آيات المواريث من حفظ الحقوق والاهتمام بها. فإذا قام المجتمع بما أمر الله فإنه سيضمن لا محالة حق أفراده, وكل يعلم حقه فلا يزيد عليه.

стр. 229

الفصل الثالث وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها. المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة. المبحث الثالث: التكاثر والتناسل المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن. المبحث الخامس: التعامل بالمعروف المبحث السادس: التكافل الاجتماعي. المبحث السابع: حفظ الأعراض. المبحث الثامن: حفظ الحقوق. المبحث التاسع: إشاعة العفة ومحاربة الرذيلة.

стр. 230

المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها إن من رحمة الله تعالى وفضله على الناس أن شرع لهم في دينهم ما هم محتاجون إليه ومفطورون عليه, ومن ذلك ما رغب الله به عباده من النكاح, فهي غريزة جعلها الله في بني البشر من لدن آدم ﵇. وقد جاءت الآيات في كتاب الله مبينة لأحكام النكاح وحِكمه وما يجب فيه من الحقوق وما يلزمه من التبعات وموضحة لهم العلاج للمشكلات الزوجية وما يتعلق بها من طلاق وظهار وفسخ وإيلاء في أتم بيان وأوضحه بما يسعد الزوجين ويصلح المجتمع. وبين جل وعلا أن هذه الأحكام ما شرعها وما أمر بها إلا لتقام بين الناس وتطبق في المجتمعات والشعوب. وفي هذا المبحث سأعرض إلى المواضع القرآنية التي تبين أهمية القيام بحدود الله في النكاح وأبوابه: • المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء . قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. نهى الله الزوج في هذه الآية أن يأخذ من مال زوجته شيئا مما أعطاها, مستنكرا ذلك بعد الإفضاء وأخذ الميثاق الغليظ من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان كما قال تعالى في سورة النساء ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]. ونهاه كذلك أن يضيق عليها ويضر بها حتى تفتدي منه بمالها فقال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]

стр. 231

كما نهى النبي ﷺ المرأة أن تطلب الطلاق من غير حاجة وعذر فقال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) (١). ثم بعد هذا النهي استثنى ﵎ حالة يجوز فيها أن تفتدي المرأة نفسها بإعطاء الزوج ما آتاها من الصداق, وما الاستثناء بعد هذا النهي إلا لأمر عظيم يُخشى وقوعه وهو ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فإذا خشيت المرأة ألا تقيم حق الله في زوجها إما بكراهيتها الشديدة له التي لا تستطيع فيها أن تطيعه بل قد تعصيه, وتمتنع إذا دعاها لحاجته, وقد تسيء خلقها معه, فحينئذ لا يصلح أن تستمر هذه الأسرة وهي لا تقيم حدود الله التي أمرها بها, لأن الزوج إذا رأى من زوجته الإعراض والنشوز فهذا يدعوه إلى التقصير في حقها ومجازاتها بسوء فعلها ولهذا جاء التعبير في الآية بـ (يَخافا) ليدل على أن الخوف من القيام بحدود الله واقع من الزوجين. فحينئذ أباح الله للزوجة أن تفتدي نفسها بأن ترد عليه ما أصدقها إياه. (٢) ففي هذه الآية بيان أكيد لما في إقامة حدود الله من الأهمية وأنه لا حاجة لوجود أسرة بين المسلمين لا تقوم بحقوق الله, ولذلك فإن على أهل الحل والعقد من القضاة أو أقارب الزوجين أن يسعوا في هذا الخلع عند خوفهم من عدم القيام بحقوق الله. وفي الآية إشارة إلى ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فالخطاب في هذه الآية للحكام ومن يتوسط بين الناس في حل مشاكلهم أو الإصلاح فيما

стр. 232

بينهم. (١) وفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على القراءة بالضم (يُخافا) (٢) فالخوف هنا يرجع لولي الأمر أو أهل الزوجين أو من يقوم بالإصلاح بينهما. (٣) وهذا يدل كذلك على مسؤولية المجتمع في إقامة حدود الله بينهم. وهذا ما فعله النبي ﷺ مع ثابت بن قيس بن شماس وزوجته ﵄, فعن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ (فتردين عليه حديقته). قالت: نعم فردت عليه, وأمره ففارقها (٤). • المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده, وذمه للمخالف والمعرض عنها . رغب الله ﵎ وحث على إقامة حدوده التي أمر بها وذلك بالثناء على أهلها ووصفهم بالصفات الحسنة التي وعد من اتصف بها بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة كما ذم المخالفين لأمره ووصفهم بصفات يستحقون عليها العقاب في الدنيا والآخرة. ١. الثناء على المقيمين للحدود بوصفهم بصفة العلم. فقد ختم الله الآيات التي بين فيها أحكام العدة والإيلاء والطلاق والرجعة والفدية في سورة البقرة بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فأخبر أن هذه الحدود التي أنزلها مميزا فيها وفاصلا بين الحلال والحرام إنما ينتفع بها الذين يعلمون لأنهم لما علموا أنها من عند الله صدقوا بها وأدركوا ما فيها من المصالح فعملوا بمقتضاها ولذلك فقد شرفهم الله بوصف العلم وخصهم ببيان هذه الحدود دون غيرهم. (٥)

стр. 233

وفي الآية إشارة إلى أن الذين لا يقيمون حدود الله هم من الجاهلين, لأنهم على كثرة ما أمروا به لا يحفظون حدود الله ولا يتعاهدونها بالعمل, وفي ذلك ذم لهم بإعراض الله ﵎ عن خطابهم وتشريفهم بهذه الأحكام, مع قيام الحجة عليهم (١). ومن هؤلاء الجهال الذين يتخذون النكاح الذي شرعه الله حيلة للوصول إلى ما حرمه فينكحون المرأة ليحللونها إلى من طلقها, فليس ذلك من إقامة حدود الله في شيء, بل قد نهى النبي ﷺ أشد النهي عن ذلك ووصف فاعله بأقبح وصف فقال: (ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى. يا رسول الله, قال: (هو المحلل, لعن الله المحلل والمحلل له) (٢). وذلك أنه لا يقيم شرع الله بهذا النكاح, كما قال ابن القيم ﵀: (فسل هذا التيس هل دخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وهل دخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وهل دخل في قوله ﷺ : (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) (٣) وهل دخل في قوله ﷺ : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) (٤) أم حقٌّ على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه, وسله هل يلعن الله ورسوله ﷺ من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة؟ أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها) (٥) , وفي هذا أعظم دلالة على أن نكاح المحلل من الجهل واتخاذ حدود الله في غير ما شرعت له.

стр. 234

وهذه الآية تبين أن المجتمع الذي لا يقيم حدود الله إنما هو مجتمع جاهل, وإن علموا ظاهرا من الحياة الدنيا كما قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. ٢. الثناء عليهم بصفة الإيمان المستلزم للثواب, وذم المخالفين بوصفهم بالكفر المستحق للعقاب. فحين بيّن الله تعالى أحكام الظهار, وفصّل في أمر الكفارة قال: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]. والتصديق بالأمر بالكفارة وإقامتها سبب لحصول الإيمان الذي وعد الله عليه بالجنة, فهذا وعد من الله وترغيب للمقيم لهذه الحدود بالجنة والنعيم. ثم أنذر الله من أعرض عن هذه الحدود فوصفه بالكفر الذي يلزم منه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة, فالترغيب والترهيب في الآية داعيان إلى القيام بحدود الله. والذي يرى حال المجتمعات التي أعرضت عن تطبيق حدود الله, وما هم فيه من التفكك يعلم يقينا أنهم في عذاب, وأما المجتمع الذي يطبق حدود الله فإنه ينعم بالأمن والإيمان بما يقيمه من حدود الله وفرائضه. ٣. ذم من ينتهك حدود الله بالظلم. كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأخبر تعالى بعد بيان جملة من أحكام الطلاق وأحواله أن هذه حدود حدها لعباده فمن يتعداها فهو من الظالمين. وهذا فيه إشعار بالذم والتحقير للمتعدي, كما أن فيه تهديد بالعقوبة, لأن الله أخبر أنه لا يحب الظالمين, وأن النار جزاء الظالمين عياذا بالله. والخطاب في هذه الآية يشمل جميع المخاطبين رجالا كانوا أو نساءا, وكما أن هذا الظلم الذي وقع منهم يضر بغيرهم فهو راجع عليهم كذلك بالضرر والخسارة, ولذلك فقد أخبر الله تعالى عنهم في سورة الطلاق أن تعديهم على حدود الله ظلم للنفس قبل أن

стр. 235

يكون ظلما للغير فقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ... [الطلاق: ١]. وأعظم ظلم للنفس هو بمعصية الله ومخالفة أمره, كما أن هذا الظلم يفوت عليه من المصالح المنطوية في هذه الأحكام الشيء الكثير (١). وفي ختام هذا المبحث فإن القارئ يلاحظ أن التنبيه على إقامة الحدود إنما ذكر عند آيات العدة والطلاق والظهار ونحوها, وهذا لا يلزم منه أن باقي أحكام النكاح ليست من حدوده جل وعلا, بل هي من الحدود التي يجب إقامتها, لكن لما كانت إقامة هذه الأحكام فيها مخالفة لحظوظ النفس وشهواتها من كظم الغيظ ومخالفة شح النفس؛ ناسبت أن تذكر في مثل هذه المواطن والله تعالى أعلم

стр. 236

المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة إن من الحِكَم العظيمة التي شرع الله من أجلها النكاح, أن تبنى الأسرة المكونة من الزوج والزوجة على الدين والصلاح. فبصلاح هذه الأسرة يكون صلاح المجتمع, فالأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع وفي هذه الأسرة تُنَشَّأ الأجيال من البنين والبنات. ولذلك حث الإسلام وأمر باختيار الأساس الجيد لهذه الأسرة سواء في ذلك الزوج والزوجة لما لهما من أثر مباشر على الأولاد إما في إصلاحهم أو إفسادهم, فقد وضح لنا رسول الله ﷺ أثر صلاح الأبوين أو فسادهما بقوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟) (١). وقد وردت الآيات في كتاب الله داعية لهذه الحكمة العظيمة بأوامر ونواه وتشريعات آخذة كل آية بزمام الأخرى لبيان ما لبناء الأسرة على الصلاح والدين من الخير العظيم للفرد والمجتمع, وفيما يلي بيانها: • المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين . فقد نهى الله عباده عن ذلك وبيّن لهم وجه النهي فقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ

стр. 237

خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١]. فبينت الآية الكريمة أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح امرأة مشركة - غير الكتابية - (١) بأي حال, مهما شرف نسبها وكرم أصلها أو كانت ذا مال وجمال, وكذلك نهى أن تُنكَح المسلمة لمشرك مهما كان نسيبا حسيبا. فاشترط جل وعلا الإيمان في النكاح وأكد ذلك بأن الأمَة مهما كانت فقيرة ودميمة وكانت مؤمنة فهي خير من المشركة وإن كانت حسيبة جميلة, وكذلك العبد إن كان مؤمنا فهو خير من المشرك وإن كان ذو نسب وحسب.

стр. 238

وهذا التحريم لبيان أهمية الإيمان في صلاح الأسرة واستقامتها ولذلك بين الله الحِكمة من هذا النهي فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾. أي أن مخالطة المشركين في أعمالهم تقود إلى النار والعياذ بالله لانعدام أصل الإيمان لديهم فليس لهم دين يدينون به فيحرم عليهم الخيانة, إضافة إلى ما لديهم من العادات الرذيلة والخرافات الشركية, فقد يحصل من المخالطة التهاون في تعاليم الإسلام والمجاراة في بعض الشركيات, إضافة إلى ما يحصل من تأثر الأبناء بما يرونه ويشاهدونه من الشرك. ولما كان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فلا عبرة باحتمال أن يترك الكافر كفره ويدخل في الإسلام. وهذا يبين ما لاجتماع الزوجين على الإيمان من صلاح للأسرة وتنشئة أبنائها على الدين وفضائل الأخلاق, الأمر الذي يقود إلى الجنة والمغفرة بإذنه . (١) ولما كان هذا النهي عند إرادة النكاح فقد أمر الله من دخل في الإسلام وزوجته لا تزال على الكفر بفسخ نكاحها, وكذلك الزوجة إذا أسلمت وزوجها مازال على الكفر فلا تحل له ولا يحل لها فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنه لما كان صلح الحديبية كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه, فكاتبه النبي ﷺ على ذلك فرد يومئذ أبا جندل (٢) إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك

стр. 239

المدة وإن كان مسلما, وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ وهي عاتق (١) فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ..... إلى قوله ..... وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢). فنهى الله ﵎ عن رد المؤمنات المهاجرات إلى الكفار بعد التثبت من أن الهجرة للمدينة إنما كانت رغبة في الإسلام, وبين أن العلة في ذلك هو اختلاف الدين وأن التفريق بين المرأة وزوجها بسبب إسلامها وبقائه على الكفر فقال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لم يحل الله مؤمنة لكافر ولا نكاح مؤمن لمشركة. ثم أمر الله المؤمنين بفراق زوجاتهم إذا بقين على الكفر فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ولما نزلت هذه الآية طلّق عمر بن الخطاب ﵁ امرأتين له كانتا على الشرك (٣). فهذه الآيات تؤكد أن الكفر مانع من صلاح الأسرة, وأن الحياة الزوجية لا تؤسس على الإيمان بالله إن كان أحد الزوجين كافرا وذلك لأن الزوجين هما ركنا هذه الأسرة فكيف يكون أحد الركنين فاسدا؟ أما ما خصه الله من جواز نكاح الكتابية مع كونها كافرة, ومنع الكتابي من النكاح بالمسلملة في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].

стр. 240

فذلك أن أهل الكتاب يجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد ﷺ ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد ﷺ وتصديق عيسى، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتداداً بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالباً إياها إلى الإسلام، لأنها أضعف منه جانباً وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يردها عن دينها (١). والظاهر من قوله تعالى في الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنها الحُرَّة العفيفة (٢). فلا يجوز للمسلم أن ينكح الإماء الكتابيات أو المومسات منهن فيجتمع فيها الكفر والبغي أو الكفر والرق, أو جميع هذه الصفات وبذلك يتخلل الفساد إلى الأسرة إما بسبب الفجور ونقص الدين أو بسبب الرق الذي يلحق الأولاد. ومع ذلك كله فإن المسلم إذا خشي على ولده الكفر من هذا النكاح فلا ينبغي له أن يقدم عليه, ولذلك فقد كره عمر ﵁ نكاح الكتابيات وخشي أن يزهد الناس في المسلمات أو تنكح المومسات منهن أو لغير ذلك من المعاني (٣). وقد سئل الحسن عن زواج الكتابية فقال: (ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة). قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: (هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته) (٤). وهذا كله من حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة دينيا ودنيويا.

стр. 241

• المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة (١). ومن حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة أن الله تعالى لما بين المحرمات من النساء وأباح ما وراء ذلك في آية النساء اشترط على الرجال شروطا فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وأكده جل وعلا في آية المائدة فقال: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]. فاشترط جل وعلا أن يكون الزوج محصنا أي عفيفا, كما أنه يجب عليه ألا يكون ممن يغشى الفجور والفواحش علانية أو ممن يتخذ العشيقات والبغايا سرا فيغشاها دون غيرها. وكذلك الزوجة فإنه يشترط ألا تكون ممن تجاهر بالزنا وألا تكون عشيقة لرجل في السر فإنه لا يجوز النكاح بها, وقد قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. (٢)

стр. 242

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ كان يحمل الأسارى بمكة, و كان بمكة بغي يقال لها عناق و كانت صديقته قال: فجئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني فنزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ فقرأ علي رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال: لا تنكحها (١). فدل سبب النزول على تحريم نكاح الزانية. فمن هذه حالهم لا يجوز ولا يصح تزويج الرجال منهم أو تزوج النساء منهن لما في ذلك من نقض دعائم الأسرة الصالحة وفسادها من خيانة الزوج لزوجته, وتسلطه عليها وهي حرة عفيفة كما أن فساد خلقه وذهاب غيرته قد يؤدي إلى فساد الزوجة. وكذلك الزانية فإنها تفسد على الزوج فراشه وتنقض دعائم بيته. (٢) أما إذا تاب الزوج وأقلع عن هذه المعاصي وصدق في توبته فلا بأس حينئذ من تزويجه (٣). وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة) فقال له أبيّ بن كعب: (يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب) (٤). وكذلك الحال مع الزوجة فإن تابت وأقلعت عما كانت تواقعه من الفاحشة فهي حينئذ مؤهلة لبناء أسرة صالحة. وهذا ما فعله الفاروق ﵁ حينما أتاه رجل فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من

стр. 243

حدود الله، فعمدَتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعَت بعض أوداجها فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبرُ من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة (١). فلما أحدثت توبة صادقة حكم لها عمر ﵁ أن تنكح نكاح العفيفة. ومع التحذير الشديد في القرآن من تزويج أهل الفحش والفجور فقد جاءت السنة المطهرة بالترغيب في تزويج أهل الدين والخلق, فقد قال رسول الله ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) قالوا يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات (٢). فتأمل تحذير النبي ﷺ من عدم تزويج أهل الديانة والخلق بحصول الفساد في الأرض والفتنة وذلك لأن في رد هؤلاء لأجل انتظار أصحاب المال والحسب والجمال تعطيل لمصلحة الزوج وإبقاء للنساء في البيوت وهما أسس بناء الأسرة فإذا حصل هذا كثر الافتتان وخشي وقوع الزنا (٣).

стр. 244

وكذلك حث ﵊ الرجال على نكاح ذوات الدين فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) (١). فهذان الحديثان فيهما دلالة أن بناء الأسرة على الدين بقاء لها من التفكك أو الطلاق وذلك لأن الزوج والزوجة صحبتهما تطول فإذا كان الاختيار للمال والجمال فإنها أعراض سرعان ما تزول وبعد ذلك يحصل الشقاق والخلاف بين الزوجين (٢). • المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء . فإن الله جل وعلا حين أباح لعباده النكاح وبيّن لهم ما يحرم عليهم من النساء وأباح لهم ما وراء ذلك فصّل لعباده الحكم في نكاح الإماء فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]. والآية تدل على منع تزوج الإماء إلا بالشروط التي ذكرها الله في هذه الآية وهي: أ- عدم استطاعة الطول: والطول في الآية بمعنى الغنى والمال, فمن لم يجد مالا لنكاح الحرة فإنه يعدل إلى نكاح الأمة. ب- أن تكون الأمة مؤمنة كما نصت الآية الكريمة ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات التي يملكها المؤمنون.

стр. 245

ج- أن تنكح بإذن سيدها ويدفع لها المهر وذلك في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. د- أن تكون الأمة عفيفة طاهرة لم تغش فاحشة في السر أو في العلن كما قال تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (١). وإذا تأملت في هذه الشروط وأن الله منع من زواج الأمة إلا عند عدم المقدرة وخوف الوقوع في المعاصي علمت أن الحكمة من ذلك: ما يتطرق للأسرة من نقص وذلك أن أبناء الرجل سيلحقهم الرق لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها, ولذلك فأن الأكمل لصلاح الأسرة ألا يتسبب الرجل في استرقاق أولاده. ولذلك حث الله على الصبر في آخر الآية فقال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (٢) ولما كان الاسترقاق نقصا يلحق الأبناء اشترط الله أن تكون الأمة مؤمنة, ولذلك لا يجوز نكاح الأمة الكافرة كتابية كانت أو غيرها فيجتمع على الأبناء نَقصان وذلك مؤثر في بناء أسرة صالحة. ثم إن في إباحة النكاح بهذه الشروط حكمة أخرى في بناء الأسرة وهي أنه وإن كان رق الولد مؤثرا في الأسرة فإن فيه سدا لذريعة الزنا خصوصا إذا خاف الرجل العنت والوقوع في الحرام, ولا شك أن هذه الفاحشة مفسدة للأسرة ومدمرة لها وهذا أعظم وأشد من استرقاق الأولاد ولذلك فإن الله اشترط في الإماء أن يكنَّ عفيفات حتى لا يحصل للأسرة الرق وفساد الفراش (٣). ومما سبق يتبين أهمية الأسرة في الإسلام وأن صلاحها بصلاح الزوجين لأن بصلاحهما صلاح الذرية, وبذلك يصلح المجتمع, لأنهم سيقيمون شرع الله وسيعمرون أوطانهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة, ويجاهدون في سبيل الله ويدافعون عن أرضهم وبلادهم.

стр. 246

المبحث الثالث: التكاثر والتناسل من الحِكم العظيمة التي شرع من أجلها النكاح: التكاثر والتناسل. والمراد بذلك: تكاثر الجنس البشري بالطريق الذي أباحه الله جل وعلا وحفظُه من التعطيل والانقطاع. (١) وكان من المفاسد التي عوقب بها قوم لوط قطعهم السبيل في قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أي: قطع النسل والعدول عن النساء إلى الرجال, على أحد أوجه التفسير في الآية (٢). ولذلك كان حفظ النسل من الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها, وشرع لأجله النكاح, كما قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: ما كتب الله لكم من الولد, وهذا يدل أن النكاح يتحرى به طلب النسل الذي يكون سببا لبقاء النوع البشري. (٣) • المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون . ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وهذه الآية العظيمة فيها إشارة إلى بداية تكاثر بني آدم وإلى سنة الله الكونية في ذلك, وأنها الطريقة الشرعية التي أباحها الله للخلق, إنها الفطرة التي فطرها الله في آدم وحواء عليهما

стр. 247

السلام وبهذا يحصل التكاثر في الجنس البشري شيئا فشيئا على ما قضى الله وقدر, ولو شاء الله لخلق رجالا كثر ونساءً كثيرات, وإنما يبدأ التكاثر شيئا فشيئا بأحكم نظام وأحسن تكوين. وهكذا بث الله من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساءً, وبثهم في أقطار العالم على اختلاف أجناسهم وألوانهم يخلف بعضهم بعضا في هذه المعمورة, ويعمرونها, إذا مضى جيل خلفه جيل آخر حتى يرث الله الأرض ومن عليها (١). وقد ساق الله هذه الحكمة العظيمة في مساق الامتنان على عباده وأن جحودها كفر فبين أنه جعل لنا من أنفسنا أزواجا وجعل عن طريق ذلك الزواج البنين وهم أولاد الصلب وجعل من هؤلاء الأولاد الأحفاد أي أبناء الأبناء (٢) وهكذا يتكاثرون ويتناسلون فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢]. وقال: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. والمعنى يخلقكم ويبثكم وينشركم جيلا بعد جيل ولذا فإن التعبير بالمضارع يدل على أنه جل وعلا لا يزال يكثركم ولذلك جعل التزاوج بين الذكور والإناث (٣). وفي قوله تعالى في آية النحل: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وشمول الضمير للبشر والأنعام في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ... إشارة إلى حفظ النسل, لأنه جل وعلا لما خلق البشر وجعل لهم

стр. 248

ما يكثر نسلهم عن طريق النكاح, جعل لهم من الطيبات والأنعام ما يقتاتون به ويحفظون به هذا النسل من الهلاك. ويبين الله تعالى حكمته وقدرته في تنويع هذا النسل وتنظيمه في قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ , ٥٠] فمن تمام ملك الله جلت حكمته أن يهب لمن شاء من خلقه إناثا فكل ما حملت زوجته تلد أنثى, ويهب لمن شاء من خلقه ذكورا فقط. فسوى الله بين الذكر والأنثى في كونهما هبة من الله وقدم الأنثى في الذكر لأنهن أكثر وبهن يحصل تكثير النسل, ولما ترسب في أذهان الكثير أن الأنثى شؤم على أهلها مما يجعلهم يئدونها, فبين الله تعالى أن الأنثى والذكر هبة منه جل شأنه (١). ومن الناس من يجمع الله له بين الذكور والإناث إما مجتمعَيْن في بطن واحدة أو متفرقَين فتلد زوجته مرة ذكرا ومرة أنثى, ومنهم من يجعله جل شأنه عقيما لا ينجب. ثم ختم الآية ببيان حكمته وعلمه في تنظيم التكاثر بهذه الطريقة فقال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ فهو عليم بالأسباب والقُوى والمؤثرات التي وضعها في العوالم وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض، وكيف تتكون الكائنات على نحو ما قُدِّر لها من الأوضاع، وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد، وتتمانع فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثراتٍ أخرى، وكل ذلك من مظاهر علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه (٢).

стр. 249

• المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل . وإذا تأمل المتأمل فيما سبق من الآيات يجدها تتضمن ثلاثة أمور تضمن تكثير النسل والحفاظ عليه: الأول: الحث على الزواج وإباحة التعدد وأن به ينشر الله الخلق ويكثرهم في أرجاء البلاد. الثاني: ضمان الرزق الذي به بقاء النسل. الثالث: تنويع الجنس البشري من الذكور والإناث وبذلك يحصل التزاوج والتكاثر. فبالإيمان بهذه الأمور الثلاثة والعمل على تحقيقها تضمن المجتمعات الفلاح والاستقرار في كافة المجالات الدنيوية والفوز بالأجر في الآخرة. وعلى العكس من ذلك فإنك تجد من يوصي بنقيض ما وصى به القرآن. بل تجد من يوصي بتأخير الزواج إلى سن محدد, ويوصي بتحديد النسل لعلاج اقتصاد بلدانهم وأوطانهم. وقد فنّد القرآن دعواهم ورد عليهم في هذه الأمور الثلاثة. • ففي القضية الأولى: حث على الزواج ووعد عليه بالغنى فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. (١) • وفي القضية الثانية: نهى عن قتل الأولاد مع حصول الفقر أو خشية حصوله. فقال عند حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] فوعد برزق الآباء أولا لفقرهم ثم رزق الأولاد بعدهم إذ لزمتهم مؤونتهم.

стр. 250

وقال عند خشية حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١]. فقدم رزق من يخشى حصول الفقر بسببه وهم الأولاد, ثم وعد برزقهم فقدم في كل موضع ما يقتضيه المقام (١). ففي الآيتين إزالة لأدنى شبهة تعرض في هذه القضية. • وفي القضية الثالثة: ذم تلك العادة الجاهلية التي كانوا يقومون بها ألا وهي وأد البنات ودفنهن أحياء بعد ولادتهن تشاؤما وخشية من العار والفقر, بل نهى عن ذلك وبين أن فاعل ذلك موقوف بين يدي الله وسائله عن جريمته فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ ... [النحل: ٥٨ , ٥٩] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ [الزخرف: ١٧]. (٢) قال قتادة ﵀: (وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته) (٣). وقال تعالى مهددا من هذا الفعلة الجاهلية ومتوعدا لصاحبها بالعقاب: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨ , ٩] , وذلك في يوم القيامة, تسأل تهديدا لقاتلها, وإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذاً؟! (٤) وهكذا دحض القرآن الكريم هذه الشبه وردها على أصحابها.
следующие страницы →