← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الثالث: التكاثر والتناسل من الحِكم العظيمة التي شرع من أجلها النكاح: التكاثر والتناسل. والمراد بذلك: تكاثر الجنس البشري بالطريق الذي أباحه الله جل وعلا وحفظُه من التعطيل والانقطاع. (١) وكان من المفاسد التي عوقب بها قوم لوط قطعهم السبيل في قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أي: قطع النسل والعدول عن النساء إلى الرجال, على أحد أوجه التفسير في الآية (٢). ولذلك كان حفظ النسل من الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها, وشرع لأجله النكاح, كما قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: ما كتب الله لكم من الولد, وهذا يدل أن النكاح يتحرى به طلب النسل الذي يكون سببا لبقاء النوع البشري. (٣) • المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون . ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وهذه الآية العظيمة فيها إشارة إلى بداية تكاثر بني آدم وإلى سنة الله الكونية في ذلك, وأنها الطريقة الشرعية التي أباحها الله للخلق, إنها الفطرة التي فطرها الله في آدم وحواء عليهما

стр. 247

السلام وبهذا يحصل التكاثر في الجنس البشري شيئا فشيئا على ما قضى الله وقدر, ولو شاء الله لخلق رجالا كثر ونساءً كثيرات, وإنما يبدأ التكاثر شيئا فشيئا بأحكم نظام وأحسن تكوين. وهكذا بث الله من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساءً, وبثهم في أقطار العالم على اختلاف أجناسهم وألوانهم يخلف بعضهم بعضا في هذه المعمورة, ويعمرونها, إذا مضى جيل خلفه جيل آخر حتى يرث الله الأرض ومن عليها (١). وقد ساق الله هذه الحكمة العظيمة في مساق الامتنان على عباده وأن جحودها كفر فبين أنه جعل لنا من أنفسنا أزواجا وجعل عن طريق ذلك الزواج البنين وهم أولاد الصلب وجعل من هؤلاء الأولاد الأحفاد أي أبناء الأبناء (٢) وهكذا يتكاثرون ويتناسلون فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢]. وقال: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. والمعنى يخلقكم ويبثكم وينشركم جيلا بعد جيل ولذا فإن التعبير بالمضارع يدل على أنه جل وعلا لا يزال يكثركم ولذلك جعل التزاوج بين الذكور والإناث (٣). وفي قوله تعالى في آية النحل: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وشمول الضمير للبشر والأنعام في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ... إشارة إلى حفظ النسل, لأنه جل وعلا لما خلق البشر وجعل لهم

стр. 248

ما يكثر نسلهم عن طريق النكاح, جعل لهم من الطيبات والأنعام ما يقتاتون به ويحفظون به هذا النسل من الهلاك. ويبين الله تعالى حكمته وقدرته في تنويع هذا النسل وتنظيمه في قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ , ٥٠] فمن تمام ملك الله جلت حكمته أن يهب لمن شاء من خلقه إناثا فكل ما حملت زوجته تلد أنثى, ويهب لمن شاء من خلقه ذكورا فقط. فسوى الله بين الذكر والأنثى في كونهما هبة من الله وقدم الأنثى في الذكر لأنهن أكثر وبهن يحصل تكثير النسل, ولما ترسب في أذهان الكثير أن الأنثى شؤم على أهلها مما يجعلهم يئدونها, فبين الله تعالى أن الأنثى والذكر هبة منه جل شأنه (١). ومن الناس من يجمع الله له بين الذكور والإناث إما مجتمعَيْن في بطن واحدة أو متفرقَين فتلد زوجته مرة ذكرا ومرة أنثى, ومنهم من يجعله جل شأنه عقيما لا ينجب. ثم ختم الآية ببيان حكمته وعلمه في تنظيم التكاثر بهذه الطريقة فقال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ فهو عليم بالأسباب والقُوى والمؤثرات التي وضعها في العوالم وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض، وكيف تتكون الكائنات على نحو ما قُدِّر لها من الأوضاع، وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد، وتتمانع فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثراتٍ أخرى، وكل ذلك من مظاهر علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه (٢).

стр. 249

• المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل . وإذا تأمل المتأمل فيما سبق من الآيات يجدها تتضمن ثلاثة أمور تضمن تكثير النسل والحفاظ عليه: الأول: الحث على الزواج وإباحة التعدد وأن به ينشر الله الخلق ويكثرهم في أرجاء البلاد. الثاني: ضمان الرزق الذي به بقاء النسل. الثالث: تنويع الجنس البشري من الذكور والإناث وبذلك يحصل التزاوج والتكاثر. فبالإيمان بهذه الأمور الثلاثة والعمل على تحقيقها تضمن المجتمعات الفلاح والاستقرار في كافة المجالات الدنيوية والفوز بالأجر في الآخرة. وعلى العكس من ذلك فإنك تجد من يوصي بنقيض ما وصى به القرآن. بل تجد من يوصي بتأخير الزواج إلى سن محدد, ويوصي بتحديد النسل لعلاج اقتصاد بلدانهم وأوطانهم. وقد فنّد القرآن دعواهم ورد عليهم في هذه الأمور الثلاثة. • ففي القضية الأولى: حث على الزواج ووعد عليه بالغنى فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. (١) • وفي القضية الثانية: نهى عن قتل الأولاد مع حصول الفقر أو خشية حصوله. فقال عند حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] فوعد برزق الآباء أولا لفقرهم ثم رزق الأولاد بعدهم إذ لزمتهم مؤونتهم.

стр. 250

وقال عند خشية حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١]. فقدم رزق من يخشى حصول الفقر بسببه وهم الأولاد, ثم وعد برزقهم فقدم في كل موضع ما يقتضيه المقام (١). ففي الآيتين إزالة لأدنى شبهة تعرض في هذه القضية. • وفي القضية الثالثة: ذم تلك العادة الجاهلية التي كانوا يقومون بها ألا وهي وأد البنات ودفنهن أحياء بعد ولادتهن تشاؤما وخشية من العار والفقر, بل نهى عن ذلك وبين أن فاعل ذلك موقوف بين يدي الله وسائله عن جريمته فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ ... [النحل: ٥٨ , ٥٩] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ [الزخرف: ١٧]. (٢) قال قتادة ﵀: (وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته) (٣). وقال تعالى مهددا من هذا الفعلة الجاهلية ومتوعدا لصاحبها بالعقاب: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨ , ٩] , وذلك في يوم القيامة, تسأل تهديدا لقاتلها, وإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذاً؟! (٤) وهكذا دحض القرآن الكريم هذه الشبه وردها على أصحابها.

стр. 251

وإن الناظر في واقع المجتمعات والدول التي ألزمت شعوبها بتحديد النسل لمعالجة الاقتصاد والإسكان, ليرى بجلاء ما ذاقته من ويلات لمخالفتها أمر ربها وطبيعته في الكون حيث أدى ذلك إلى كثرة الرجال وقلة النساء في مجتمعهم, وهي أحد تلك المصائب التي ألمّت بهم وأوجدت لديهم اضطرابا في نمو مجتمعهم, وذلك أنهم يستبقون الذكور ويئدون الإناث. وبذلك يرى العبد قدرة الله وعلمه وحكمته في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩, ٥٠]. وأختم هذا المبحث بما وصى به ﷺ حيث قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم) (١). ومن ذلك ما وصى به ﷺ من نكاح الأبكار وذكر من أسباب نكاحهن (أنهن أنتق أرحاما) أي أكثر أولادا (٢). وهذا يبين ما في النكاح من حكمة تكثير النسل وحفظه وفي ذلك صلاح المجتمع (٣)

стр. 252

المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن الطمأنينة والسكن من الحكم العظيمة التي جعلها الله ﵎ في النكاح, فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] بل جعلها من الآيات الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته, فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. فبينت الآيتان أنه جعل الزوجة, حتى يسكن الرجل إليها ويطمئن (١). ولهذه الحكمة آثار عظيمة تعود على المجتمع بالصلاح والاستقرار وهي كالتالي: • المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين: كما قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فأخبر تعالى أنه جعل بين الزوجين المودة والرحمة, وهما آصرتان عظيمتان لا تجتمعان بمثل النكاح ولذا عبر الله تعالى في الآية لفظ (أزواجا) ولم يقل (إناثا) , لأن المودة والرحمة إن كانت بغير نكاح فهي ناقصة زائلة كما قال النبي ﷺ : (لم ير للمتحابين مثل النكاح) (٢) فبالمودة يكون الحب بين الزوجين وما ينتج عن ذلك من الإلف وتقارب الأرواح والقلوب والأنس بالنظر والملاعبة, ولذا لا يكون الأنس بالإكراه وإنما بالحب والمودة.

стр. 253

وبالرحمة يكون العطف والشفقة الحاصلة بين الزوجين وبها ينفق الزوج على زوجته ويراعي ضعفها, ويخشى أن يصيبها أذى, وبها تراعي الزوجة حال زوجها فلا تطلب منه فوق ما يطيق وهكذا تنتظم حياة الأسرة. • ومن المودة والمحبة والرحمة ما يحصل من قضاء اللذة والوطر بين الزوجين, كما ورد في تفسير الآية. وفي هذا المعنى صلاح للمجتع من الوقوع في الحرام, فإن الزوج إذا قويت شهوته أو رأى ما يثير غريزته فإن إتيانه أهله يطفئ شهوته, فتسلم المجتمعات من الفواحش. ومما يشير إلى هذا المعنى التفريع بالفاء في قوله: (فلما تغشاها) بعد ذكر السكن إلى الزوجة في آية الأعراف ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ... ﴾ الآية (١). أي أن من السكن إتيان الرجل أهله, وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ رأى امرأة فأتى امرأته زينب فقضى حاجته, ثم خرج إلى أصحابه فقال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه) (٢). فأرشد النبي ﷺ أن الرجل إذا واقع حليلته فإن في ذلك سكنا لنفسه, وجمعا لقلبه ودفعا لوسوسة الشيطان الرجيم (٣). ولما كان في حصول المودة والرحمة الأمن والاستقرار وحفظ المجتمع من الحرام, كان أحب شيء إلى الشيطان التفريق بين الرجل وزوجه حتى يتوصل كل منهما إلى قضاء شهوته بالحرام (٤) , كما في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجئ أحدهم فيقول فعلت

стр. 254

كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت) (١). • المطلب الثاني: اطمئنان البيوت . من آثار السكن الذي يحصل بين الزوجين الطمأنينة والهدوء والسكينة الذي يضمن الأمن الأسري في المنزل, ويتحقق بذلك أمران: الأول: كون البيت المطمئن بيئة صالحة لتربية الأولاد, وتأهيلهم لحمل الأمانة ونفع الأمة بعيدا عن أجواء الشقاق والخصومة, وبهذا يحصل التوازن والاستقرار في الأولاد. أما إن كان البيت مكانا للنزاع والخلاف, فهذا تكدير لجو الأسرة ومخالفة لمقصد السكن الذي ذكره الله تعالى في كتابه (٢). الثاني: أنه إذا حصل السكن واطمئن كل واحد لصاحبه فهذا هو المكان المناسب الذي يمكن أن تفضى فيه الأسرار وتحفظ فلا تخرج, فإن الإنسان بحاجة إلى من يفضي إليه وبحاجة إلى من يكتم عنه سره. وقد قال تعالى عن الزوجين: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي أن كل واحد منكم ستر لصاحبه (٣). وفي إفشاء هذه الأسرار نقض لدعائم الأسرة, ونزع للثقة التي تزرع الشكوك وتزيل الاطمئنان من النفوس, ولذلك فقد ذم النبي ﷺ من يفعل ذلك فقال: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) (٤). وهذا من الوعيد الشديد الذي حذر منه المصطفى ﷺ لما ينتج عنه من المفاسد العظيمة

стр. 255

والنهي في هذا الحديث يشمل المرأة كذلك فلا يجوز لها إفشاء سر زوجها للناس فذلك أحفظ للزوجين وأسكن لهما (١). • المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة . إن النفس كثيرة التقلب وقد يصيبها ما يكدر صفوها, أو ما يضايقها خصوصا مع كثرة المشغلات, ومخالطة كثير من الناس على اختلاف طباعهم وأخلاقهم, أو ما يحصل من الخطوب والحوادث التي تكدر الصفو, فإذا وجد الزوج صدرا رحبا يبث له شكواه ويهدئ من روعه ففي ذلك الاطمئنان والسكون, وتجديد النشاط وبعث الهمة في النفس فيخرج الزوج بعد ذلك للمجتمع فاعلا متفاعلا قد استراح قلبه وزال همه وكربه (٢). وهكذا كان النبي ﷺ مع زوجاته أمهات المؤمنين, فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث بدء الوحي حين رجع النبي ﷺ من الغار يرجف فؤاده دخل على خديجة ﵂ فقال: (زملوني زملوني) , فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق (٣). وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل, وما زالت به ﵂ حتى ذهب عنه ما يجد. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول: (ما أخشى أن يؤتى الناس إلا منها) فبينا رسول الله ﷺ في حضني قد دفئ وهو يقول: (ليت رجلا صالحا يحرسني) قالت: إلى أن سمعت صوت السلاح وقعقعة الحديد

стр. 256

فقال رسول الله ﷺ من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص, قال: (عليك بهذه الثلمة فاحرسها) قالت ونام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه (١). وهذا يدل على أثر السكون إلى الزوجة الصالحة وماله من أثر في تبليغ الدين والدعوة إلى الله, والقيام بما يصلح المجتمع. فتأمل هذه الحكمة العظيمة من حِكم النكاح كيف جعلها الله بين الزوجين بلا رحم بينهما, وذلك لما فيها من صلاح النفس والأسرة والمجتمع, وهذا من فضل الله ورحمته. وقد روي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبيّ الله لقد عجبتُ من أمر وإنَّه لعجب، إنّ الرجل ليتزوّج المرأة وما رآها وما رأتهُ قط حتى إذا ابتنى بها اصطحبا وما شيء أحبّ إليهما من الآخر, فقال رسول الله ﷺ : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢). وهذا الذي ينبغي أن تكون عليه البيوت, أما إن حصل بين الزوجين من التنافر والشقاق ما لا يرجى فيه بعد ذلك سكون بعضهما إلى بعض فقد شرع الله للزوجين سبيلا للابتعاد حتى لا يكون ما هو سبب للسكون, سببا للاضطراب والشقاء والعداوة, فشرع للزوجين الطلاق (٣). وهذا من حكمة الله ﵎ ورحمته بعباده في تيسير ما تسكن إليه نفوسهم وتبتهج به القلوب وتحصل به المودة والرحمة.

стр. 257

المبحث الخامس: التعامل بالمعروف وردت آيات النكاح داعية الزوجين إلى المعروف في كل ما يخص الحياة الزوجية, وإذا تأملت المواضع التي وردت فيها الدعوة إلى المعروف في القرآن وجدت آيات النكاح قد حظيت بأكثر هذه المواضع, وذلك لأهمية هذا الأمر بين الزوجين. فإن الله قد أوجب على الزوج حقوقا كما أوجب على الزوجة حقوقا, ولكن إذا تعامل الزوجان في حياتهما على المحاسبة والمشاحة في هذه الحقوق فإن ذلك سينغص حياتهما ويسبب النفرة بينهما فكل واحد يرى زوجه خصيما له, فيصبح أداء الحقوق عاريا عن المودة والتسامح والصفح. ولذا فقد أمر الله في كتابه أن تكون الحياة الزوجية قائمة على المعروف في العشرة والنفقة والمهر, بل أمر الله بالمعروف في الطلاق ليقوم الزوجان على أداء حقوقهما على الوجه الأكمل والأحسن, والعفو عما يحصل من تقصير مما هو من طبيعة البشر. وقبل ذكر المواضع التي حث الله عباده فيها على التعامل بالمعروف يحسن بيان المراد بالمعروف. فالمعروف: هو كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، غير مستقبح في أهل الإيمان وإنما سميت طاعة الله (معروفًا) لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله, فيشمل ذلك ما حدده الشرع ووصفه العرف (١). وجميع شؤون الحياة الزوجية قد أمر الله عباده فيها ببذل المعروف وهي كالآتي:

стр. 258

• المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف: فقد أمر الله عباده بذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]. فأمر الله الأزواج بمعاشرة النساء بالمعروف كما أن الرجال يحبون ذلك من النساء. والمعاشرة تقتضي المخالطة والممازجة فيلزم من ذلك تطييب الأقوال وتحسين الأفعال والابتعاد عما تنكره النفوس والعقول مما يستهجن ويستقبح. وتشمل المعاشرة بالمعروف: دفع المهر واختيار النفقة والكسوة والسكنى الطيبة بما هو في استطاعة الزوج, كما أن على الزوجة من المعاشرة ما على الزوج من حسن الحديث وطيب الأفعال وحسن التبعل والخدمة. وفي القيام بهذا المعروف هدوء النفس ولذة العيش, وذلك أن حياتهما اشتملت على المعروف من شرع الله, وعلى ما تعارفا عليه, فلا يجدان شيئا ينكرانه بينهما, أما سوء المعاشرة فبها يحصل الشقاق والخلاف والمفارقة. ولذلك فقد جاء الأمر بحسن المعاشرة حتى ولو وجد الزوج شيئا من الكراهة تجاه زوجته فإن الله تعالى قال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ولم يقل: (فعسى أن تكرهوهن) لأن الزوج قد يكره من زوجته شيئا, فلاينبغي أن يطغى هذا الشيء فيؤدي إلى كراهتها فكراهيته لخصلة لا يدل على انتفاء الخير منها ولذلك قلل الله جانب الكراهة وغلّب جانب الخير فقال: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ ومن ذلك ما يحصل من إنجاب الذرية, وتحسّن أخلاق الزوجة وغير ذلك من الخيرات (١) , وعن عمر بن الخطاب رضي

стр. 259

الله عنه أنه قال لزوجين حصل بينهما كراهة: (ليس كل البيوت تبنى على الحب ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام) (١). ولقد كان النبي ﷺ من خير الرجال معاشرة لزوجاته فكان يؤانسهن ويجالسهن ويسامرهن وكان في حاجتهن, فعن عائشة ﵂ أنها سئلت: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) (٢). وقالت: كان ﷺ (يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) (٣). ومعلوم أن هذه الأمور مما يقوم بها النساء من الخدمة ولكن النبي ﷺ كان يعاون أهله وهذا من حسن العشرة والتعامل بالمعروف, فحري بالأزواج الاقتداء بالنبي ﷺ في ذلك. • المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق . كما وصى الله تعالى بالمعروف بين الزوجين حال المعاشرة, فقد وصى به وكرره مؤكدا له عند الطلاق, فإن الله سبحانه إذا قدر على الزوجين الطلاق وظنا أن هذا هو الأصلح فيجب أن يكون الطلاق بالمعروف, فلا يصاحبه من منكرات الأقوال وسوء الأفعال ما يحصل من كثير من الناس. فقد أمر الله الزوج إن طلق زوجته وكانت في العدة, إما أن يمسكها ويراجعها بالمعروف لا أن يمسكها إضرارا بها وتطويلا لعدتها, وإما أن يسرحها ويفارقها كذلك بالمعروف فلا يأخذ شيئا من مالها أو يؤذيها بالقول أو الفعل فقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأكد الله هذا الأمر تحذيرا من الإضرار (٤) فقال:

стр. 260

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فبين أن الإضرار ليس من حق الزوج, فهو إن حصل إنما يكون عدوانا وظلما للنفس. وكذلك فإن تراضى الزوجان على الرجعة بالمعروف فلا حق لأهل المرأة بعضلها ومنعها عن الرجوع لزوجها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فالآية تدل على أن الزوجين أو أحدهما إذا تراضوا على غير المعروف لكان للأولياء الحق في عضلها (١). ومن التسريح بالإحسان والمفارقة بالمعروف ما أمر الله به من متعة للمطلقة سواء دخل بها أو لم يدخل وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ ... [البقرة: ٢٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]. وهذه المتعة تكون بما هو متعارف عليه. ومن الأحوال التي أمر الله الطليقين فيها إلى التعامل بالمعروف النفقة والكسوة حال الحمل والإرضاع, ونهاهما عن الإضرار ببعضهما وبمولودهما فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا

стр. 261

عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]. فنهى الله الوالدة أن تدفع الولد لأبيه بعد الولادة مباشرة بقصد الإضرار بأبيه, كما نهى الله الزوج أن يأخذ الرضيع من أمه بقصد الإضرار بها, وأمرهما الله بالاتفاق على المعروف في شأن الإرضاع والفطام وفي شأن النفقة والكسوة والسكنى. فيجب أن تكون جميع هذه المعاملات على المعروف الذي رضيه الله لعباده. • المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]. أمر الله تعالى الزوجات اللاتي توفي عنهن أزواجهن أن يتربصن في العدة أربعة أشهر وعشرا, ونهاها في هذه الفترة أن تخرج أو تمس طيبا أو تتزوج, ولقد شدد النبي ﷺ في هذا الحكم على النساء, فعن أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله. إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا). مرتين أو ثلاثا. كل ذلك يقول (لا) ثم قال رسول الله ﷺ : ... (إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول) (١). فإذا انقضت عدتها فقد أباح الله لها ما تريد أن تفعل شريطة أن يكون بالمعروف, وذلك أن المرأة بعد هذه العدة يجوز لها الخروج من البيت والتشوف للخطاب والتزين, وليس

стр. 262

على الأولياء منعها من ذلك بحجة حزنها على زوجها المتوفى أو لأي سبب آخر إذا كان ما تفعله المرأة من قبيل المعروف شرعا وعرفا, أما إن تجاوزت ذلك إلى التبرج أو مباشرة عقد النكاح بدون ولي أو غير ذلك مما هو من قبيل المنكر شرعا وعادة فعلى الولي منعها من ذلك (١). ولما بين الله تعالى ما على النساء فعله من المعروف, بين ما يباح للرجال تجاه من توفي عنها زوجها وهي في العدة فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. فقد أباح الله ﵎ للرجال إذا رغبوا في نكاح امرأة توفي عنها زوجها وهي معتدة, ويدخل في ذلك المطلقة طلاقا بائنا, أن يقولوا لهم قولا معروفا من التعريض بالخطبة دون التصريح كأن يقول لها: إني أريد التزوج, أو إني أريد امرأة من صفاتها كذا وكذا, فهذا من المعروف الذي أباحه الله, ونهاهم عن المنكر من المواعدة في السر سواء للتصريح لها برغبته في النكاح, أو عقد النكاح وقت العدة مما هو مجمع على تحريمه, أو الزنا والعياذ بالله مما هو منكر شرعا وعرفا. (٢) فالواجب على العبد قول المعروف الذي أحله الله له والابتعاد عما دون ذلك. فالتعامل بالمعروف في جميع شؤون الحياة الزوجية من نكاح وطلاق وعدة فيها صلاح ظاهر للمجتمع بأن يكون المعروف هو السائد في المعاملات بين الرجال والنساء, وأن يتواصى المجتمع على حفظ المعروف الذي تعارفوا عليه وأقره الشرع مما يؤدي إلى الترابط والتناصح, وما يسببه المعروف كذلك من دوام العشرة بين الزوجين, أو نزع البغضاء بينهما حال الطلاق مما يحفظ العهد بينهما ويقطع عنهما ذكر بعضهما بسوء.

стр. 263

المبحث السادس: التكافل الاجتماعي التكافل من الأخلاق العظيمة التي جاء الإسلام آمراً بها, ومحققا لها بين العباد, بل هي من محاسن الشريعة الغراء, فصلاح المجتمع بترابطه وتآلفه وتكاتفه. وقد جاءت التشريعات والأحكام الإسلامية بتحقيق أواصر المحبة والتكافل بين المجتمع المسلم, وسد طرق القطيعة والخصومة والنزاع, مما يعزز التآلف والتناصر والتعاون بين المجتمع المسلم. وإن من الحِكم العظيمة التي اشتمل عليها النكاح بتشريعاته, تطبيق هذا الخلق العظيم وتحقيقه بين أفراد المجتمع. ولذا فقد ورد في آيات النكاح ما يدعو إلى التكافل وتقوية الأواصر الاجتماعية بين الناس, وسأبين ذلك من خلال ما يلي: • المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط . ويتضح ذلك جليا من قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]. فبينت الآية الكريمة عظيم قدرة الله أن خلق من هذا الماء بشرا واختصه بتكوين نظام اجتماعي فريد, بأن قسّم البشر - ذكورا وإناثا - إلى أنساب وأصهار, فبعد أن يكون الولد نسيبا يبلغ ثم ينكح المرأة التي يصاهر بها فيصبح صهرا. وهكذا يرتبط في مجتمعه بقرابتين, قرابة نسب وقرابة مصاهرة, وقد تجتمع القرابتين سويا وهكذا تقوى أواصر التقارب والترابط بين المجتمع (١). ولما كان هذا النظام من نعم الله على البشرية جمعاء أمر الله عباده المؤمنين أن يسخروا هذا الترابط فيما يصلح المجتمع المسلم لا فيما يفسده فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 264

فأخبر الله تعالى أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى وجعلهم أنسابا وأصهارا ثم جعلهم شعوبا وقبائل لحكمة أرادها جل وعلا من عباده ألا وهي التعارف (١). وهكذا تتعارف العوائل ثم تتعارف القبائل, وهذا التعارف هو الذي تحصل به صلة الرحم وحسن المعاشرة والتواد والتحاب وتقوية أواصر القرابة, ولذلك فقد أمر النبي ﷺ تعلم الأنساب لهذا المقصد النبيل, فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر) (٢). وقد بينت أول آية في سورة النساء هذا المعنى فإن الله تعالى ابتدأها بأنه خلق البشر من نفس واحدة ثم تكونت وشيجة الزواج, وكوّن من الزواج الأسرة الصغيرة, وهكذا تكونت الأسرة تلو الأسرة بنظام اجتماعي بديع تربطه روابط وثيقة, ولو شاء الله لخلقهم رجالا ونساء بلا روابط تربطهم أو وشائج تجمعهم. ولذلك ختم الله الآية بالوصية بالأرحام (٣) فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ولو لم يكن للمجتمع روابط تربطهم أو وشائج تجمعهم لم يكن للمجتمع الإنساني نظام يصلحه من المواساة والتعاون والاتحاد فيما بينهم. (٤)

стр. 265

فسبحان الله القدير الذي جعل من النكاح نسبا وصهرا, العليم بما يصلح المجتمع من جعله شعوبا وقبائل ليحصل التعارف والتواصل بين الأرحام, إنه بعباده خبير بصير, وهذا ما تضمنته هذه الآيات الثلاث. • المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي . الزواج فيه كفاية للمؤونة, وتكافل بين الأسر والقبائل, فإن الرجل إذا تزوج المرأة فإنه يخفف على أبيها أن يعيلها, وتصبح النفقة على الزوج بدل الوالد, فبعد أن كان الأب ينفق على ثلاثة أو أربعة تسهل عليه النفقة والمؤونة, ويصبح الزوج مكلفا بكفالة زوجته فإذا كان موسرا وأمن العدل أبيح له التعدد وبهذا يتكافل المجتمع ويترابط, كما أن في النكاح إحسان القوي - وهو الرجل - على الضعيف - وهي المرأة - (١). وقد هدى القرآن العظيم البشرية إلى هذه الطريقة بأقوم هدي وأعدل نظام وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. وإذا تأمل العبد وجه الارتباط بين الخوف من عدم القسط في يتامى النساء وبين الأمر بنكاح النساء وتعددهن تبين له كيف عالج الإسلام مشكلة الظلم والعضل, بالتكافل والترابط عن طريق النكاح والتعدد فيه. ففي السابق إذا كان للرجل يتيمة في حجره, تزوجها إن كانت جميلة من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره لئلا يشاركه أحد في مالها. فنهُوا أن ينكحوهنَّ إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ (٢).

стр. 266

وهكذا سخر الله ﵎ الغريزة الفطرية, ووجه عباده من الظلم فيها إلى التكافل ومن الاعتداء إلى الإحسان. فبعد أن كان الرجل يظلم اليتيمة بنكاحه لها, نهاه الله عن هذا السلوك المشين, وأباح الله له أن يكفل ما طاب له من النساء بطريق النكاح. وبهذا تظهر حكمة النكاح في التكافل الاقتصادي بين أفراد المجتمع. • المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين . فالله جل وعلا حين جعل النكاح سببا للتناسب والتصاهر لتحصل المحبة والمودة بين الأقارب والأرحام, حرم قطع ما أمر بصلته, ووعد قاطعي الأرحام بالعقاب الأليم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. ولقد وجد في الجاهلية صور من صور النكاح تفضي إلى قطع الأرحام وتغلب عليها ظهور الشحناء والتباغض بين الأقربين, وذلك ينافي حكمة النكاح في التقارب والمحبة بين الناس. ولذلك فقد حرم الله هذه الأنكحة التي تفضي إلى ذلك في آية المحرمات في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية .... إلى قوله ... ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٢ , ٢٣]. ومن هذه الصور: ١. تحريم نكاح زوجة الأب, وتحريم نكاح زوجة الابن. فقد وجد من العرب من نكح زوجة أبيه, وروي عن بعضهم في زمن النبي ﷺ من كان يرغب في ذلك فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. وذلك تحريما لهذا النكاح وتبشيعا لفاعله, وذلك أن حق الأب من أعظم الحقوق, ومن حق الأب احترامه ولو بعد موته والبعد عما يؤذيه, فإذا نكح الابن زوجة أبية دل على عدم احترامه

стр. 267

لأبيه وقد يتسبب هذا النكاح في مقت الابن لأبيه, وذلك أن الغالب فيمن تزوج امرأة أنه يبغض من تزوجها قبله (١). ولأجل ذلك حرم الله نكاح أمهات المؤمنين لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب لأمته وحقه أعظم الحقوق وبين أن في ذلك إيذاء له ﵊ فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢). وكما نهى الله الأبناء عن نكاح زوجة الأب فقد نهى الآباء عن نكاح حليلة الابن فقال في الآية: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لما يسبب ذلك من القطيعة والتباغض بين الأب وابنه, وفي التعبير القرآني بلفظ الحليلة إشارة إلى هذا المعنى وذلك أن هذه اللفظة توحي بشدة اتصال كل واحد بصاحبه وأنهما حلَاّ في ثوب واحد فكيف يسوغ للأب بعد ذلك أن ينكح زوجة ابنه (٣). وهذا من عناية الإسلام بصلة الرحم ولذلك أجمع العلماء أن زوجة الأب وزوجة الابن يحرمان بمجرد العقد (٤). ويدخل في هذا التحريم زوجة الابن من الرضاع لقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (٥) , وأما قوله في الآية: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ فإن ذلك قيد لإبطال زوجة الابن من التبني وأنها غير داخلة في التحريم (٦).

стр. 268

٢. تحريم نكاح أم الزوجة, و تحريم نكاح بنت الزوجة. نهى الله ﵎ عن ذلك وجعلهما من المحرمات في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم تزوج أمها أو العكس أدى ذلك إلى فساد ذات بينهن مما يؤدي إلى العقوق والتباغض بينهن. ولما كانت غيرة البنت أقوى من غيرة أمها فقد جعل الله تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها سواء دخل بها أم لم يدخل, وجعل تحريم الربيبة (١) -سواء كانت في حجره أم لا-بشرط الدخول بالأم فإن لم يحصل الدخول وطلقها جاز له أن يتزوج ابنتها (٢). ٣. الجمع بين الأختين. فقد ختم الله آية المحرمات بهذا النهي فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. فقد حرم الله ﵎ الجمع بينهما حرصا على إبقاء الصلة والمودة التي أمر بها بين ذوي القرابات وخصوصا إن كانت قرابة شديدة, فإن في الجمع بينهما سببا لحصول الغيرة والخصومة بينهما. ولما كان الأمر بهذه المنزلة في الحرص على القرابات وعدم قطعها جاءت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 269

رسول الله ﷺ قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) (١). وذلك أن الجمع بينهما سبب لقطيعة الرحم (٢). وهكذا فإن الشريعة الإسلامية جعلت في النكاح التقارب والتكافل والترابط, وحرمت منه ما يخالف هذه الحكمة العظيمة.

стр. 270

المبحث السابع: حفظ الأعراض حفظ الأعراض من الحكم العظمى في الشريعة الإسلامية, بل جعلها بعضهم من الضروريات (١). والمراد بحفظ الأعراض في هذا المبحث: هو حفظ أنساب الناس وأحسابهم وتنقيتها من الخطأ والدنس. فعلى هذا يكون حفظها من الكليات (٢) ,وبحفظها صلاح للمجتمع ونظامه, وباختلاطها وضياعها يحصل فساد النظام بين الناس. ولذلك فإن القرآن قد جاء بحفظ الأعراض وشرع لأجلها الأحكام وأنزل ببيانها الآيات. ويتبين لنا ذلك من خلال الفقرات التالية: • المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء . اقتضت حكمة الله جل وعلا فيما ينتج عن النكاح من حصول الذرية والولد أن ينتسب الأبناء لآبائهم لا لأمهاتهم, وفي ذلك حفظ للأنساب بحصول التعارف بين الناس ذلك أن الأمهات محجوبات مستورات عن أعين الناس ولا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم, فلو انتسب الناس لأمهاتهم لجهلت الأنساب وحصل فساد كبير في التعامل بين الناس. وكذلك فإن الأب هو المولود له والأم وعاء, وقد جعل الله ﵎ الابن خليفة أبيه ولذلك فإن المصلحة في انتساب الأولاد لآبائهم (٣) , وتظهر حكمة ذلك جليا حال تعدد

стр. 271

الزوجات فلوا انتسب الأولاد لأمهاتهم, فإن الإخوة ينسبون لأكثر من امرأة والمولود له واحد وهو الأب وفي ذلك ضياع للقرابات والحقوق من الإرث ونحو ذلك. وكذلك إن تزوجت المرأة برجل قبله أو بعده وأنجبت ذرية فإن الانتساب للأمهات حينها يفضي إلى اختلاط الأنساب وعدم معرفة الوالد. ولذلك فقد حرم الله تعالى في كتابه العظيم الانتساب إلى غير الأب على أي حال فقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥] فلقد كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلَد رجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده, فجاءت الآية بإبطال التبني وتحريمه, ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم ينسبون زيد بن حارثة إلى رسول الله ﷺ فيقولون: (زيد بن محمد) فلما نزلت الآية أمرت بالانتساب إلى الآباء فكانوا ينادونه (زيد بن حارثة) (١). وأعظم حكمة في ذلك أنه هو العدل الذي أمر الله به, فهو عدل للوالد الذي نشأ منه الولد, وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ويرثه ويورثه, وعدل عند الله ﵎ الذي شرّع هذا الحكم لما فيه مصلحة الولد والوالد والمجتمع بأسره, فإن الانتساب لغير الأب فيه ضياع للأعراض ودخول على غير المحارم من النساء, وتوريث من لا يستحق من الميراث. ولذلك فإن نظام الأسرة الذي شرعه الله وهو النكاح وما يتفرع عنه من انتساب الأبناء لآبائهم فيه الخير والصلاح وحفظ الأعراض والأنساب. ومهما اعتذر الناس بأي عذر في انتساب شخص لغير أبيه ولو لم يعلم نسبه فلا يجوز انتسابه لشخص آخر, بل يكون أخا في الدين أو مولى من موالي المسلمين, إلا ما حصل عن طريق الخطأ فهو معفوٌّ عنه كما نصت الآية الكريمة.

стр. 272

وفي ذلك تأكيد لحفظ الأعراض والتنبيه من التساهل فيها لما في حفظها من المصلحة العظيمة, وفي اختلاطها وضياعها من المفاسد الكبيرة (١). • المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم . لما بيّن الله تعالى المحرمات في آية النساء نص على محارم الرجل فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. ولقد كانت هذه المحرمات محرمة في الشرائع السابقة (٢) ثم جاءت الآية تؤكد هذا التحريم وتغلظه. وفي تحريم المحرمات بالنسب والرضاع حكمة عظيمة وهي حفظ هذا العرض من المهانة وحفظ وقار الولادة أصلا وفرعا و ما تعلق به من أخوة وعمومة وخؤولة, ولما في نكاح ما حرمهن الله في الآية من اختلاط الأنساب مما فيه فساد المجتمع واضطرابه, بأن تصبح الأم زوجة والابن أخا, أو الأخت زوجة وأبناء الأخت أولاداً, وهكذا يفسد نظام الأسرة في المجتمع بسبب انتهاك الأعراض. ولذلك أكّد الله تحريم نكاحهن في كتابه الكريم وجعل لهن وقارا تحفظ به الأعراض من هذا الخلل الاجتماعي والفوضى الأسرية. (٣) • المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها . فقد أوجب الله تعالى حال الفراق بين الزوجين بطلاق أو وفاة العدة على الزوجة وفي ذلك حكم عظيمة منها: هو استبراء الرحم حتى لا تختلط الأنساب, وألاّ يسقي الرجل ماء غيره.

стр. 273

فبين الله أن عدة المطلقة المدخول بها ثلاثة قروء, وذلك في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والقرء يطلق ويراد به الحيض ويطلق ويراد به الطهر والراجح أن المراد بالقرء في الآية الطهر (١). وبهذه العدة تتحقق براءة الرحم, ويضمن حفظ النسب من أن يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم المطلقة (٢). ولما كان من عادة النساء في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد (٣) فإن كون العدة ثلاثة قروء, تجعل الزوج ينظر ويتحقق بما يظهر له من القرائن من حصول حمل من عدمه حتى يتحقق من براءة الرحم (٤).

стр. 274

أما من توفي عنها زوجها فقد جعل الله عدتها أربعة أشهر وعشرا كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]. والحكمة في جعل العدة بهذا العدد لأنها نصف مدة الحمل ويحتمل اشتمال رحم الزوجة على الولد, ففي الاعتداد بهذه العدة ظهور الحمل لكل من يراه إن كان موجودا حتى لا تختلط الأنساب, وفي زيادة العشر بعد الأربعة أشهر لما قد ينقص من الشهور ولأن فيها ينفخ الروح, فعن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب (١) , ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح) (٢). ولما كانت المطلقة ذات الحمل براءتها متحققة بوضع حملها فقد جعل الله ﵎ عدتها منقضية بذلك فقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ولذلك فإن المتوفى عنها زوجها إن كانت ذات حمل فإن أجلها بوضع الحمل طال أم قصر لأن به تحقق براءة الرحم (٣) , وبذلك قضى رسول الله ﷺ فعن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة (٤) وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته

стр. 275

فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب, فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (١) رجل من بني عبد الدار فقال لها ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح, فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي) (٢) وبهذا يتبين ما في العدة من حكمة عظيمة لحفظ العرض والحرص على عدم اختلاط الأنساب (٣). • المطلب الرابع: مشروعية اللعان . وذلك أن في اللعان نفي العار والمسبة الذي يلحق الزوج بزنا امرأته, ونفيا لإلحاق ولد غيره به ولا سبيل لإثبات ذلك ببينة لأنها لا تقر قول زوجها فشرع الله لهما التحالف بأغلظ الأيمان وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين ثم يفسخ النكاح بينهما إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدا فهذا أحسن حكم يفصل به بينهما في الدنيا وليس بعده أعدل منه ولا أحكم ولا أصلح (٤). وبهذه الأحكام التي ذكرها الله في كتابه تتبين أهمية حفظ الأعراض وكيف اهتم القرآن ببيانها وتفصيل أحكامها لما فيها من النفع البيّن للمجتمع من إثبات الانتساب إلى الآباء ومنع حصول الفوضى باختلاط الأنساب وما يترتب على ذلك من حقوق في النفقات والمواريث والأعراض, فلو اجتمع الخلق على أن يأتوا بما يحقق هذا الأمر كما شرع الله لم يهتدوا إلى ذلك فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.

стр. 276

المبحث الثامن: حفظ الحقوق إن من رحمة الله ﵎ أن شرع الله لكلا الزوجين ما لهما من الحقوق وما عليهما من واجبات, وأمرهما بحفظ هذه الحقوق والقيام بها كما ينبغي, وذلك أن النكاح من المعاملات التي إن لم توضع لها الحدود وتبيّن فيها الحقوق فسيكثر وقوع الخلاف والنزاع الذي ينافي حكمة النكاح في الطمأنينة والاستقرار, فالزوج قد يطلب من زوجه حقوقا ليست له والزوجة قد تطلب حقوقا ليست لها. ولذلك فقد جاء في القرآن العظيم بيان الحقوق التي تخص كلا الزوجين حتى تتضح المعالم وتتحدد المسؤوليات ويزول الغموض والالتباس عن كلا الزوجين في المطالبة بحقوقهما. ولقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العام في حفظ الحقوق بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨] ثم فصل في هذه الحقوق على ما سيأتي: • المطلب الأول: حفظ حق الزوج . ١. تدبير شؤون الأسرة: وهذا الحق من الحقوق المندرجة تحت قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] فالزوج هو حاكم هذه الأسرة ورئيسها, وهو القائم بتدبير مصالحها, وذلك أن الله فضله بزيادة العقل والدين والولاية وبذلك كان هو الأحق بالنظر في الأقوم لبيته وزوجه وولده, ولذلك فإنه إذا اجتهد في أمر ورأى صلاحه فهو الأحق بتطبيق هذا الأمر (١). ولا يعني هذا ألا يستشير أهله وولده في شؤون الأسرة ولكن هو الذي عليه تطبيق الأصلح لأسرته وأهل بيته.

стр. 277

ولذلك فإن على الزوجة أن ترعى هذا الحق لزوجها وتعاونه فيه لا أن تزاحمه أو تنافسه فإنها بذلك تكون معتدية متطلبة حقا لم يكلفها الله به, كما أن على الزوج أن يلتزم بالقيام بهذا الحق فإن ذلك من أسباب قوامته ومما أوجبه الله عليه قبل أن يكون حقا له على زوجته. ٢. حق الطاعة. طاعة الزوجة لزوجها حق من حقوقه, فإن قوامة الرجل تقتضي ذلك, وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] فبين الله جل وعلا أن الصالحات قانتات أي مطيعات لربهن قائمات بحقه, ومطيعات لأزواجهن, وأنهن حافظات لحق أزواجهن و حافظات لأنفسهن حال غيب أزواجهن, بل حافظات لكل ما غاب عنهم فلا يتحدثن بما يكون بينه وبينهن, ولا يفشين له سرا (١). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: أمرَاء، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنةً إلى أهله، حافظةً لماله (٢). وطاعة الزوج من أعظم أسباب استقرار الأسرة وعدم تفككها, فإن الطاعة تجلب الرضا وتمنع الخلاف والتباغض. وإن من تمام الطاعة وكمالها حسن عشرة الزوج والقيام على ما يصلحه, فمن قامت بذلك فهي من خير النساء فعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ أي النساء خير؟ قال: (التي تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ولا في ماله) (٣).

стр. 278

وعنه رضي الله قال: عن النبي ﷺ قال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولده في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) (١). فهذان الحديثان يبينان أن صلاح المرأة وطاعتها لزوجها وحسن مخالطته من أعظم حِكَم النكاح (٢). وقد وعد النبي ﷺ من اتصفت بهذه الصفات بالجنة, فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) (٣). ولا شك أن هذه الطاعة مشروطة بألا يأمرها بمعصية فعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الله) (٤). ٣. حق التأديب: إذا نشزت الزوجة وتمردت على زوجها ولم تقم بحقوقه التي أمرها الله بالقيام بها فقد شرع الله للزوج حق التأديب وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤] كما شرع له في الآية سبل التأديب التي يقوم بها, فبأي وسيلة حصل التأديب فلا ينبغي له أن يتعداها إلى غيرها. فأول طريق يسلكه الزوج: الموعظة, وذلك بأن يذكرها بالله في القيام بحقه وما توعدها الله من العقاب على المعصية وما وعدها به من الثواب على الطاعة, فإن هي تذكرت ورجعت وأنابت فقد حصل المقصود.

стр. 279

وإن أصرت وعاندت فله أن يستخدم الطريق الثاني وهو هجرانها: وذلك بأن يهجرها في المضجع ويوليها ظهره فلا يجامعها وزاد بعض المفسرين هجرانها في الحديث فلا يخاطبها وهذا له أثر شديد على الزوجة وغالبا ما ترجع بعد ذلك وتتوب (١). فإن تمادت في نشوزها ولم تُجْد الوسائل السابقة فقد أباح الله له أن يضربها. وقد بينت السنة هذا الضرب بأنه ضرب غير شديد لا يؤثر في جسدها ولا يكسر لها عضوا (٢). وينبغي على الزوج ألا يتخذ هذا الأسلوب إلا عند الحاجة وذلك أن رسول الله ﷺ قال: (لا تضربوا إماء الله) فجاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن (٣) النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن, فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي ﷺ (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم) (٤). ٤. حق الخدمة. فللمرأة على زوجها حق خدمته والقيام بشؤون المنزل وإصلاح ما يحتاجه في ملبسه ومأكله فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ما تعارف عليه الناس من حقوق للزوج على زوجه ومن ذلك الخدمة (٥) , فإن المرأة إذا ترفهت عن خدمة الزوج والقيام بشؤون البيت من طهي وتنظيف فإن ذلك من المنكر الذي لم يأذن

стр. 280

به الله وهو مخالف للمعروف الذي ذكره الله في الآية كما أن من المعروف أن يتفرغ الزوج لشؤون المعاش وطلب الرزق (١). وقد كان أزواج النبي ﷺ يقمن بخدمته وهن أشرف نساء العالمين وأمهات المؤمنين فعن عائشة ﵂ قالت: (كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره ... ) الحديث (٢). وكانت أم المؤمنين ميمونة ﵂ تعد لرسول الله ﷺ غسله ليغتسل (٣) , وكانت فاطمة ﵂ تطحن الرحى حتى اشتكت من ذلك وأتت إلى الرسول ﷺ تطلبه خادما, فأرشدها النبي ﷺ إلى ما هو خير لها من خادم (٤) ولم ينكر على علي ﵁ أن جعلها تخدمه, وكانت أسماء بنت الصديق ﵄ تقول: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شي غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن, ولقد رآها ﷺ تنقل النوى على رأسها إلى أرض الزبير وهي على بعد ثلثي فرسخ (٥) , ومع ذلك لم ينكر النبي ﷺ على الزبير خدمة زوجته له (٦) فإذا كان أفضل النساء وأشرفهن كنّ يخدمن أزواجهن وكان أمرا متعارفا لديهم فغيرهن من باب أولى. • المطلب الثاني: حقوق الزوجة: كما فرض الله ﵎ للرجال حقوقا فقد جعل للنساء حقوقا على أزواجهن وأمر الرجال بالقيام بها ونهاهم عن التفريط فيها ومن هذه الحقوق ما يلي:

стр. 281

١. حق المرأة في الصداق: فقد أوجب الله ﵎ على الزوج إذا أراد الزواج أن يُصدق امرأته فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] وجعل المهر فرق ما بين النكاح والزنى ولذلك فلا يجوز نكاح بدون صداق لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] , وهذا المهر يدفع للمرأة ولا يجوز لوليها أخذ شيء منه (١). وقد جعله الله ﵎ شرطا من شروط النكاح فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ... ﴾ الآية [المائدة: ٥] (٢). وقد حذر الله الأزواج ونهاهم عن أخذ هذا المهر عن غير رضا وخصوصا عند الفراق وأخبر أنه من الآثام العظام فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ , ٢١]. وهذا الفعل من الشناعة بمكان وهو أن يضار الزوج زوجته للتخلي عن مالها, ولذا فقد جاء الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ إنكارا على من يفعل هذا الفعل, ثم جاء بيانه بأنه إثم وبهتان للبعد عن الوقوع فيه, ثم أعقبه بالتعجب ممن يفعل هذا الفعل تنزيها

стр. 282

للمسلمين عن فعل ذلك ثم ختم الآية ببيان سبب هذا المال وهو قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ أي: قد حصل بينكم من المعاشرة والميثاق على حسن المعاملة ودوام الألفة فكيف تأخذون ما ينقض هذا الميثاق الغليظ حتى وإن حصل الطلاق وأردتم استبدال الزوجة بأخرى, أما إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها أو أعطته على طيب نفس منها فلا بأس (١). وقد حذر الله أولياء يتامى النساء أن ينكحوهن دون أن يعطونهن حقهن من المهر كما يعطى غيرهن, فإذا أعطيت حقها من المهر فلا بأس له أن يتزوجها (٢) كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧] وقد بين الله ﵎ وجوب الصداق كذلك حال وجود مهاجرات مسلمات تركن المشركين, فلا حرج من الزواج بها بعد انقضاء عدتها وأن تعطى صداقها فقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٣). فهذه الآيات كلها على اختلاف حالاتها دلت على أحقية المرأة للصداق وتعظيم شأنه. ٢. حق النفقة والسكنى. أجمع العلماء على وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده (٤) وقد فضله الله بذلك كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد أمره الله أن ينفق على قدر طاقته فالغني ينفق على قدر غناه والفقير ينفق على قدر فقره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ

стр. 283

فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧] (١). وقد بين النبي ﷺ هذا الحق للزوجة في حجة الوداع فقال: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (٢) , كما بين ﵊ الضابط في النفقة فقال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) (٣). ومن النفقة الواجبة على الزوج توفير السكن لها وأن يسكنها حيث يسكن. ولذا فإن الزوج إن قتر على زوجه وأولاده وقصر في نفقتهم فللزوجة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف فعن عائشة ﵂ أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٤). والنفقة والسكنى حقان للمرأة المطلقة كذلك' فلا يجوز للرجل إخراج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها كما قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ... [الطلاق: ١] , وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦] (٥).

стр. 284

فإن كانت المرأة ذات حمل ووضعت حملها فيجب لها عليه نفقتها حتى تنتهي من إرضاع ولدها كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (١). وبهذه الحقوق تنتظم الحياة الزوجية وتستقر فكما أن المرأة تقوم بشؤون البيت وتهيؤه للزوج وهو حقه عليها فيجب على الرجل القيام بما يصلحها في شؤون المعاش (٢). ٣. حق التربية والأمر بطاعة الله. فللزوجة حق على زوجها وهو أن يأمرها بطاعة الله ويقيها كل سبيل يبعدها عن الله فهو المسؤول عن زوجه وولده فقد أمر الله بذلك فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢] وهذا أمر من الله لنبيه ﷺ أن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم والخطاب يشمل جميع أمته (٣) , وأمر الله المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦] قال علي ﵁: (علموهم وأدبوهم) وعن ابن عباس ﵁ قال: (اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينْجيكم الله من النار) (٤). فأمْرُ الزوجة والأولاد بالطاعة من المسؤولية التي حمَّلها الله للزوج, وهي من سنن الأنبياء الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم, فكان إسماعيل ﵇ يأمر أهله بالطاعة كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤ , ٥٥] , وهكذا كان النبي ﷺ وسيرته مليئة بذلك.

стр. 285

فعلى الزوج مراعاة هذا الحق, فحفظه حفظ لحق الله, وهو سبب في استقرار البيوت وطمأنينتها. • ومن الحقوق المشتركة بين الزوجين والتي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] حق قضاء الحاجة والوطر فكما أنه حق للزوج فهو حق للزوجة وقد أشار ابن عباس ﵄ إلى ذلك بقوله: (إني أحبُّ أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي; لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). ومما يدخل ضمن هذا الحق ألا يعْجَل الزوج على زوجه في الجماع حتى تقضي حاجتها كما عليه أن يتوخى أوقات حاجتها فيعفها ويغنيها (٢). وكذلك فإن على الزوجة أن تجيب زوجها إذا دعاها لحاجته, ولا يجوز لها التباطؤ في إجابته فقد قال رسول الله ﷺ : (إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور) (٣). ففي القيام بهذا الحق إعفاف لكلا الزوجين من أن يشبعا حاجتهما بما حرم الله. فإذا امتثل الزوجان ما وجب عليهما من الحقوق ففي ذلك صلاح للأسرة وصلاح للمجتمع من التفكك والقطيعة.
следующие страницы →