١. حق المرأة في الصداق:
فقد أوجب الله ﵎ على الزوج إذا أراد الزواج أن يُصدق امرأته فقال تعالى:
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] وجعل المهر فرق ما بين النكاح والزنى ولذلك فلا يجوز نكاح بدون صداق لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] , وهذا المهر يدفع للمرأة ولا يجوز لوليها أخذ شيء منه (١).
وقد جعله الله ﵎ شرطا من شروط النكاح فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ... ﴾ الآية [المائدة: ٥] (٢).
وقد حذر الله الأزواج ونهاهم عن أخذ هذا المهر عن غير رضا وخصوصا عند الفراق وأخبر أنه من الآثام العظام فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ , ٢١].
وهذا الفعل من الشناعة بمكان وهو أن يضار الزوج زوجته للتخلي عن مالها, ولذا فقد جاء الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ إنكارا على من يفعل هذا الفعل, ثم جاء بيانه بأنه إثم وبهتان للبعد عن الوقوع فيه, ثم أعقبه بالتعجب ممن يفعل هذا الفعل تنزيها
стр. 282
للمسلمين عن فعل ذلك ثم ختم الآية ببيان سبب هذا المال وهو قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ أي: قد حصل بينكم من المعاشرة والميثاق على حسن المعاملة ودوام الألفة فكيف تأخذون ما ينقض هذا الميثاق الغليظ حتى وإن حصل الطلاق وأردتم استبدال الزوجة بأخرى, أما إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها أو أعطته على طيب نفس منها فلا بأس (١).
وقد حذر الله أولياء يتامى النساء أن ينكحوهن دون أن يعطونهن حقهن من المهر كما يعطى غيرهن, فإذا أعطيت حقها من المهر فلا بأس له أن يتزوجها (٢) كما قال تعالى:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧]
وقد بين الله ﵎ وجوب الصداق كذلك حال وجود مهاجرات مسلمات تركن المشركين, فلا حرج من الزواج بها بعد انقضاء عدتها وأن تعطى صداقها فقال تعالى:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٣).
فهذه الآيات كلها على اختلاف حالاتها دلت على أحقية المرأة للصداق وتعظيم شأنه.
٢. حق النفقة والسكنى.
أجمع العلماء على وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده (٤) وقد فضله الله بذلك كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد أمره الله أن ينفق على قدر طاقته فالغني ينفق على قدر غناه والفقير ينفق على قدر فقره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
стр. 283
فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧] (١).
وقد بين النبي ﷺ هذا الحق للزوجة في حجة الوداع فقال: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (٢) , كما بين ﵊ الضابط في النفقة فقال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) (٣).
ومن النفقة الواجبة على الزوج توفير السكن لها وأن يسكنها حيث يسكن.
ولذا فإن الزوج إن قتر على زوجه وأولاده وقصر في نفقتهم فللزوجة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف فعن عائشة ﵂ أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٤).
والنفقة والسكنى حقان للمرأة المطلقة كذلك' فلا يجوز للرجل إخراج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها كما قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ... [الطلاق: ١] , وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦] (٥).
стр. 284
فإن كانت المرأة ذات حمل ووضعت حملها فيجب لها عليه نفقتها حتى تنتهي من إرضاع ولدها كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (١).
وبهذه الحقوق تنتظم الحياة الزوجية وتستقر فكما أن المرأة تقوم بشؤون البيت وتهيؤه للزوج وهو حقه عليها فيجب على الرجل القيام بما يصلحها في شؤون المعاش (٢).
٣. حق التربية والأمر بطاعة الله.
فللزوجة حق على زوجها وهو أن يأمرها بطاعة الله ويقيها كل سبيل يبعدها عن الله فهو المسؤول عن زوجه وولده فقد أمر الله بذلك فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢] وهذا أمر من الله لنبيه ﷺ أن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم والخطاب يشمل جميع أمته (٣) , وأمر الله المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦] قال علي ﵁: (علموهم وأدبوهم) وعن ابن عباس ﵁ قال: (اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينْجيكم الله من النار) (٤).
فأمْرُ الزوجة والأولاد بالطاعة من المسؤولية التي حمَّلها الله للزوج, وهي من سنن الأنبياء الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم, فكان إسماعيل ﵇ يأمر أهله بالطاعة كما قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤ , ٥٥] , وهكذا كان النبي ﷺ وسيرته مليئة بذلك.
стр. 285
فعلى الزوج مراعاة هذا الحق, فحفظه حفظ لحق الله, وهو سبب في استقرار البيوت وطمأنينتها.
• ومن الحقوق المشتركة بين الزوجين والتي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] حق قضاء الحاجة والوطر فكما أنه حق للزوج فهو حق للزوجة وقد أشار ابن عباس ﵄ إلى ذلك بقوله: (إني أحبُّ أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي; لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).
ومما يدخل ضمن هذا الحق ألا يعْجَل الزوج على زوجه في الجماع حتى تقضي حاجتها كما عليه أن يتوخى أوقات حاجتها فيعفها ويغنيها (٢).
وكذلك فإن على الزوجة أن تجيب زوجها إذا دعاها لحاجته, ولا يجوز لها التباطؤ في إجابته فقد قال رسول الله ﷺ : (إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور) (٣).
ففي القيام بهذا الحق إعفاف لكلا الزوجين من أن يشبعا حاجتهما بما حرم الله.
فإذا امتثل الزوجان ما وجب عليهما من الحقوق ففي ذلك صلاح للأسرة وصلاح للمجتمع من التفكك والقطيعة.
стр. 286
المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة
العفة طبع أصيل وخلق نبيل, جامع للفضائل ودافع للرذائل, جاء به الإسلام ليقوّم به ما اعوج من خلق الجاهلية, فقد أخبر بذلك أبو سفيان ﵁ هرقل حين سأله عن النبي ﷺ وقال له: بماذا يأمركم؟ فقال أبو سفيان: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (١).
قال سماك بن حرب (٢): كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سودوه الحلم والعقل والسخاء والشجاعة والبيان والتواضع ولا يكملن في الإسلام إلا بالعفاف (٣).
وكان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) (٤).
والعفاف لفظ عام يشمل الكف عن المحرمات وخوارم المروءة (٥) , ويدخل فيه عفة العبد في حفظ فرجه وهو المراد في هذا المبحث.
وقد جاء القرآن آمرا بهذه العفة مادحا أهلها, فقد امتدح جل علا المفلحين بصفات ومنها قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
стр. 287
فبين الله ﵎ أن النكاح وملك اليمين هما طريقا الطهر والعفة وأن ما عداهما طريق للفواحش والرذائل.
ولذلك فإن المجتمع الذي يستعف عما حرم الله هو مجتمع طاهر نظيف, ينعم بالأمن الخلقي والفكري في بيته وأسرته, فقد استغنى بالحلال عن الحرام ولا يفكر في إشباع غريزته إلا بما شرع الله له, أما المجتمع الذي طرح العفة عن نفسه فلا يخلو من فساد ودنس, فهو يحاول إشباع رغبته بغير حساب (١) ولذلك فهو مجتمع منحط إلى دركات البهيمية متوعد بعقاب الله.
وقد ضرب القرآن لذلك مثلا في قصة قوم لوط ﵇ وما حصل منهم فقد كانوا يأتون الذكران من العالمين, وقد وعظهم لوط ﵇, فقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨] , فبين لهم ﵇ أن الزواج عفة وطهارة, ودل على أن فعلهم رجس, وبين أثر هذا الفعل على انحطاطهم العقلي كذلك بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ , فنفى عنهم الرشد الذي تصلح به المجتمعات وتنهض, فاستوجبوا عقوبة الله تعالى لهم.
ويظهر لنا ذلك من خلال مايلي:
• المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح .
ولما كان النكاح لا يستطيعه كل أحد فقد أمر الله عباده الذين لا يقدرون على النكاح بالاستعفاف عن الحرام فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. أي: بالاجتهاد في الاستعفاف والامتناع عن أي وسيلة تفضي إلى المحرم, ومن الوسائل في ذلك ما أمر الله به الرجال والنساء من غض الأبصار, وعدم تبرج النساء في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ
стр. 288
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... ﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١] ومن الوسائل النبوية في طلب العفة الصوم كما أخبر بذلك ﷺ فقال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (١).
وقد بينت الآية أن العفة لا تنفك عن العباد من حيث إنهم مأمورون بها فهم إما مستعفون بالحلال أو مستعفون عن الحرام, وأما غيرهم فهم معتدون آثمون (٢).
• المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع .
وإذا وجد العبد القدرة على النكاح فعليه المبادرة إلى ذلك لما فيه من إعفاف نفسه وحفظه عن الرذيلة, بل شرع الله أن ينكح أكثر من زوجة إذا استطاع العدل بينهن وذلك لما فيه من إعفاف الرجال والنساء, كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]
لأن سنة الله في الكون اقتضت أن يكون الرجال أقل عددا من النساء, وليس جميع الرجال لديهم استعداد للزواج لما قد يستلزمه النكاح, ولذا لو اقتصر كل رجل على زوجة واحدة فقط لبقي عدد كبير من النساء دون أزواج, ولضاعت حقوق كثير من المستعدات للزواج دون زوج يحفظ حقوقهن ويقضي وطرهن (٣) , فقد يؤدي ذلك إلى قضائه بطريق الحرام فيكثر الفساد في المجتمع.
وبذلك يكون التعدد حلا شرعيا يكفل حفظ المجتمع وعفافه والقضاء على وسائل الرذيلة.
• المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع .
إن الله جل وعلا حين نهى المطلقة أن تخرج من بيتها أو تُخرَج منه في قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] , كان في منعها من الخروج حكمة من الحكم وهي أن المطلقة يكثر التفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف
стр. 289
عليها ولا تجد ذا عصمة يذب عنها وقد لا تجد مسكنا فلذلك كان في وجوب السكنى لها حفظ لكرامتها وعفتها, وصيانة للمجتمع من أسباب الفساد (١).
ولذلك فقد أباح الله إخراجها إن وقعت في الفاحشة, ونهى في حالة التعريض بخطبة المطلقة البائنة أو المتوفى عنها زوجها بأن يواعدها الخاطب سرا في حال عدتها كل ذلك صيانة لعفة المجتمع كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥].
• المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩] فالفواحش قد تحدث في المجتمعات ولكن الأصل فيها أن تستر فلا تنشر كما قال النبي ﷺ : (ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) (٢) ,وأن يتم علاجها بالطرق الشرعية, ومن علامة المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فكما لا يحب المسلم أن يشاع عنه خبر سيء, فكذلك لا ينبغي له أن يشيع الأخبار السيئة عن الناس وخصوصا فيما يتعلق بأعراضهم.
ثم إن الله تعالى لما حرم هذه الفواحش زرع في قلوب الناس الترهيب منها وعظمة جرم من اقترفها حتى تنصرف قلوب الناس وعقولهم عن التفكير فيها ويتهيبون وقوعها أما إذا انتشر بين المجتمع الحديث عن وقوع هذه الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فتخف هيبتها في النفوس ويحصل التهاون بوقوعها فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها, وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها يصير أمرها معتادا بين الناس ويخف إنكارها.
стр. 290
ولذلك فإن قوم لوط ﵇ حين استمرؤوا الفاحشة والوقوع فيها اعتبروا الطهر جريمة فقالوا عن لوط ﵇ ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢].
ولذلك فإن في النهي عن إشاعة الفاحشة صونا لعفة المجتمع.
ولعظمة هذا الأمر وأثره في فساد المجتمع توعد الله مجرد من يحب إشاعة هذه الفواحش ويستحبها بقلبه, فكيف بمن أظهرها ونشرها؟!
وسواء كانت هذه الفاحشة قد حصلت, أو لم تحصل, والثانية أشد وأعظم لما فيها من قذف الأطهار من الرجال والنساء فلذلك جعل الله عقوبة القاذف بدنية ونفسية ودينية فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
وفي ختْم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أعظم تأديب للمؤمنين بأن يجتنبوا هذه الظاهرة السيئة لأنه سبحانه يعلم ما في ذلك من المفاسد فنهى العباد عنها وهم لا يعلمون ما يترتب عليها من الشرور والمصائب فيحسبون التحدث بذلك هينا وهو عند الله عظيم. (١)
стр. 291
الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إقامة شعائر الله.
المبحث الثاني: حفظ الحقوق.
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.
стр. 292
المبحث الأول: إقامة شعائر الله
خلق الله الخلق لغاية عظيمة وهي عبادته وحده لا شريك له, واقتضت هذه العبودية القيام بما أمر الله به عباده من الحدود والفرائض.
وكما ورد في سياق آيات الأطعمة الدعوة إلى تعظيم شعائر الله, فقد ورد فيها كذلك تذكير العباد بإقامة هذه الشعائر وما لها من أثر على المجتمع.
• فقد أشارت الآيات في كتاب الله أن هناك تلازما بين إقامة الأمة لشعائر الله وبين طعامهم وشرابهم.
وذلك أنه لما كان الطعام والشراب من الحظوظ التي تستدعيها النفس, وربما سعت في البحث عنها وطلبها سعيا حثيثا لحاجتها إليها, اقتضت حكمة الله جل وعلا تذكير العباد بما فيه مخالفة الهوى (١) , بإقامة أوامره وحدوده, ومن رحمة الله تعالى أن جعل حاجة الإنسان لا تعارض شريعته, بل جعل إقامتها طريقا إلى التوسعة على العباد في المأكل والمشرب.
وقد بين جل وعلا للعباد في كتابه هذا الأمر غاية البيان وخصوصا حينما يتعلق الأمر بحال مجتمع من المجتمعات أو أمة من الأمم فإن أثر إقامة هذه الأوامر أو إضاعتها سيؤثر على المجتمع سلبا أو إيجابا.
فقد أخبر تعالى عن حال اليهود حين طُلِب منهم ما فيه خير لهم في العاجل والآجل فكان الحال أن ضيعوا أمر الله وحرفوه إلى ما يوافق أهواءهم وشهواتهم فقال عن حالهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩].
стр. 293
فقد أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة ركعا ووعدهم فيها بالعيش الهنيء الذي لا يتطلب منهم العناء والتعب وطلبهم أن يقولوا ما يحط به عنهم خطاياهم وذنوبهم وما فيه حياة قلوبهم, ولكنهم ضيعوا أمر الله واستبدلوه بطلب الحنطة نظرا لحياة أجسامهم وأبدانهم وقد أغناهم الله عن طلبه بضمانه لهم قبل ذلك في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى. ولكنهم حين أعرضوا عن إقامة أمر الله واشتغلوا ببطونهم سلبهم الله هذه النعمة وحل عليهم العقاب جزاء تضييعهم (١).
والذي يظهر من خلال الآيات أن بني إسرائيل أشغلهم طلب الطعام والتلذذ به عن إقامة دين الله فقد وصل بهم الحال إلى البطر عما أنزله الله لهم من المن والسلوى دون عناء وتعب إلى طلب الدنيء من الطعام مع ما يجدون فيه من الجهد في إصلاحه وإنضاجه ولذلك فقد عوقبوا بالمذلة والغضب لإضاعتهم أمر الله, واعتدائهم في طلب ما تكفل الله لهم من الرزق.
وقد أخبر الله أنهم لو أقاموا شعائره لفتحت عليهم بركات السماء وخزائن الأرض وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] فقد أشارت الآية إلى أن سبب ضيق عيش اليهود هو غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن, ولو أنهم أقاموا أوامر الله لأغدق عليهم في النعم ولرفع عنهم غضبه ورجزه (٢) ,وفي هذا دلالة واضحة على التلازم بين إقامة حدوده الله وبين المأكل والمشرب.
كما أن في هذه الآية تحذيرا للمجتمع أنهم معرضون لحرمان الرزق إن ضيعوا أمر الله فقد قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يرفع العلم, فقال زياد بن لبيد (٣): يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمنا أبناءنا؟ فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد: إن كنت
стр. 294
لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله، ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (١).
فدل الحديث على أن من شابه حاله حال اليهود والنصارى سيحل به ما حل بهم من ضيق العيش.
وقد أخبر جل شأنه عمن تنكب طريق الإسلام أنهم لو أقاموا الإسلام لوسّع عليهم في الرزق فقال: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن: ١٦].
والمعنى: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها، لأسقيناهم ماءً كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق (٢)
فعلى المجتمع أن يعلم أن المقصد الأعظم هو إقامة شرع الله وبقدر تحقيقه وإقامته يحصل لهم النمو والبركة في مطاعمهم ومشاربهم, وبقدر تضييعهم لحق الله بقدر ما يصيبهم من الضيق في المأكل والمشرب.
стр. 295
المبحث الثاني: حفظ الحقوق
إن من أعظم الحقوق التي يجب على العبد أن يحفظها ويرعاها حق نفسه وما به حياتها وصحتها وقوامها, وقد أوجب النبي ﷺ للنفس حقا يجب القيام به (١).
وقد بين القرآن الكريم سبل حفظ هذا الحق, وسأبين ذلك من خلال ما يلي:
• المطلب الأول: المحافظة على البدن وصحته بتناول الطعام الطيب وتعاطي الدواء النافع.
فقد أباح الله في كتابه الطيبات من الطعام والشراب لأنها قوت الأبدان.
ولما كان في الصوم الامتناع عن الطعام والشراب رخصه الله ﵎ للمريض والمسافر حفظا لصحة البدن فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإذا امتنع المريض عن الطعام والشراب زاد مرضه, وكذلك المسافر إذا اجتمع عليه كثرة الحركة مع قلة الطعام خارت قوته وضعفت (٢).
وقد جعل تعالى من الأشربة ما هو شفاء للأبدان من الأمراض حفظا للصحة فقال تعالى عن النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه الثانية فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه فقال قد فعلت؟ فقال (صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا). فسقاه فبرأ (٣).
قال ابن كثير ﵀: (قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن
стр. 296
هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام) (١).
وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالتداوي فقال: (تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء .. ) (٢) الحديث
وهذا يدل على أن حفظ البدن حق من الحقوق التي يجب على العبد القيام به.
• المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما .
من حكمة الله تعالى أن حرم على عباده ما يؤثر في أبدانهم وما يضرها ومن ذلك ما حرمه الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فكما أنها تورث آكلها خبثا كما سبق, فإنه قد ثبت لدى الأطباء أن الميتة والدم تجتمع فيهما المواد الضارة والسموم التي تضر آكلها, وكذلك لحم الخنزير تبين أن لحمه يشتمل على ذرات حيوانية تضر آكلها. (٣)
ومما حرمه الله تعالى وفيه مضرة على البدن والعقل الخمر وما في حكمها من سائر المفترات والمسكرات وقد بين الله ﵎ عظيم ما فيها من المضرة فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ومن أكبر هذه الآثام وأعظمها ما يحصل من زوال العقل حال شرب الخمر فهي تنقل العقل من حالة التفكير والتدبير إلى الجنون والفساد (٤).
стр. 297
فحفظ البدن والعقل أمانة يجب الحفاظ عليها وسيسأل عنها العبد يوم القيامة.
كما أن لحفظ البدن والعقل أثر على المجتمع, فإن الأمة بحاجة إلى القوة العضلية المتمثلة في البدن والقوة الفكرية التي تسهم في بناء المجتمعات.
ومن آثار الخمر والمسكرات على المجتمع أنها سبب حصول الجرائم، ومن ذلك ما أخرجه الطبري ﵀ أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما، فدعانا. قال: فشربنا الخمر حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم! قال: فأخذ رجل من الأنصار لحيى جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف. قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخر الآية (١).
والواقع يشهد بما للمسكرات من أثر في انتشار الجرائم في المجتمع.
كما أن المسكرات تؤثر في ضعف متعاطيه واستعداده للعمل, وذلك أنه يذهب العقل فلا يستطيع الفرد الإدراك والعمل حتى يفيق ولذلك نهى الله عن الإتيان إلى الصلاة حالة السكر لأنها تجعل العبد لا يعي ما يقول في صلاته فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وذلك قبل التحريم بالكلية.
ومما يعضد هذا في واقعنا أن بعض رؤساء الجند في أوروبا كلف فرقتين من جنده بعمل متساو, ثم سمح لفريق بشرب الخمر ومنع الفريق الآخر, فرأى أن الفريق الذي يشرب الخمر بدأ ينقص إنتاجه شيئا فشيئا, ثم سمح للفريق الآخر بشرب الخمر ومنع الفريق الأول فتحسن إنتاجهم، وبدا يضعف إنتاج الفريق الآخر (٢).
стр. 298
ولقد حرص النبي ﷺ على إظهار صحة البدن لأعدائه في عمرة القضاء, لما تقتضيه صحة الأجسام من حفظ المجتمع والدفاع عنه, فأمر أصحابه أن يضطبعوا ويرملوا (١) إظهارا لصحة أجسامهم لأن قريشا ظنت أن المسملين قد أصابتهم الأمراض في المدينة فضعفوا (٢).
ومن أعظم ما يحفظ هذه الصحة الطعام الطيب الذي أباحه الله لعباده.
стр. 299
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة
امتن الله تعالى على عباده بأن جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متفرقين, وقد جاء الإسلام لحفظ هذه الرابطة العظيمة وهي الأخوة الإسلامية وتقوية سبلها ووسائلها بين المؤمنين, وسد كل طريق يقطع هذه العلاقة أو يؤثر فيها لما يحصل جراء ذلك من التفرق والعداءات.
ومن جملة ما حرمه الله تعالى لما يسببه من عداوة وخصومة بين المؤمنين, شرب الخمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
فذكر تعالى أنها توقع الخصومة بين المتحابين, وذلك أن أغلب اجتماع الناس يكون بقصد التآنس والمودة فإذا شربوا الخمر وزالت عقولهم حصل لهم عكس ما أرادوا من التباغض والعداء فيما بينهم وهذا غاية ما يريده الشيطان وهو التفريق بين الأخ وأخيه, وهذا ما حصل لقبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا. حتى إذا ثملوا، آذى بعضهم بعضا, فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان!
والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا. حتى وقعت في قلوبهم ضغائن (١) - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن-
فهذه العداوة تجعل الإخْوة لا يجتمعون لنصرة دين أو عمل خير بل يصبح أمرهم بينهم شتاتا مفرقا, فلا خير في شراب يفرق بين الإخوة والأحباب.
• ولما كان إطعام الطعام الطيب يزيد المحبة وتحصل به المواساة فقد جاءت الشريعة بالحث عليه.
وفي قوله تعالى في قصة موسى والخضر: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧].
стр. 300
إشارة إلى هذا المعنى, فقد كانت الضيافة شائعة من عهد إبراهيم ﵇ ومن المواساة المتبعة عند الناس وخصوصا عند الحاجة لذلك, ومع ذلك فقد طلب موسى والخضر الضيافة ورفضا, فدل على لؤم تلك القرية, ولذلك أنكر موسى ﵇ صنيع الخضر وإقامته الجدار دون مقابل في قوم لا يستحقون الإكرام (١).
ولو قام أهل القرية بالإطعام وحق الضيافة لحصلت المواساة والمودة ولما أنكر موسى ﵊ هذا الصنيع من الخضر.
وقد جاء التصريح في السنة النبوية بإطعام الطعام والاجتماع عليه فعن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إننا نأكل ولا نشبع, قال:
(فلعلكم تفترقون؟) قالوا: نعم قال: (فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) (٢).
فيؤخذ من هذا الحديث فضيلة الاجتماع على الطعام وأن لا يأكل المرء وحده وأن المواساة إذا حصلت, حصلت النعمة معها والبركة فتعم الحاضرين.
ومن فوائد الاجتماع على الطعام ما يحصل من ائتلاف القلوب وكثرة الرزق وامتثال أمر الشارع لأنه تعالى أمرنا بإقامة الدين وعدم التفرق فيه ولا يستقيم ذلك إلا بائتلاف القلوب ومن أعظم ما يسبب التآلف الاجتماع على الطعام وشر الناس من أكل وحده (٣)
وإذا تأمل المتأمل كيف جعل الله الطعام والشراب مما يزرع الألفة والمحبة علِم عظمة الدين الإسلامي حيث دعا إلى التآخي في العبادات والمعاملات, وأن الأمة بحاجة إلى الاجتماع والتآلف حتى تستقيم لهم أمور دينهم ودنياهم.
стр. 301
الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة .
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات
الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث.
الفصل الثالث: التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح
الفصل الرابع: التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة
стр. 302
الفصل الأول التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عنه.
المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم.
стр. 303
المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه
إن من تيسير الله تعالى على جميع خلقه أن أنزل لهم رحمته, فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن لله مائة رحمة, أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام, فبها يتعاطفون, وبها يتراحمون, وبها تعطف الوحش على ولدها, وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) (١).
فبهذه الرحمة يحصل من التيسير على العباد فيما بينهم خير كثير, وهذا من تيسير الله لعباده.
ومن مظاهر هذا التيسير الرفق بالمدين والتخفيف عنه.
فلقد كان من المظاهر المنتشرة لدى العرب في الجاهلية التعامل بالربا في المداينات, وقد كان فيه من المشقة والعنت على المدين ما يثقل كاهله ويوقعه في الحرج إضافة إلى ما في ذلك من الظلم والبغي فقد كان الدائن إذا أراد أن يستوفي حقه من المدين يقول له: (إما أن تقضي وإما أن تربي) , فلما حرم الله هذه العادة الظالمة الشاقة التي تضطر المدين إلى أضيق السبل ندب إلى السبيل القويم, الذي يحصل به التفريج عن المعسر, ولا يضيع حق الدائن مع الفضل العظيم والأجر من عند الله (٢) , فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فأرشد العباد إلى إنظار الغرماء ممن لا يقدر على رد رأس المال بعد بطلان الربا, أو أيِّ غريم مدين حتى يوسر (٣).
وهذا من حكمة الله تعالى في تيسيره على عباده, ليرحم الغني الفقير, وينظِر الدائن المدين.
стр. 304
ولما كان هذا التيسير من شرع الله وأمره فقد علّق عليه الأجر العظيم وجعل الجزاء من جنس العمل, فوعده بأن ييسر له أمره في الدنيا والآخرة, وقد أخبر بذلك رسوله ﷺ فقال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ... ) الحديث (١).
فلما كان الإعسار من أعظم كرب الدنيا لم يجعل جزاء الميسِّر خاصا بتيسير الحساب عليه في الآخره, بل جعله عاما في الدنيا والآخرة (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) (٣) ,ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي (٤)
وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت (٥) قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبا اليسر (٦) صاحب رسول الله ﷺ ومعه غلام له معه ضمامة من صحف وعلى أبي اليسر بردة ومعافري وعلى غلامه بردة ومعافري فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب, قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحراميّ (٧) مال فأتيت أهله فسلمت فقلت أثم هو؟
стр. 305
قالوا: لا فخرج عَلَيَّ ابن له جفر (١) فقلت له أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي فقلت اخرج إلي فقد علمت أين أنت فخرج فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأن أعدك فأخلفك وكنت صاحب رسول الله ﷺ وكنت والله معسرا, قال: قلت آلله, قال: الله قلت: آلله قال: الله قلت: آلله قال: الله قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده فقال إن وجدت قضاء فاقضني وإلا أنت في حل فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله ﷺ وهو يقول: (من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله) (٢).
فتأمل حال المدين في هذه القصة وما ركبه من الهم, خوف ألا يراه الدائن, لأنه لايستطيع الأداء, وحال أبي اليسر ﵁ قبل أن يعرف عذر المدين, وبعد أن استبصر حاله وعرف عذره.
إن هذا الحديث لمن أدل الدلائل على ما في إنظار المعسر من رفع الحرج عنه, وتخفيف ما يجد من مخافة الكذب أو خلف الوعد.
وفي الآية كذلك ترغيب لأصحاب المال وزيادة فضل لهم بترغيبهم في التجاوز عن المدين إذا رغبوا في ذلك, فهو خير لهم وأفضل عند الله.
وكما أمر الله الدائن بإنظار المعسر لما فيه من التيسير والتخفيف عنه, فقد حذر النبي ﷺ من مطل الغني, حتى لا يتخذها من ضعفت نفسه ذريعة في المماطلة وتأخير الأداء, وفي ذلك مشقة على الدائن أن يرى مدينه وقد أغناه الله ولا يريد أداء ما عليه.
فعن أبي هريرة ﵁, أن رسول الله ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) (٣).
وبهذا يعلم أن التيسير بين العباد هو من التيسير الذي رضيه الله لعباده وأمر به.
стр. 306
ومن مظاهر التيسير التي بيَّنها الله تعالى وهي مندرجة تحت هذه الصورة:
• شهادة المرأتين مع الرجل في كتابة الدين, وذلك في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] , فأمر تعالى بإشهاد رجلين على الدَّين وذلك أدعى في عدم تأثرهما بخوف أو نحوه, فإذا تطلب الدائن رجلين ولم يحصل له توفرهما فقد رخص الله تعالى أن يشهد رجل وتشهد معه امرأتان وعلل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ إشارة إلى نقص الضبط وأن باجتماعهن يحصل التذكير, وهذا من التيسير في الشريعة الإسلامية (١).
• مشروعية الرهن بدل الكتابة:
كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]
كثير من الناس من يحصل له أمر فيحتاج فيه إلى من يقرضه وقد لا يجد, فقد يضطره ذلك إلى بيع شيء عنده ليحصل على ما يريد, وبهذا يخرج المبيع من ملكه ولا أمل له في إرجاعه.
ولذلك فقد رخص الله لعباده الرهن وبهذا يضمن المرتهن حقه الذي أخذ منه حتى يرجع إليه, ويبقى لصاحب الرهن أمل في استرداد حاجته إذا وفّى ما عليه (٢).
وهذا من تيسير الله تعالى على العباد بما يناسب أحوالهم وحوائجهم مع اختلاف طباعهم وأخلاقهم.
стр. 307
المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم
يسر الله تعالى لعباده ما هو من مصالحهم وحاجاتهم, ومن مظاهر هذا التيسير: التيسير في المعاملات المالية, ويتضح ذلك في الصور التالية:
• المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم .
وقد جاء ذلك في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى في آيات الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨] , وقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]
فجعل الله تعالى الشريعة الإسلامية شريعة سمحة سهلة, ولو شاء لأمر خلقه بالانقطاع لعبادته فهو خالقهم ومالكهم, لكن من فضل الله على هذه الأمة ورفع الحرج عنهم أن أباح لهم حاجاتهم من المعاملات وسهل لهم سبلها, للقيام بوظائفهم المتعلقة بهم وبأهليهم وأولادهم, تيسيرا لهم وتحبيبا في هذا الدين, إذ لو كان الأمر كما ذكر من الانقطاع للعبادة دون سائر الوظائف لأدى ذلك إلى كراهة التكليف.
ومما يدخل في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ .. ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]
فقد خفف الله تعالى على عباده فرض قيام الليل رفعا للحرج وتيسيرا لهم لما علمه جل وعلا أنه سيكون من عباده المريض أو المسافر للتجارة وطلب المعاش أو المجاهد في سبيل الله.
стр. 308
وهذا مظهر من مظاهر التيسير ورفع الحرج على الأمة أن أباح لها التكسب وغيره من الحاجيات خوفا من الملل و الانقطاع عن العبادة, وللقيام بما يصلح أمور المعاش للعباد (١).
• المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة .
فمن صور التيسير ورفع الحرج أن أباح الله تعالى من البيوع ما فيه نفع للعباد وحرم عليهم ما فيه ضرر عليهم فللناس أن يبيعوا كيف شاؤوا بسائر أنواع المعاملات ما لم يرد فيها نهي أو تضمنت شروطا ليست من الكتاب أو السنة (٢).
وفي ذلك يقول ابن تيمية: (و العادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩] و لهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله .... ) ثم قال:
(وهذه قاعدة عظيمة نافعة و إذا كان كذلك فنقول البيع و الهبة و الإجارة و غيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم كالأكل و الشرب و اللباس فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد و أوجبت ما لابد منه و كرهت ما لا ينبغي و استحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات و مقاديرها و صفاتها, و إذا كان كذلك فالناس يتبايعون و يستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة كما يأكلون و يشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها و ما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي) (٣).
وبهذه القاعدة تتبين مظاهر التيسير ورفع الحرج على الأمة في تعاملاتها من بيع وشراء ومداينات ونحوها فكل هذه المعاملات ما وضعت إلا تيسيرا على الأمة.
стр. 309
وإن من العجب أن يتطلب الناس بعد ذلك بيوعا محرمة وعقودا فاسدة متذرعين بقاعدة التيسير في الشريعة! وهذا من الجهل والخطأ, فمهما ظنوا أن هذه المعاملات فيها تيسير لهم فهي في حقيقتها جالبة للمشقة والحرج. فاليسر كله في اتباع الشريعة, والمشقة والعنت في الإعراض عنها.
• المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم .
إن من تيسير الله لهذه الأمة أن نوع بين عباده طرق كسبهم وأسباب عيشهم, ولو كان الناس كلهم متجهين لنوع واحد من أنواع الكسب, وطريقة واحدة من طرق المعاش لحصلت المشقة بين الناس ولفسد الكون, فقد جعل الله تعالى الخلق بعضه محتاجا إلى بعض فهذا بائع وذلك مشتري, وذاك أجير والآخر مستأجر, وآخر يضارب بماله وصاحبه يبذل وقته وجهده ليتاجر له بالمال.
وقد بين الله تعالى هذه الحكمة العظيمة في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢] ولولا تسخير الناس بعضهم لبعض لتعسرت أمور الناس وأحوالهم, ولما اختار الناس من الأعمال إلا أرفعها ولكنه تعالى قسم معايشهم بحكمته فإما راض بصنعته لا يبغي غيرها, وإما كاره لها لكنه يكابد فيها لا يجد لها بدلا (١)
وهذا من تيسير الله لعباده في تسخير بعضهم لبعض.
стр. 310
• المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة .
فالتوبة مظهر من مظاهر رفع الحرج عن المذنب بأن يجعل له مخرجا مما عليه من الإثم (١) وهي من أهم قواعد الإسلام (٢).
وقد أمر الله متعاطي الربا بالتوبة رحمة به, ورفعا لما فيه من الإثم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨, ٢٧٩].
فتوبة الله على المرابي صورة من صور رفع الحرج, وذلك أن المرابي إذا أراد الإقلاع عما كان عليه وبقيت ذنوبه دون أن تمحى لبقي في نفسه ألم شديد, ولربما تمادى فيما كان عليه من المعاملات المحرمة, وفي هذا من المشقة والحرج ما يؤدي إلى القنوط من رحمة الله (٣) ولكن الله خفف على هذه الأمة ورضي منها بالتوبة اصطفاءً لها كما قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
لكن .. لابد أن تكون هذه التوبة بشروطها المعتبرة حتى تكون رافعة للحرج.
وبهذه الصور تتجلى عظمة هذا الدين بالتيسير على العباد ورفع الجناح والحرج عنهم, فلا مجال فيه للمشقة أو التعسير كما قال ﷺ : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ... ) (٤) الحديث.
стр. 311
الفصل الثاني التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث
стр. 312
الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث
من رحمة الله تعالى أن جاءت جميع شرائع الدين مبنية على التيسير والتخفيف فما من حكم من الأحكام إلا ويحمل تخفيفا للعباد وتيسيرا عليهم.
وأحكام المواريث وما ورد فيها من آيات من جملة أحكام الشريعة السمحة التي جاءت بالتيسير وللتيسير.
بل إن هذه الأحكام وصى الله بها, فدلت على رحمة الله بعباده وأنه أرحم بعباده منهم وهذه الرحمة تقتضي التيسير والتخفيف على العباد (١) , ثم بين الله تعالى في هذه السورة أيضا أنه يريد بهذه الأحكام التخفيف على عباده فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨] فالإنسان ضعيف لا يتحمل المشاق, ولا يدرك ما يصلحه إلا بنور الوحي, ولذلك فكل ما ورد من أول سورة النساء من أحكام على وجه الخصوص وغيرها على وجه العموم تخفيف من الله تعالى لعباده (٢).
وفي هذا الفصل بإذن الله سأعرض إلى صور ومظاهر هذا التيسير:
стр. 313
• المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ (١):
فقد وردت آيات المواريث ممهدة وموطئة لما يليها من الأحكام ولم تأت مباشرة بتقسيم الفروض, فقد أصبح من المسلّمات لدى العرب في الجاهلية أن المرأة لا حق لها من الميراث وقضوا على ذلك العقود بعد العقود, فإذا جاء تشريع المواريث مبينا الأحكام التفصيلية ومقدار ما يستحقه كل من الذكر والأنثى, سيشق ذلك على الناس وقد لا تقبله النفوس مباشرة.
فكان من الحكمة أن تأتي آية تشريع المواريث ممهدة لبيان الأحكام التفصيلية, لتهيِّئ النفوس لقبول حكم الله والإذعان له (٢).
فقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
إجمال لما سيتبع من البيان, وإبطال لما قد كان.
وكان التمهيد في هذه الآية بقاعدتين أساسيتين هما كالمدخل لبقية الأحكام:
الأولى: إثبات حق المرأة في الميراث, لا كما يفعله أهل الجاهلية.
الثاني: أن نصيب كل من الرجل أو المرأة محدد معيّن لامجال فيه للآراء أو العادات. (٣)
فإن سلمت هاتان القاعدتان واطمئنت النفس إليها, أذعنت واستشرفت لبيان هذه الأحكام لتطبيقها والعمل بها.
وفي هذا من تثبيت القلب وتخفيف التكليف الذي يخالف عادة الجاهلية ما يرفع الحرج ويزيل المشقة, ولذلك فقد كان القرآن الكريم ينزل مفرقا على النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢] وجعله الله تعالى مفرقا ليقرأه نبيه ﷺ على مكث فقال:
стр. 314
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
وهذا التيسير في أسلوب تبليغ الحكم من رحمة الله وإرادته الخير لعباده حتى يذعنوا ويطيعوا, فهو سبحانه لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين, وما هذا التيسير إلا من اصطفاء الله واختياره لهذه الأمة.
• المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت .
من فضل الله تعالى وتخفيفه على الناس أن شرع للميت أن يوصي لغير الوارثين
والوصية في حقيقتها تمليك لمال بعد الموت والقاعدة في التمليك أنه لا يصح تمليك مضاف إلى حال زوال الملك, ولكن الله شرعها وأباحها لحاجة الناس وذلك: أن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله ليتحقق ما كان يرجوه في هذه الحال، ولو اتسع الوقت وأحوجه إلى الانتفاع بالمال صرفه إلى حاجته في حياته, فشرعها الشارع تمكينا منه جل وعلا من العمل الصالح وقضاء لحاجته عند احتياجه إلى تحصيل المصالح (١).
فهذا تيسير من الله تعالى للعباد في حال الحياة وفي حال الموت.
• المطلب الثالث: النهي عن الضرر .
فالنهي عن الضرر من مظاهر رفع الحرج (٢) , وقد ورد في آيات المواريث النهي عن الضرر في الوصية, فإن الله تعالى لما بين ما للورثة من حق وما للموصَى لهم من حق ختم الآية بالنهي عن الضرر فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. أي: لا يدخل الضرر على الورثة بالوصية التي يوصي بها الميت, وذلك أنه لما كان الموصى لهم والورثة شركاء فيما بقي من التركة بعد أداء الدّين نهى الله عما يضر الورثة في مال مورثهم لما يلحقهم من المشقة والحرج.
стр. 315
وقد بيّن ابن عباس ﵄ أن الإضرار في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب (١).
وقد حدد النبي ﷺ مقدار الضرر الذي تحصل به المشقة وأن ذلك يكون بالزيادة على ثلث المال, وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال (الثلث والثلث كثير أو كبير) (٢).
وعلى هذا: إن كان الورثة أغنياء استحب أن يوصى بالثلث تبرعا وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث (٣).
فإذا زاد الوصي على الثلث فقد أضر بورثته, ولذا فإنه يجوز لهم تعديلها إلى الثلث, وقد سمى الله ﵎ هذا إصلاحا, حفظا لحقوق الورثة فقال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢].
فعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا أخطأ الميت في وصيته أو خاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب). (٤)
ومن الضرر المنافي للتيسير كتمان الوصية وتبديلها, فقد حكم الله على من فعل ذلك بالإثم فقال: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١] ويدخل في ذلك التحريف والتبديل والكتمان (٥).
والإثم مناف لما أراده الله لهذه الأمة من وضع الإصر عنهم والتخفيف عليهم.
ومن الضرر الذي يُلحق العنت بالورثة أن يخص الميت بعض الورثة بزيادة على فرضه الذى فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه.
стр. 316
ففي كل هذه الحالات يحصل الضرر الجالب للمشقة, وقد نهى النبي ﷺ عن جميع صور الضرر فقال: (لا ضرر ولا ضرار) (١).
فهذه الصور تبين ما اشتملت عليه آيات المواريث من التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم, وهذا من فضل الله ﵎ على هذه الأمة.
стр. 317
الفصل الثالث التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تيسير أمر النكاح.
المبحث الثاني:. التيسير في إباحة الطلاق.
المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية.
стр. 318
المبحث الأول: تيسير أمر النكاح
النكاح من الأحكام الشرعية التي تتجلى فيها مظاهر اليسر والتخفيف, كيف لا وهو سنة نبينا محمد ﷺ الذي أرسل ليضع عن الأمة إصرها.
لقد كان نكاح الجاهلية لا يخلوا من هذه الآصار مما تستقبحه العقول والنفوس, فلا فرق لديهم بين نكاح البغايا والزنا وبين النكاح الذي تعارف عليه الناس عن طريق الخطبة والصداق ثم النكاح.
فجاء الإسلام بتحريم تلك الأنكحة التي لا تخلوا من حرج وإثم وأحل النكاح المنضبط الذي لا حرج به وترضاه النفوس الطاهرة والعقول السليمة, وأصبح هذا النكاح لا يلحق بصاحبه العار, بل إنه من صفات المؤمنين الذين وصفهم به جل وعلا فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] , بل زاده النبي ﷺ شرفا, حين قال: (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة) (١). فمحبة الزوجة تحصل بها لذة البدن وحفظ صحته مع المؤانسة وبقاء النسل وقد كان ذلك محببا للنبي ﷺ (٢).
ولما كان النكاح مشتملا على مصالح عظيمة للفرد والمجتمع فقد جاء القرآن داعيا إلى تيسير أمر النكاح, وجاءت أحكامه مشتملة على التيسير بين الزوجين.
ويظهر لنا ذلك من خلال عدة أمور:
стр. 319
• المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح .
فقد أمر الله عباده المؤمنين بإنكاح من يحتاج الزواج من الرجال والنساء وأهل الصلاح من العبيد والإماء فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢] , فأرشد الله في هذه الآية الكريمة الأولياء إلى أن الفقر ليس مانعا من النكاح فالله سبحانه هو المتكفل بأن يغنيهم من فضله وهذه الآية تدعو الأولياء إلى تيسير مؤونة النكاح على راغبي الزواج, حتى يُعِفوا أنفسهم.
ومن تيسير مؤن النكاح عدم المغالاة في المهور, خاصة إذا أصبح الصداق عائقا عن النكاح فإن الله تعالى لما أوجب الصداق كحق واجب للمرأة في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ختم الآية بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]
وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] , أي: إذا أعطت المرأة زوجها شيئا من هذا المال بعد فرضه وتسميته لزوجها فلا حرج في أن يأكله حلالا طيبا, فلا بأس فيما يتراضى عليه الزوجان في ذلك, ولا شك أن في ذلك من التيسير على الزوجين ما تطيب به النفس ويحصل به النفع.
كما أن غلاء المهور يعتبر عقبة كؤود في وجوه كثير من الشباب الذي لا يستطيع القيام بتوفير الصداق, كما أنه لا يؤدي إلى البركة في النكاح, وقد بين عمر الفاروق ﵁ ذلك بقوله: (ألا لا تغالوا بصُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية وإن الرجل ليبتلى بصدُقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علَقَ القِرْبة ... ) (١).
стр. 320
• المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة .
أخبر الله جل وعلا عن ضعف الإنسان ومن مظاهر هذا الضعف الميل إلى النساء وعدم الصبر عنهن, فإن الرجل قد يخشى العنت على نفسه أن يقع في الفاحشة, وهو مع ذلك لا قدرة له على نكاح الحرة لعدم استطاعته, فمن رحمة الله وتخفيفه على عباده أن رفع الحرج عنهم في هذه الحال إلى نكاح الأمة المؤمنة, وإن حصل بذلك رق الولد إلا أن العفة التي تحصل بزواجه بالأمة أعظم, وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده أن شرّع لهم ما يبعدهم عن الفواحش وما يخفف عنهم ما يجدونه من الحرج في نكاح الإماء ولذا ختم الله الآيات بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨]. (١)
• المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها .
لما أمر الله تعالى من توفي عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا, ونهاها خلال ذلك عن التطيب أو النكاح حتى تنقضي العدة, وفي هذه الفترة قد تتوق الأنفس إلى التزوج وذكر النساء, فقد رفع الله تعالى الجناح عن تعريض الرجال للمرأة بالخطبة.
وكما في هذا الأمر من التيسير على الرجال ففيه من التخفيف على المعتدة من جبر خاطر المرأة وإيناسها بالتعريض لها بذلك ولذلك فقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥] , فمن رحمة الله جل وعلا العليم بما في النفوس خفف على العباد بما يزيل ما في أنفسهم من الحرج (٢).