وربض يحيط بها سور، وأسواقها مفروشة بالآجرّ، ولهم شرب يجري من الصغانيان لأن جيحون يستقل عن شرب قراهم".
مولده:
كثير ممن كتب عن حياة الترمذي وتناول ترجمته من السابقين لم يتعرض لذكر تاريخ ولادته وأقدم من رأيته اعتنى بذلك هو ابن الأثير (٥٤٤-٦٠٦?) في "جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ، فصرّح أنه ولد سنة تسع ومئتين (٢٠٩?) وقد قال أحمد شاكر:
"ولد سنة ٢٠٩ ولم أجد من نصّ على ذلك صريحاً إلا ما كتبه العلامة الشيخ محمد عابد السندي بخطه على نسخته من كتاب الترمذي ... ولعله نقل ذلك استنباطاً من كلام غيره من المتقدمين أو من كتاب آخر لم يصل إلي، وقد صرّح بذلك أيضاً جسوس١ في "شرحه على الشمائل" وشأنه شأن سابقه". ا?.
ثم ذكر من كلام الذهبي في "ميزان الاعتدال" ومن كلام غيره من
стр. 107
المتأخرين ما يستنبط منه أنه ولد سنة تسع ومئتين، وبعد أن أورد كلام صلاح الدين الصفدي الآتي ختم بهذه الخاتمة وهي قوله: "فالله أعلم بصحة ذلك".
وقد قمت باستعراض ما ساقه في صدر ترجمة الترمذي من مصادر ترجمته فلم أر فيها: "جامع الأصول" فلعله فاته الاطلاع فيه.
واستناداً إلى قول الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "ولد في حدود سنة عشر ومئتين" وقول صلاح الدين الصفدي في "نكت الهميان في نكت العميان": "ولد سنة بضع ومئتين" قال الدكتور نور الدين عتر:
"لم يبين لنا المؤرخون سنة ولادته وإنما أرخوها بالعقد الأول من القرن الثالث".
ويبدو أنه فاته أيضاً ما نصّ عليه ابن الأثير من سنة ولادته، وإلا لأشار إليه واعتمده بجانب ما استنبطه من كلام الذهبي في "ميزان الاعتدال" على أنه ولد سنة تسع ومئتين حيث قال:
"والذي يظهر لنا أنه ولد سنة تسع ومئتين كما ذكره بعض المتأخرين؛ لأن الأكثرين اتفقوا على أنه توفي سنة تسع وسبعين ومئتين، وقد قال الحافظ الذهبي "أنه كان من أبناء السبعين"، ولعلهم استنبطوا ذلك من كلام الذهبي على نحو استدلالنا" ا?.
والعجيب أن بعض المعاصرين١ اعتمد ما ذكره ابن الديبع الشيباني في
стр. 108
مقدمة تيسير الوصول إلى جامع الأصول "أن ولادته كانت سنة مئتين ٢٠٠?".
وابن الديبع الذي خالف سلفه ابن الأثير في ذلك وخالف ما دل عليه كلام الذهبي وغيره مما تقدّم لم يذكر لنا مستنده في ذلك ولم أعرف مأخذه فيه.
على أن هناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن هذا التصريح من ابن الأثير جاء في طبعتي جامع الأصول القديمة والجديدة بين قوسين مربعين، وقد أورث هذا الشك عندي هل ذلك التصريح هو من ابن الأثير أو من غيره؟ لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار قول ابن الديبع الشيباني من أنه ولد سنة ٢٠٠?، وهو من اختصر جامع الأصول في تيسير الوصول، فيبعد –في نظري- أن يتصرف في كلام ابن الأثير بالتغيير والتبديل والتحريف.
هذا والذي يترجح لي بعد ذلك في ولادته ما ذكر استنباطاً من قول الذهبي والله أعلم.
صفاته الخَلْقيّة:
نعت الترمذي بالضرير وذلك لأنه اعتل في آخر عمره بذهاب بصره، وقد قيل أنه ولد أكمه وممن نقل هذا الذهبي، وابن كثير، وابن حجر، وهو خلاف ما اعتمدوه من أنه ولد مبصراً ثم عمي في آخر عمره.
стр. 109
قال الذهبي في كتابه "العبر في خبر رمن غبر": "وكان ضريراً فقيل: أنه ولد أكمه".
وقال ابن كثير: "قلت: الذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بعد أن رحل وسمع وكتب وذاكر وناظر وصنف ... ".
وأما ابن حجر فإنه استدل على أنه ولد مبصراً بالأتي وهو ما اعتبره يرد على من زعم أنه ولد أكمه:
بما نقله في "تهذيب التهذيب" عن يوسف بن أحمد البغدادي الحافظ قال: "أضرّ أبو عيسى في آخر عمره".
بما حكى الترمذي عن نفسه مع الشيخ الذي اختبر حفظه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال المباركفوري: قلت: ويرده أيضاً (يعني القول بأنه ولد أكمه) ما قال الحاكم١ عن عمر بن علك٢: "بكى حتى عمي، وبقي ضريراً سنين".
стр. 110
وقال أحمد شاكر: "وقد قيل: أنه ولد أكمه، وهذا خطأ يرده ما عرف من ترجمته".
نشأته وطلبه للعلم ورحلته:
ما اطلعت عليه من مصادر ترجمة الإمام الترمذي لا تتحدث عن نشأته وعن بدء تلقيه للعلم وتاريخ رحلته فيه، كما أنها لا تذكر شيئاً عن حال أسرته، إلا أنه لا يخالجنا شك أنه نشأ في بيئة ومحيط يعنى بالحديث النبوي عناية فائقة.
وقد صرّح الدكتور نور الدين عتر بأن الذي يدل عليه الاستقراء أن الترمذي بدأ طلبه للعلم ورحلته في وقت متأخر أي حوالي سنة خمس وثلاثين ومئتين وقد جاوز العشرين من عمره.
هذا وقد بقي في الرحلة متغرباً عن بلاده سنين، حيث رجع إليها بعد ذلك قال الدكتور العتر: "ويظهر لنا أنه عاد إلى بلاده خراسان قبل الخمسين ومئتين".
والذي دعا الدكتور العتر إلى هذا القول –كما يبدو- هو ما ذكرته
стр. 111
بعض المصادر من أن الترمذي التقى بشيخه البخاري سنة خمسين ومئتين في نيسابور.
وقد رحل أبو عيسى الترمذي إلى العراق والحجاز للحديث، وعبّ من معينه بعد أن تنقل في بلاده خراسان يتلقى عن علمائها. قال الشيخ أحمد شاكر: "ولكني لا أظنه دخل بغداد إذ لو دخلها لسمع من سيد المحدثين الإمام أحمد بن محمد بن حنبل١، ولترجم له الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد" ا?.
وثمة حواضر علم أخرى عظيمة ومزدهرة في ذلك العصر كمصر والشام لم يدخلها أبو عيسى أيضاً، ولا نعلم سبباً لذلك.
هذا ويوجد مؤشر يفهم منه أن الإمام الترمذي قام بجولة أخرى في الأقطار وقد طعن في السن وذلك بعد أن ألّف كتابه العظيم "الجامع" حيث تمكن من عرضه على علماء تلك الأقطار فاستحسنوه ورضوا به. نقل عنه أنه قال: "صنفت هذا الكتاب –يعني الجامع- فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلّم" وفي رواية "ينطق".
стр. 112
فإذا علمنا أن الإمام الترمذي ولد سنة تسع ومئتين وتوفي سنة تسع وسبعين ومئتين، ونقل ابن حجر عنه أنه أتم كتابه هذا "في يوم الأضحى من سنة سبعين ومئتين"، تبيّن لنا وقت قيامه بعرض كتابه على أولئك العلماء وأنه في آخر حياته.
شيوخه:
إن من مظاهر حرص الترمذي وجِدِّه ودأبه في طلب الحديث توسعه في تلقيه على عدد كبير من المحدثين، حتى قال ابن الأثير في "جامع الأصول": "وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة".
وكما علمنا سابقاً فهو لم يقف في طلبه للحديث وتحصيله له عند حدود وطنه، بل تجول في الآفاق يطلب الحديث من منابعه الصافية فسار إلى بلدان أخرى نائية، والتقى بعلمائها وأشياخ الحديث فيها فنهل من مواردهم وتزود على أيديهم.
قال المزي في "تهذيب الكمال": "طاف البلاد، وسمع خلقاً من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم. وقد سميناهم في مواضعهم من كتابنا هذا".
وأسهل وأقرب من كتاب المزي هذا في الوقوف على مشايخ الترمذي والتعرف عليهم هو "جامع الترمذي" الذي لا يخفى تداوله بين الناس، فهو سجل حافل بشيوخ الترمذي الذين روى عنهم، وكذا كتاب "الشمائل المحمّديّة" له، وهو متداول أيضاً،
стр. 113
ومشتمل على عدد من مشايخه.
وقد ساق المترجمون له كالسمعاني في "الأنساب"، والذهبي في "تذكرة الحفاظ"، وصلاح الدين الصفدي في كتاب "الوافي بالوفيات" طائفة من أسماء شيوخه الأجلاء.
اجتزئ هنا بسرد جماعة منهم يعدون من أقدم شيوخه الذين أدركهم، وسمع منهم، وروى عنهم في كتابه "الجامع" وهم:
محمّد بن عمرو السواق البلخي١.
إسحاق بن راهويه٢.
محمود بن غيلان٣.
قتيبة بن سعيد الثقفي أبو رجاء٤.
стр. 114
سويد بن نصر بن سويد المروزي١.
محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزي٢.
أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني٣.
عبد الله بن معاوية الجمحي٤.
علي بن حجر المروزي٥.
стр. 115
إسماعيل بن موسى الفزاري السدي١.
وابن كثير في ترجمة الترمذي من "البداية والنهاية" لم يذكر أحداً من شيوخه واكتفى بالإحالة على كتابه "التكميل" بقوله: "وقد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل".
والترمذي مع أنه تلميذ البخاري أخذ عنه واستفاد منه فإنه شارك البخاري في الأخذ عن كثير من شيوخه منهم طائفة اشترك الأئمة الستة كلهم في الرواية عنهم يبلغون تسعة وهم:
عباس بن عبد العظيم العنبري٢.
أبو حفص عمرو بن علي الفلاس٣.
стр. 116
نصر بن علي الجهضمي١.
محمد بن بشار بندار٢.
محمد بن المثنى أبو موسى٣.
يعقوب بن إبراهيم الدورقي٤.
زياد بن يحيى الحسّاني٥.
محمد بن معمر القيسي البحراني٦.
أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندي٧.
стр. 117
وسمع الترمذي من الإمام مسلم وقد حدّث عنه في "جامعه" بحديث واحد فقط هو حديث أبي هريرة ﵁: "أحصوا هلال شعبان لرمضان".
أخرجه في كتاب الصيام باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان فقال١: حدّثنا مسلم بن حجاج حدّثنا يحيى حدّثنا أبو معاوية عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... الحديث.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي٢":"لم يرو المصنف في كتابه شيئاً عن مسلم صاحب الصحيح إلا هذا الحديث، وهو من رواية الأقران؛ فإنهما اشتركا في كثير من شيوخهما".
وقال المزي في "تذيب الكمال"٣ بعد أن أورده في ترجمة مسلم: "ما له في جامع الترمذي غيره".
وقال ابن كثير في ترجمة مسلم من البداية والنهاية٤:"وروى عنه جماعة كثيرون منهم الترمذي في جامعه حديثاً واحداً ... ثم ذكره".
стр. 118
وقد أشار إليه الذهبي في "تذكرة الحفاظ"١ فقال في ترجمة مسلم: "روى عنه الترمذي حديثاً واحداً".
هذا ولقي الترمذي الإمام أبا داود صاحب "السنن" وسمع منه وروى عنه في "جامعه"٢.
صلة الترمذي بالبخاري:
الترمذي –وقد لقي الصدر الأول من المشايخ وأخذ عن الحفاظ الكبار- اشتهر بأنه تلميذ أبي عبد الله البخاري وخريجه. وهذا واضح لمن تصفح سيرة كل منهما.
قال ابن خلكان: "وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه".
قال ابن العماد: "الإمام الترمذي تلميذ أبي عبد الله البخاري ومشاركه فيما يرويه في عدة من مشايخه".
ولا غرو أن يكون البخاري أبرز شيوخ الترمذي، وأعظم مربيه، وأقواهم تأثيراً فيه، فهو علم الأعلام وأمير المؤمنين في الحديث، ومن أجمعت الأمة على إمامته وجلا لته.
فحسب الترمذي فخراً وشرفاً أن يكون تلميذ البخاري وخريجه،
стр. 119
لقد وجد الترمذي بغيته في البخاري، فالترمذي قد طوّف البلدان في سبيل العلم ومن أجل الحديث فلم يجد أقوى علماً وأرسخ فهماً من شيخه البخاري في علم الحديث وعلله.
وها هو الترمذي يشهد له بالفضل ويعترف له بالقدر فيصرح بتفوقه في العلم وتقدمه على سائر أئمة عصره فيقول: "لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثيراً أحدّ علم من محمد بن إسماعيل".
وهذا يفسر لنا سر اعتماد الترمذي على البخاري في "جامعه" فيما أورده فيه من هذه العلوم الحديثيّة المهمة والدقيقة، ولقد نبه الترمذي على ذلك، فذكر في كتاب العلل الصغير الذي في آخر كتاب الجامع في معرض بيانه عن مرجعه في علوم الصنعة بأن أكثر ما دوّنه في "الجامع" من علل الحديث، والكلام في الرجال، والتاريخ هو مما ناظر به البخاري، وبعضه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري، وبعضه ناظر به الدارمي وأبا زرعة، ثم توّج كلامه بتلك العبارة التقديرية العظيمة كالبينة لهذا الاعتماد.
قال الترمذي: "وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد ابن إسماعيل.
стр. 120
ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن١، وأبا زرعة٢، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة.
ولم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثيراً أحدّ علم من محمد بن إسماعيل ﵀".
قال ابن رجب شارح العلل٣: "وقد ذكر الترمذي ﵀ أنه لم ير بخراسان ولا بالعراق في معنى هذه العلوم كثيراً أحدّ علم بها من البخاري مع أنه رأى أبا زرعة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وذاكرهما، ولكن أكثر علمه مستفاد من البخاري، وكلامه كالصريح في تفضيل البخاري في هذا العلم على أبي زرعة والدارمي وغيرهما".
وتتضح قيمة هذا التفضيل في كونه جاء نتيجة فكر وروية ومراس وتجربة، ولم يأت جزافاً وعن عاطفة؛ فالترمذي قد دار على الشيوخ وخبرهم وعرفهم وأدرك الفرق بينهم، كما أنه في حكمه ذلك لم يصدر عن جهل وقلة دربة ومعرفة في معنى هذه العلوم التي فضل بها شيخه على غيره من أساطين العلم، بدليل أنه شارك وتصدّى بالتأليف فيها فألف كتابين في علل الحديث: أحدهما: "العلل الصغير" والآخر "العلل الكبير"
стр. 121
كما أن له كتاب التاريخ، وأظنه في تاريخ الرجال وجرحهم وتعديلهم، وهو وإن كنا لا نعلم عنه شيئاً الآن قد ذكرته المصادر المعنية بالتصانيف، والترمذي في هذا يسير على منوال شيخه حيث ألف في العلل والتاريخ كما هو معروف.
ويتأكد هذا التفضيل للبخاري بأنه كان أبصر وأعلم وأفقه في علم علل الحديث، ومرجعاً فيه لكبار علماء عصره أبي زرعة والدارمي وغيرهما.
قال إبراهيم الخوّاص١: "رأيت أبا زرعة كالصبي جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث".
وقال الدارمي٢: "هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلباً".
وقال حاشد بن عبد الله٣: "رأيت محمد بن رافع وعمرو بن زرارة عند محمد بن إسماعيل وهما يسألانه عن علل الحديث؟ فلما قاما قالا لمن حضر: لا تخدعوا إن أبا عبد الله أفقه منا وأبصر".
ويقول أبو حامد الأعمش٤: "رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة ومحمد بن يحيى الذهلي –إمام نيسابور وشيخ البخاري- يسأله عن الأسماء والكنى وعلل الحديث والبخاري يمر فيها مثل السهم كأنه يقرأ: قل هو
стр. 122
الله أحد".
هذا والترمذي ليس وحده من تلامذة البخاري في تلك الشهادة، فقد شهد للبخاري في علل الحديث واعترف له بذلك تلميذ آخر طبق صيته الآفاق هو الإمام مسلم صاحب الصحيح.
قال أحمد بن حمدون١: "جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبّل بين عينيه وقال: دعني أقبّل رجليك يا أستاذ الأساتذين، ويا سيّد المحدثين، ويا طبيب الحديث في علله".
فلما كان البخاري بهذه المثابة من الثقة، والقوة، والإمامة، فإن كلامه في العلل والخلاف يكون موضع تعويل واعتناء.
هذا ولئن صرح الترمذي باعتماده على البخاري وكتبه فيما يتعلق بالجامع، فإن كتابه "العلل الكبير" معتمد إلى حدّ بعيد على البخاري.
وكذا "العلل الصغير" فإنه لا يخلو من نقل عن البخاري، واعتماده عليه، واستشهاد به وبكلامه.
وثمة ناحية مهمة تتصل بشخصية الترمذي لها تعلق فيما نحن فيه ألمحت إليها السطور القلية الماضية، وهي ما كان عليه أبو عيسى من مجالسة كبار العلماء وجهابذة الفن والأئمة النقاد في هذا الشأن لاسيما شيخه البخاري، ومناقشتهم في شؤون العلم مما يبرهن على جده
стр. 123
وإخلاصه وعلمه وتمكنه ومثابرته.
فالترمذي أحد أفرادٍ قلائلَ أدركوا أهمية المناظرة ومزاياها ونتائجها الحسنة في تلقيح العقول، وتثبيت المعلومات وتنشيط الأذهان، وشحذ الأفكار، وحصول الملكات ورسوخها، وتحرك الهمم نحو الغايات الحميدة، وغير ذلك. فأقبل على مذاكرة الشيوخ وأكب على مباحثتهم ومساءلتهم عما عنّ له من المشكلات العلميّة الدقيقة والخفيّة، حتى غدا ذلك سمة بارزة فيه.
قال ابن حبان: "كان أبو عيسى ممن جمع وصنف وذاكر وحفظ".
ومن هنا فلا ينبغي أن يمضي القارئ الكريم قبل أن يستحضر في مخيلته الإمام الترمذي ذلك المحدّث الدؤوب، وهو كتلة من الحيوية والنشاط ينقب ويبحث، ويتنقل بين المشايخ يستفيد منهم، ويناظرهم بوعي وفكر وحضور قلب وفهم وجودة وتصور.
وقد أحرز الترمذي بتلك السمة مكانة عالية ومنزلة سامية في نفوس شيوخه ومعلميه، فهذا شيخه البخاري –وقد امتدت إليه ظلال تلك المذاكرة بعظيم نفعها ووافر كسبها- لا يكتم تلميذه الترمذي مشاعره، وانطباعاته وتقديره، وامتنانه نحوه، فيبوح له بأن ما عاد عليه بتلك المناظرات يفوق ما أفاده هو به.
نقل الترمذي عن شيخه البخاري أنه قال له: "ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي".
هكذا استطاع الترمذي بقيمة ما ذاكر به أن ينتزع هذه الشهادة
стр. 124
العظيمة الغالية من شيخه البخاري، التي لا شك أنها كانت له نبراساً وزاداً على الطريق، وموجها ودافعاً قوياً إلى الأمام.
ولا أدلّ على ذلك من محافظته عليها وتمسكه واعتزازه بها؛ إذ كان يتحدث عنها فيقول: قال لي محمد بن إسماعيل ثم يذكرها.
وكيف لا يحرص عليها كل هذا الحرص وهي صادرة عن شيخه الذي عرف مكانته، وعلو كعبه، ورجاحة عقله.
وفي تقديري أن هذه الشهادة التي تتجلى بها مكانة الترمذي تأتي على رأس ما حظي به من ثناء على مرّ العصور، فلقد زاد من قيمة هذه الشهادة كونها من البخاري إمام العلماء وعلم الأئمة.
ولا تتصوّر أن الترمذي الذي ناظر شيخه وذاكره كان مقلداً له لم يكن له رأي مستقل به، بل أنه وافقه، وخالفه، واجتهد في المسائل على ضوء ما يظهر له منها، ولا أدل على هذا القول من الحديث الثاني إذ يرى الترمذي اختلاف الرواة فيه موجباً لاضطرابه فيسأل عنه الحافظ الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات فيه أصحّ؟ إلا أن الدارمي على جلالة قدره يتوقف، ولم يبد رأيه بترجيح أو غيره.
ويسأل عنه شيخه البخاري؟ فكان موقفه أولا يشبه تماماً موقف الدارمي، ثم أدّاه اجتهاده، فاختار إحدى الروايات ووضعها في كتابه "الجامع الصحيح".
أما الترمذي فإنه –بما توفر له من أدلة- خالف اجتهاد شيخه فرجح
стр. 125
رواية غير تلك التي رجحها شيخه.
وإذا كان الواجب يقتضينا أن نهتبل هذه الفرصة وننتهزها فلا ندعها تمر من غير أن نستخلص منها عبرة أو فائدة؛ فإن مما يؤكد عليه ما كان عليه بعض التلاميذ آنذاك من الحرص على الفائدة والعون لأساتذتهم في مهمتهم على الطريق؛ والسبب في فتح آفاق جديدة عليهم في عالم العلم والمعرفة وما كان يتحلى به أولئك الأساتذة العظام وهم أئمة عصرهم من تواضع جمّ، وإنصاف عجيب، وتشجيع لا يقف عند حدّ، ساعد على دفع عجلة العلم نحو التقدم والازدهار.
وإن هذا الموقف المشرق ليذكرنا بموقف مشرق مثيله وما أكثرها تلك المواقف الجميلة التي بين المشايخ وطلابهم مما يدّل على مدى الترابط والتلاحم، والحب، والألفة، والنية الصادقة المخلصة، مما يصلح أن يكون لنا مثلا يحتذى، وعدة في مسيرتنا ونهضتنا العلمية، وسط ما يحيط بها من عواصف ويكتنفها من غياهب.
هذا الموقف المشابه كان بين ابن عيينة وتلميذه ابن المديني فقد روى أن ابن عيينة قال في حق تلميذه ابن المديني: "يلومونني على حبّ علي والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني".
وكذا روى عن يحيى بن سعيد القطان وهو من شيوخ علي بن المديني أيضاً أنه قال فيه: "أنا أتعلّم من علي أكثر مما يتعلّم مني".
ولا ننسى أن علي بن المديني الذي حصل على هذا الثناء الرفيع والتقدير العظيم هو أحد شيوخ البخاري الذين أثّروا فيه، والذين سار
стр. 126
على نهجهم وارتسم خطاهم، وهو الذي قال لمن أخبره بقول البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني" "دع قوله هو ما رأى مثل نفسه".
ومما يتصل بما تقدّم من شهادة البخاري لتلميذه الترمذي ما سجله الترمذي معتزاً به من تكريم شيخه له في سماعه حديثين١ منه.
فقد صرّح الترمذي في "مناقب علي" بعد إخراجه لحديث أبي سعيد مرفوعاً: "يا علي لا يحلّ لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك". بقوله: "سمع مني محمد بن إسماعيل –يعني البخاري- هذا الحديث". وكذلك صرّح عند حديث ابن عباس في تفسير قول الله :
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾
من سورة الحشر٢ فكفى بهذا منقبة عظيمة للترمذي وتوثيقاً له ونبلا وثناء عليه أن يأخذ شيخه البخاري عنه، ويكون أحد الرواة عنه.
قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "وقد سمع من أبي عيسى: أبو عبد الله البخاري وغيره".
وقال ابن العماد في "شذرات الذهب": "سمع منه شيخه البخاري وغيره".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وروى عنه غير واحد من
стр. 127
العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح".
هكذا والصواب "في خارج الصحيح" لأن البخاري لم يرو عن الترمذي في الصحيح١ فلعله سهو، أو سبق قلم من ابن كثير، أو أن كلمة "خارج" سقطت في الكلام.
وقد نقل كلام ابن كثير هذا بعض الأفاضل من المعاصرين ولم يتنبه له٢.
هذا وقد صحب الترمذي شيخه البخاري، ولازمه فترة من الزمن، أفاد منه بجانب تلك العلوم والمعارف الحديث وفقهه.
قال صلاح الدين الصفدي: "وأخذ علم الحديث عن أبي عبد الله البخاري".
وقال الذهبي: "وتفقه في الحديث بالبخاري".
وعن بدء صلة الترمذي بالبخاري ولقيه له فالذي استظهره الدكتور نور الدين عتر أن لقيا الترمذي للبخاري كانت في المدة التي استقر فيها البخاري بنيسابور، حيث عاد من رحلاته، وهي مدة تقدر بخمس سنوات إذ أقام في نيسابور من سنة خمسين ومئتين إلى سنة خمس وخمسين ومئتين. وقد أشار الدكتور العتر في أعقاب ذلك إلى أن هذه الفائدة التاريخية
стр. 128
القيمة ذكرها الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" وأنه تفرد بها. فمن ذلك التاريخ ارتبط اسم الترمذي باسم البخاري وعرف به، وكانت صلته به –رغم أنها جاءت متأخرة حيث لم تبدأ في بواكير حياة الترمذي- وثيقة، ومكانته في نفسه كبيرة، واستفادته منه جمّة وتأثّره به عظيم.
فإذا علمنا من سيرة الإمام البخاري العلم، والحفظ، والفضل، والزهد والورع، والخشية، والخشوع لله ، والمهابة، والخوف منه، فإننا نرى الإمام الترمذي قد التزم نهج شيخه هذا وسار على منواله فكان –بحق- خير من خلفه في جميل هذه الصفات واحتل مكانه بعد وفاته في كريم تلك الخصال قال الحافظ عمر بن علك: "مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي وبقي ضريراً سنين".
تلاميذه:
روى عن أبي عيسى خلق كثير فيهم علماء أجلاء اقتصرت المصادر على ذكر بعضهم، وهم أشهرهم. ومن هؤلاء:
أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، والهيثم ابن كليب الشاشي صاحب المسند، ومكحول بن الفضل، ومحمد بن محمود ابن عنبر، وحماد بن شاكر الوراق، وعبد بن محمد بن محمود النسفيون، وأبو حامد أحمد بن عبد الله بن داود المروزي التاجر، ومحمد بن المنذر بن سعيد الهروي، وأبو الحارث أسد بن حمدويه، ومحمد بن سهل الغزال، وداود بن نصر بن سهيل البزدوي، وأحمد بن علي بن حسنويه، وبكر بن
стр. 129
محمد الدهقان، وأبو النصر الرشاوي، وأبو علي بن الحرب الحافظ.
هذا وسأكتفي بالترجمة لاثنين من هؤلاء الرواة هما: أبو العباس المحبوبي راوي "كتاب الجامع" عنه، والهيثم بن كليب الشاشي راوي "كتاب الشمائل" عنه.
أبو العباس المحبوبي:
قال السمعاني في "الأنساب"١: "المحبوبي -بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الباء الموحدة في آخرها باء أخرى بعد الواو- هذه النسبة إلى محبوب وهو اسم لجد المنتسب إليه، واشتهر بهذه النسبة أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي التاجر من أهل مرو، كان شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان".
وترجم له الذهبي في كتابه "العبر في خبر من غبر"٢ في وفيات سنة ست وأربعين وثلاثمئة (٣٤٦?) ، وتبعه العماد في "شذرات الذهب"٣، فقال: "وفيها (توفي) أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي محدّث مرو، وشيخها، ورئيسها في رمضان وله سبع وتسعون سنة.
روى جامع الترمذي عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن منصور صاحب النضر بن شميل وأمثاله".
стр. 130
الهيثم بن كليب الشاشي:
قال السمعاني في "الأنساب"١: الشاشي -بالألف الساكن بين الشينين المعجمتين- هذه النسبة إلى مدينة وراء نهر سيحون يقال لها الشاش، وهي من ثغور الترك خرج منها جماعة كبيرة من أئمة المسلمين ذكر منهم الهيثم بن كليب الشاشي فقال: "أبو سعيد الهيثم ابن كليب بن شريح معقل الشاشي الأديب كان أصله من مرو قدم بخارى وحدّث بها في سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة، (روى) عن: عيسى ابن أحمد العسقلاني، وإسحاق بن إبراهيم ابن جبلة الترمذي، وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والعباس بن محمد الدوري، وجماعة من أهل العراق. روى عنه: جماعة كثيرة منهم أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد الخزاعي، وأبو الفضل منصور بن نصر ابن بنت الكاغدي السمرقندي".
وانصرف إلى الشاش ومات بها في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة (٣٣٥?) ، وأورده الذهبي في "تذكرة الحفاظ"٢ فقال: "الحافظ المحدّث الثقة ... محدّث ما وراء النهر ومؤلف المسند الكبير".
стр. 131
مكانة الترمذي العلميّة:
بلغ الترمذي بسبب عوامل عدة شأوا بعيداً ومدى واسعاً بوأه مكاناً عالياً، ولقبا رفيعاً، وأسلمه زمام الإمامة في الحديث حتى أصبح –كما قال السمعاني-: "إمام عصره بلا مدافعة".
فإن إلقاء نظرة على بعض شيوخ الترمذي الذين اعتنى بلقبهم والأخذ عنهم والاقتباس منهم نجدهم من كبار الأئمة الذين انتهت إليهم الرئاسة في العلم والتعليل، وأشير إليهم بالأصابع في الحفظ وعلو المرتبة.
وإن إدراكاً لزمن الترمذي "القرن الثالث الهجري" نجده من أزهى عصور العلم وأبهجها.
وإن تأملا في بلدته "ترمذ" التي نشأ فيها وتلك البلدان الأخرى التي حولها نجدها من حواضر العلم والمعرفة الغاصة بفحول العلماء والمحدثين، حتى إنه كان يطلق على بلدته تلك "مدينة الرجال"؛ لما أنجبته من العلماء العظام في شتى العلوم والفنون.
فهذا الذي ذكر مع ما رزقه الله من استعداد فطري ونفسي، وصلاح وتقوى، وتفتح ووعي، وهمة عالية في طلب العلم لا تعرف الكلل ولا الملل، ولا تفرق بين الحضر والسفر كما سيأتي، وحركة دائبة متمثلة في رحلاته الواسعة وتنقله بين أعيان المشايخ جرياً وراء الفائدة، مكّنه من النبوغ في العلم والرسوخ في الحديث حتى بذَّ الأقران وتقدمهم وصار القدوة في الحديث وعلله.
قال الحافظ العالم أبو سعيد الإدريسي: "محمد بن عيسى بن سورة
стр. 132
الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث ... ".
وقال ابن العماد: " ... كان مبرزاً على الأقران".
حفظه وذكاؤه:
لعله يأتي في مقدمة تلك العوامل التي أوصلت الترمذي إلى تلك الغاية ما آتاه الله من قوة الذاكرة وما منحه من شدة الحفظ والضبط، حتى كان مضرب المثل في ذلك فلقب بالحافظ ونظم في سلك الحفاظ، وهي مرتبة صعبة المرتقى عسيرة المنال لا يتطاولها كل أحد ولا يصل إليها كل إنسان إلا من وهبه الله مثل ما وهب أبا عيسى الترمذي، من صفاء ذهني وحافظة واعية.
قال ابن الأثير في "جامع الأصول ... ": "هو أحد العلماء الحفاظ الأعلام".
وقال ابن العماد: "كان مبرزاً على الأقران، آية في الحفظ والإتقان".
أصغ إليه وهو يتحدث عن تلك الخصلة فيه –فيما نقله المقدسي عنه- في قصته مع الشيخ الذي لقيه بطريق مكة واختبر حفظه وهي قصة عجيبة تدل على عظم ما كان يتمتع به أبو عيسى من براعة الحفظ وسعته حتى عدّ من أفراد الحفاظ المشهورين.
كما تدل على أنه كان على صلة وثيقة بالعلم لا يكاد ينفك عنه في حله وترحاله.
стр. 133
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: "أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمرقندي مناولة أنبأنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد ابن عمرو حدثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ قال:
محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتاب الجامع، والتواريخ، والعلل، تصنيف رجل عالم متقن كان يضرب به المثل في الحفظ".
قال الإدريسي: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد بن الحارث المروزي الفقيه يقول: سمعت أحمد بن عبد الله بن داود المروزي يقول: سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: "كنت في طريق مكة وكنت قد كتبت جزئين من أحاديث شيخ فمرّ بنا ذلك الشيخ فسألت عنه؟ فقالوا: فلان، فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزئين معي، وحملت معي في محملي جزئين كنت طننت أنهما الجزءان اللذان له فلما ظفرت به، وسألته أجابني إلى ذلك (أخذت الجزئين فإذا هما بياض فتحيرت فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه ثم ينظر إلي١" فرأى البياض في يدي فقال أما تستحي مني؟ قلت: لا. وقصصت عليه القصة، وقلت: أحفظه كله. فقال: اقرأ فقرأت جميع ما قرأ علي على الولاء، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن يجيئني، فقلت: حدثني بغيره فقرأ علي أربعين حديثاً من
стр. 134
غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ فقرأت من أوله إلى آخره كما قرأ ما أخطأت في حرف. فقال لي: "ما رأيت مثلك".
ثناء العلماء عليه:
الإمام الترمذي إمام واسع العلم، واسع الحفظ، واسع الشهرة، تردد اسمه في ميدان الحديث فكان له المعرفة التامة به رواية وفقهاً وعللا ورجالا، حتى عده الإمام الذهبي من علماء الجرح والتعديل المتسمحين، انعقد الإجماع على توثيقه وتقديره وأمانته، والتقت الكلمة على الشهادة له بالعلم، والفقه، والحفظ، والإتقان، وناهيك الإمامة في هذا الشأن والأسوة فيه.
قال الحافظ أبو سعيد الإدريسي: "محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتاب الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن يضرب به المثل في الحفظ".
وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه "علوم الحديث": "محمد بن عيسى ابن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه ... وهو مشهور بالأمانة، والإمامة، والعلم".
وإذا تجاوزنا عصر الأئمة الكبار من سلف أهل الحديث إلى من بعدهم من الحفاظ فإننا نجد الحافظ الذهبي يقرر ما قاله أبو يعلى الخليلي فيه فيقول في "ميزان الاعتدال": "محمد بن عيسى بن سورة الحافظ العلم أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع ثقة مجمع عليه".
стр. 135
وقال المزي في "تهذيب الكمال": "أحد الأئمة الحفاظ المبرزين ومن نفع الله به المسلمين".
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام وله في الفقه يد صالحة".
وأما ابن حزم١ فإنه لا شك جازف حين خالف ذلك الإجماع
стр. 136
على توثيق أبي عيسى فحكم عليه بالجهالة فقال في كتاب الفرائض من كتاب "الإيصال": "محمد بن عيسى بن سورة مجهول". وقال في "محلاه": "ومن محمد بن عيسى بن سورة؟ ".
وقد أنكر عليه العلماء ولم يقبلوا حكمه هذا ولم يعتبروه، بل كان سبباً في الحط من مكانته عند الحفاظ.
فقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" في ترجمة الترمذي –ويبدو أنه أورده فيه من أجل قول ابن حزم هذا إلا أنه لم يقره عليه، ونبه على عدم الالتفات إليه كما سوف تعرف-: "الحافظ العلم أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب "الإيصال" أنه مجهول ... ".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وجهالة ابن حزم لأبي عيسى لا تضره، حيث قال في "محلاه": "ومن محمد بن عيسى بن سورة؟ " فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ.
وكيف يصحّ في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل".
وقال ابن حجر "في تهذيب التهذيب": "وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع فقال في كتاب الفرائض من
стр. 137
"الإيصال"١: "محمد بن عيسى بن سورة مجهول".
قال ابن حجر معترضاً على من اعتذر له كالذهبي بأنه ما عرفه ولا درى بوجود الجامع والعلل التي له: "ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه. فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ كأبي القاسم البغوي٢، وإسماعيل بن محمد الصفار٣، وأبي العباس
стр. 138
الأصم١ وغيرهم٢ والعجب ابن الحافظ ابن الفرضي٣ ذكره في كتابه
стр. 139
"المؤتلف والمختلف" ونبه على قدره فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه! ".
مؤلفاته:
كان أبو عيسى الترمذي –كما قال ابن حبان- ممن جمع وصنّف. فألّف مؤلفات كثيرة قيّمة أسهم بها في تدوين السنّة وعلومها؛ ذاع صيتها؛ وأضحى بها محل إعجاب وثناء العلماء؛ لما حوته من علم نافع؛ واتصفت به من دقّة وإتقان تشهد له بالتفوّق العلمي وتنبئ عن قدره وتنطق بإمامته.
ولا ريب أن الترمذي لو لم يؤلف غير كتابه "الجامع" الذي عرف به لكفى بالإشادة به والدلالة على إمامته فهو –كما ذكر ابن كثير- أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق. فالترمذي يعتبر بحق أحد بناة النهضة الحديثيّة المباركة في عصره وممن ساهم فيها بسهم وافر وحظ كبير نعيش نحن اليوم خيرها وعطاءها الممتد إلى يومنا هذا، والمتمثل
стр. 140
في تلك الآثار العظيمة التي خلفها أساطين العلم كالبخاري والترمذي وغيرهما، نقطف منها ثماراً يانعة ونجني منها علوماً ومعارف نافعة، وسيظل هذا الخير يتدفق وهذا العطاء يمتد بإذن الله إلى ما قدره الله له.
هذا وفيما يلي قائمة بمؤلفات الترمذي التي تركها والتي وصل إلينا خبرها ثم تعريف بالموجود منها مما وقفت عليه تعريفاً موجزاً سواء كان مطبوعاً أو مخطوطاً.
الجامع: طبع عدة مرات بمصر والهند وعليه شروح كثيرة مطبوعة ومخطوطة فمن الأولى: "عارضة الأحوذي" للقاضي أبي بكر العربي، و"تحفة الأحوذي" للمباركفوري. ومن الثانية: شرح ابن سيّد الناس وتكملته للعراقي و"قوت المغتذي" للسيوطي١
الشمائل النبوية والخصال المصطفوية، المعروف بـ"شمائل الترمذي" طبع مرات في عدة أمكنة منها مصر، والهند، وفاس والآستانة. وعليه شروح كثيرة سنعرّج على بعضها فيما بعد.
كتاب "العلل الكبير" أو "االعلل المفرد".
كتاب "العلل الصغير".
كتاب "الزهد".
стр. 141
كتاب "الأسماء والكنى"١.
كتاب "التاريخ"٢.
كتاب "الصحابة"٣.
"كتاب في الجرح والتعديل"٤
"الثلاثيات"٥
стр. 142
"الرباعيات في الحديث"١
"العشاريات"٢
كتاب "الموقوف"٣
стр. 143
"رسالة في الخلاف والجدل والتاريخ"١.
وفاته:
اختلف في تاريخ ومكان وفاة الترمذي.
فالمشهور الذي اعتمده الأكثرون في ذلك هو ما قاله الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان غنجار (٣٣٧-٤١٢?) ، في "تاريخ بخارى"٢. والحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري٣ (بعد الخمسين وثلاثمئة- ٤٣٢?) ، والحافظ هبة الله بن علي ابن هبة الله بن ماكولا٤ (٤٢١?-٤٨٦?) والحافظ الرشاطي٥ (٤٦٦-٥٤٢?) وغيرهم.
стр. 144
إنه توفي بـ"ترمذ" ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين (٢٧٩?)
وقال السمعاني في الأنساب في مادة "الترمذي"، وتبعه ابن الأثير في "اللباب في تهذيب الأنساب": "توفي بقريته" بوغ "سنة نيف وسبعين ومئتين إحدى قرى ترمذ". وقال في مادة "البوغي" وتبعه ابن الأثير أيضاً "مات بقرية بوغ سنة ٢٧٥?".
قال أحمد شاكر: "وياقوت قلد السمعاني في الأولى، وابن خلكان قلده في الثانية".
هكذا قال والواقع أن ابن خلكان لم يقلد السمعاني، بل أنه حكى قول السمعاني هذا بعد ما ذكر وفاته على قول الجمهور.
وأما ما قاله أبو يعلي الخليلي القزويني أنه مات بعد الثمانين ومئتين فقد رده العلماء. فقال ابن كثير بعد أن نقله: "كذا قال في تاريخ وفاته".
وختم ابن كثير ترجمة الترمذي من "البداية والنهاية" بقوله: "ثم اتفق موته في بلده منها (يعني من سنة ٢٧٩? التي أرخه فيها) على الصحيح المشهور".
وقال العراقي: في التبصرة والتذكرة١:"وأما قول الخليلي في "الإرشاد" أنه مات بعد الثمانين ومئتين فقاله على الظن وليس
стр. 145
بصحيح".
وقال السخاوي: في فتح المغيث١:"وقول الخليلي في "الإرشاد" أنه مات بعد الثمانين ظن منه لأن النقل بخلافه".
وقال السيوطي: في تدريب الراوي٢: "قال الخليلي: بعد الثمانين وهو وهم".