كتاب "الأسماء والكنى"١.
كتاب "التاريخ"٢.
كتاب "الصحابة"٣.
"كتاب في الجرح والتعديل"٤
"الثلاثيات"٥
стр. 142
"الرباعيات في الحديث"١
"العشاريات"٢
كتاب "الموقوف"٣
стр. 143
"رسالة في الخلاف والجدل والتاريخ"١.
وفاته:
اختلف في تاريخ ومكان وفاة الترمذي.
فالمشهور الذي اعتمده الأكثرون في ذلك هو ما قاله الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان غنجار (٣٣٧-٤١٢?) ، في "تاريخ بخارى"٢. والحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري٣ (بعد الخمسين وثلاثمئة- ٤٣٢?) ، والحافظ هبة الله بن علي ابن هبة الله بن ماكولا٤ (٤٢١?-٤٨٦?) والحافظ الرشاطي٥ (٤٦٦-٥٤٢?) وغيرهم.
стр. 144
إنه توفي بـ"ترمذ" ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين (٢٧٩?)
وقال السمعاني في الأنساب في مادة "الترمذي"، وتبعه ابن الأثير في "اللباب في تهذيب الأنساب": "توفي بقريته" بوغ "سنة نيف وسبعين ومئتين إحدى قرى ترمذ". وقال في مادة "البوغي" وتبعه ابن الأثير أيضاً "مات بقرية بوغ سنة ٢٧٥?".
قال أحمد شاكر: "وياقوت قلد السمعاني في الأولى، وابن خلكان قلده في الثانية".
هكذا قال والواقع أن ابن خلكان لم يقلد السمعاني، بل أنه حكى قول السمعاني هذا بعد ما ذكر وفاته على قول الجمهور.
وأما ما قاله أبو يعلي الخليلي القزويني أنه مات بعد الثمانين ومئتين فقد رده العلماء. فقال ابن كثير بعد أن نقله: "كذا قال في تاريخ وفاته".
وختم ابن كثير ترجمة الترمذي من "البداية والنهاية" بقوله: "ثم اتفق موته في بلده منها (يعني من سنة ٢٧٩? التي أرخه فيها) على الصحيح المشهور".
وقال العراقي: في التبصرة والتذكرة١:"وأما قول الخليلي في "الإرشاد" أنه مات بعد الثمانين ومئتين فقاله على الظن وليس
стр. 145
بصحيح".
وقال السخاوي: في فتح المغيث١:"وقول الخليلي في "الإرشاد" أنه مات بعد الثمانين ظن منه لأن النقل بخلافه".
وقال السيوطي: في تدريب الراوي٢: "قال الخليلي: بعد الثمانين وهو وهم".
стр. 146
التعريف بكتاب "الجامع" للإمام الترمذي
ويشمل:
اسمه.
شرط الإمام الترمذي فيه.
رتبته بين كتب السنة المشرفة.
مكانته عند العلماء.
стр. 147
١- "جامع الإمام الترمذي"
اشتهر هذا الكتاب بنسبته إلى مؤلفه فيقال: "جامع الترمذي"، ويقال له أيضاً: "سنن الترمذي"١. والأوّل أشهر وأكثر استعمالا.
وأطلق عليه بعضهم لفظ "الصحيح"٢ فسماه الحاكم: "الجامع الصحيح"٣. وسماه الخطيب "صحيح الترمذي".
وهذا تساهل منهما؛ لأن فيه الصحيح والحسن والضعيف والمنكر٤، ولا أدلّ على بطلان هذا الإطلاق من كون الترمذي نفسه قد صرّح في "سننه" بتضعيف كثير من الأحاديث، وكشف عن عللها. فكيف يصحّ أن يوصف كتابه بالجامع الصحيح أو يحكم على كل حديث فيه بأنه حسن؟ ٥.
كما أطلق عليه ابن الأثير٦ المؤرخ وغيره٧ اسم "الجامع الكبير".
стр. 148
وقد ألّف الترمذي كتابه هذا على أبواب الفقه، وخرّج فيه الأحاديث الكثيرة، وبيّن درجتها من الصحّة، أو الحسن، أو الضعف مع بيان وجه الضعف، وتكلم في الرجال والأسانيد وكشف عن عللها، وذكر عقب كل مسألة مذاهب العلماء من الصحابة، والتابعين، وآراء فقهاء الأمصار، وشارك برأيه بالترجيح فيما يحتاج إلى ترجيح، وإذا كان في الباب أحاديث أخرى يصحّ إيرادها فيه فإنه ينبه عليها، ويشير إليها بذكر من رواها من الصحابة رضوان الله عليهم، فيقول: "في الباب عن فلان وفلان فيعدد جماعة من الصحابة".
قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي"١ "اعلم أن الترمذي ﵀ خرّج في كتابه الحديث الصحيح والحديث الحسن –وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان فيه بعض ضعف-، والحديث الغريب والغرائب التي خرّجها فيها بعض المناكير، ولاسيما في "كتاب الفضائل"، ولكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه، ولا أعلمه خرّج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه: حديثاً بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرّج حديثاً مختلفاً في إسناده وفي بعض طرقه متهم".
وعلى هذا الوجه: خرّج حديث محمد بن سعيد المصلوب٢، ومحمد
стр. 149
ابن السائب الكلبي١، نعم. قد يخرّج عن سيء الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه، وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم كإسحاق٢ ابن أبي فروة وغيره.
شروط الترمذي في كتابه:
وشرط الترمذي في كتابه "الجامع" واسع جداً، فإنه أخرج فيه من الأحاديث ما عمل به فقيه، أو تمسك به عالم، فقد قال في "العلل الصغير"٣ الذي في آخر كتاب الجامع: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ... " الخ.
стр. 150
وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتابه "شروط الأئمة الستة"١: "وأما أبو عيسى الترمذي ﵀ فكتابه وحده على أربعة أقسام:
قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلماً.
قسم على شرط الثلاثة٢ دونهما.
قسم أخرجه للضدية وأبان علته ولم يغفله.
وقسم رابع أبان هو عنه فقال: "ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء".
قال أبو الفضل ابن طاهر المقدسي: "وهذا شرط واسع فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل، أخرجه سواء صحّ طريقه أو لم يصحّ، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه وتكلم على كل حديث بما يقتضيه" ا?.
وقد ذكر الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة"٣: أن شرط الترمذي هو إخراج أحاديث الطبقة الرابعة من الرواة، وهم قوم لم تكثر ممارستهم لحديث شيوخهم، ولم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الردّ والقبول، فأهل هذه الطبقة شاركوا أهل الطبقة الثالثة الذين هم شرط أبي
стр. 151
داود والنسائي كما بيّن الحازمي في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث شيوخهم لقلة ملازمتهم لهم.
قال الحازمي١: "وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفاً أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبيّن ضعفه وينبه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صحّ عند الجماعة.
وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفن، فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود" ا?.
رتبة جامع الترمذي:
وتختلف الآراء والأنظار في رتبة جامع الترمذي، هل يلي الصحيحين فيكون ثالث الكتب الستة أو أنه بين سنن أبي داود والنسائي فيكون رابعها أو أنه بعدها فيكون خامسها؟
ذهب إلى الأول حاجي خليفة في "كشف الظنون"٢ فقال في الكلام عن جامع الترمذي: "هو ثالث الكتب الستة في الحديث".
وذهب إلى الثاني الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة"٣، فإنه كما
стр. 152
سبق أن بيّن سبب تأخر جامع الترمذي عن سنن أبي داود وهو اشتماله على حديث الطبقة الرابعة، فقال: "وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفن فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود".
وذهب إلى الثالث الذهبي فقال فيما نقله السيوطي١ عنه: "انتحلت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي؛ لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما".
وانتصر المباركفوري٢ ومن بعده الدكتور نور الدين عتر٣ للقول بأن جامع الترمذي ثالث الكتب الستة وردّا على المخالف لذلك.
مكانة جامع الترمذي:
حظي "جامع الترمذي" على مرّ الدهور باستحسان العلماء وتقديرهم، فأشادوا به، وبينوا مزاياه وخصائصه التي ينفرد بها، وما اشتمل عليه من فوائد، وقد عرف مؤلفه قيمة كتابه فأثنى عليه.
نقل عن الترمذي أنه قال٤ مبيناً قدر كتابه: "صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا
стр. 153
به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم".
ومن مزايا جامع الترمذي ما أشار إليه عبد الله بن محمد الأنصاري فقد قال الحافظ أبو الفضل المقدسي١:"سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري٢ بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه فقال: "كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس"٣.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد٤: "الذي عندي أن الأقرب إلى التحقيق والأحرى على واضح الطريق أن يقال أن كتاب الترمذي تضمن الحديث مصنفاً على الأبواب وهو علم برأسه، والفقه
стр. 154
وهو علم ثان، وعلل الحديث. ويشتمل على بيان الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب وهو علم ثالث، والأسماء والكنى وهو علم رابع، والتعديل والتجريح وهو علم خامس، ومن أدرك النبي ﷺ ومن لم يدركه ممن أسند عنه في كتابه وهو علم سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث وهو علم سابع.
هذه علومه المجملة، وأما التفصيلية فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كثيرة وفوائده غزيرة".
قال ابن سيّد الناس١:"ومما لم يذكره ما تضمنه من الشذوذ وهو نوع ثامن، ومن الموقوف وهو تاسع من المدرج، وهو عاشر، وهذه الأنواع مما يكثر فوائده، وأما ما يقل فيه وجوده من الوفيات والتنبيه على معرفة الطبقات، أو ما يجري مجرى ذلك، فداخل فيما أشار إليه من فوائده التفصيلية".
وقال القاضي أبو بكر العربي في فصل نفيس عقده في أول شرحه لجامع الترمذي المسمى: "عارضة الأحوذي"٢: "اعلموا –أنار الله أفئدتكم- أن كتاب الجعفي٣ هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو
стр. 155
الأول والباب، وعليهما بنى الجميع كالقشيري١، والترمذي فمن دونهما وليس فيها –يعني كتب الحديث- مثل كتاب أبي عيسى حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علماً، وذلك أقرب إلى العمل وأسلم.
أسند، وصحّح، وضعّف، وعدّد الطرق، وجرّح، وعدّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيّن اختلاف العلماء في الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله، وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه؛ فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير".
وقال ابن الأثير في "جمع الأصول"٢ وتبعه طاش كبري زاده في "مفتاح السعادة"٣: "كتابه الصحيح أحسن الكتب، وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح، والحسن، والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها".
стр. 156
وقال ملا علي قارئ١:"وجامعه دال على اتساع حفظه ووفور علمه، فإنه كاف للمجتهد وشاف للمقلد".
وقال الشيخ إبراهيم الباجوري في شرحه على الشمائل المحمّديّة المسمى "المواهب اللدنيّة"٢: "وله تصانيف كثيرة بديعة، وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثيّة والفقهيّة، والمذاهب السلفيّة والخلفيّة، فهو كاف للمجتهد مغن للمقلد".
وقال الشاه عبد العزيز في "بستان المحدثين"٣: "تصانيف الترمذي في هذا الفن كثيرة، وأحسنها هذا الجامع بل هو أحسن من جميع كتب الحديث من وجوه:
الأول: من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار.
والثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد من أهل المذاهب.
والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح، والحسن، والضعيف، والغريب، والمعل.
والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة، وألقابهم، وكناهم، والفوائد الأخرى المتعلقة بعلم الرجال." ا?.
стр. 157
وقال الدكتور محمد عجاج الخطيب١:"ورأينا أن جامع الترمذي مثال جيد للتطبيق العملي الذي كان يقوم به المحدّثون، من أجل معرفة الصحيح، والحسن، والضعيف، والكشف عن علل الأحاديث، واستنباط الأحكام حيناً، ومعرفة الثقات من المتروكين أحياناً، وغير ذلك. وبهذا جمع هذا الكتاب فوائد كثيرة لا تجد معظمها في الكتب الأخرى التي استغنت عن أكثر ذلك، بالتزامها تخريج الصحيح فقط. والترمذي لم يلتزم هذا فكان كتابه مثالا مستقلا في التصنيف لم يسبق إليه، وإلى جانب ما ذكرت فقد حفظ لنا هذا الكتاب كثيرا من اصطلاحات المحدّثين في أحكامهم على الرواة والمرويات؛ مما يزيدنا ثقة بقدم هذه المصطلحات ورسوخ قواعد علوم الحديث قبل عصره، كما أن الترمذي جمع بين بعض المصطلحات جمعاً لم يسبق إليه في قوله: "صحيح حسن"، و"صحيح غريب"، وغير هذا" ا?.
وقال بروكلمان: في "تاريخ الأدب العربي"٢: "وقد ضمّن الترمذي جامعه كل حديث احتج به بعض الفقهاء في بعض الأحكام وسمّى مع كل حديث من احتج به من أهل المذاهب مع ذكر ما عارضه به الآخرون، ومن ثَمّ كان كتابه من أهم المصادر لدراسة الخلاف بين مدارس الفقه المختلفة".
стр. 158
وقال سزكين في تاريخ التراث العربي١:"وأهم مؤلفاته "الجامع" الذي اعتبر فيما بعد من الكتب الصحيحة المعتمدة، وقد امتاز في المقام الأول بملاحظاته النقديّة حول الأسانيد، وبإضافة الآراء المتباينة للمدارس الفقهيّة المختلفة".
стр. 159
التعريف بكتاب "الشمائل المحمّديّة" للإمام الترمذي
٢- كتاب "الشمائل النبويّة".
موضوع هذا الكتاب يمثل جانباً من جوانب الحديث النبويّ؛ إذ هو في حلية النبي ﷺ الخلقيّة، وصفاته الخلقيّة، وبيان أحواله وعاداته، فقد عرّف علماء مصطلح الحديث بأنه ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة.
وأبو عيسى في هذا الكتاب أخرج أحاديثه موزعة على الأبواب التي برع في ترتيبها، والتي تكون ستة وخمسين باباً قد ترجم كل باب منها بترجمة تدل على ما تحتها من أحاديث.
وما اتبعه في تلك الأحاديث هو أنه اقتصر فيها على إخراجها من غير أن يسلك فيها ما سلكه في أحاديث الجامع من الكلام عليها جرحاً وتعديلاً، وتصحيحاً وتضعيفاً، وغير ذلك.
وعن رتبة أحاديث الكتاب يقول الدكتور نور الدين عتر١: "ونستطيع أن نقسم أحاديث الكتاب ثلاثة أقسام:
الحديث الصحيح، وهو كثير جداً في كتابه هذا، وفيه جملة أحاديث في أعلى درجات الصحة؛ لكونها من رواية الطبقة الأولى في التوثيق، ثم مثل على ذلك بمثال.
الحديث الحسن، ومنه جملة من الحسن لغيره الذي يحسنه
стр. 160
الترمذي؛ لوروده من غير وجه، فإذا كان في السند ضعف فإنه قد يخرّج له متابعة أو شاهداً يقوّيه، ثم مثل على ذلك بمثال.
الضعيف الذي لا يرتقي للحسن، وقلما يروي أبو عيسى في الشمائل حديثاً ضعيفاً لا جابر له يقوّيه".
ثناء العلماء على كتاب الشمائل:
حظيت شمائل الرسول ﷺ منذ القدم بالعناية الفائقة والاحترام الكبير، فسطرت فيها المؤلفات المستقلة وغير المستقلة، وكان من أوائل وأشهر ما أفرد فيها كتاب أبي عيسى هذا الذي أشاد به العلماء وأثنوا على مؤلفه: فقال الحافظ ابن كثير –وقد اعتمده في كتابه شمائل الرسول ودلائل نبوتة وخصائصه وفضائله-١: "قد صنّف الناس في هذا قديماً٢ وحديثاً كتباً كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمّد ابن عيسى بن سورة الترمذي ﵀ أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل ولنا به سماع متصل إليه.
ونحن نورد عيون ما أورده فيه، ونزيد عليه أشياء مهمّة لا يستغني عنها المحدّث والفقيه".
стр. 161
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في شرحه لشمائل الترمذي١: "فإن كتاب الشمائل لعلم الرواية وعالم الدّراية الإمام الترمذي جعل الله قبره روضة عرفها أطيب من المسك الشذى كتاب وحيد في بابه فريد في ترتيبه واستيعابه، لم يأت أحد بمماثل ولا بمشابه، سلك فيه منهاجاً بديعاً ورصعه بعيون الأخبار وفنون الآثار ترصيعاً، حتى عدّ ذلك الكتاب من المواهب وطار في المشارق والمغارب".
وقال الشيخ ملا علي قارئ في كتابه "جمع الوسائل إلى شرح الشمائل"٢: "ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه ﷺ كتاب الترمذي المختصر الجامع في سيرته على الوجه الأتم بحيث إن مطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طلعه ذلك الجناب، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب، وقد قال شيخ مشائخنا محمد بن محمد الجزري قدّس الله سره العلى:
أخلاي أن شط الحبيب وربعه وعز تلاقيه وناءت منازله
وفاتكم إن تبصروه بعينكم فما فاتكم بالعين فهذي شمائله
وعن شروح كتاب الشمائل تحدّث بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" ٣/١٩٢ وما بعدها وسزكين في "تاريخ التراث العربي" ١/٢٤٦ وما بعدها.
стр. 162
وقد ذكرت بعضها هنا وفيما تقدم من الرسالة مثل "الفوائد الجليّة البهيّة" لمحمد بن قاسم جسوس. و"المواهب اللدنيّة" لإبراهيم بن محمد الباجوري.
стр. 163
٣- كتاب "العلل الكبير" أو "المفرد"
ظهر هذا الكتاب أخيراً وقد كان قبل فترة وجيزة في حكم المفقود لا نعلم عنه شيئاً، اللهم إلا نقول منه أو عنه مبثوثة في بعض الكتب كالسنن الكبرى للبيهقي، وتهذيب سنن أبي داود لابن القيم، وشرح سنن الترمذي لابن سيّد الناس، والعراقي، ونصب الرّاية للزيلعي، والتلخيص الحبير لابن حجر، وعمدة القارئ للعيني.
ولكنه لم يصل إلينا على هيئته التي ألّفه بها الترمذي، وإنما مرتباً بترتيب الفقيه القاضي أبي طالب١
стр. 164
وقد اطلعت عليه في المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبويّة مصوراً بـ"الميكروفيلم" عن النسخة الخطيّة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث رقم (٥٣٠) ، وهذه النسخة هي التي أشار إليها سزكين في تاريخ التراث العربي١، وهي نفيسة جداً، وربما تكون الوحيدة في العالم.
والكتاب مكتوب بخط مغربي جميل وواضح جداً عدد أوراقه (٧٧) ورقة مسطرات الورقة (٢٢) سطراً ومقاسها ٥ر١٨×٥ر٢٣ يرجع تاريخ نسخه إلى القرن السادس الهجري، وتوجد بهوامشه حواشي كثيرة لم يتبيّن لي صاحبها.
وقد ذكر مرتبه في المقدّمة التي عملها في أوله أنه قصد ترتيبه على نسق كتاب الجامع للترمذي، حتى يسهل؛ إذ الأحاديث فيه متفرقة منثورة لا تضبطها أبواب ينظر فيها ويهتدي إلى ما تحتها؛ ويتلخص منهجه الذي أتبعه في ترتيب الكتاب، والذي أوضحه في المقدمة المذكورة بما يلي:
стр. 165
أنه أولاً - أرجع الأحاديث إلى ما يليق بها من "كتب الجامع" فجعل مثلا أحاديث الطهارة والصلاة في كتاب الصلاة، وأحاديث الزكاة في كتاب الزكاة، وأحاديث الصوم في كتاب الصوم، وهكذا إلى آخر الجامع.
ثانياً – أدخل أحاديث هذه الكتب تحت أبوابها، ومعلوم أنه يندرج في كل كتاب من كتب الجامع أبواب كثيرة ومتعددة، وألحق الحديث ببابه بناء على أنه مذكور بعينه في ذلك الباب من كتاب الجامع، أو نبه عليه أبو عيسى في الجامع بقوله: وفي الباب عن فلان من الصحابة أو أنه مطابق للحديث الذي تضمنه الباب وفي معناه.
ثالثاً – أسقط من كتب الجامع وتراجم أبوابه ما لم يكن فيه أحاديث في "كتاب العلل".
رابعاً – ما جاء فيه من الأحاديث التي لم تذكر في الجامع، ولم يمكن إدخالها في الأبواب، وهي قليلة أفرد لها فصولا مستقلة في آخر كل كتاب هي منه ونبه على أنها ليست في الجامع. أما ما أدخله منها في الأبواب وهو الأقل لم ينبه عليه؛ وعلل ذلك بأنه لا يخفى الزائد على مطالع الكتابين معاً.
خامساً- عقد في آخر الكتاب باباً جمع فيه ما كان منثوراً من الكلام على الرجال الذين لم يقع لهم ذكر في حديث ما. أما ما كان فيه من الكلام على راو جرى ذكره في سند حديث فإنه يسوقه حيث
стр. 166
يسوق الحديث الذي يحوي اسم ذلك الراوي المتكلم عليه.
بعد ذلك نبه المؤلف على أمرين:
الأمر الأول: أنه كان ينوي تجريد كتاب العلل من كل ما هو مذكور في الجامع، حتى لا يكون فيه إلا ما ليس في الجامع غير أنه كره إسقاط شيء منه فتركه على ما هو عليه قال: "فربما يجيء الباب ويكون فيه الحديث الذي في ذلك الباب من الجامع بنحو الكلام الذي تكلم عليه في الجامع بلا مزيد عليه".
الأمر الثاني: ما تضمنه قوله: ولعل الناظر في هذا الكتاب يرى فيه في بعض المواضيع ترجمة يكون تحتها حديث لا يناسبها فيستبعد ذلك، فليعلم أن ذلك الحديث إنما وقع في الجامع في ذلك الباب، ولم نر أن نبوّب عليه باباً آخر بل ذكرناه حيث ساقه أبو عيسى في أي باب كان.
وفي ختام المقدمة ساق سنده الذي وقع له به كتاب العلل هذا.
وقد سبق القول باعتماد الترمذي على البخاري في هذا الكتاب، كما سبق ثناء العلماء على هذا الكتاب وإشادتهم به؛ ونظراً لأن بعض أحاديث هذه الرسالة مما في كتاب "العلل الكبير" هذا كما هو مبيّن في محله، فإنني أكتفي بها كنماذج من الكتاب، وهي تدلّ على إن هذا الكتاب اشتمل على التعليل بالعلة الظاهرة والخفيّة، على أن الدكتور نور الدين عتر بما توفر إليه من نقول عن هذا الكتاب، حيث لم يعلم بوجوده استطاع أن يقسم العلل في كتاب الترمذي هذا إلى ثلاثة أقسام:
стр. 167
القسم الأول: العلل القادحة الخفيّة وهو المعنى الاصطلاحي الخاص للعلّة.
القسم الثاني: كل قادح يطعن في صحة الحديث مما ليس خفياً بل ظاهراً كالضعف والانقطاع.
القسم الثالث: ما لا يقدح في صحة الحديث. ثم وضّح ذلك بالأمثلة.
стр. 168
٤- كتاب "العلل الصغير"
يرى الدكتور نور الدين عتر أن كتاب "العلل الصغير" جزء من كتاب "الجامع" وليس هو كتاباً مفرداً فهو بمثابة المقدمة للجامع إلا أن الترمذي أتى به آخراً.
واستدل على ذلك بما اشتمل عليه كتاب "العلل الصغير" من مسائل مهمة في علوم الحديث تتصل بالجامع اتصالا وثيقاً، وبما فيه من عبارات تربطه بالجمع برباط الوحدة كقول الترمذي: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث ... "، ونحوها من العبارات التي تكررت فيها الإشارة إلى الجامع بقوله: "هذا الكتاب"
ومن هنا خطأ الدكتور العتر من ظن أنه كتاب مستقل ألحق بالجامع، وأجاب عن صنيع بعض رواة الجامع من إفراد "كتاب العلل" بالرواية مستقلا عن الجامع: بأن ذلك لا يدل على أنه كتاب مفرد بنفسه، بل إنهم أفردوه بالرواية؛ لاختصاصه بالفوائد التي تضمنها تسهيلا للانتفاع به قال: "وقد سلك الترمذي بوضعه "كتاب العلل" سبيل مسلم في كتابه مقدمة لصحيحه، أوضح فيها مسلم عمله في الكتاب وشرح بعض مسائل رآها تتناسب مع الكتاب، وليست هذه المقدمات في شيء من كتب الحديث التي وضعت حتى ذلك الوقت إلا في هذين الكتابين، ولكن الترمذي قد توسع فتعرّض لبعض مسائل سبقه مسلم إليها، وتفرد بمسائل كثيرة اقتضتها مناسبة الجامع، لها أهميتها في علم الحديث، أثنى عليها الأئمة وذكروها في
стр. 169
محاسن الكتاب، كما في قول ابن الأثير: "وفي آخره كتاب العلل قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها" ا?.
ويتلخص ما تعرض له الترمذي في "كتاب العلل الصغير" من أمور في الآتي:
بدأ ببيان حال أحاديث الجامع عموماً؛ فذكر أن جميع ما فيه من الأحاديث معمول به، أو أخذ به بعض العلماء ما عدا حديثين ذكرهما، ثم قال: "وقد بيّنا علة الحديثين جميعا في هذا الكتاب" (يعني الجامع) .
بعد ذلك أورد أسانيده إلى الفقهاء الذين ذكر مذاهبهم في الجامع من غير أن يسوق أسانيد إليهم.
كما صرّح أن ما في الجامع من الكلام في علل الأحاديث والرجال والتاريخ وما أشبه ذلك من هذه العلوم استخرجه من كتاب التاريخ للبخاري، وأكثره مما ناظر به شيخه البخاري، وبعضه ناظر به أبا زرعة، وبعضه ناظر به الدارمي.
ثم بيّن السبب الحامل له على بيان مذاهب الفقهاء وعلل الأحاديث والكلام فيها تصحيحاً وتضعيفاً ونحو ذلك، وهو أنه سئل عن ذلك فلم يفعله زماناً، ثم فعله لما رجا من منفعة الناس، فإذا أقدم على ذلك –وهو كما قال لم يسبق إليه- فإنه وجد كثيراً من الأئمة –وقد سمى بعضهم- صنفوا ما لم يسبقوا إليه.
انتقل بعد ذلك فبيّن حكم الكلام في الرجال جرحاً وتعديلا، وأنه جائز لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من الأخبار مما لا يجوز قبوله، وأنه
стр. 170
نصيحة للمسلمين ليس من باب الغيبة المحرّمة، كما ظنّ بعض من لا يفهم فعاب على المحدّثين كلامهم في الرواة وبيان أحوالهم.
ثم ذكر نقولا عن بعض السلف والأئمة تبيّن أهمية الإسناد، وأنه من الدين وتبيّن متى بدأ بالسؤال عن الإسناد ولماذا؟
بعد ذلك تعرّض لأقسام الرواة وأحكامهم؛ فذكر أربعة أقسام وبيّن حكمها:
أحدها: من يتهم بالكذب.
الثاني: من ضعف لغفلته وكثرة خطئه.
وما قاله في هذين القسمين: هو أن من كان كذلك فإنه لا يشتغل بالرواية عنه عند أكثر المحدّثين، وأنه إذا انفرد بحديث لا يحتج به.
الثالث: من تكلم فيه من قبل حفظه مع علمه، وصدقه، وجلالته، فحكم عليه بأنه إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به.
الرابع: الحفاظ المتقنون الذين يندر أو يقل خطؤهم وغلطهم في الحديث وهؤلاء محتجّ بهم بالاتفاق.
تطرق بعد ذلك إلى حكم الرواية بالمعنى فذكر جوازها عن أهل العلم لمن أقام الإسناد وحفظه، وأتى بالمعنى دون تغيير فيه.
ثم بيّن من مسائل نقل الحديث، وتحمله مسألة العرض؛ وهو القراءة على الشيخ فذكر جوازه عند أهل الحديث مثل السماع من لفظ الشيخ وفيما يقوله من تحمّل بالعرض عند الرواية ذكر قولين عن أهل العلم في ذلك:
стр. 171
الأول: أن يقول أخبرنا وفي السماع حدثنا.
الثاني: جواز أن يقول في العرض حدثنا.
هذا وقد اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكون العالم حافظاً لما يعرض عليه، أو يمسك أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظاً.
كما نقل عن بعضهم أنه كان لا يقول حدثنا إلا فيما كان من لفظ العالم مع الناس، فإذا قرئ على العالم وهو شاهد قال: أخبرنا، وإن سمع وحده قال: حدثني وإن قرأ وحده قال: أخبرني.
بعد ذلك تناول حكم الرواية بالإجازة وهي من مسائل نقل الحديث وتحمله، فذكر عن بعض أهل العلم إجازتها، وذكر عن جماعة من العلماء إنكارها. ثم بيّن حكم الحديث المرسل وأن لأهل العلم فيه قولين:
أحدهما: أنه لا يحتج به وهذا عند أكثرهم.
الثاني: أنه يحتج به وهذا عند بعضهم.
وأخيراً فسّر مراده واصطلاحه بالحديث الحسن وبالحديث الغريب.
هذا وقد شَرَح كتاب العلل الصغير هذا في كتاب مستقل الحافظ زين الدّين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، وأعقبه بتتمة مفيدة جداً فيما يتعلق بموضوع الكتاب. وقد حقق الكتاب ونشره الأستاذ صبحي جاسم الحميد عن مطبعة العاني ببغداد –١٣٩٦? وقد بلغني أن الدكتور نور الدين عتر أخرج الكتاب أيضاً محققاً هذه الأيام.
كما شرحه الباركفوري في كتابه "شفاء الغلل في شرح العلل" وجعله في آخر تحفة الأحوذي.
стр. 172
ترجمة موجزة للإمام البخاري*
نسبه:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدَزْبَة١ الجعفي، مولاهم البخاري.
стр. 173
مولده:
ولد في مدينة "بخارى" يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤?) .
نشأته:
توفي والده وهو صغير فنشأ يتيماً في حجر أمه، وقد اتجه منذ حداثة سنه ونعومة أظفاره إلى العلم فبدأ بحفظ الحديث، وهو دون العشر سنين، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره قرأ تصانيف بعض الأئمة، فحفظ كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرف كلام أصحاب الرأي.
رحلته وطلبه الحديث:
بعد أن سمع الحديث من شيوخ بلده رحل في طلبه إلى أكثر محدّثي الأمصار، فبدأ أول رحلاته إلى الحجاز سنة عشر ومئتين، فأقام فيه ست سنوات يسمع الحديث من علماء الحرمين، ثم تنقّل في البلدان، وسمع من مشايخها، ودخل الشام، ومصر، والجزيرة، والعراق، ودخل بغداد عدة مرات.
شيوخه:
شيوخ البخاري الذين سمع منهم لا يحصون كثرة منهم كبار الأئمة في عصره، وقد كتب عن أكثر من ألف شيخ انتقاهم انتقاء كما نقل عنه
стр. 174
وراقه محمد بن أبي حاتم أنه قال: "كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث".
وقال أيضاً: "لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل".
وذكر ابن حجر في "هدي الساري" مراتب مشايخ البخاري الذين كتب وحدّث عنهم، فحصرهم في خمس طبقات اشير إليها هنا:
الطبقة الأولى: من حدّثه عن التابعين: مثل محمد بن عبد الله الأنصاري حدّثه عن حميد الطويل.
الطبقة الثانية: من كان من عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس.
الطبقة الثالثة: هي الطبقة الوسطى من مشايخه، وهم من لم يلق التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد، ونعيم بن حماد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم.
الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلاً كمحمد بن يحيى الذهلي، وأبي حاتم الرازي.
قال ابن حجر: "وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته عن مشايخه أو ما لم يجده عند غيرهم".
الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم للفائدة كعبد الله بن حماد الآملي.
стр. 175
قال ابن حجر: "وقد روى عنهم أشياء يسيرة، وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: "لا يكون الرجل عالماً حتى يحدّث عمن فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه".
وعن البخاري أنه قال: "لا يكون المحدّث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".
ومن هذا القبيل ما سبق أن ذكرناه في ترجمة الترمذي من سماع البخاري حديثين منه.
الرواة عنه:
لقد كثر الآخذون عن البخاري، والرواة عنه كثرة لا يمكن حصرهم معها، وقد ذكر أنه كان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفاً يأخذون عنه. فممن روى عنه من مشايخه: عبد الله بن محمد المسندي، وعبد الله بن منير، ومحمد بن خلف بن قتيبة، وغيرهم. ومن أقرانه: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وإبراهيم الحربي، وآخرون. وممن روى عنه من كبار الأئمة الحفاظ الأعلام: صالح بن محمد جزرة، وأبو بكر بن خريمة، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وغيرهم من أبرزهم مسلم بن الحجاج، وأبو عيسى الترمذي، اللذان تتلمذا عيله ومرنا بين يديه، وتخرجا به وأكثرا من الاعتماد عليه.
حفظه وذكاؤه:
كان البخاري -رحمه الله تعالى- آية في الحفظ، والذكاء، وقوة
стр. 176
الذاكرة نقل عنه أنه قال: "أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح".
وقصته حين دخل بغداد مع علمائها مشهورة تدل على مبلغ حفظه وعظيم ضبطه، فقد أراد أصحاب الحديث في بغداد امتحان حفظه فعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أشخاص لكل واحد عشرة أحاديث؛ ليلقوها عليه في المجلس، وأخذوا عليه الموعد لذلك فلما اطمأن المجلس بأهله، وكان قد حضره جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين انتدب إليه أحدهم فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه فما زال يلقى عليه حديثاً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري: يقول لا أعرف.
فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل، ومن كان غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم.
ثم انتدب الثاني والثالث إلى آخر العشرة فكان حاله معهم كذلك فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى تمام العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
وقد علّق الحافظ ابن حجر على هذه القصّة بقوله: هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظاً بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه إليه من مرة واحدة.
стр. 177
إلى غير ذلك من الأخبار الشاهدة على سعة حفظه، وشدة إتقانه التي لا يتسع المقام لإيراد بعضها فضلا عن كلها، فإنها كثيرة جداً فقد ظهرت عليه من صغره مخائل الذكاء، وعلائم النجابة والفطنة.
ثناء الناس عليه:
لقد حظي البخاري في سائر الأزمان بثناء الناس عليه، وإجماعهم على تقديره، وإكباره، وإمامته، وتقدمه في هذا الشأن.
فقال فيه شيخه الإمام أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل".
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث، ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري".
وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: "دخلت البصرة، والشام والحجاز، والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم".
وقال موسى بن هارون الحمال: "عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه".
وقال أبو أحمد بن عدي: "كان يحيى بن محمد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: "ذاك الكبش النطاح".
وقال له مسلم بن الحجاج: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك".
стр. 178
وقال أبو عيسى الترمذي: "كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام "يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة" فاستجاب الله له فيه.
وقال الحاكم أبو عبد الله: "هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل".
وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "كان رأساً في الذكاء، رأساً في العلم رأساً في الورع والعبادة".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "هو إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدّم على سائر أضرابه وأقرانه".
وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى": "هو إمام المسلمين، وقدوة الموحدين، وشيخ المؤمنين، والمعوّل عليه في أحاديث سيّد المرسلين، وحافظ نظام الدين".
وفاته:
توفي رحمه الله تعالى في قرية من قرى سمرقند تسمى "خَرْتَنْك١". على فرسخين منها.
стр. 179
كان نزلها في آخر حياته، وأقام فيها أياماً عند أقربائه، ثم مرض، وقد وافاه الأجل المحتوم وهو ينوي التوجه إلى سمرقند قبل الخروج إليها وكانت وفاته ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦?) ومدة عمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوماً.
стр. 180
منهج البحث في الرسالة
إن ما اتبعته من منهج في هذه الرسالة يتلخص في الآتي:
لا يخفى أن الترمذي عبّر عما تحمّله من شيخه البخاري في "جامعه" بشتى عبارات التحمل منها: قال، وسمعت، وسألت، وذاكرت، وأنني التزمت في هذه الرسالة بما يقول فيه، سألت وذاكرت، وهذا ما ينطبق عليه عنوان الرسالة ويدل عليه، ولو ذهبت استقصي كل ما أورده في "جامعه" عن البخاري واشتغل به لاحتاج إلى عدة رسائل.
في تتبع السؤالات والأجوبة عليها، والتقاطها من "جامع الترمذي" اعتمدت على النسخة المحققة من قبل؛ أحمد محمد شاكر إذ حقق الجزء الأول والثاني منها، ومحمد فؤاد عبد الباقي إذ حقق الجزء الثالث، وإبراهيم عطوه عوض إذ حقق المتبقى وهو الجزء الرابع والخامس.
هذا مع الاستعانة بما وصلت إليه يدي من نسخ الترمذي المخطوطة والمطبوعة بشرح أو بدون.
وبالمقارنة بينها اتّضح لي التقاؤها جميعاً –ولله الحمد- على مواطن الأسئلة والأجوبة التي أثبتها.
أبقيت الأحاديث التي هي مدار السؤالات حسب ترتيبها ووفق مجيئها من "جامع الترمذي"، فلم أحدث فيها أي ترتيب آخر، ومعلوم أن الأحاديث في "جامع الترمذي" مرتبة على الأبواب الفقهية.
اعتنيت بنقل كلام الترمذي على كل حديث من هذه الأحاديث معنوناً له بما يفيد ذلك.
تحققت من كلام الترمذي على كل حديث بالرجوع إلى بعض نسخ