← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 2754

سؤالات الترمذي للبخاري حول أحاديث في جامع الترمذي

يوسف بن محمد الدخيل

Полный текст (886 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الذاكرة نقل عنه أنه قال: "أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح". وقصته حين دخل بغداد مع علمائها مشهورة تدل على مبلغ حفظه وعظيم ضبطه، فقد أراد أصحاب الحديث في بغداد امتحان حفظه فعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أشخاص لكل واحد عشرة أحاديث؛ ليلقوها عليه في المجلس، وأخذوا عليه الموعد لذلك فلما اطمأن المجلس بأهله، وكان قد حضره جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين انتدب إليه أحدهم فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه فما زال يلقى عليه حديثاً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري: يقول لا أعرف. فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل، ومن كان غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم. ثم انتدب الثاني والثالث إلى آخر العشرة فكان حاله معهم كذلك فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى تمام العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. وقد علّق الحافظ ابن حجر على هذه القصّة بقوله: هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظاً بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه إليه من مرة واحدة.

стр. 177

إلى غير ذلك من الأخبار الشاهدة على سعة حفظه، وشدة إتقانه التي لا يتسع المقام لإيراد بعضها فضلا عن كلها، فإنها كثيرة جداً فقد ظهرت عليه من صغره مخائل الذكاء، وعلائم النجابة والفطنة. ثناء الناس عليه: لقد حظي البخاري في سائر الأزمان بثناء الناس عليه، وإجماعهم على تقديره، وإكباره، وإمامته، وتقدمه في هذا الشأن. فقال فيه شيخه الإمام أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل". وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث، ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري". وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: "دخلت البصرة، والشام والحجاز، والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم". وقال موسى بن هارون الحمال: "عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه". وقال أبو أحمد بن عدي: "كان يحيى بن محمد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: "ذاك الكبش النطاح". وقال له مسلم بن الحجاج: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك".

стр. 178

وقال أبو عيسى الترمذي: "كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام "يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة" فاستجاب الله له فيه. وقال الحاكم أبو عبد الله: "هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل". وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "كان رأساً في الذكاء، رأساً في العلم رأساً في الورع والعبادة". وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "هو إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدّم على سائر أضرابه وأقرانه". وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى": "هو إمام المسلمين، وقدوة الموحدين، وشيخ المؤمنين، والمعوّل عليه في أحاديث سيّد المرسلين، وحافظ نظام الدين". وفاته: توفي رحمه الله تعالى في قرية من قرى سمرقند تسمى "خَرْتَنْك١". على فرسخين منها.

стр. 179

كان نزلها في آخر حياته، وأقام فيها أياماً عند أقربائه، ثم مرض، وقد وافاه الأجل المحتوم وهو ينوي التوجه إلى سمرقند قبل الخروج إليها وكانت وفاته ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦?) ومدة عمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوماً.

стр. 180

منهج البحث في الرسالة إن ما اتبعته من منهج في هذه الرسالة يتلخص في الآتي: لا يخفى أن الترمذي عبّر عما تحمّله من شيخه البخاري في "جامعه" بشتى عبارات التحمل منها: قال، وسمعت، وسألت، وذاكرت، وأنني التزمت في هذه الرسالة بما يقول فيه، سألت وذاكرت، وهذا ما ينطبق عليه عنوان الرسالة ويدل عليه، ولو ذهبت استقصي كل ما أورده في "جامعه" عن البخاري واشتغل به لاحتاج إلى عدة رسائل. في تتبع السؤالات والأجوبة عليها، والتقاطها من "جامع الترمذي" اعتمدت على النسخة المحققة من قبل؛ أحمد محمد شاكر إذ حقق الجزء الأول والثاني منها، ومحمد فؤاد عبد الباقي إذ حقق الجزء الثالث، وإبراهيم عطوه عوض إذ حقق المتبقى وهو الجزء الرابع والخامس. هذا مع الاستعانة بما وصلت إليه يدي من نسخ الترمذي المخطوطة والمطبوعة بشرح أو بدون. وبالمقارنة بينها اتّضح لي التقاؤها جميعاً –ولله الحمد- على مواطن الأسئلة والأجوبة التي أثبتها. أبقيت الأحاديث التي هي مدار السؤالات حسب ترتيبها ووفق مجيئها من "جامع الترمذي"، فلم أحدث فيها أي ترتيب آخر، ومعلوم أن الأحاديث في "جامع الترمذي" مرتبة على الأبواب الفقهية. اعتنيت بنقل كلام الترمذي على كل حديث من هذه الأحاديث معنوناً له بما يفيد ذلك. تحققت من كلام الترمذي على كل حديث بالرجوع إلى بعض نسخ

стр. 181

"الجامع" المخطوطة والمطبوعة، أو إلى المصادر التي ذكرته، وذلك عملا بوصية المحققين كابن الصلاح وغيره؛ نظراً لاختلاف نسخ "الجامع" وقد أفادني ذلك في تحرير حكم الترمذي على الأحاديث كما بينته في محله. رقمت الأحاديث المذكورة وقد بلغت ثلاثة وثلاثين حديثاً، وأشرت إلى موضع كل حديث من "جامع الترمذي" بذكر الجزء، والصفحة والباب الذي هو فيه ورقمه، والكتاب الذي يحوى ذلك الباب. ذكرت من خرّج هذه الأحاديث من الأئمة سوى الترمذي أصحاب الكتب المعتمدة مع العزو إلى هذه الكتب التي خرجوها فيها، ولم أبن التخريج على الاختصار والاقتصار بل إني حاولت الاستقصاء قدر الإمكان في الدلالة على مكان تخريج الحديث، وقد كلفني ذلك الكثير من الجهد والوقت، إذ تتبعت كل حديث في مظانه من عشرات الكتب، والأجزاء المطبوعة، والمخطوطة على اختلاف أنواعها من حديث، وتفسير، وأحكام، وغير ذلك؛ أملاً في العثور على طريق أخرى للحديث، وتيسيراً على القارئ في الوقوف على مواطن وجود الحديث من مؤلفات الأئمة العلماء. هذا وبالنسبة للمخرجين وترتيبهم فبعد أن أرتب أصحاب الأمهات الست، أو بعضهم إن وجدوا، والإمام أحمد، لم التزم أي ترتيب آخر بل تركت ذلك حسب ما يقتضيه المقام. أنبه أحياناً على من أورد الحديث في كتابه من متأخري الحفاظ

стр. 182

كالمنذري والنووي والسيوطي وغيرهم. هناك نزر من الأحاديث لم أقف عليها لغير الترمذي، فليعلم أني بحثت عنها قدر استطاعتي فلم أجد من خرجها، فلا يبعد أن تكون مما أنفرد به الترمذي. قمت بتجلية ما في الأحاديث من علل مما نصّ عليه الترمذي، أو البخاري، أو غيرهما من الأئمة الحفاظ، أو مما توصلت إليه من خلال دراستي للأحاديث، أو لطرقها بعد جمعها ومقارنتها ببعض، وأبرزت ما يدل على موضع كل علّة في تلك الأحاديث من الطرق الأخرى الراجحة إن وجدت. تعقبت بعض العلماء في إثبات بعض العلل أو في محلها، ودعمت موقفي بالحجة والبرهان. اعتنيت بإيراد ما أجيب به عن العلل أو بعضها، ثم أبديت رأيي فيه تأييداً أورداً على ضوء الأدلة والنصوص. تتبعت طرق بعض الأحاديث وألفاظها من مختلف كتب السنة، وذكرت من تفرد بها وما وقع فيه رواة بعضها من أوهام. عرضت المواقف المتباينة والآراء المتضاربة حول بعض الأحاديث، وحجة كل موقف، وما يتعرض به على مقابلة، ثم نقدت ما يحتاج إلى نقد وبينت الحق في الجانب الذي هو فيه. اختياري لموضوع يتعلق بـ"جامع الترمذي" دعاني للعكوف على دراسة مصطلحات الترمذي فيه من مثل قوله: "حسن غريب"، أو

стр. 183

"حسن صحيح"؛ لأكون على بصيرة بما يعترضني منها، وقد بينت بعض هذه المصطلحات في مواضع اقتضتها من البحث. نظرت في حكم الترمذي على الأحاديث فإن كان صواباً أقررته عليه، وإلا فإنني أبيّن رتبة الحديث من الصحّة، أو الحسن، أو الضعف متبعاً في ذلك قواعد المحدثين التي قعّدوها ومشوا عليها في نقد الحديث، وإذا كان هناك رأي لإمام معتبر، أو كلمات لأئمة هذا الفن، أو لمعاصرين محققين تؤيد ما ذهبت إليه فإنني أوردها وأتبناها. هناك أحاديث سكت عنها الترمذي فلم يحكم عليها بشيء حكمت أنا عليها حسب ما ظهر لي من أسانيدها. حرصت أن أذكر في أعقاب غالب الأحاديث نتيجة فيها خلاصة دراستي للحديث والحكم عليه، وتكون أحياناً مشتملة على اعتراض ورد مناقشة. أوردت من الأحاديث الصحيحة أو الحسنة ما يقوم مقام حديث الباب الضعيف. بينت وجه التعارض بين بعض الأحاديث وبين ما أوردته من الأحاديث المعارضة لها، وأجبت عنه ثم حكمت على تلك الأحاديث بما تقتضيه تلك الإجابة صحة أو ضعفاً. قد اختار رواية من روايات الحديث التي روى بها فأذكر ما بنيت عليه هذا الاختيار من أمور. عرفت بأحوال الرواة الذين عليهم مدار الحديث جرحاً وتعديلاً،

стр. 184

فنقلت فيهم –بعد تتبع أحوالهم من شتى كتب الرجال- أقوال النقاد المعتبرين وبعد دراستها وفحصها وفقت أو رجحت بين الأقوال المتعارضة في نقدهم، حسب ما ظهر لي قوته وفي نطاق قواعد علماء الجرح والتعديل، وإذا كان هناك رأي لمحقق فإنني أورده واعتمده. تحققت من سماع بعض الرواة من بعض أو إمكانه ومن ثَمّ حكمت على الإسناد بالاتصال أو الانقطاع. اقتصرت في التعريف ببعض التراجم مما يتوقف عليها أمر من الأمور على "تقريب التهذيب" غالباً وأحلت على باقي مصادر ترجمة الراوي بقدر المستطاع. اكتفيت بترجمة الراوي في أول موضع يرد، وأحلت عليه في باقي المواضع، واقتضى الأمر أحياناً تكرار بعض التراجم، فلم أكتف بترجمة الراوي في موضع واحد، وأحياناً أحيل على التراجم بعد أن أذكر شيئاً منها يقتضيه الحال والمقام. كملت سنة وفاة الراوي في ترجمته التي أخذتها من "تقريب التهذيب" لابن حجر، وذكرت من خرّج له صراحة، فلم أكتف بالرمز إليه كما هو صنيع ابن حجر. عرّفت بصحابي كل حديث مراعياً جانب الإيجاز، فاقتصرت في التعريف على "تقريب التهذيب" مع الإحالة إلى مكان ترجمته من "الإصابة في تمييز أسماء الصحابة" للحافظ ابن حجر. وليعلم أنني أترجم للصحابي المذكور ﵁ في أول

стр. 185

موضع يرد فيه، فإذا تكرر فإنني أكتفي بالإشارة إلى موضع ترجمته الذي تقدم، وقد لا أشير. في المقارنة بين الرواة بيّنت وجه الاختلاف في ذلك بين العلماء، كما وضحت الخلاف حول أسماء بعض الرواة المبهمين، أو المذكورين بكناهم، ورجحت في ذلك كله ما أمكنني ترجيحه. شرحت بعض ألفاظ الجرح والتعديل لاسيما تلك التي يأتي بها البخاري، حيث له اصطلاح خاص بها، كما عرفت ببعض المصطلحات الحديثّية. أوضحت معاني الألفاظ الغريبة وضبطت ما يحتاج إلى ضبط. بينت مواضع البلدان التي وردت في بعض الأحاديث. أوردت الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب" وخرجتها، وتكلمت عليها بقدر الحاجة، ولم يفتني منها إلا القليل جداً، حيث بحثت عنه فلم أعثر عليه، وهذه الأحاديث التي يشير إليها الترمذي بقوله "وفي الباب" ليست من السهولة، بحيث يمكن تخريجها بدون عناء واستعانة بمصادر خاصة، بل إن الاكتفاء بالرمز إلى الصحابي فقط جعل تخريجها صعباً وعسيراً أحياناً، وتشتد الصعوبة إذا اختلف في تعيين الحديث المشار إليه هل هو هذا أو ذاك، على أن المباركفوري في شرحه لجامع الترمذي وهو الشرح المتوفر لي أكثر من غيره كثيراً ما يقول عن الحديث المشار إليه: بحثت عنه فلم أجد، فلينظر من أخرجه. زدت أحاديث في الباب لم يشر إليها الترمذي، وهي تصلح شواهد

стр. 186

ومتابعات، وتكلمت عليها بقدر الحاجة والضرورة. نبهت على أوهام وأخطاء وقع فيها بعض العلماء وتبعهم فيها غيرهم. ناقشت بعض العلماء في أشياء ذكروها قابلة للنقد. نبهت على كل سقط أو خطأ أو تحريف وقع في المراجع أو الأصول التي نقلت منها، على أنني أذكر في الصلب من الرسالة الصواب، وأبيّن في الهامش الخطأ. ما يتعلق بالآيات القرآنية -وهي قليلة جداً- عزوتها إلى مواضعها من سورها. بالنسبة للنقل من المراجع والمصادر، استعملت طبعة واحدة فإذا استعملت طبعة أخرى نبهت على ذلك في حينه، وقد أرجيء التنبيه إلى قائمة المراجع والمصادر هذا، ويحصل أني استعين بمصدر مخطوط قد طبع بعضه فأميز عند الاستفادة منه بين الاستعمالين. هذا البحث احتوى على عدة مشكلات حديثيّة أصليّة وطارئة، كادت تعترض طريقي لولا لطف الله ، فإنها من الصعوبة بمكان وبحيث عسر علي أولا حلها، ولا يخفى أنني أمضيت فيها الأيام والليالي أفكر فيها وأقلبها على كل وجه، وأسائل فيها ذوي الاختصاص واستنطق بها الكتب، ولقد صور فضيلة الدكتور محمد أمين المصري المشرف السابق رحمه الله تعالى الأحاديث التي تضمنت تلك المشكلات أو استدعتها أصدق تصوير، فقال –وقد عرضت عليه بعضها-: "هذه الأحاديث نماذج من الأحاديث الشائكة والمعقدة". ولا أطيل على القارئ الكريم بسرد هذه المشكلات وملابستها

стр. 187

وما انتهيت إليه فيها، فأكتفي بإحالته إلى مواطنها من الكلام على الأحاديث. انظر مثلا في الحديث الأول الاختلاف في الضمير "عنهما" في قول البخاري والمراد به. وانظر الحديث الثاني بأكمله، وعلى جهة الخصوص مخالفة الترمذي للبخاري في اختياره من بين روايات الحديث المختلفة رواية مغايرة للرواية التي اختارها شيخه وأودعها صحيحه. وانظر إلى إنكار الذهبي لاختلاط أبي إسحاق السبيعي. وبالنسبة للحديث الثالث انظر مثلا مشكلة تعيين محل الانقطاع في سند الحديث في كلام العلماء والجواب عنها. ننتقل بعد ذلك إلى الحديث الخامس عشر، حيث يواجهنا البخاري بإثبات سماع ابن المنكدر من عائشة ﵂ في الوقت الذي تنفيه جميع المصادر التي وقفت عليها. وأخيراً انظر: (الحديث الحادي والعشرين) وتضارب النقل عن البخاري في حكمه عليه بين تلميذه الترمذي، والخطابي، والمشكلة التي أدخلنا فيها أحمد شاكر. عملت مقدمة اشتملت على ذكر إلمامة سريعة عن موضوع هذه الرسالة، ودواعي اختياره، وكلمة في أهمية علم علل الحديث، واشهر الكتب المؤلفة فيه مع ذكر مؤلفيها ووفياتهم، وحصر الكتب المؤلفة على السؤالات مع تراجم لمؤلفيها، وترجمة ضافية للترمذي، وأخرى

стр. 188

للبخاري موجزة ثم منهج البحث هذا. ذيلت الرسالة بوضع فهارس متعددة، فوضعت فهرساً للآيات، وآخر للموضوعات، ولقد كانت النيّة متجهة لعمل فهرس تفصيلي لها، ولكن حال دون ذلك حائل. كما أعددت فهرساً للرجال المترجمين على وفق ترتيب حروف المعجم مراعياً ذلك في أسمائهم وأسماء آبائهم. وأخيراً زودت البحث بقائمة للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها التي أمدت البحث، تاركاً غيرها مما أفدت منه، ولم يأت له ذكر في الرسالة. عملت خاتمة في آخر الرسالة فيها خلاصة البحث. هذا وإنني كلي آمل أن أكون برسالتي هذه قد شاركت بإضافة لبنة إلى ذلك الصرح الشامخ، حتى تأخذ محلها اللائق بها بين تلك المؤلفات. والخيرَ أردتُ فإن وفقت لذلك فهو من فضل ربّي، وإن كانت الأخرى فحسبي أنني حاولت بقدر جهدي، وعلى غيري أن يعليَ البنيان. ولا يسعني في الختام إلا التوجه إلى الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد الغالي الدكتور محمد أمين المصري رئيس قسم الدراسات العليا والمشرف على الرسالة سابقاً بواسع رحمته وعظيم مغفرته كفاء ما قدّم، فقد ساعدني كثيراً بملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة. وأنا إذ أسأل الله له ذلك وأسأله أن يعلي درجاته في الجنة، أشكره على ما بذل من جهد، وأبدى من حرص، وأسدى من نصح.

стр. 189

كما أشكر فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الذي انتقل إليه الإشراف على الرسالة فتابع معي المسيرة، وواصل توجيهي، وتسديدي مما ساعد في دفع هذه الرسالة إلى الأمام، وبروزها بهذا النحو، فجزاه الله عني خيراً الجزاء ومتع بحياته. وقبل أن أضع القلم أتوجه إلى الله بهذا الدعاء وهو أن يحسن إلى كل من أحسن إلي بالقول، أو بالفعل، أو بالنية، وهذا في نظري أشمل لكل الإخوة الذين قدّموا مساعداتهم لي، وأَبْلَغُ في شكرهم، والله يتولى الجميع.

стр. 190

الحديث الأوّل: باب ما يقول إذا دخل الخلاء، من أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ١/١١ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر

стр. 191

قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى-: حدّثنا قتيبة وهناد قالا: حدّثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاءصلى الله عليه وسلم١ قال: "اللهم إني أعوذ بك –قال شعبة: وقد قال مرة أخرى: أعوذ بك- من الخبْث والخبيث أو: الخبُث والخبائث"٢ ٣.

стр. 192

كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود١.

стр. 193

...........................................................................................................

стр. 194

قال أبو عيسى: حديث أنس أصحّ شيء في هذا الباب وأحسن. كلام الترمذي على حديث زيد بن أرقم* قال أبو عيسى: وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب*:

стр. 195

روى هشام الدستوائي١ وسعيد بن أبي عروبة٢ عن قتادة٣ فقال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني٤، عن زيد بن أرقم٥. وقال هشام الدستوائي: عن قتادة، عن زيد بن أرقم٦.

стр. 196

ورواه شعبة١، ومعمر٢ عن قتادة، عن النضر بن أنس٣: فقال شعبة: عن زيد بن أرقم٤. وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه٥ عن

стр. 197

النبي ﷺ ١. قال أبو عيسى: سألت محمداً عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً. تصوير الاضطراب على ما ذكره الترمذي حكم الترمذي على هذا الحديث بالاضطراب في إسناده ثم بيّن هذا الاضطراب، فساق وجوه الاختلاف فيه على قتادة. والمتأمل في هذا الاضطراب يتبيّن موطنه، وأنه ينحصر في موضعين: الأول: في تعيين الصحابي. الثاني: في تعيين الواسطة بين قتادة والصحابي وفي عدمها. فبالنسبة للصحابي هل هو زيد أو أنس؟ ففي رواية سعيد بن أبي

стр. 198

عروبة، وهشام الدستوائي، وشعبة: الصحابي "زيد". وفي رواية معمر: الصحابي "أنس". أما عن الواسطة وتعيينها؛ فالواسطة في رواية سعيد: "القاسم بن عوف الشيباني"، وفي رواية شعبة ومعمر: "النضر بن أنس". وقد خلت رواية هشام من واسطة إذ فيها "قتادة عن زيد" من غير واسطة. موقف الترمذي من هذا الاضطراب الذي يشير إليه صنيع الترمذي أنه أقرّ الاضطراب، واكتفى بذكره حيث لم يرجح، أو يوفق بين الروايات، مما يكون معه إزالة هذا الاضطراب والقضاء عليه، وحتى بعد أن استمع إلى رأي شيخه البخاري ظل محتفظاً بموقفه، مما يدل على أنه مقتنع به. موقف البخاري من هذا الاضطراب يتمثل موقف البخاري من هذا الاضطراب فيما نقله الترمذي عنه، فإن الترمذي لما سأله عن هذا الاضطراب مستطلعاً رأيه، أجابه بأنه يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً. المراد بالضمير في قول البخاري عنهما وعن المراد بالضمير في قول البخاري "عنهما"، يرى المباركفوري إرجاعه إلى القاسم، والنضر بن أنس، وأن هذا هو الصواب، وأما إرجاعه

стр. 199

إلى زيد ابن أرقم، والنضر بن أنس فخطأ، وقد شفع رأيه هذا بنقولات عن البيهقي، والعيني، والسيوطي، وصاحب غاية المقصود، واستشهد بها على ما ذهب إليه فقال١:"قال العلامة أبو الطيب في "غاية المقصود": أي يحتمل أن يكون قتادة سمع من القاسم والنضر بن أنس، كما صرّح به البيهقي٢، وأخطأ من أرجع الضمير من "محشي الترمذي" إلى زيد بن أرقم، والنضر ابن أنس" ا?. قلت –القائل المباركفوري-: "الأمر كما قال أبو الطيب إرجاع ضمير "عنهما" إلى القاسم، والنضر بن أنس هو الحق". وأما إرجاعه إلى زيد بن أرقم، والنضر بن أنس فخطأ، قال العيني٣: قال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، وأشار إلى اختلاف الرواية فيه، وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني، والنضر بن أنس عن أنس٤، ولم

стр. 200

يقض فيه بشيء. ا?. إلى أن قال: قال السيوطي١: " ... قال البيهقي في "سننه٢" ... قال أبو عيسى٣: قلت لمحمد –يعني البخاري- أي الروايات عندكم أصحّ؟ فقال: لعل قتادة سمع منهما جميعاً عن زيد بن أرقم، ولم يقض فيه بشيء" ا?. قال المباركفوري: "فثبت من هذا كله أن إرجاع ضمير عنهما إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق والصواب" ا?. والذي أوقع هذا الاختلاف، ودعا إلى بحثه هو أن الضمير "عنهما" في كلام البخاري محتمل عوده إلى القاسم والنضر –على رأي بعضهم- ومحتمل عوده إلى زيد، والنضر- على رأي البعض الآخر؛ إذ قتادة٤ –حسب ظاهر الروايات- يروي عن الثلاثة، القاسم، والنضر، وزيد إلا أن مما يقوّي ما ذهب إليه المباركفوري، وأكد عليه من إرجاع الضمير إلى القاسم والنضر هو أن قتادة عن زيد مرسل. قال الحاكم٥:"لم يسمع قتادة عن صحابي غير أنس" ا?.

стр. 201

وذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن حنبل مثل ذلك، فقال في المراسيل١: "أخبرنا حرب بن إسماعيل –فيما كتب إلي- قال: قال أحمد ابن حنبل: ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا عن أنس ﵁. قيل: فابن سرجس؟ ٢ فكأنه لم يره سماعاً". قال في الجرح والتعديل٣: سمعت أبي يقول: لم يلق قتادة من أصحاب النبي ﷺ إلا أنساً، وعبد الله بن سرجس. فهذا يفهم منه أن روايات قتادة عن الصحابة –بما فيهم زيد- مرسلة باستثناء أنس، أما ابن سرجس فمحل اختلاف كما لا يخفى. وقد ذكر كل من ابن أبي حاتم، والعلائي، وابن حجر، جماعة من الصحابة، وأيضاً من غيرهم الذين أرسل عنهم قتادة.

стр. 202

ويساعد على عدم سماع قتادة من زيد أن ولادة قتادة سنة ٦١?، ووفاة زيد مختلف فيها من سنة ٦٥? إلى سنة ٦٨?. فعلم مما تقدم أن رواية قتادة عن زيد مرسلة. وإذا كان الأمر كذلك فإنه من المستبعد أن يكون البخاري لم يلاحظ ذلك في جوابه، فعليه لم يبق إلا إرجاع الضمير إلى القاسم والنضر، وهذا –في نظري- هو الذي يتفق ودقة البخاري المعروفة عنه، ويتفق وموقفه من هذا الاضطراب واجتهاده في إزالته. ولو حصل أن قلنا بإرجاع الضمير إلى زيد بدل القاسم تكون رواية قتادة عن القاسم بحاجة إلى جواب، خاصة والقاسم عرف بهذا الحديث حتى قيل١: "اشتهر القاسم بن عوف بحديث "الحشوش محتضرة" عن زيد بن أرقم" ا?. إذن إرجاع الضمير إلى زيد بدل القاسم يعكر الجمع بين الروايات الذي قصده البخاري، وتطلع إليه في دفع هذا الاضطراب، ومخالف لما أجاب به في العلل الكبير كما نقله عنه الترمذي. وصف لإجابة البخاري تتسم إجابة البخاري بالقوة العلمية، والحدب على السنّة النبويّة في إثبات ما يمكن إثباته، وإلغاء ما يمكن إلغاؤه.

стр. 203

وهي –وإن كانت خالية من الجزم؛ لأنها مبنيّة على الحيطة والتحري والتحفظ- مهمة، وذات قيمة في رفع الاضطراب، وإنقاذ الموقف إلى حدّ بعيد، لا يستغني عنها في هذا الحال وهذا المقام. هل يندفع بإجابة البخاري الاضطراب من كل وجه؟ وعن رفع الاضطراب بإجابة البخاري هذه يرى المباركفوري: أنه لا يندفع الاضطراب بها من كل وجه، ثم دفعه هو بما أورده فقال١: "فإن قلت: لا يندفع الاضطراب من كل وجه بقول البخاري، فيحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً. قلت: نعم، إلا أن يقال: أن قتادة روى عنهما عن زيد بن أرقم، وروى عن زيد بن أرقم من غير واسطة. وأما رواية معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه فوهم كما صرّح به البيهقي٢، والله تعالى أعلم" ا?.

стр. 204

كان هذا هو موقف المباركفوري من إجابة البخاري. وأقول: فإنه ليس هناك ما يمنع من حملها على دفع الاضطراب من كل وجه، وإن عدم تعرض البخاري لرواية معمر بالذكر إهدار لها وإقصاء، وهذا أبلغ إجابة عنها خاصة وما قيل فيها من أنها وهمٌ منقول عن شيخه أحمد ابن حنبل فلا يستبعد إطلاعه عليه. وأما ما بقي وهو ما تحتمله إجابة البخاري فهو –كما قال المباركفوري- أن قتادة روى عنهما عن زيد بن أرقم، وروى عن زيد بن أرقم من غير واسطة أي مرسلا. النتيجة وبعد فقد رأيتَ كيف أن الترمذي يقرر الاضطراب، ويثبته، وكيف أن غيره يرفعه. وسواء اندفع الاضطراب من كل وجه بقول البخاري أو بقول غيره، فإني بعد ذلك أتخيّر رواية شعبة من بين الروايات، وأقدمها على غيرها وغيرها –بعد إسقاط رواية معمر وإطراحها؛ لأنها وهم كما مرّ-

стр. 205

رواية هشام عن قتادة عن زيد، ورواية سعيد عن قتادة عن القاسم عن زيد، فهاتان الروايتان ورواية شعبة هي الروايات التي أمكن الجمع بينها، ومع ذلك يلوح لي أن رواية شعبة أميز رواية وأصحّ، وأنها سيدة هذه الروايات فلذلك جعلتها العمدة وجعلت غيرها يرجع إليها، وهذا مني بناء على الأمور الآتية: سبق أن عرف أن قتادة في رواية هشام روى عن زيد مرسلا بلا واسطة، وروى عنه في روايتي سعيد وشعبة بواسطة القاسم والنضر. ومعنى هذا أن رواية هشام ترجع إلى روايتي سعيد وشعبة، وبإرجاعها إلى ما ذكر يتحصّل لدينا روايتان هما: روايتا سعيد وشعبة. وبالمقارنة بينهما يتضح أن رواية شعبة أصحّ من رواية سعيد لأن الأخيرة فيها قتادة يروي بالعنعنة بينه وبين القاسم، وهذا عدا الكلام الذي قيل في القاسم. وعنعنة قتادة لا تقبل لأنه مدلس سرده العلائي في أسماء المدلسين، وقال: "قتادة بن دعامة السدوسي أحد المشهورين بالتدليس١" وأورده البرهان الحلبي في التبيين في أسماء المدلسين٢ وابن حجر في طبقات المدلسين٣ في أهل المرتبة الثالثة الذين لا

стр. 206

تقبل رواياتهم ما لم يصرّحوا بالتحديث أو السماع، وقد قال: "هو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره" ا?. وأما ما يتعلق بالقاسم وما قيل فيه: فالقاسم هذا كما قال الذهبي١:"مختلف فيه وفي حاله"، ضعّفه شعبة٢ والنسائي٣، وقال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق٤"، وقال ابن عدي٥:" ... وهو ممن يكتب حديثه" ا?. هذا وقد روى له مسلم في صحيحه، فذكر الخزرجي٦ أن له في مسلم فرد حديث. قال الدكتور نور الدين عتر في تعليقه على المغني٧ للذهبي: "له عند مسلم حديث صلاة الأوّابين"٨.

стр. 207

أما ابن حجر فإنه قال في تقريب التهذيب١: "القاسم بن عوف الشيباني، صدوق يغرب، من الثالثة، روى له مسلم، والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه". وهل هذا الكلام في القاسم مؤثر أو غير مؤثر؛ نظراً لأن الذهبي أورده في جزء من تكلم فيه، وهو موثق أو صالح الحديث٢، فإن عنعنة قتادة كافية في تقديم رواية شعبة على رواية سعيد هذه. وعن حال قتادة في رواية شعبة فإن البيهقي قال في "المعرفة"٣: روينا عن شعبة أنه قال: "كنت أتفقد فم قتادة فإذا

стр. 208

قال ثنا، وسمعت حفظته، وإذا قال: حدّث فلان تركته" وقال: "كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش١ وأبي إسحاق٢ وقتادة" ا?. قال ابن حجر في كتابه "طبقات المدلسين"٣ بعد أن نقل هذا عن البيهقي. قلت: "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة" ا?. وقال في "فتح الباري"٤ "ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة، لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه". وقال البرديجي: "أصح الناس رواية عن قتادة: شعبة كان يوقف قتادة على الحديث" ا?. قال ابن رجب٥ الذي نقل هذا عنه: "لأن شعبة كان لا يكتب عن قتادة إلا ما يقول فيه حدثنا، ويسأله عن سماعه". فانظر إلى ذلك مع ما وقع من تصريح قتادة في رواية شعبة بالسماع من النضر بن أنس، كما هو عند ابن خزيمة٦، وابن

стр. 209

حبّان١، وغيرهما، أما النضر بن أنس٢ فهو ثقة معروف الرواية عن زيد بن أرقم، لم ينقل فيه أنه لم يسمع منه، أو أنه مدلس. أن الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال"٣ في ترجمة القاسم بن عوف الشيباني، رجح رواية شعبة هذه، فإنه بعد أن نقل عن ابن عدي قوله: "اشتهر القاسم بن عوف بحديث الحشوش محتضرة عن زيد وهو من يكتب حديثه"، قال: "والأصح حديث قتادة عن النضر بن أنس بدل القاسم عن زيد" ا?. أن ابن حجر اعتمد هذه الرواية ورجحها، فقال في "لسان الميزان"٤ في ترجمة عدي بن أبي عمارة الذارع -وهو راوي الشاهد الآتي- قلت: "ومن أغلاطه أنه روى عن قتادة عن أنس في القول عند دخول الخلاء، وإنما رواه قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم، وقيل عن النضر بن أنس عن أبيه والأول أصح" ا?. أن أبا داود روى في "سننه"٥ رواية شعبة هذه مقتصراً عليها

стр. 210

وسكت عنها، وكأن هذا ترجيح منه، وتقديم لها على سائر الروايات. وأما المنذري في "مختصر السنن"١ فإنه نقل كلام الترمذي على الحديث واعتمده، وقد أشار الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح٢ أنه بيّن في "صحيح أبي داود" رقم (٤) "لم يطبع" أن إسناده صحيح. أنه أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه"٣ من طريقين إلى شعبة واقتصر عليها، أما ابن حبّان فقد أخرجها في "صحيحه"٤ هي ورواية سعيد، وقال: "الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعاً وهو ما تفرد به قتادة" ا?. وكذلك فعل الحاكم٥ فإنه أخرج حديث زيد هذا من طريقين: من طريق سعيد بن أبي عروبة، ومن طريق شعبة، ثم قال: "كلا الإسنادين من شرط الصحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما اتفقا على حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بذكر الاستعاذة فقط" ا?.

стр. 211

وقد أقره الذهبي على ذلك في مختصر المستدرك الذي مع المستدرك، قال ذلك الحاكم بعد أن أشار إلى الاختلاف فيه بقوله: "وهذا الحديث مختلف فيه على قتادة"، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. وقد كان لفظ رواية شعبة عند الحاكم: "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم دخل الغائط، فليقل أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم". وممن أشار إلى الاختلاف في حديث زيد ورجح عليه حديث عبد العزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك أبو زرعة، كما نقل ذلك عنه ابن أبي حاتم في "علل الحديث"١ قال: "سمعت أبا زرعة يقول: حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ في دخول الخلاء قد اختلفوا فيه، فأما سعيد بن أبي عروبة فإنه يقول: عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد عن النبي ﷺ ، وحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس أشبه عندي". ا?. أن سعيد بن أبي عروبة رواه كرواية شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"٢، عن

стр. 212

مؤمل ابن هشام١، عن إسماعيل بن علية٢، عن سعيد بن أبي عروبة. شواهد الحديث هناك شاهد للحديث على أوله رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"٣ قال: حدثنا عبد الله٤، وأبو يعلى٥ قالا: حدثنا قطن بن نسير٦، حدثنا عدي بن أبي عمارة

стр. 213

الذراع١ قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل بسم الله". وقد أورد السيوطي في "الجامع الصغير"٢ وعزاه لابن السني وفيه الرمز بصحته، وقد بيّن المناوي في "فيض القدير"٣ خطأ هذا الرمز حيث قال: "رمز لحسنه" ا?. وعرفنا فينا سبق أن ابن حجر يعد هذا الحديث من أغلاط عدي بن أبي عمارة الذارع، وقال: إنما الحديث هو عن قتادة عن زيد بن أرقم. وفي "كنز العمال"٤ عزاه لابن السني إلا أنه جعله من مسند أبي هريرة بدل أنس وهذا وهم.

стр. 214

وقد مضى حديث أنس بن مالك الذي رواه أصحاب الكتب الستة، والذي قال عنه الترمذي: "وحديث أنس أصحّ شيء في هذا الباب وأحسن"، وهو شاهد لحديث زيد على آخره.

стр. 215

الحديث الثّاني: باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، من أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ١/٢٥-٢٨ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر
следующие страницы →