← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 2754

سؤالات الترمذي للبخاري حول أحاديث في جامع الترمذي

يوسف بن محمد الدخيل

Полный текст (886 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد أقره الذهبي على ذلك في مختصر المستدرك الذي مع المستدرك، قال ذلك الحاكم بعد أن أشار إلى الاختلاف فيه بقوله: "وهذا الحديث مختلف فيه على قتادة"، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. وقد كان لفظ رواية شعبة عند الحاكم: "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم دخل الغائط، فليقل أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم". وممن أشار إلى الاختلاف في حديث زيد ورجح عليه حديث عبد العزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك أبو زرعة، كما نقل ذلك عنه ابن أبي حاتم في "علل الحديث"١ قال: "سمعت أبا زرعة يقول: حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ في دخول الخلاء قد اختلفوا فيه، فأما سعيد بن أبي عروبة فإنه يقول: عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد عن النبي ﷺ ، وحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس أشبه عندي". ا?. أن سعيد بن أبي عروبة رواه كرواية شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"٢، عن

стр. 212

مؤمل ابن هشام١، عن إسماعيل بن علية٢، عن سعيد بن أبي عروبة. شواهد الحديث هناك شاهد للحديث على أوله رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"٣ قال: حدثنا عبد الله٤، وأبو يعلى٥ قالا: حدثنا قطن بن نسير٦، حدثنا عدي بن أبي عمارة

стр. 213

الذراع١ قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل بسم الله". وقد أورد السيوطي في "الجامع الصغير"٢ وعزاه لابن السني وفيه الرمز بصحته، وقد بيّن المناوي في "فيض القدير"٣ خطأ هذا الرمز حيث قال: "رمز لحسنه" ا?. وعرفنا فينا سبق أن ابن حجر يعد هذا الحديث من أغلاط عدي بن أبي عمارة الذارع، وقال: إنما الحديث هو عن قتادة عن زيد بن أرقم. وفي "كنز العمال"٤ عزاه لابن السني إلا أنه جعله من مسند أبي هريرة بدل أنس وهذا وهم.

стр. 214

وقد مضى حديث أنس بن مالك الذي رواه أصحاب الكتب الستة، والذي قال عنه الترمذي: "وحديث أنس أصحّ شيء في هذا الباب وأحسن"، وهو شاهد لحديث زيد على آخره.

стр. 215

الحديث الثّاني: باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، من أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ١/٢٥-٢٨ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر

стр. 216

حدثنا هناد وقتيبة، قالا حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله١ قال: "خرج النبي ﷺ لحاجته فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار" قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة٢ وقال: "إنها ركس "٣٤.

стр. 217

كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع١ هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل٢. وروى معمر٣ وعمار بن رزيق٤، عن أبي إسحاق، عن علقمة٥، عن عبد الله٦ وروى زهير٧، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن

стр. 218

الأسود١، عن أبيه الأسود بن يزيد ٢، عن عبد الله٣. وروى زكريا بن أبي زائدة٤، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد٥ عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله٦. وهذا حديث فيه اضطراب.

стр. 219

قال أبو عيسى: وأصحّ شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة؛ لأن إسرائيل١ أثبت وأحفظ لحديث أبي

стр. 220

إسحاق من هؤلاء. وتابعه على ذلك قيس بن الربيع١. قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى٢ يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي٣ يقول: "ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري٤، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم". قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك سماعه منه بآخره. قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي٥ يقول: سمعت أحمد بن

стр. 221

حنبل يقول: "إذا سمعت الحديث عن زائدة١، وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق". وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني٢. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود٣ لم يسمع من أبيه، ولا يعرف اسمه.

стр. 222

حدثنا محمد بن بشار العبدي١ حدثنا محمد بن جعفر٢، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة٣ قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله "هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا"٤. ترجيح الترمذي لرواية إسرائيل قدم الترمذي بما ساقه من اختلاف الروايات على أبي إسحاق الدليل لما استخلصه منها في قوله "وهذا حديث فيه اضطراب". وهو قبل أن يذكر لنا رأيه في هذا الاضطراب أطلعنا على موقف الدارمي منه، كما كشف لنا عن رأي البخاري فيه. فقد قام الترمذي مشكوراً بعرض الاضطراب على الدارمي شيخه وشيخ شيخه، وعلى شيخه البخاري "وذلك في سبيل البحث عن حل له

стр. 223

ومخرج منه". فذكر أنه سأل الدارمي عن أصح الروايات في ذلك؟ إلا أن الدارمي على جلالة قدره توقف، ولم يقض فيها بشيء، فلم يبد رأيه في الموضوع، ولم يفصل فيه بشيء لا بترجيح ولا غيره. وذكر أنه سأل البخاري عن الموضوع؟ فكان موقفه منه مبدئياً يشبه تماماً موقف الدارمي أقر بالاضطراب، ولم يحكم فيه بشيء، ثم أداه اجتهاده إلى غير ذلك فاختار إحدى الروايات، وهي رواية زهير ووضعها في كتابه "الجامع الصحيح" وهذا ما نبه عليه الترمذي بقوله: "وكأنه –أي البخاري- رأى حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود أشبه، ووضعه في كتاب "الجامع". فالبخاري بوضعه لرواية زهير في "صحيحه" يشير إلى ذلك الاجتهاد والترجيح من غير أن يصرّح. وبهذا الصنيع يكون البخاري قضى على الاضطراب. أما الترمذي فإنه خالف شيخه، وخالف اجتهاده، فرجح رواية أخرى غير الرواية التي رجحها شيخه. فقد اجتهد الترمذي في إزالة هذا الاضطراب وأبدى رأيه، فرجح –بما ذكره من وجوه الترجيح الثلاثة- رواية إسرائيل على باقي الروايات بما فيها رواية زهير التي اختارها شيخه، وأودعها جامعه الصحيح. وهذا يظهر لنا استقلال الترمذي وثقله في الميدان العلمي، وتمسكه بما يقوم لديه من دليل وحجة، فلم يقلد شيخه فيما رآه وذهب إليه.

стр. 224

والترمذي ليس وحده في هذا الترجيح، فقد قال ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري١: "وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل٢ وكأن الترمذي تبعهما في ذلك" ا?. وجوه ترجيح الترمذي لرواية إسرائيل والوجوه الثلاثة التي رجح بها الترمذي رواية إسرائيل هي: أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعمر ومن معهما. وقد قوى هذا الوجه بما ذكره بإسناده عن عبد الرحمن بن

стр. 225

مهدي، قال: "ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم" ا?. معنى هذا الكلام على ما في "الكوكب الدريّ"١: "أن الذي فاتني من حديث سفيان ولم اعتمد عليه، كان السبب فيه اتكالي على إسرائيل؛ فإنه كان يأتي برواية أبي إسحاق أتم من سفيان". أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل في روايته عن أبي إسحاق. ما قاله في شأن زهير: "وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخرة". وقد أيّد الترمذي هذا الوجه بما قاله أحمد بن حنبل: "إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق". والترمذي بهذا الوجه بالذات يبدو وأنه يرمي إلى تعليل رواية زهير التي اختارها شيخه، وتقوية موقفه باختياره لرواية إسرائيل، فزهير عنده سمع من أبي إسحاق بآخره، أما إسرائيل فإنه لم يسمع منه بآخره. ابن حجر يثبت قوة ترجيح البخاري على ترجيح الترمذي وإذا كان الترمذي تولى بنفسه ذكر تلك الوجوه لتقوية ترجيحه

стр. 226

على ترجيح شيخه البخاري، فإن ابن حجر تولى في مقدمة فتح الباري١ والفتح٢ بيان قوة ترجيح البخاري على ترجيح الترمذي، وفي أثناء ذلك تعرّض للجواب عن العلتين اللتين وجهتا إلى ما رجحه البخاري علة الاضطراب وعلة التدليس. علة الاضطراب والجواب عنها غير خاف أن الدارقطني٣ انتقد فيما انتقد من أحاديث البخاري حديث زهير هذا الذي رجحه البخاري، ووضعه في كتاب "الجامع" فاعترض عليه بكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق. فإن الدارقطني بعد أن ساق وجوه الاختلاف فيه على أبي إسحاق بأتم مما ساقه الترمذي وغيره قال: "وأحسنها سياقاً الطريق الأولى التي أخرجها البخاري، ولكن في النفس منها شيء، لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق" ا?. فالدارقطني كان موافقاً للترمذي في موضوع الاضطراب، وقد صرّح بأن الطريق التي أخرجها البخاري أحسن الطرق سياقاً، ولولا الاستدراك الذي أتى به لقلنا بأنه يؤيد موقف البخاري في اختياره وترجيحه، إلا أنه في استدراكه أبان وجه نقده وطعنه لرواية البخاري

стр. 227

هذه. ومعنى هذا أن علة الاضطراب لا زالت باقية فيها عند الدارقطني. ولما كان الاعتراض من الدارقطني بمثل هذا يقدح في شرط البخاري الذي شرطه في كتابه وهو أن يخرّج فيه الصحيح، والحديث المضطرب ليس بصحيح كما هو معروف، فإننا نجد ابن حجر يدافع عن البخاري وينتصر له، ويحقق في الموضوع، فيرد دعوى الاضطراب هذه، وينفيها بعدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه، حيث أمكن ترجيح بعضها على بعضها الآخر. ومعنى هذا تخلف أحد الشرطين الموجبين للاضطراب وهما كما قال ابن حجر١: "استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجّح أحد الأقوال قدّم ولا يعل الصحيح بالمرجوح. مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك" ا?. ويعقّب ابن حجر على هذا بقوله: "وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير، وعن إسرائيل، مع أنه يمكن ردّ أكثر الطرق إلى رواية زهير" ا?.

стр. 228

ونفهم من هذا الكلام أنه لا اضطراب في الروايات؛ لأن بعضها راجح وبعضها مرجوح، والراجح منها رواية إسرائيل التي اعتمدها الترمذي، ورواية زهير التي اعتمدها البخاري، وقد صرّح ابن حجر بأرجحيتهما على غيرهما في كلام قبل ذلك فقال١: "مجموع كلام الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل، وهي عن أبي عبيدة، عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعاً، أو رواية زهير، وهي عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلا، وهو تصرف صحيح؛ لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية" ا?. علة التدليس والجواب عنها ننتقل بعد ذلك إلى علة التدليس التي أعله بها الشاذكوني٢ فإنه

стр. 229

صرّح –فيما حكاه الحاكم١ عنه- بأن أبا إسحاق دلّس هذا الخبر عن عبد الرحمن بن الأسود، فقال في قول أبي إسحاق "ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ... ": ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال: "أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان" ولم يقل: "حدثني" فجاز الحديث وسار" ا?. فعند الشاذكوني أن قوله "ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه" تدليس، حيث لم يقل مثلا "ولكن عبد الرحمن بن الأسود ذكره لي فأوهم أنه سمعه منه". ولما كان أبو إسحاق٢ معروفاً بالتدليس، فهذا مما دلسه ولم يسمعه

стр. 230

من عبد الرحمن، فيكون الحديث منقطعاً ولا يأخذ حكم الاتصال. والذي يبدو أن الشاذكوني لم ينفرد بما ذكره من علة التدليس في الحديث، فإن السيوطي أورد قول أبي إسحاق "ليس أبو عبيدة ... " الخ في "تدريب الراوي"١ مثالا على قسم من أقسام تدليس الإسناد مصدراً له بقوله: "وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن ابن الأسود عن أبيه. فقوله عبد الرحمن "تدليس يوهم أنه سمعه منه" ا?. وهنا ملاحظة وهي أن السيوطي ضرب هذا مثالا للتدليس ولم ينفه، وكان من حقه لو لم يكن تدليساً لنفاه.

стр. 231

وجوه تقديم ما رجحه البخاري على ما رجحه الترمذي وفيما يلي الأسباب التي دعت إلى تقديم ما رجحه البخاري حسب ما ذكره ابن حجر: متابعة يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق١، وزكرياء بن أبي زائدة٢، وشريك٣ القاضي، وغيرهم لزهير وهي متابعات تامة. متابعة ليث بن أبي سليم لأبي إسحاق وهي متابعة قاصرة أخرجها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"٤. قال ابن حجر (٥) :"وليث وإن كان ضعيف الحفظ، فإنه يعتبر به، ويستشهد، فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلا" ا?. اختيار أبي إسحاق في رواية زهير لطريق عبد الرحمن بن الأسود وعدوله عن رواية أبي عبيدة.

стр. 232

قال ابن حجر١: "ثم أن ظاهر سياق زهير يشعر بأن أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة، عن أبيه، ثم رجع عن ذلك، وصيره عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه. فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضراً للسندين جميعاً عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبد الرحمن، واضرب عن طريق أبي عبيدة. فأما أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة، أو كان سمعه منه، وحدث به عنه، ثم عرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعاً فأعلمهم أن عنده فيه إسناداً متصلا، أو كان حدّث به عن أبي عبيدة مدلساً له ولم يكن سمعه منه" ا?. فابن حجر وإن لم يجزم هنا بأحد هذه الثلاثة الأمور التي ذكرها في بيان سبب عدول أبي إسحاق عن طريق أبي عبيدة، فإنه جزم بواحد منها أثناء تعرضه للحديث من "الفتح"٢ فقال: "وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له؛ لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن؛ فإنها موصولة" ا?. وقد ختم ابن حجر بالآتي مثبتاً على البخاري وعلى دقته وقوة علمه، ومتعجباً ممن حكم على ما اختاره البخاري بالمرجوحية فقال: "وإذا تقرر

стр. 233

ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل وزهير لا تعارض بينهما، إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنها اقتضت رفع الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل، فترجحت رواية زهير. وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل، فإن شريكاً القاضي تابع زهيراً وشريك أوثق من قيس على أن الذي حررناه لا يرد شيئاً من الطريقين إلا أنه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة، وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي البخاري، وثقوب ذهنه، والله أعلم. وقد أخرج البخاري١ من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود، فازداد قوة بذلك. فانظر إلى هذا الحديث كيف حكم عليه بالمرجوحيّة مثل أبي حاتم وأبي زرعة، وهما إماما التعليل، وتبعهما الترمذي، وتوقف الدارمي، وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشاذكوني، ومع ذلك فتبيّن بالتنقيب والتتبع التام أن الصواب في الحكم له بالراجحية، فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النقاد من العلل؟ هل يسوغ أن يقبل منهم في حق مثل هذا الإمام مسلماً؟ كلا والله والله الموفق" ا?.

стр. 234

موافقة المباركفوري وأحمد شاكر لابن حجر وقد وافق ابن حجر في تقديم رواية زهير على رواية إسرائيل كلٌّ من المباركفوري في تحفة الأحوذي١، وأحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي٢ مناقشة المباركفوري للترمذي في ترجيحه لرواية إسرائيل والمباركفوري قد انضم إلى ابن حجر في الانتصار لموقف البخاري؛ فإنه ناقش الترمذي في كل وجه من الوجوه الثلاثة التي رجّح بها رواية إسرائيل، فأتى عليها كلها بالتضعيف؛ إذ أورد في كل وجه منها ما يعارضه فقال٣: "اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي وضعها الإمام البخاري في "صحيحه" وعلى روايات معمر وغيره بثلاثة وجوه: الأول: أن إسرائيل أثبت، وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعمر وغيرهما. الثاني: أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. الثالث: أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في آخر عمره، وسماع زهير منه في آخر عمره.

стр. 235

قلت (القائل المباركفوري) في كل من هذه الوجوه الثلاثة نظر: فما قال في الوجه الأول، فهو معارض بما قال الآجري: "سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق؟ فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير". وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل. فإن شريكا القاضي تابع زهيراً، وشريك أوثق من قيس. وأيضاً تابع زهيراً، إبراهيم١ بن يوسف عن أبيه، وابن حماد الحنفي، وأبو مريم وزكريا بن أبي زائدة. وما قال في الوجه الثالث، فهو معارض بما قال الذهبي٢: "قال أحمد بن حنبل: "حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين سمعا منه بأخرة" ا?. ثم يخلص المباركفوري إلى هذه النتيجة التي يصرّح فيها بضعف هذه الوجوه وترجيح رواية زهير، فيقول: "فظهر أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح، بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها البخاري ووضعها في صحيحه" ا?. مناقشتي للمباركفوري فيما اعترض به وإذا كان يحفظ للمباركفوري أنه اعتنى بما ذكره الترمذي من وجوه ترجيح لما اختاره ولم يهمله، بل ناقشه فيه ورده بما أتى به، فإن

стр. 236

ابن حجر لم يتعرض إلا لواحد منها وهو متابعة قيس لإسرائيل حيث قال١: "وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل، فإن شريكاً القاضي تابع زهيراً وشريك أوثق من قيس" ا?. وأما الوجهان الآخران فلم يتعرض لهما بشيء من الذكر بل ركز على بيان وجوه ترجيح رواية زهير التي اختارها البخاري. وأنا أرى بنظري القاصر أنه من تمام البحث ومن مكملات الترجيح لرواية زهير أن يجاب عن أوجه ترجيح الرواية التي في مقابلها، وهي رواية إسرائيل. وقد فعل المباركفوري حسناً حين تولى ذلك وكمل موضوع ترجيح رواية زهير، ولكن هذا لا يمنع من مناقشة المباركفوري في أجوبته تلك، بل أرى أنه لا مانع من مناقشة من هو أكبر منه إذا ظهر محل لذلك، وكان القصد واضحاً، والحق هو الرائد. فلا أدري كيف يعارض المباركفوري الوجه الأول بما قاله أبو داود وهو قول واحد، فلو لم يكن في إسرائيل وأنه أثبت وأحفظ من زهير وغيره في أبي إسحاق لكثرة ممارسته لحديثه إلا قول الترمذي ذلك، فإنه ما كان ينبغي أن نعارضه بقول أبي داود في زهير، ومن ثم أخذه في جانب ترجيح رواية زهير فكان على الأقل أن يقال –والحالة هذه-: ليس قول كل واحد منهما أي من الترمذي، وأبي داود بأولى من الآخر؛ فإن كليهما إمام معتبر لا يبعد أحدهما عن الآخر.

стр. 237

كيف وقد أيّد الترمذي ما قاله بما نقله عن ابن مهدي من اتكاله وهو الإمام على إسرائيل في حديث أبي إسحاق بدل سفيان لأن إسرائيل كان يأتي به أتم. فهذه شهادة لها قيمتها من مثل ابن مهدي بل نقل ابن حجر١ عنه أنه قال في حق إسرائيل: "إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري". فهذا تصريح منه بتقديم إسرائيل في أبي إسحاق ليس في سفيان فقط، بل وفي شعبة أيضاً٢ وشعبة وسفيان هما من هما ليس شأنهما هيناً، بل هما جبلان.

стр. 238

قال ابن رجب١: "وقد رجحت طائفة إسرائيل في أبي إسحاق خاصة على الثوري وشعبة، ومنهم ابن مهدي" ا?. ولا نفاجأ إذا وجدنا شعبة نفسه يعترف بترجيح إسرائيل عليه في حديث أبي إسحاق، فقد قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٢: "قال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حدثنا حديث أبي إسحاق قال: سلوا عنها إسرائيل فإنه أثبت فيها مني" ا?. قال الذهبي في ميزان الاعتدال٣ وقد أورد إسرائيل فيه: "قلت:

стр. 239

إسرائيل اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالاسطوانة، فلا يلتفت إلى تضعيف من ضعّفه، نعم شعبة أثبت منه إلا في أبي إسحاق" ا?. فأنت ترى أن الذهبي يلفت النظر إلى هذه الناحية، ويؤكذ عليها، وهي تقديم إسرائيل في أبي إسحاق على شعبة؛ لأن إسرائيل أثبت منه فيه. أما رأي أحمد، وابن معين، ومعاذ بن معاذ فهو تقديم شعبة والثوري على إسرائيل في أبي إسحاق، فرأي هؤلاء في شعبة يخالف رأيه هو في نفسه كما لا يخفى. قال ابن حجر١: "وقدم ابن معين وأحمد شعبة والثوري على إسرائيل في حديث أبي إسحاق، وقدمه ابن مهدي عليهما" ا?. وقال ابن أبي خيثمة٢: "سمعت ابن معين يقول: أثبت أصحاب أبي إسحاق: الثوري وشعبة، وهما أثبت من زهير وإسرائيل، وهما قرينان. قال: سمعت ابن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث أبي إسحاق من الثوري" ا?. وقال ابن المديني٣: سمعت معاذ بن معاذ وقيل له: أي أصحاب أبي إسحاق أثبت؟ قال: "شعبة وسفيان" ثم سكت.

стр. 240

ولا نستغرب إذا عرفنا أن هذا أيضاً رأي الترمذي وهو تقديم شعبة والثوري على إسرائيل وغيره ممن روى عن أبي إسحاق، فقد ذكر الترمذي في كتابه "الجامع"١ أن الثوري وشعبة أحفظ وأثبت من جميع من روى عن أبي إسحاق. ولا خلاف بين هذا وبين ما ذكر هنا مما نحن بصدده، فقد أشار هنا إلى أن إسرائيل أرجح ومقدم في أبي إسحاق من زهير ومن ذكر معه، وواضح أنه ليس فيمن ذكر معه شعبة والثوري. قال ابن حجر٢: "وقدمه أحمد في حديث أبي إسحاق على أبيه٣، وكذا قدمه أبوه على نفسه" ا?. قال الأثرم٤ "وضعّف أحمد حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبيه، وقال: "حديث إسرائيل أحبّ إلي منه" ا?. قال أبو طالب٥: قلت لأحمد: من أحبّ إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب.

стр. 241

وتقديم أبيه له على نفسه ذكره عيسى بن يونس١ أخو إسرائيل قال٢: "كان أصحابنا سفيان وشريك وعدّ قوماً إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي فيقول: "اذهبوا إلى ابني إسرائيل فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جده". قال شبابة بن سوار٣: "قلت ليونس بن أبي إسحاق: أمل علي حديث أبيك. قال: اكتبه عن ابني "إسرائيل" كان أبي أملاه عليه". أما أبو حاتم فجعله مرة من أتقن أصحاب أبي إسحاق٤، ومرة قال٥: "زهير أحبّ إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق". وهذا -كما يبدو- يعود إلى الأول؛ إذ مفهومه: إسرائيل أحبّ إليه من زهير في حديث أبي إسحاق. وقال أبو زرعة –فيما نقله عنه ابن أبي حاتم٦- "وإسرائيل أحفظهم".

стр. 242

وإذا أصغينا إلى قول غيره فيه فلننصت إلى قوله هو عن نفسه وقد أفصح عن حاله في أحاديث جده أبي إسحاق كما قال١ –فيما رواه أخوه عيسى عنه-: "كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن". نقل السخاوي في "فتح المغيث"٢ عن ابن مهدي أنه قال في إسرائيل: "إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد". وأخيراً فما هو رأي القارئ الكريم في كل هذه النقولات؟! بل ما هو رأي المباركفوري نفسه فيها؟ أما أنا فأقول إنه لا يمكن أن يقف أمامها قول أبي داود الذي حكاه الآجري عنه، ونقله المباركفوري معارضاً به وجه تقديم الترمذي إسرائيل على زهير في حديث أبي إسحاق. وقد فرغنا من ذلك ننتقل عقبه إلى شيء آخر لنا فيه وقفة مع المباركفوري، وهو أنه ذكر في جوابه على الوجه الثالث أنه معارض بما نقله الذهبي٣ عن أحمد، قال: "حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين سمعا منه بآخرة". والحقيقة أن هذا لا يعارض قول الترمذي من كل وجه، غاية ما فيه أن إسرائيل أيضاً ممن سمع من أبي إسحاق بآخره.

стр. 243

أما سماع زهير منه بآخرة فإنه باقي كما صرّح به الترمذي، حيث لم يتعرض له بأي نفي. وإذا كان الأمر كذلك أصبحت رواية زهير ورواية إسرائيل على حدّ سواء؛ لأن زهيراً سمع من أبي إسحاق بآخره؛ بناء على قول الترمذي؛ ولأن إسرائيل سمع منه بآخره؛ بناء على قول أحمد، ويكون التعليل الذي أراد الترمذي أن يعلل به رواية زهير وهو سماعه من أبي إسحاق بآخره موجوداً في رواية إسرائيل. وإذا علم ذلك فالتعارض بهذا الشكل مسلم، أما إذا أريد به إسقاط رواية إسرائيل وترجيح رواية زهير عليها فلا. والواقع أنه وجد من خالف في إسرائيل، ولم أر أحداً خالف في زهير. فإذا كان إسرائيل عند أحمد وعند ابن معين أيضاً١ ممن سمع من أبي إسحاق بآخره، فإن سماعه من أبي إسحاق عند ابن مهدي وأبي حاتم، ويضاف إليها الترمذي متقدم ليس بآخره وقد ذكر الخلاف في ذلك السيوطي في "تدريب الراوي"٢، وسبقه إليه العراقي٣، فقال السيوطي عقب عد النووي في "تقريبه" لأبي إسحاق فيمن خلط٤ من الثقاة:

стр. 244

"وممن سمع منه حينئذ إسرائيل بن يونس، وزكريا بن أبي زائدة، وزهير، وخالف ابن مهدي، وأبو حاتم في إسرائيل" ا?. وفي نظري لو قدم أحد إسرائيل على زهير في أبي إسحاق بالنسبة لهذا الوجه لكان مندوحة لأن إسرائيل فيه خلاف، أما زهير فلا خلاف فيه، فما هي إلا كلمة واحدة وهي أنه سمع منه بآخره. وأخيراً اذكر بما مضى، أذكر بالثناء الذي لاقاه إسرائيل لحفظه وضبطه وتثبته في حديث أبي إسحاق مما لا يتفق والقول بأنه سمع من أبي إسحاق بآخره؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما وصف بذلك الوصف، وذلك الضبط والإتقان، نتبيّن هذا واضحاً في موقف من خالف في سماعه من أبي إسحاق بآخره؛ إذ هم بعض من أثنى عليه بما سبق. على أنه ينبغي أن يستفاد هنا من شهادة شعبة المتقدمة لإسرائيل، فمع كون شعبة وصف بأنه أقدم سماعاً من إسرائيل في أبي إسحاق فقد رأينا كيف شهد له بأنه أثبت منه في أحاديث أبي إسحاق، وهي شهادة

стр. 245

لها قيمتها، ولا يستغنى عنها المقام، وهذا ابن مهدي يقدم إسرائيل على شعبة والثوري في أبي إسحاق والثوري من أصحاب أبي إسحاق القدماء أيضاً بلا خلاف. نعم على رأي الذهبي الذي ينفى أن يكون أبو إسحاق اختلط لا يبقى لهذه النقطة أي أثر، ويكون بحثها ضرباً من العبث. فإن الذهبي قال في "ميزان الاعتدال"١ عن أبي إسحاق وقد أورده فيه: "من أئمة التابعين بالكوفة وأثباتهم إلا أنه شاخ ونسي ولم يختلط، وقد سمع منه ابن عيينة، وقد تغير قليلا" ا?. ولما قال ابن الصلاح في "علوم الحديث"٢: "أبو إسحاق اختلط أيضاً، ويقال: إن سماع سفيان بن عيينة منه بعد ما اختلط ذكر ذلك أبو يعلى الخليلي" ا?. علّق عليه العراقي في "التقييد والإيضاح"٣ بقوله: فيه أمور. فنذكر منها: أحدها: أن صاحب الميزان أنكر اختلاطه، ثم نقل كلامه الآنف الذكر، ولم يتعقبه بشيء، بل اكتفى بما ذكر، وكذا فعل في "التبصرة والتذكرة"٤.

стр. 246

وممن اكتفى بالإشارة إلى ذلك والتنبيه عليه أيضاً السخاوي في "فتح المغيث"١، والسيوطي في "تدريب الراوي"٢. ولا أدري كيف أنكر الذهبي ذلك، وقد جاء وصفه بالاختلاط على لسان أحمد، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، وغيرهم. قال محمد بن موسى بن مشيس٣: "سئل أحمد بن حنبل: أيما أحبّ إليك شريك أو إسرائيل؟ فقال: إسرائيل هو أصحّ حديثاً من شريك إلا في أبي إسحاق، فإن شريكاً أضبط عن أبي إسحاق. قال: وما روى يحيى (يعني القطان) عن إسرائيل شيئاً. فقيل: لم؟ فقال: لا أدري أخبرك إلا أنهم يقولون من قبل أبي إسحاق؛ لأنه خلط" ا?. ونقل الدوري عن يحيى بن معين قال٤: زكريا وزهير وإسرائيل حديثهم عن أبي إسحاق قريب من السواء سمعوا منه بأخرة، إنما صحب أبا إسحاق سفيان وشعبة. وقال أبو زرعة٥ في زهير بن معاوية: "ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط".

стр. 247

وقال أبو عثمان البرذعي١: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن نمير يقول: سماع يونس وزكريا وزهير من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وماذا يعني قول أحمد الذي نقله ابنه صالح عنه٢: "إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخرة". وكذا قول الترمذي في زهير بن معاوية: "وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخرة" إلا أن أبا إسحاق قد اختلط، وإلا فما الفائدة منه. وقد علّق العراقي على قول ابن الصلاح٣: "ويقال إن سماع سفيان ابن عيينة منه بعد ما اختلط فقال٤: الأمر الثالث: أن المصنف لم يذكر أحداً قيل عنه أن سماعه منه بعد الاختلاط إلا ابن عيينة، وقد ذكر ذلك عن إسرائيل بن يونس، وزكريا ابن أبي زائدة، وزهير بن معاوية، وكذلك تكلم في رواية زائدة بن قدامة عنه٥، ثم أخذ يفصّل فقال: أما إسرائيل فقال صالح بن أحمد بن حنبل

стр. 248

عن أبيه وذكر ما ذكرناه سابقاً عنه، وأما زهير وذكر فيه قول الترمذي. وفي "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم١ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي: "أيّما أحبّ إليك؟ أبو إسحاق أو السدي. فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بآخرة" ا?. وقال البرهان الحلبي في كتابه "الاغتباط بمن رمى بالاختلاط"٢ عن أبي إسحاق. "وقد ذكره أيضاً فيهم (يعني في المختلطين) ابن الصلاح" ا?.

стр. 249

وتبع ابن الصلاح النووي في "تقريبه"١ فأورده فيهم. وكذا أورده ابن الكيال في كتابه "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات"٢، ونقل أقوال أهل العلم في اختلاطه. وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣ عنه أيضاً: "اختلط بأخرة". إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وما أوردته فيه كفاية ومقنع على وصف أبي إسحاق بالاختلاط. خاصة أن من الواصفين له بذلك من هو أقرب إلى زمنه كثيراً كأحمد، وابن معين، وأبي زرعة، وهؤلاء أئمة كبار، وعلماء أثبات. هذا ولا يخفى ما بين الذهبي، وأبي إسحاق من القرون المتطاولة. والواقع أني فتشت كثيراً من الكتب علِّي أجد سلفا للذهبي، وسندا له في نفي الاختلاط عن أبي إسحاق، إلا أنني بعد طول بحث وتنقيب لم أجد، ثم عثرت أخيراً على قول لابن شاهين قلت: يمكن أن يصلح دليلا لما ذكره الذهبي؛ فقد أورد ابن شاهين أبا إسحاق في كتابه الثقات٤، وقال: "ثقة تغير قبل موته من الكبر ساء حفظه" ا?.

стр. 250

فكلام ابن شاهين هذا أفاد أن أبا إسحاق حصل له تغير قبل موته، بأن ساء حفظه ونقص، وذلك بسبب تقدم العمر به، وليس فيه أنه اختلط. وأخيراً الذي يبدو بعد ذلك كله أن الحق في تقديم رواية زهير التي اختارها البخاري، وترجيحها على رواية إسرائيل التي اختارها الترمذي؛ فإن الصواب كان حليفاً للبخاري، وأظهر شيء في ترجيح رواية زهير على رواية إسرائيل أن رواية زهير موصولة، وهذا بخلاف رواية إسرائيل فإنها منقطعة بصريح قول الترمذي: "أبو عبيدة بن مسعود١ لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه".
следующие страницы →