← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 2754

سؤالات الترمذي للبخاري حول أحاديث في جامع الترمذي

يوسف بن محمد الدخيل

Полный текст (886 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وممن اكتفى بالإشارة إلى ذلك والتنبيه عليه أيضاً السخاوي في "فتح المغيث"١، والسيوطي في "تدريب الراوي"٢. ولا أدري كيف أنكر الذهبي ذلك، وقد جاء وصفه بالاختلاط على لسان أحمد، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، وغيرهم. قال محمد بن موسى بن مشيس٣: "سئل أحمد بن حنبل: أيما أحبّ إليك شريك أو إسرائيل؟ فقال: إسرائيل هو أصحّ حديثاً من شريك إلا في أبي إسحاق، فإن شريكاً أضبط عن أبي إسحاق. قال: وما روى يحيى (يعني القطان) عن إسرائيل شيئاً. فقيل: لم؟ فقال: لا أدري أخبرك إلا أنهم يقولون من قبل أبي إسحاق؛ لأنه خلط" ا?. ونقل الدوري عن يحيى بن معين قال٤: زكريا وزهير وإسرائيل حديثهم عن أبي إسحاق قريب من السواء سمعوا منه بأخرة، إنما صحب أبا إسحاق سفيان وشعبة. وقال أبو زرعة٥ في زهير بن معاوية: "ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط".

стр. 247

وقال أبو عثمان البرذعي١: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن نمير يقول: سماع يونس وزكريا وزهير من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وماذا يعني قول أحمد الذي نقله ابنه صالح عنه٢: "إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخرة". وكذا قول الترمذي في زهير بن معاوية: "وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخرة" إلا أن أبا إسحاق قد اختلط، وإلا فما الفائدة منه. وقد علّق العراقي على قول ابن الصلاح٣: "ويقال إن سماع سفيان ابن عيينة منه بعد ما اختلط فقال٤: الأمر الثالث: أن المصنف لم يذكر أحداً قيل عنه أن سماعه منه بعد الاختلاط إلا ابن عيينة، وقد ذكر ذلك عن إسرائيل بن يونس، وزكريا ابن أبي زائدة، وزهير بن معاوية، وكذلك تكلم في رواية زائدة بن قدامة عنه٥، ثم أخذ يفصّل فقال: أما إسرائيل فقال صالح بن أحمد بن حنبل

стр. 248

عن أبيه وذكر ما ذكرناه سابقاً عنه، وأما زهير وذكر فيه قول الترمذي. وفي "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم١ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي: "أيّما أحبّ إليك؟ أبو إسحاق أو السدي. فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بآخرة" ا?. وقال البرهان الحلبي في كتابه "الاغتباط بمن رمى بالاختلاط"٢ عن أبي إسحاق. "وقد ذكره أيضاً فيهم (يعني في المختلطين) ابن الصلاح" ا?.

стр. 249

وتبع ابن الصلاح النووي في "تقريبه"١ فأورده فيهم. وكذا أورده ابن الكيال في كتابه "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات"٢، ونقل أقوال أهل العلم في اختلاطه. وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣ عنه أيضاً: "اختلط بأخرة". إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وما أوردته فيه كفاية ومقنع على وصف أبي إسحاق بالاختلاط. خاصة أن من الواصفين له بذلك من هو أقرب إلى زمنه كثيراً كأحمد، وابن معين، وأبي زرعة، وهؤلاء أئمة كبار، وعلماء أثبات. هذا ولا يخفى ما بين الذهبي، وأبي إسحاق من القرون المتطاولة. والواقع أني فتشت كثيراً من الكتب علِّي أجد سلفا للذهبي، وسندا له في نفي الاختلاط عن أبي إسحاق، إلا أنني بعد طول بحث وتنقيب لم أجد، ثم عثرت أخيراً على قول لابن شاهين قلت: يمكن أن يصلح دليلا لما ذكره الذهبي؛ فقد أورد ابن شاهين أبا إسحاق في كتابه الثقات٤، وقال: "ثقة تغير قبل موته من الكبر ساء حفظه" ا?.

стр. 250

فكلام ابن شاهين هذا أفاد أن أبا إسحاق حصل له تغير قبل موته، بأن ساء حفظه ونقص، وذلك بسبب تقدم العمر به، وليس فيه أنه اختلط. وأخيراً الذي يبدو بعد ذلك كله أن الحق في تقديم رواية زهير التي اختارها البخاري، وترجيحها على رواية إسرائيل التي اختارها الترمذي؛ فإن الصواب كان حليفاً للبخاري، وأظهر شيء في ترجيح رواية زهير على رواية إسرائيل أن رواية زهير موصولة، وهذا بخلاف رواية إسرائيل فإنها منقطعة بصريح قول الترمذي: "أبو عبيدة بن مسعود١ لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه".

стр. 251

ثم ساق بسنده الصحيح إلى عمرو بن مرة، قال: "سألت أبا عبيدة ابن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئاً قال: لا" ا?. قال المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي١:"هذا نص صحيح صريح في أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئاً، وهو القول الراجح" ا?. وهذا الذي قال أنه هو القول الراجح مأخوذ فيما يبدو من كلام ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢: "والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه" ا?. وذكر في "فتح الباري"٣: "أنه لم يسمع من أبيه على الصحيح". ومفهوم ذلك أنه مختلف في سماعه من أبيه إلا أن الصحيح، والراجح هو عدم سماعه من أبيه، وهذا المفهوم قد نطق به ابن حجر في "طبقات المدلسين"٤ فقال –وقد ذكر أبا عبيدة في الثالثة منها-: "ثقة مشهور، حديثه عن أبيه في السنن وعن غير أبيه في الصحيح، واختلف في سماعه من أبيه، والأكثر على أنه لم يسمع منه، وثبت له لقاؤه، وسماع كلامه، فروايته عنه داخلة في التدليس، وهو أولى

стр. 252

بالذكر من أخيه عبد الرحمن"١ ا?. وممن نفى سماعه من أبيه صراحة أبو حاتم؛ فإنه قال: "أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من عبد الله بن مسعود "﵁" نقل ذلك عنه ابنه في "المراسيل"٢. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" أيضاً٣ سألت أبي عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود: هل سمع من أبيه عبد الله؟ فقال: لم يسمع. قلت: فإن عبد الواحد بن زياد روى عن أبي مالك الشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيدة قال: "خرجت مع أبي لصلاة الصبح، فقال أبي: ما أدري ما هذا؟ عبد الله بن أبي هند٤ من هو؟ " ا?. والأثر المذكور أورده العلائي في "جامع التحصيل"٥، فقال: وقد روى عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي عبيدة قال: خرجت ... الخ.

стр. 253

وأنت تلاحظ أنه سقط من هذا الإسناد ابن أبي هند، وفي آخره قال العلائي: "وضعّف أبو حاتم هذه الرواية" ا?. وذكر ابن أبي حاتم في "المراسيل"١ بإسناده إلى سلم بن قتيبة قال: قلت لشعبة: "إن البري يحدثنا عن أبي إسحاق أنه سمع أبا عبيدة يحدّث أنه سمع ابن مسعود، قال: أوه كان أبو عبيدة ابن سبع سنين وجعل يضرب جبهته"٢ ا?. وقد عقب ابن حجر٣ على هذا بقوله: "هذا الاستدلال بكونه ابن سبع سنين على أنه لم يسمع من أبيه ليس بقائم، ولكن راوي الحديث عثمان٤ ضعيف والله أعلم" ا?. أما العيني في "عمدة القارئ"٥ فإنه يقرر سماع أبي عبيدة من أبيه ويثبته، وهو في هذا يرد على ابن حجر الذي قرر عدم سماعه منه، وقد تولى الرد على العيني المباركفوري فقال٦: تنبيه: قال العيني في "شرح البخاري" راداً على الحافظ ما لفظه: وأما قول هذا القائل أبو عبيدة لم

стр. 254

يسمع من أبيه فمردود بما ذكر في "المعجم الأوسط" للطبراني من حديث زياد بن سعد عن أبي الزبير، قال حدثني يونس بن عتاب الكوفي سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كنت مع النبي ﷺ في سفرة ... الحديث، وبما أخرج الحاكم في "مستدركه"١ من حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن أبيه في ذكر يوسف ﵇ وصحح إسناده، وربما حسّن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه: منها لما كان يوم بدر جيء بالأسرى٢، ومنها كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف٣. ومنها قوله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤، ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصل الإسناد عند المحدثين انتهى كلام العيني. قلت (القائل المباركفوري) : "لا بد للعيني أن يثبت أولا صحة رواية "المعجم الأوسط"، ثم بعد ذلك يستدل بها على صحة سماع أبي عبيدة ودونه خرط القتاد. وأما استدلاله على سماعه من أبيه بما أخرجه الحاكم وتصحيحه

стр. 255

فعجيب جداً؛ فإن تساهله مشهور، وقد ثبت بسند صحيح عن أبي عبيدة نفسه عدم سماعه من أبيه كما عرفت. وأما استدلاله على ذلك بما حسّن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه، فمبني على أنه لم يقف على أن الترمذي قد يحسن الحديث مع الاعتراف بانقطاعه، وقد ذكرنا ذلك في المقدمة" ا?. هذا وقد نفى ابن حبان سماعه أي شيء من أبيه، قال ابن حجر١: "ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يسمع من أبيه شيئاً" ا?. وفي "تهذيب الكمال"٢: "روى عن أبيه ولم يسمع منه" ا?. هكذا على الجزم. وإذا تقرر أن الراجح عدم سماعه من أبيه، وأنه هو قول الأكثرية، وأنه ثبت ذلك عنه هو نفسه، فيكون انقطاع رواية إسرائيل ظاهراً. أما رواية زهير فإنها –كما سبق- موصولة، وتكون صحيحة؛ لمتابعاتها. قلت هذا لأجل علة الاختلاط في أبي إسحاق وزهير ممن أخذ عنه بآخرة، أي بعد ما اختلط، فلما اعتضدت رواية زهير برواية إسرائيل وكان المتن صحيحاً، عرفنا منه أنه لم يختلط فيه، وكذا عرفنا هذا بالمتابعات الأخرى التي سبق ذكرها.

стр. 256

وممن اعتبرها صحيحة ابن تيمية فقال في "الفتاوى"١: "وبعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره فيه، كما قد ينازعونه في بعض ما يضعّفه ويحسّنه، فقد يضعّف حديثاً ويصححه البخاري، كحديث ابن مسعود لما قال النبي ﷺ : أبغني أحجاراً استنفض بهن قال: فأتيته بحجرين وروثة قال: فأخذ الحجرين، وترك الروثة، وقال: إنها رجس. فإن هذا قد اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فجعل الترمذي هذا الاختلاف علة، ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه وأما البخاري فصححه من طريق أخرى؛ لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة يرويه عن هذا تارة وعن هذا تارة، كما كان الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد بن المسيب، وتارة عن أبي سلمة، وتارة يجمعهما، فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، يظن بعض الناس أن ذلك غلط، وكلاهما صحيح، وهذا باب يطول وصفه".

стр. 257

الحديث الثّالث: باب ما جاء في المسح على الخفين: أعلاه وأسفله. من أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ١/١٦٢-١٦٣ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر.

стр. 258

حدثنا أبو الوليد الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة١: "أن رسول الله ﷺ مسح أعلا الخف٢ وأسفله". كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء. وبه يقول مالك، والشافعي، وإسحاق٣. وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم. قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة: مرسل عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه المغيرة.

стр. 259

تخريج الحديث فيما يلي: بيان ذكر من أخرج الحديث سوى الترمذي وهم:- أبو داود في "سننه"١. بلفظ: "وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين وأسفلهما" قال أبو داود: "وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء" ا?. فرواية أبي داود هذه ورواية الدارقطني "الآتية بينت ظرف هذا الحديث وهو غزوة تبوك" ابن ماجة في "سننه"٢. أحمد في "مسنده"٣. البخاري في "التاريخ الكبير"٤ و"الصغير"٥. ابن الجارود في "المنتقى"٦. الدارقطني في "سننه"٧. بلفظ: "وضأت رسول الله ﷺ في غزوة

стр. 260

تبوك، فمسح أعلا الخف وأسفله". البيهقي في "السنن الكبرى"١. ابن الجوزي في "التحقيق"٢. بإسناده إلى أحمد بن حنبل. وفي "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"٣ بإسناده إلى الترمذي. أبو نعيم في "الحلية"٤ بإسناده إلى أحمد بن حنبل، وقال: "غريب من حديث رجاء لم يروه عنه الأثور" ا?. الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"٥ بإسناده إلى أحمد بن حنبل كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد. ذكر العلل الواردة على هذا الحديث لقد صُوِّبت نحو هذا الحديث السهام، فذكرت له عدة علل بمثل ما ذكره الترمذي منها: أهمها، وقد اعتنى ببسطها والكلام عليها جملة من العلماء منهم: ابن دقيق العيد، وابن سيّد الناس، وابن القيم، والزيلعي، وابن حجر، والشوكاني.

стр. 261

والعلل الواردة على هذا الحديث هي: أولا: أنه مرسل: أعله بذا الترمذي، والبخاري، وأبو زرعة، وأحمد، والدارقطني. قال الترمذي: "وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد١ غير الوليد بن مسلم" ا?. فحكم عليه بأن فيه علة، ثم بيّن هذه العلة –مستشهداً لها من كلام البخاري، وأبي زرعة بمخالفة ابن المبارك للوليد بن مسلم، فقال: "لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم" ومراده: أن كل من روى هذا الحديث عن ثور بن يزيد جعله عن كاتب المغيرة عن النبي ﷺ –مرسلا من غير ذكر المغيرة ما عدا الوليد بن مسلم، فإنه أسنده- أي جعله متصلا مرفوعاً- حيث قال: عن كاتب المغيرة عن المغيرة عن النبي ﷺ وقد تقدم الترمذي من البخاري وأبي زرعة سائلا إياهما عن حكم هذا الحديث؟ كأنه يستوثق لقوله فقالا له -فيما حكاه عنهما-: "ليس

стр. 262

بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة١ قال: حدثت عن كاتب المغيرة٢ مرسل عن النبي ﷺ ؛ ولم يذكر فيه المغيرة". فاتفقت إجابتهما على تعليل حديث الوليد بالإرسال بدليل أن ابن المبارك٣ –وهو أوثق وأحفظ من الوليد٤- رواه مرسلا فخالف الوليد،

стр. 263

فلتعل رواية الوليد المسندة برواية ابن المبارك المرسلة. أما أحمد فقد قال عنه الأثرم١: إنه كان يضعّفه، ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة –ولم يذكر المغيرة. وقال عبد الله بن أحمد٢: حدثنا أبي قال: قال عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال: حدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة "أن رسول الله ﷺ مسح أعلا الخفين وأسفلهما". قال أحمد٣: وقد كان نعيم بن حماد حدثني به: عن المبارك، كما حدثني الوليد بن مسلم به.

стр. 264

فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء –ولا يذكر المغيرة. فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه. فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم "عن المغيرة" فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول بعد –وأنا أسمع-: اضربوا على هذا الحديث" ا?. فحديث ابن المبارك هذا يرويه عنه اثنان ابن مهدي ونعيم ابن حماد، إلا أن الأول يرويه عنه مرسلا، والثاني يرويه عنه مسنداً ولكنه رجع لما رأى "عن المغيرة" ملحقة بين السطرين بخط جديد. ولا شك بترجيح ابن مهدي١ على نعيم بن حماد٢. فأحمد يؤكد على إرسال الحديث، ويخبر بأنه ذكر لعبد الرحمن بن مهدي حديث الوليد فما كان من ابن مهدي إلا أن رواه له عن ابن

стр. 265

المبارك مرسلا، مشيراً إلى أنه هكذا الحديث ليس كما أورده الوليد. أما الدارقطني فإنه قال في "العلل"١ -وقد سئل عن حديث الوليد هذا-: "لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً". ثانيا: أنه منقطع، وقد أشار إلى علة الانقطاع فيه أبو داود، حيث قال عقب تخريجه له٢: "وبلغني أنه لم يسمع ثور من رجاء". وكذا قال موسى بن هارون الحمال٣ والبغوي٤: "لم يسمع ثور من رجاء". وهي واضحة فيما نقله أحمد عن ابن مهدي، وفيما نقله الترمذي عن البخاري، وأبي زرعة، وفيما قاله الدارقطني في "العلل"٥ "رواه عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي ﷺ مرسلا" ا?. وبعد النظر في هذه العلة تبين لي عدم اتفاقهم على محلها، وقد وجدت أحمد شاكر سبقني إلى التنبه لذلك والتنبيه عليه حيث قال٦:

стр. 266

"فكلام أحمد وأبي داود والدارقطني يدل على أن العلة أن ثوراً لم يسمعه من رجاء، وهو ينافي ما نقله الترمذي هنا عن البخاري، وأبي زرعة أن العلة أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة، وأنا أظن أن الترمذي نسي فأخطأ فيما نقله عن البخاري وأبي زرعة" ا?. فأحمد شاكر يميل –فيما يظهر- إلى تخطئة الترمذي في النقل عن البخاري، وأبي زرعة الناتج عن نسيانه والرجوع في محل العلة إلى موطنها الذي يدل عليه كلام أحمد، وأبي داود، والدارقطني، ولعله مما يصلح حجة هنا أن البخاري نفسه روى حديث ابن المبارك في "التاريخ الكبير"١، و"الصغير"٢ من طريق أحمد عن ابن مهدي عنه وفيه الانقطاع بين ثور ورجاء تماماً، كما رواه غير البخاري عن أحمد. قال الدكتور محمد أمين المصري المشرف السابق ﵀: "يمكن أن يكون الخطأ من نقل الترمذي ومعنى ذلك أننا نرجح ما رواه الأكثرون، ويمكن أن يكون الترمذي نقل أيضاً كما نقل الآخرون، ولكن النساخ من بعده أخطأوا، وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح وغيره، وأكدوا على كل باحث بأن يعنى عناية دقيقة بأن تكون النسخة التي بين يديه من جامع الترمذي مصححة". وأنا أقول: أنه يمكن تمشية ذلك لولا أني رأيت ابن القيم٣ ذكر أن

стр. 267

بعض الحفاظ قال: "أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين: أحدهما: أن ثورا لم يسمعه من رجاء. الثاني: أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة، وإنما قال: "حدثت عنه". ولا شك أن هذا الذي ذكر عن بعض الحفاظ يجمع بين القولين المختلفين، ويقضي على الاختلاف، فيكون لا منافاة بين كلام أحمد، وأبي داود، والدارقطني، وبين ما نقله الترمذي عن البخاري وأبي زرعة، بل يكون كل فريق من الفريقين ذكر موضعاً من الموضعين اللذين أخطأ فيهما الوليد التي اعتنت رواية ابن المبارك ببيانها. قال الدكتور محمد أمين المصري ﵀: "كلام ابن القيم ينقذ الترمذي من الوهم، ولكن إذا أخذنا بكلامه فرواية ابن المبارك يكون فيها انقطاع في موضعين بين ثور ورجاء وبين رجاء وكاتب المغيرة، ومعنى هذا: أن الرواية التي ذكرها البخاري وأبو زرعة بنقل الترمذي قد قصرت، وكذلك الرواية التي نقلت برواية أحمد تكون قد قصرت أيضاً" ا?. وحتى نبني أمورنا على التأكد والتثبت قبل تخطئة شيء وقبول شيء آخر يخالفه، رأيت لزاماً على الرجوع إلى المصادر؛ لأقف بنفسي عن كثب فأتعرّف هل سمع رجاء من كاتب المغيرة أولا؟ ومعنى هذا –في نظري- أنه إذا لم يسمع منه تكون رواية البخاري وأبي زرعة بنقل الترمذي لها نصيب من القبول وربما يقال: لا سبيل لنا إلى تخطئة الترمذي وإلصاق الوهم به،

стр. 268

وبرجوعي إلى شيء من تلك المصادر وجدت العلائي١ ينقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: "لم يلق رجاء بن حيوة ورّاداً يعني كاتب المغيرة". قال العلائي٢: وكذلك ذكر الترمذي عن البخاري وأبي زرعة عقب حديث رجاء عن ورّاد كاتب المغيرة أن النبي ﷺ ... فذكر الحديث، ونقل كلام البخاري وأبي زرعة عليه الذي حكاه عنهما الترمذي. كما نجد ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٣ بعد أن نقل ذلك عن أحمد قال: "وكذا حكى الترمذي عن البخاري وأبي زرعة" ا?. فاتضح أن لما ذكره الترمذي عن البخاري وأبي زرعة نصيباً من الصحة والصواب. ثالثاً: أنه مدلس: وذلك أن الوليد بن مسلم لم يصرّح فيه بالسماع من ثور بن يزيد بل قال فيه: "عن ثور"، والوليد مدلس٤ فلا يحتج بعنعنته ما لم يصرّح بالسماع.

стр. 269

رابعاً: أن كاتب المغيرة مجهول: فهو غير معروف. قال البيهقي في المعرفة: "وضعّف الشافعي في القديم حديث المغيرة بأن لم يسم رجاء بن حيوة كاتب المغيرة" ا?. وقال ابن حزم١: "أنه لم يسم فيه كاتب المغيرة" ا?. الجواب عن العلل الواردة على هذا الحديث هذه هي مجموع العلل التي أعل بها هذا الحديث، وفي العلة الرابعة نظر؛ فإنها مدفوعة بما جاء من التصريح باسمه كما في رواية ابن ماجة. قال ابن القيم٢: "وأيضاً فالمعروف بكاتب المغيرة هو مولاه "ورّاد" وقد خرج له في الصحيحين٣، وإنما ترك ذكر اسمه في هذه الرواية لشهرته، وعدم التباسه بغيره، ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه ورّاد كاتبه" ا?. وقال ابن سيد الناس٤: "إن وصفه بكتابة المغيرة (كذا) قائم مقام التسمية؛ لأن ورّاد مولاه هو المعروف بذلك وهو مخرج له في الصحيح، وقد أخرج أصحاب الأطراف هذا الحديث في ترجمة ورّاد عن

стр. 270

المغيرة١، ونسبه كذلك ابن عساكر لتخريج أبي داود والترمذي، وهو عندهما كذلك عن كاتب المغيرة" ا?. وقال الشيخ أحمد شاكر٢: "وكاتب المغيرة هو ورّاد –بفتح الواو وتشديد الراء- أبو سعيد الثقفي وقد اشتهر بهذا اللقب حتى صار كالعلم عليه، وقد صرّح باسمه في رواية ابن ماجة في هذا الحديث" ا?. وقال ولي الدين أحمد بن زين الدين عبد الرحيم العراقي في كتابه "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد"٣: "حديث رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة في المسح على الخفين. كذا في أبي داود وغيره وهو ورّاد" ا?. وأورده ابن حجر في باب المبهمات من "تهذيب التهذيب"٤ فيمن

стр. 271

عرف اسمه فقال: "رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة، اسمه ورّاد" ا?. وكذا العلة الثالثة فإنها محل نظر؛ فإن رواية الترمذي تأباها إذ فيها رواية الوليد بالإخبار، وكذلك رواية أبي داود أما رواية أحمد وابن ماجة ففيها التصريح بالتحديث، من هنا فقد أمن تدليس الوليد فلا تدليس. ويرى ابن سيد الناس أن التعليل بتدليس الوليد لا يزال قائماً؛ لأن النوع الذي رمي به الوليد بن مسلم من التدليس هو المسمى عندهم تدليس التسوية، قال هذا في معرض رده على شيخه ابن دقيق العيد الذي قال عن وجه تعليل الحديث بتدليس الوليد: "وهذا الوجه ليس بشيء" بعد أن اتضح له الأمن من تدليس الوليد بما جاء من الأخبار بين الوليد وثور. قال ابن سيّد الناس١: "وقوله: (ليس بشيء) بل هو وجه من التعليل صحيح؛ لما يأت عنه بجواب، وجوابه عنه "بأنه قد أمن تدليس الوليد بقوله أخبرني في رواية من روى ذلك عنه" دليل على أنه لم يأت على المراد من هذا التعليل؛ لأن التصريح بتلك العبارة لا يسقطه". وبيانه: أن النوع الذي رمي به الوليد بن مسلم من التدليس هو نوع يسمى عندهم "التسوية"٢، وهو يختص بالتدليس في شيخ شيخه لا في شيخه، وذلك: أن يعمد لأحاديث مثلا رواها هو عن الأوزاعي وهي عند

стр. 272

الأوزاعي عن شيوخ له ضعفاء رووها عن الثقات، وشيوخ الأوزاعي كحديث يكون فيه بين الأوزاعي والزهري، أو بين الأوزاعي ونافع، أو بين الأوزاعي وعطاء رجل ضعيف، ويروي الحديث عن الأوزاعي عن الزهري أو عطاء أو نافع كيف ما كان، وكلهم شيوخ للأوزاعي فيروج بذلك الخبر عند سامعه؛ لعلمه أن الأوزاعي روى عن أولئك الشيوخ، وكذلك مثله ابن الجوزي١ مثالا مستقيماً. والوليد موصوف عندهم بهذا النوع من التدليس، ومن هذا الضرب ما يخشى وقوعه هاهنا، فإنه قال: أخبرني ثور عن رجاء فأتى به بصيغة العنعنة، وهي لا تدل على الاتصال من مثله، فبقي التدليس غير مأمون، وقلما يرتكب التدليس ويسقط الواسطة إلا لمقتض اقتضاه، فقد كانت مثل هذه العنعنة من الوليد في مثل هذا الموضع كافية في التعليل، لاسيما وقد صحّ عن ابن المبارك وهو من عرف محله قوله في هذا الحديث عن ثور حدثت عن رجاء بن حيوة، فنبه على ثبوت واسطة مجهول فاقتضى كما هو المعهود من تسوية الوليد الضعف أو الجهالة في ذلك الواسطة المطوي الذكر، وتصريح الوليد بن مسلم بقوله (أنا) ثور عن رد هذا التعليل بمعزل" ا?. والظاهر أن تعريف تدليس التسوية لا ينطبق على حديث الوليد الذي معنا؛ لأن ثوراً لم يسمع من رجاء فهو ليس شيخاً له، أما ما جاء

стр. 273

في سنن الدارقطني من التصريح بالتحديث بين ثور ورجاء فقد رده ابن حجر مما تجده فيما بعد أثناء الكلام عن العلة الثانية، وأيضاً ممن رده ابن سيّد الناس نفسه في شرحه المذكور لسنن الترمذي. أما بالنسبة للعلة الثانية وهل الانقطاع بين ثور ورجاء منفي أو لا؟ فقد قال ابن حجر١: "ووقع في سنن الدارقطني٢ ما يوهم رفع العلة وهي حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز٣، ثنا داود بن رشيد٤ عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد، ثنا رجاء بن حيوة فذكره". فهذا ظاهره أن ثوراً سمعه من رجاء فتزول العلة، ولكن رواه أحمد ابن عبيد الصفار في "مسنده"، عن أحمد بن يحيى الحلواني٥، عن داود بن

стр. 274

رشيد فقال: "عن رجاء": ولم يقل: "حدثنا رجاء١" فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم في كلام الأئمة" ا?. هذا وقد رأيت الداقطني بعد أن أخرج الحديث من طريق داود بن رشيد٢ قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري (نا) عيسى بن أبي عمران بالرملة (ثنا) الوليد بن مسلم بهذا الإسناد مثله. وهذا يفهم منه أن عيسى رواه بسند داود أيضاً الذي فيه التحديث بين ثور ورجاء، إلا أن عيسى المذكور ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال٣" فقال: "عيسى بن أبي عمران الرملي البزار عن الوليد بن مسلم كتب عنه عبد الرحمن ابن أبي حاتم ثم ترك الرواية عنه"٤ ا?. وقال ابن حجر في "لسان الميزان"٥: "وذكر أن سبب ذلك أن أباه نظر في حديثه فقال: يدل حديثه٦ على أنه غير صدوق" ا?. ولعل هذا

стр. 275

هو السبب في عدم تعرّض ابن حجر لرواية عيسى هذا. وأما ما يتعلق بالعلة الأولى وهي علة الإرسال فقد أجيب عنها: بأن الوليد بن مسلم ثقة، فإن خالفه ابن المبارك في هذه الرواية فإنما زاد أحدهما عن الآخر، زيادة الثقة مقبولة، ولم ينفرد الوليد بإسناده –وهذا يرد به على الترمذي القائل لم يسنده عن ثور غير الوليد، بل تابعه على ذلك إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي رواه الشافعي١ عنه، وتابعه أيضاً محمد بن عيسى بن سميع على ما ذكره الدارقطني في العلل٢، فقد روياه عن ثور مثل رواية الوليد بن مسلم. حكم هذا الحديث على ضوء ما ذكر فيه من العلل والأجوبة عنها وبعد هذه الرحلة في ذكر العلل والجواب عنها ما هو حكم هذا الحديث؟ الذي يلوح لي من خلال مطالعتي لما ذكر فيه من العلل ومناقشتها: أن هذا الحديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه كما قال ابن القيم٣: "قد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله وخالفه من هو

стр. 276

أحفظ منه وأجل، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم فالقول ما قال عبد الله" ا?. فالوليد بن مسلم تفرد وخالف من هو أقوى منه، فحديثه –لاشك- شاذ، وهذا ما عبّر عنه أبو حاتم حين قال عن حديث الوليد هذا وقد سأله ابنه١ عنه؟: "ليس بمحفوظ". قال السخاوي٢ في تعليق له على كلام لشيخه ابن حجر: "ومن هنا يتبيّن أنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معيّن، بل إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس" ا?. فكيف يقال بعد ذلك: إن مخالفة الوليد لابن المبارك من باب زيادة الثقة المقبولة، مع أنه إذا قرن ابن المبارك بالوليد رجح به ابن المبارك، ويبدو أنه لا مجال لاعتبار مخالفة الوليد لابن المبارك من باب زيادة الثقة بعد تأكيد الأئمة الترمذي، والبخاري، وأبي زرعة، وأحمد، وابن مهدي، والدارقطني، وغيرهم على أن الأصل والصحيح فيه أنه مرسل، عمدتهم في ذلك أن ابن المبارك وهو الإمام الحافظ الحجة رواه كذلك، وهذا ذهاب منهم إلى ترجيح ابن المبارك وتقديمه على الوليد وعلى غيره ممن رواه كرواية الوليد، مما حدا بالترمذي إلى أن يقول: "لم يسنده عن ثور غير الوليد بن مسلم".

стр. 277

فإنه لما رواه ابن المبارك مرسلا عرف به، وهذا نجده واضحاً في المحاورة التي جرت بين أحمد وابن مهدي. فإن أحمد لما قال عن حديث الوليد: "ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي" ما كان من ابن مهدي إلا أن أرجعه إلى حديث ابن المبارك، فقال له رأساً: "عن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة مرسلاً"، وكأنه يقول له هذا هو الحديث لا ما ذكرته. كما نجد أحمد ينكر على نعيم بن حماد روايته لحديث ابن المبارك مسنداً وهو المعروف عنه مرسلاً، ويقول له: "إنما يقول هذا الوليد فأما ابن المبارك، فيقول: "حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة". وبعد هذا هل بقي محل للقول: بأن مخالفة الوليد لابن المبارك من باب زيادة الثقة المقبولة، العكس هو الصواب؛ أي أنها من باب الزيادة الشاذة يوضح هذا أن الإمام أحمد، وهو من هو علماً وحذقاً ونفاذ بصيرة قال عنه الأثرم: "إنه كان يضعّف حديث الوليد بن مسلم". هكذا نقل الأثرم عنه مع أن أحمد رواه عن الوليد مباشرة، فالذي ينقدح في ذهني من صنيع أحمد هذا أن الوليد أسند الحديث وهو غير مسند بل مرسل فمن هنا جاء تضعيفه لحديث الوليد. ثم أليس هذا صنيع من يضارع أحمد كالبخاري، وأبي زرعة، والترمذي، والدراقطني في ردهم حديث الوليد إلى حديث ابن المبارك وأن حديث الوليد مسنداً لا يثبت، وإنما الثابت أنه مرسل.

стр. 278

انظر إلى الدارقطني في العلل١، وقد سئل عن حديث الوليد، فإنه يصور الاختلاف فيه عن ثور بن يزيد ثم يرجعه إلى رواية ابن المبارك فيقول: "واختلف عنه –أي عن ثور- فرواه الوليد بن مسلم ومحمد بن عيسى بن سميع، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة وكذلك رواه الإمام الشافعي، عن بعض أصحابه، عن ثور. ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن ثور قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلاً. وروي هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير٢، عن وراد عن المغيرة لم يذكر فيه أسفل الخف٣.

стр. 279

ورواه الحكم بن هشام١، وإسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر٢، عن عبد الملك بن عمير. وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلا الخف وأسفله لا يثبت؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً" ا?. والخلاصة لم نجد أحداً من هؤلاء الأئمة صحح رواية الوليد هذه، واعتبرها من باب زيادة الثقة، بل الذي لمس من أقوالهم تطابقهم على ردها، والحكم عليها بأنها غير صحيحة وغير ثابتة وشاذة. ثم ما ذكر من متابعة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ومتابعة محمد بن عيسى بن سميع للوليد بن مسلم، فإن هاتين المتابعتين لا تصلحان في إنقاذ حديث الوليد، بل هما ساقطتان سقوط حديث الوليد فلا يلتفت إليهما ولا قيمة لهما. أما لماذا؟ فلأن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى هذا قد ضعّفه جماعة المحدثين، بل رماه الأكثرون بالكذب كمالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى ابن معين، وعلى بن المديني، ويزيد بن هارون، وابن حبان.

стр. 280

وقال ابن حجر١: متروك، من السابعة، مات سنة أربع وثمانين، وقيل إحدى وتسعين أي ومئة، روى له ابن ماجه. أما بالنسبة لتوثيق الشافعي له فقد قال الذهبي في "ميزان الاعتدال"٢، "قلت: الجرح مقدم" أي إذا كان مفسراً، كما هو معلوم، وهو هنا مفسر أوضح تفسير. قال ابن أبي حاتم "آداب الشافعي ومناقبه"٣: "لم يبن له –أي الشافعي- أنه كان يكذب، وكان يحسب أنه طعن الناس عليه من أجل مذهبه في القدر". وقد أنكر إسحاق بن راهويه على الشافعي روايته عنه واحتجاجه به، فقال٤: "ما رأيت أحداً يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى مثل الشافعي قلت

стр. 281

للشافعي: "وفي الدنيا أحد يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى؟! ". وقال البزار١: "كان يضع الحديث، وكان يوضع له مسائل فيضع لها إسناداً، وكان قدرياً، وهو من أستاذي الشافعي، وعزّ علينا". وذكر ابن حبان في "المجروحين"٢ فقال: كان إبراهيم يرى القدر، ويذهب إلى كلام جهم، ويكذب مع ذلك في الحديث، إلى أن قال: "وأما الشافعي فإنه كان يجالس إبراهيم في حداثته، ويحفظ عنه حفظ الصبي، والحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، فلما دخل مصر في آخر عمره وأخذ يصنف الكتب المبسوطة احتاج إلى الإخبار، ولم يكن معه كتب فأكثر ما أودع الكتب من حفظه فمن أجله ما روى عنه وربما كنى عنه، ولا يسميه في كتبه" ا?. هذا وقد ذكره ابن حجر في "طبقات المدلسين"٣ في الخامسة منها؛ وهي من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثه مردود، ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيراً فقال فيه: "إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي شيخ الشافعي ضعفه الجمهور، ووصفه أحمد، والدارقطني، وغيرهما بالتدليس". هذا ما يختص بإبراهيم.

стр. 282

أما محمد بن عيسى بن سميع فإنه وصف بأنه يخطئ ويدلس١، وقد جاءت روايته بالعنعنة على ما ذكره الدارقطني في العلل، فلا شك بضعف روايته، وأنها لا تقوى على معاضدة رواية الوليد هذا عدا مخالفتها، ومخالفة رواية ابن أبي يحيى لرواية ابن المبارك، مما لا يمكن لهذه الروايات وأشباهها أن تقف أمامها وهذا قد رأيناه من الدارقطني فإنه لما بين الاختلاف على ثور، قال عن رواية الوليد وما تبعهما من متابعات: "لا تثبت لأن ابن المبارك رواه مرسلاً". فالدارقطني رجح رواية ابن المبارك على كل هذه الروايات التي في مقابلها.

стр. 283

فاتضح بعد أن الصواب إرساله، وأن علة الإرسال فيه عقيمة عن الجواب؛ إذ لم يجب عنها بجواب شاف كاف، وهذه العلة كافية في رده وفي تضعيفه. كيف إذا أضيف إليها علة الانقطاع بين ثور ورجاء من جهة وبين رجاء وكاتب المغيرة من جهة أخرى، وكيف إذا أضيف أيضاً إلى ذلك كله مخالفته للأحاديث الصحيحة، فقد اجتمع فيه الإرسال والانقطاع في موضعين والمخالفة للأحاديث المسندة الصحيحة. قال ابن القيّم١: "وبعد فهذا حديث قد ضعّفه الأئمة الكبار: البخاري، وأبو زرعة، والترمذي، وأبو داود، والشافعي ومن المتأخرين: أبو محمد بن حزم، وهو الصواب؛ لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه" ا?. وقال النووي٢: "ضعيف ضعّفه أهل الحديث، ممن نصّ على ضعفه البخاري، وأبو زرعة الرازي، والترمذي، وآخرون، وضعّفه أيضاً الشافعي في كتابه القديم، وإنما اعتمد الشافعي "﵁" في هذا على الأثر عن ابن عمر رواه البيهقي وغيره" ا?. وقال الزيلعي في "نصب الراية"٣ "وأما حديث الوليد بن مسلم ... وهو ضعيف" ا?.

стр. 284

وقال ابن حجر في بلوغ المرام١: "في إسناده ضعف" قال الصنعاني٢: "وقد أشار إلى ضعفه وبين وجه ضعفه في التلخيص" ا?. وقال المباركفوري٣: "تمسك القائلون بالمسح على أعلى الخف وأسفله بحديث الباب –يعني حديث الوليد-، وهو حديث فيه كلام لأئمة الحديث، ولم أجد في هذا الباب حديثاً مرفوعاً صحيحاً خالياً عن الكلام وقد صحّ عن على بإسناد صحيح٤ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه ظاهرهما"، وكذلك ثبت عن المغيرة بن شعبة بإسناد حسن، فالقول الراجح قول من قال بالمسح على أعلى الخف دون أسفله والله تعالى أعلم" ا?. وقد جمع البخاري في كل من "التاريخ الكبير٥"، و"الصغير٦" بين حديث الوليد وابن المبارك، وبين حديث المغيرة أنه ليس فيه إلا المسح

стр. 285

على أعلى الخفين مرجحاً للأخير فقال: حدثني إبراهيم بن موسى عن الوليد عن ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح ظاهر خفيه وباطنهما. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن ثور حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة ليس فيه المغيرة. حدثني محمد بن الصباح قال حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة ابن الزبير، عن المغيرة بن شعبة قال: "رأيت النبي ﷺ مسح على خفيه ظاهرهما١ وهذا أصحّ" ا?. الرد على من جمع بين حديث الوليد وبين غيره من الأحاديث الصحيحة وقد رام بعضهم الجمع بين حديث الوليد في المسح على أعلى الخفين وأسفلهما، وبين الأحاديث الأخرى في الاقتصار في المسح على ظاهر الخفين، بجعل حديث الوليد على الاستحباب والأحاديث الأخرى على الوجوب. وقد قال ابن رشد٢ عن هذه الطريقة: "وهي طريقة حسنة" ا?.
следующие страницы →